غراهام أليسون

ترجمة : رياض المسيبلي – لمجلة أواصر 

برز الخوف على مصير «النظام الليبرالي العالمي المرتكز إلى قواعد»، باعتباره إحدى النقاط القليلة الثابتة في السجالات التي عصفت بمجتمع العاملين في ميدان السياسة الخارجية الأميركية منذ بداية عهد إدارة ترامب. وما يزال هذا الخوف أشبه ما يكون براية ترفرف فوق معظم النقاشات حول دور الولايات المتحدة في العالم، بدءًا بادعاء الباحث في العلاقات الدولية جي. جون أكينبري أن «العقود السبعة الماضية سادها نظام ليبرالي غربي»، وانتهاءً بالنداء الذي وجهه نائب الرئيس الأميركي (الأسبق) جو بايدن أواخر أيام إدارة أوباما «للعمل على نحو عاجل وملحّ للدفاع عن النظام الليبرالي العالمي».

يُقيم الإجماع السائد حاليًا ثلاثة مزاعم جوهرية حول هذا النظام: أولاً: أنه ظلّ السبب الرئيس وراء ما يُسمى فترة «السلام الطويل» بين القوى العظمى على امتداد السبعة عقود الماضية. ثانيًا: أن بناءه كان الدافع الأساس وراء انخراط أميركا في شؤون العالم طوال تلك الفترة. ثالثًا: أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو التهديد الأول للنظام الليبرالي -وبالتالي السلام- العالمي. كتب الباحث في العلوم السياسية جوزف ناي  –مثلاً- «إن النجاح البيّن للنظام في المساعدة على ضمان أمن العالم واستقراره طوال السبعة عقود الماضية، أدى إلى قيام إجماع قوي بأن الدفاع عن هذا النظام وتعميقه وتوسيعه كان -ويبقى- المهمة المركزية للسياسة الخارجية الأميركية». بل ذهب ناي بعيدًا إلى حد التأكيد بقوله: «لستُ قلقًا من صعود الصين. أنا أكثر قلقًا من صعود ترامب».

على الرغم من أن كل هذه الافتراضات تتضمن بعض الحقيقة، فإن خطأ كلٍّ منها أكثر من صوابه. إذ لم يكن «السلام الطويل» حصيلة نظام ليبرالي عالمي، بل نتاجًا فرعيًّا لتوازن القوة الخطير بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة خلال أربعة عقود ونصف من الحرب الباردة، ثم هيمنة الولايات المتحدة بعدها لفترة وجيزة. ولم يكن انخراط الولايات المتحدة في شؤون العالم مدفوعًا بالرغبة في نشر الليبرالية في الخارج، أو بناء نظام ليبرالي عالمي، بل بالحاجة إلى القيام بما هو ضروري للحفاظ على الديمقراطية الليبرالية في الداخل الأميركي. ومع أن ترامب يقوّض عناصر مفتاحية في النظام الراهن، فهو أبعد ما يكون عن التهديد الأكبر للاستقرار الدولي.

تلك المفاهيم الخاطئة حول أسباب قيام النظام الليبرالي ومآلاته تقود مناصريه إلى مناشدة الولايات المتحدة تعزيز هذا النظام عبر التمسك بثوابت من الماضي، والعمل على دحر الاستبداد في مختلف أرجاء العالم. لكن بدل السعي للعودة إلى ماض متخيل قولبت فيه الولايات المتحدة العالم على صورتها، فإن على واشنطن قصر جهودها على ضمان قدر كافٍ من النظام في الخارج، بحيث يسمح لها بالتركيز على إعادة بناء ديمقراطية ليبرالية حيوية في الداخل الأميركي.

مفاهيم هلامية

إن غموض كل واحد من المصطلحات الواردة في عبارة «نظام ليبرالي عالمي مرتكز إلى قواعد» يخلق مزالق تسمح للمفهوم بأن ينسحب على أي وضع تقريبًا. عندما توّج أعضاء المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس عام 2017 الرئيس الصيني شي جين بنغ زعيمًا للنظام الاقتصادي الليبرالي -مع أنه يترأس أكبر الاقتصادات الرأسمالية التجارية (الميركانتيلية) وأكثرها حمائية ونهبية في العالم- فقد أظهروا أن كلمة «ليبرالي» -على الأقل في هذا السياق- أصبحت مختلة ومشوشة.

كما إن عبارة «نظام مرتكز إلى قواعد» حشو لا ضرورة له؛ فالنظام وضعٌ ينشأ أصلاً من قواعد وانضباط. ما يعنيه أنصار «النظام الليبرالي العالمي المرتكز إلى قواعد» حقًّا هو أنه يجسد من وجهة نظرهم قواعد إيجابية، مساوِيَّة أو عادلة، وأنه نظام قيل إن الولايات المتحدة صممته، وتبناه الآخرون وحافظوا عليه طواعية.

لكن ينسى كثيرون أنه حتى ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر على الدول استخدام القوة العسكرية ضد دول أخرى، أو التدخل في شؤونها الداخلية يفضِّل القوي ويميّزه عن الضعيف. فإنفاذ محظورات ميثاق الأمم المتحدة حكر على مجلس الأمن، حيث تمتلك كل واحدة من الدول الخمس العظمى مقعدًا دائمًا، وحق نقض. كذلك تبقى القوى العظمى -كما لاحظ الخبير الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان- «استثنائية»؛ أي عندما تقرر أن الأمر يلائم أغراضها ومصالحها تمنح نفسها «استثناءات». وتبقى حقيقة أن الدولة التي نصبت نفسها زعيمة للنظام الليبرالي العالمي قامت في الـ(17) سنة الأولى من هذا القرن بغزو دولتين، وشن ضربات جوية وهجمات بقواتها الخاصة لقتل مئات الأشخاص الذين اعتبرتهم من طرف واحد «إرهابيين»، وأخضعت عددًا كبيرًا من الآخرين لعمليات «التسليم الاستثنائي»، غالبًا دون أي سلطة قانونية دولية (وأحيانًا بدون حتى سلطة قانونية وطنية)، حقيقة تتحدث عن نفسها.

نظام الحرب الباردة

يغفل الادعاء بأن النظام الليبرالي العالمي أنتج سلام العقود السبعة الماضية حقيقة أساسًا: إن أول أربعة من هذه العقود لم يحددها أي نظام ليبرالي، بل حددتها وعرّفتها الحرب الباردة بين قطبين ضدين. وكما شرح المؤرخ الذي أطلق مسمى «السلام الطويل» فإن النظام العالمي الذي منع وقوع حرب بين قوى عظمى في تلك الفترة كان نتاجًا غير مقصود للصراع بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. بكلمات جون لويس غاديس: «حظيت الأمم في حقبة ما بعد الحرب بنظام علاقات دولية لم يصممه أحد، ولم يحاول أحد فيه أخذ متطلبات العدالة بالاعتبار، ولأنه نظام بني على حقائق القوة فقد خدم قضية النظام -وإن لم يكن قضية العدالة- على نحو أفضل مما توقعه أحد».

جندت كلتا القوتين العظميين أثناء الحرب الباردة حلفاء ووكلاء لها في أنحاء العالم كافة، مشكّلةً ما عرف بالعالم ثنائي القطب. وفرضت كلتاهما القانون داخل كل تحالف أو كتلة تابعة لها، وطبّقت النظام بصرامة (كما اكتشف المجريون والتشيكيون عندما حاولوا الانشقاق عامي 1956 و1968 تباعًا، وكما تعلم البريطانيون والفرنسيون عندما خالفوا رغبات الولايات المتحدة إبان أزمة السويس). لقد انبثق النظام العالمي عن توازن القوة؛ ما سمح للقوتين العظميين بتطوير القيود والضوابط التي حافظت على «الوضع الراهن غير المستقر»، كما أسماه الرئيس الأميركي جون إف. كينيدي عقب أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.

ما الذي دفع ببلد إلى استخدام جنوده ودبلوماسييه وأمواله لإعادة تشكيل نصف العالم، مع أنه دأب قرابة قرنين على تجنب التورط في تحالفات عسكرية، ورفض الإبقاء على جيش كبير دائم في وقت السلم، وترك شؤون الاقتصاد الدولي للآخرين، ونبذ عصبة الأمم؟ بكلمة واحدة: الخوف. اعتقد الاستراتيجيون الأميركيون -الذين يُجلّهم الباحثون المعاصرون باعتبارهم مجموعة «الرجال الحكماء»- أن الاتحاد السوفييتي شكل تهديدًا أكبر من النازية للولايات المتحدة. وكما كتب الدبلوماسي جورج كينان (George Kennan) في «برقيته الطويلة» الأسطورية، كان الاتحاد السوفييتي «قوة سياسية متعصبة في التزامها الاعتقاد باستحالة إيجاد أسلوب تعايش دائم مع الولايات المتحدة». إذ آمن الشيوعيون السوفييت -أضاف كينان- بأن من الضروري «لضمان القوة السوفييتية تمزيق مجتمعنا، وتدمير نمط حياتنا التقليدي، وتحطيم سلطة بلادنا الدولية».

قبل الحقبة النووية كان مثل هذا التهديد يقتضي حربًا ساخنة بضراوة الحرب نفسها التي خاضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد ألمانيا النازية. لكن بعد اختبار الاتحاد السوفييتي قنبلته الذرية الأولى عام 1949، بدأ رجال الدولة الأميركيون الصراع مع فكرة أن الحرب الشاملة كما عرفوها فكرة عفا عليها الزمن. وفي أعظم وثبة للخيال الاستراتيجي في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية طوروا استراتيجية جديدة لشكل قتال لم يُعهد من قبل: خوض الحرب بكل الوسائل الممكنة عدا المعارك الميدانية بين المتحاربين الرئيسين.

ولمنع تحول حرب باردة إلى حرب ساخنة تقبل رجال الدولة الأميركيون -آنيًّا- حقائق عدة لا تُقبل عادة في ظروف أخرى، مثل الهيمنة السوفييتية على أوروبا الشرقية. ونظّموا تنافسهم مع الاتحاد السوفييتي عبر فرض قيود متبادلة تضمنت لاءات ثلاث: لا لاستخدام الأسلحة النووية، ولا لقتل جنود أحدهما الآخر عمدًا وعلنًا، ولا للتدخل العسكري في مناطق نفوذ الآخر المعترف بها.

أدمج الاستراتيجيون الأميركيون أوروبا الغربية واليابان في هذا المجهود الحربي؛ لأنهم رأوا فيهما مركزي ثقل اقتصاديين واستراتيجيين. لذلك أطلقت الولايات المتحدة خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا الغربية، وأسست صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وأجرت مفاوضات «الاتفاقية العامة للرسوم الجمركية والتجارة» بهدف تعزيز الرخاء الاقتصادي العالمي. ثم أنشأت حلف النيتو والتحالف الأميركي/الياباني لضمان بقاء أوروبا الغربية واليابان في تعاون فاعل مع الولايات المتحدة.

شكلت كل واحدة من هذه المبادرات حجر أساس في نظام صمم أولاً وأخيرًا لهزيمة العدو السوفييتي. لو لم يكن هناك تهديد سوفييتي لما كان ثمة خطة مارشال ولا حلف نيتو. ولم تدعم الولايات المتحدة قط الليبرالية في الخارج حين اعتقدت أن ذلك يشكل تهديدًا مهمًّا لمصالحها الحيوية في الداخل. كما لم تحجم إطلاقًا عن استخدام القوة العسكرية لحماية مصالحها حين شكل استخدام القوة انتهاكًا سافرًا للقواعد والقوانين الدولية.

مع ذلك، دعمت الولايات المتحدة حرية الآخرين حين أتيحت لها الفرصة، لكن -مجددًا- مع الحذر الشديد، والتأكد من أن ذلك ينطوي على مخاطر طفيفة. فالأمة الأميركية اعتنقت مُثلاً راديكالية كونية منذ تأسيس الجمهورية، وإعلان وثيقة الاستقلال بأن «كل» الناس «خلقوا سواسية» لم يقصد به أولئك القاطنون في المستعمرات الأميركية الثلاث عشرة فقط.

إن إعادة الولايات المتحدة تشكيل خصميها المهزومين (ألمانيا واليابان)، ومساندة حلفائها في أوروبا الغربية لم يكن من قبيل المصادفة، بل سعى إلى بناء ديمقراطيات ليبرالية تتبنى قيمًا مشتركة، بالإضافة إلى المصالح المشتركة. لذلك ركزت الحملة الآيديولوجية ضد الاتحاد السوفييتي على اختلافات أساس -وإن تكن مضخّمة- بين «العالم الحر» و«إمبراطورية الشر». وقد أدرك صناع السياسة الأميركيون أن مناشدة القيم لا تقل إقناعًا عن خطاب المصالح في حشد الدعم والحفاظ عليه داخل الكونجرس وفي أوساط العامة.

في مذكراته الصادرة بعنوان حاضرٌ عند الخلق (Present at Creation) شرح وزير الخارجية الأميركية الأسبق دين أتشيسون -أحد مهندسي جهود ما بعد الحرب- نوعية التفكير الذي قاد السياسة الخارجية الأميركية آنذاك. قال أتشيسون إن احتمال أن تسقط أوروبا تحت سيطرة السوفييت عبر سلسلة تسويات يفوز فيها الضغط السوفييتي (بتغيب الخصم الأميركي)، اقتضى «بناء قوة في أرجاء العالم الحر كافة… تظهر للقادة السوفييت -من خلال سياسة الاحتواء الناجح- أن لا أمل لهم بتوسيع نفوذهم عبر العالم». واعترف أتشيسون أن إقناع الكونجرس والشعب الأميركي بدعم هذه المهمة اقتضى أحيانًا جعل القضية «أوضح من الحقيقة».

عالم أحادي القطب

كان من المنطقي أن يغرق الأميركيون في موجة من الانتصاريّة عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وإثر حملة الرئيس الروسي بوريس يلتسين لـ«دفن الشيوعية». فالعدو الذي ركزوا عليه لأكثر من أربعين عامًا وقف مكتوف الأيدي وهو يشاهد جدار برلين ينهار، وألمانيا تتوحد. ثم انضم العدو إلى الولايات المتحدة في تمرير قرار بالإجماع في مجلس الأمن أجاز استخدام القوة لإخراج الجيش العراقي من الكويت. ومع تراجع القبضة الفولاذية للقمع السوفييتي تبنت شعوب أوروبا الشرقية الحرة الديمقراطية، واقتصاد السوق. أعلن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش قيام «نظام عالمي جديد». ورحبت الولايات المتحدة منذئذ بعالم يتسابق للانضمام إلى نظام ليبرالي متنامٍ، تحت شعار (استراتيجيتها الجديدة) «اشتبك ووسِّع» (“Engage and Enlarge”).

لاحظ الاقتصادي جون مينارد كينز -وهو يكتب عن قوة الأفكار- أن «المجانين في السلطة ممن يتوهمون سماع أصوات في الهواء يستخلصون جنونهم عادة من أكاديمي أخرق خربش أفكاره قبيل بضع سنوات». في هذه الحالة كان السياسيون الأميركيون يعتمدون «سيناريو» قدمه الباحث السياسي فرانسيس فوكوياما في كتابه الأكثر مبيعًا عام 1992 نهاية التاريخ والإنسان الأخير. وجادل فوكوياما في الكتاب بأن صراع الآيديولوجيات الذي استمر آلاف السنين انتهى، وأن كل الأمم من الآن فصاعدًا سوف تتبنى اقتصاديات السوق الحر لتجعل مواطنيها أثرياء، وحكومات ديمقراطية لتجعلهم أحرارًا. «قد لا يكون ما نشهده نهاية الحرب الباردة فحسب، أو انقضاء حقبة معينة في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية» -كتب فوكوياما- «بل نهاية التاريخ بحد ذاته، أي منتهى التطور الآيديولوجي للإنسان وعولمة الديمقراطية الليبرالية الغربية كآخر صيغ الحكومة البشرية (وأسماها)». في عام 1996 ذهب توماس فريدمان -كاتب عمود الرأي في صحيفة نيويورك تايمز– إلى أبعد من ذلك بإعلانه «نظرية الأقواس الذهبية لمنع الصراعات». قال فريدمان: «عندما يصل بلدٌ ما إلى مستوى من التطور الاقتصادي، عندما تصبح لديه طبقة وسطى كبيرة بما يكفي لتحمل أعباء افتتاح مطعم ماكدونالد يصبح ذلك البلد أحد بلدان ماكدونالد، وفي بلاد ماكدونالد لا يحب الناس خوض حروب، بل يحبون الانتظار في طابور منتظم للحصول على سندويتشات البرغر».

أدت هذه الرؤية إلى اقتران عجيب بين «صليبيي» المحافظين الجدد على اليمين، والتدخليين الليبراليين على اليسار. وأقنع كلاهما معًا سلسلة متعاقبة من رؤساء الولايات المتحدة بمحاولة تعزيز انتشار الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية من خلال «فوهة بندقية». قصف بيل كلينتون بلغراد عام 1999 لإرغامها على تحرير كوسوفو. وغزا جورج بوش العراق عام 2003 للإطاحة برئيسه صدام حسين. وعندما تهاوت حججه المعلنة لغزو العراق -بعد فشل القوات الأميركية في العثور على أسلحة دمار شامل- أعلن بوش عن مهمة جديدة: «بناء ديمقراطية راسخة تكون سلمية ومزدهرة». بكلمات كوندوليزا رايس مستشارة بوش لشؤون الأمن القومي حينها: «يشكل العراق وأفغانستان طلائع هذا الجهد لنشر الديمقراطية والتسامح والحرية في أرجاء الشرق الأوسط الكبير». في عام 2011 تبنى باراك أوباما وعد الربيع العربي باستحضار الديمقراطية إلى شعوب الشرق الأوسط، وسعى إلى تعزيزها بقصف ليبيا والإطاحة بزعيمها الغاشم معمر القذافي. قلة في واشنطن توقفوا لملاحظة الحقيقة الواقعة بأن القوة العظمى أحادية القطب استخدمت في كل واحدة من هذه الحالات القوة العسكرية، لفرض الليبرالية على بلدان لا تستطيع حكوماتها الضعيفة رد الضربة. ونظرًا إلى أن العالم دخل فصلاً جديدًا في التاريخ جرى تجاهل العبر المستخلصة من الماضي حول العواقب المحتملة لمثل هذ السلوك.

كما يتضح الآن، أنتجت نهاية الحرب الباردة لحظة -وليس حقبة- أحادية القطب. وتستيقظ نخب السياسات الخارجية الأميركية اليوم على الصعود المذهل لصين استبدادية تنافس الولايات المتحدة، بل تتفوق عليها حاليًا في مجالات عدة، وعلى انبعاث روسيا قوةً نووية عظمى وغير ليبرالية، تؤكد ذاتها بحزم، وتظهر استعدادها لاستخدام جيشها في تغيير الحدود داخل أوروبا، وتغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط بآنٍ معًا. كما تكتشف هذه النخب -ببطء أكثر وألم أشد- أن نصيب الولايات المتحدة من القوة العالمية قد تقلص فعليًّا. إذا قيس ذلك بمعيار مكافئ القدرة الشرائية، فإن اقتصاد الولايات المتحدة الذي استأثر بنصف الناتج الإجمالي المحلي للعالم بعد الحرب العالمية الثانية، ثم هبط إلى ما دون الربع مع نهاية الحرب الباردة لا يمثل اليوم إلا سُبع الناتج الإجمالي المحلي للعالم. وبالنظر إلى بلد ظلت استراتيجيته المحورية التغلب على التحديات ببذل الموارد، فإن هذا الانحطاط يدعو إلى التشكيك في أحكام قيادات الولايات المتحدة.

يبرز الاستيقاظ المزعج على عودة التاريخ بوضوح صارخ في استراتيجيتي إدارة ترامب لشؤون الأمن القومي (NSS) والدفاع القومي (NDS)، اللتين صدرتا تباعًا نهاية السنة الماضية (2017)، وبداية السنة الحالية (2018). أشارت استراتيجية الدفاع القومي إلى أن الولايات المتحدة تمتعت في العقود أحادية القطب «بتفوق مطلق لا ينازعها فيه أحد، أو بتفوق سائد في كلّ ميادين العمليات». ونتيجة لذلك «كان باستطاعتنا عمومًا نشر قواتنا متى شئنا، وحشدها حيثما شئنا، واستخدامها كيفما شئنا». أما اليوم -كما تشير استراتيجية الأمن القومي- فالصين وروسيا «تزجان بقدرات عسكرية مصمّمة لمنع أميركا من الوصول إلى ميادين العمليات في أوقات الأزمات، وتحدي قدرتنا على العمل بحرية». واستنتج التقرير أن «قوى المراجعة» (Revisionistpowers) «تحاول تغيير النظام الدولي لمصلحتها».

التجربة الأميركية

أدرك الأميركيون على امتداد معظم السنوات الـ(242) من عمر الأمة ضرورة إعطاء الأولوية لضمان الحرية في الداخل على الطموحات المتقدمة في الخارج. كان الآباء المؤسسون على وعي تامٍّ بأن بناء حكومة يتولى فيها المواطنون الأحرار حكم أنفسهم مهمةٌ خطرة وغير مضمونة العواقب. وكان من بين أصعب الأسئلة التي واجهوها كيفية إيجاد حكومة قوية بما فيه الكفاية لضمان حقوق الأميركيين في الداخل، وحمايتهم من الأعداء في الخارج، دون جعل تلك الحكومة قويةً إلى حد إساءة استخدام سلطتها.

لم يكن حلهم مجرد «فصل السلطات» بين الفروع التنفيذية والتشريعية والقضائية، بل إقامة «مؤسسات منفصلة تتشارك السلطة»، كما كتب المتخصص في الشؤون الرئاسية ريتشارد نيوستات. كان الدستور الأميركي «دعوة للنضال»، وما يزال الرؤساء وأعضاء الكونجرس والقضاة وحتى الصحافيون يناضلون منذ ذلك الحين. ولم يكن المقصود أن تكون العملية جذابة، فكما أوضح قاضي المحكمة العليا لويس برانديس لأولئك المحبطين من المماطلات والتأخيرات والاختناقات -وحتى البلاهة- التي تنتجها الضوابط والموازين أحيانًا: لم يكن هدف الآباء المؤسسين «تعزيز الكفاءة، بل الحؤول دون ممارسة سلطة استبدادية».

منذ تلك البداية ظلت التجربة الأميركية في حكم الذات على الدوام عملية قيد العمل والإنجاز. وقد مالت إلى الإخفاق في أكثر من مناسبة. عندما سأل أبراهام لينكولن «عمّا إذا كان بمقدور تلك الأمة أو أي أمة نشأت على تلك الشاكلة… البقاء طويلاً»، لم يكن سؤاله بلاغيًّا. لكن الأمة الأميركية أظهرت مرارًا وعلى نحو خارق تقريبًا قدرة على التجدد والابتكار. وظل واجب الزعماء الأميركيين المتكرر طوال أيام المحنة إظهار أنه يمكن لليبرالية البقاء في بلد واحد على الأقل.

عنى ذلك على امتداد قرنين تقريبًا تجنب التدخلات الخارجية، وترك الآخرين لمصائرهم. قد يكون أفراد أميركيون تعاطفوا مع نداءات الثورة الفرنسية لتحقيق «الحرية والمساواة والإخاء»، وقد يكون تجار أميركيون جابوا الكرة الأرضية، وقد يكون مبشرون أميركيون سعوا لكسب مهتدين إلى المسيحية في كل القارات، لكن الحكومة الأميركية ركزت دومًا على الولايات المتحدة في اختيارها متى وأين تنفق أموالها وتبذل دماءها.

خلص الاستراتيجيون الأميركيون إلى أن بقاء الولايات المتحدة اقتضى ارتباطًا أكبر بالخارج حصرًا في أعقاب فترة الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية. وطوروا التحالفات والمؤسسات التي خاضت الحرب الباردة وأداموها حصرًا عندما شعروا أن الاتحاد السوفييتي يحاول إقامة إمبراطورية تشكل تهديدًا غير مقبول للولايات المتحدة. لكن المهمة الأساس خلال تلك المساعي كلها -كما أعلنت مذكرة «مجلس الأمن القومي-68» (NSC-68)، وهي ورقة توضح سياسة الأمن القومي لإدارة ترومان وتلخص استراتيجية الحرب الباردة للولايات المتحدة- كانت على الدوام «الحفاظ على الولايات المتحدة أمةً حرة، وعلى سلامة مؤسساتنا وقيمنا الأساس».

يكفي اليومَ (شرُّهُ)[1]

يعد ترامب أحد التهديدات الراهنة التي قد تكون مدمرة للنظام العالمي، لكنه ليس أهمها. لا شكّ أن انسحابه من مبادرات أيدتها الإدارات السابقة بهدف تعزيز التجارة، والحد من انبعاثات الغازات الدفيئة أمر يزعزع الاستقرار، وأن عدم فهمه للقوة المتأتية من الوحدة مع الحلفاء قضية تثير القلق، غير أن صعود الصين، وانبعاث روسيا، وانخفاض حصة الولايات المتحدة من القوة العالمية يطرح كل منها تحديات أكبر بكثير من ترامب. كما يستحيل علاوة على ذلك تفادي السؤال: أليس ترامب عرضًا أكثر منه علة؟

طرح عليّ مسؤول صيني رفيع المستوى سؤالاً محرجًا أثناء زيارة قمت بها مؤخرًا إلى بكين. قال: لنفترض أن شخصية ترامب وتجربته تجعلانه غير مؤهل لزعامة أمة عظيمة كما يعتقد قطاع كبير من النخب الأميركية، على من تقع اللائمة إذن في كونه رئيسًا؟ أعلى ترامب؛ لانتهازيته في اقتناص النصر، أم على النظام السياسي الذي سمح له بفعل ذلك؟

لا أحد ينكر أن حكومة الولايات المتحدة فاشلة في شكلها الراهن. بل كانت الطبقة السياسية قبل مجيء ترامب بفترة طويلة قد أفقدت نفسها المصداقية بتورطها في حروب فاشلة لا نهاية لها في أفغانستان والعراق وليبيا، بالإضافة إلى الأزمة المالية والكساد الكبير. هذه الكوارث أضعفت الثقة بحكم الذات الليبرالي أكثر ممّا كان بمقدور ترامب فعله حتى في أسوأ تخيلات ناقديه، باستثناء ارتكابه خطأً يؤدي إلى حرب كارثية. لذلك يبقى التحدي الأساس لدى الأميركيين المؤمنين بالحكم الديمقراطي ليس بأقل من إعادة بناء ديمقراطية فعالة في الداخل.

لحسن الحظ، لا يقتضي ذلك هداية الصينيين أو الروس أو أي أحد آخر إلى الإيمان بالمعتقدات الأميركية عن الحرية. ولا يستلزم تغيير أنظمة أجنبية وتحويلها إلى ديمقراطيات. بدلاً من ذلك -كما قال كينيدي في خطاب حفل تخرج الجامعة الأميركية سنة 1963 – يكفي الحفاظ على نظام عالمي «آمن للتنوع والتعددية» الليبرالية وغير الليبرالية على حد سواء. وسوف يعني ذلك مواءمة المساعي الأميركية في الخارج مع واقع أن البلدان الأخرى لديها آراء مناقضة عن الحكم، وتسعى إلى إقامة أنظمتها الدولية الخاصة التي تحكمها قواعدها الخاصة. إن تحقيق حتى الحد الأدنى من النظام القادر على استيعاب ذاك التنوع والتعددية سوف يتطلب طفرة في الخيال الاستراتيجي، تبتعد عن العقلية التقليدية الراهنة بُعْدَ إجماع واشنطن سنة 1946 عن استراتيجية الحرب الباردة، التي ظهرت في السنوات الأربع بعد «البرقية الطويلة» لجورج كينان.

 


[1]  في إشارة إلى نص الإنجيل «فَلا تَهتمُّوا للغد، لأَنَّ الغد يهتم بما لنفسه. يكفي اليوم شرّه». (متّى 6:34). (المترجم).