قرر البيت الأبيض في الثالث والعشرين من نوفمبر ٢٠٢١ التنسيق مع كبار المستهلكين للنفط لسحب نحو 50 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط في البلاد، ضمن مساعيه لخفض أسعار الطاقة التي ساهمت في رفع معدلات التضخم خلال الأشهر القليلة الماضية.

وجاءت هذه الخطوة بالتعاون مع الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة، وبعكس رغبة تحالف “أوبك +” الذي يؤكد أن أي تنسيق بين كبار المستهلكين للإفراج عن حصة من الاحتياطي الاستراتيجي يمثل تهديداً للأسواق باعتباره مساهمة غير مطلوبة في زيادة المعروض من النفط، وهو ما يهدد توازن السوق الذي يسعى لتحقيقه منذ انهيار الأسعار في أبريل 2020.

الخلاف الأمريكي مع تحالف “أوبك بلس”

بدأ الصدام بين الولايات المتحدة والدول الأعضاء في تحالف ” أوبك + ” يلوح في الأفق عبر تمسك حكومات تلك الدول بتثبيت  زيادة الإنتاج بمقدار 400 ألف برميل يوميًا خلال شهر ديسمبر -لتلغي تدريجيًا تخفيضات الإنتاج القياسية التي تم الاتفاق عليها العام الماضي بضغط من تداعيات كورونا على النشاط الاقتصادي- رغم مسائلة أكبر اقتصاد في العالم بزيادة المعروض الشهري من الذهب الأسود بنحو 600-800 ألف برميل يوميًا أو الالتزام بمعدل الزيادة الحالي البالغ 400 ألف برميل يوميًا مع السماح للأعضاء الآخرين بضخ المزيد لتعويض انخفاض المعروض وزيادة الطلب لكبح ارتفاع الأسعار حيث تزامنت زيادة تكاليف الطاقة مع موجة تضخمية تشهدها أسعار جميع المنتجات على حدٍ سواء بداية من المنتجات الغذائية والزراعية حتى المعادن مما يهدد الانتعاش الاقتصادي من وباء كورونا.

يستند البيض الأبيض إلى فرضية مفادها بأنه ينبغي على الدول المنتجة للنفط زيادة الإنتاج لمساعدة الاقتصاد العالمي على التعافي، حيث أظهر استطلاع رأي أجرته وكالة “رويترز” في أكتوبر أن التضخم يشكل مصدرًا رئيسيًا للقلق عند 67% من البالغين الأمريكيين، فيما ترى السعودية وحلفائها في مجموعة “أوبك+ ” أن زيادة الإنتاج قد تعرض منتجي البترول إلى انتكاسات جديدة عقب تضررهم بشدة جراء انخفاض أسعار الطاقة لمستويات غير مسبوقة العام الماضي، كما يواجه أعضاء التحالف صعوبات في زيادة الإنتاج، إذ يستمر نقص الاستثمار، أو تأخر أعمال الصيانة بسبب الجائحة.

وبناء على ذلك، أعلن الرئيس الأمريكي “بايدن” أن بلاده تعتزم الاعتماد على مخزوناتها الاستراتيجية، البالغة حوالي 606 ملايين برميل مخزنة في كهوف بأربعة مواقع على سواحل “لويزيانا” و”تكساس”، لتعلن الصين واليابان والهند عقب ذلك خلال نوفمبر الجاري نيتهما لاستخدام الاحتياطي الاستراتيجي من النفط لمواجهة ارتفاع الأسعار.

وعلاوة على ذلك، اتجه بعض المشرعين الأمريكيين لإحياء مشروع قانون من شأنه أن يخضع منظمة “أوبك”  لنفس قوانين مكافحة الاحتكار المستخدمة منذ أكثر من قرن، حيث سيسمح قانون “عدم وجود كارتلات لإنتاج وتصدير النفط” المعروف باسم “نوبك- NOPEC”، للحكومة الأمريكية بمقاضاة أعضاء “أوبك” بدعوى التلاعب بسوق الطاقة، وربما السعي للحصول على تعويضات بمليارات الدولارات.

ماذا حدث لأسواق النفط منذ بداية العام؟

تلقت أسواق النفط صدمات متعاكسة خلال العامين الماضي والجاري؛ إذ توقف النشاط الاقتصادي وأغلقت المصانع أبوابها، وتوقفت الرحلات الجوية وحركة التجارة العالمية إثر انتشار وباء كورونا وحالات الإغلاق الناجمة عنه   مما أسفر عن تراجع الطلب على النفط مع زيادة المعروض منه،  وبطبيعة الحال، انهارت أسعار النفط لمستويات تاريخية وغير مسبوقة لتصل في العشرين من أبريل 2020 إلى نطاقٍ سالبٍ لأول مرة في التاريخ عند -37.63 دولارًا للبرميل، بالتوازي مع انخفاض خام برنت إلى أقل مستوياته في نحو 18 عامًا ليسجل حوالي 19.3 دولار للبرميل، ولهذا اتجهت الدول الأعضاء لدى “أوبك +” بتخفيض الإنتاج على مدار العام الماضي.

 ولكن لم يستمر الوضع على هذا الحال، حيث اتخذت بلدان العالم سياسات توسعية وتحفيزية في محاولة لتقليل الآثار السلبية للانكماش الاقتصادي الناجم عن الوباء، وعادت الحياة إلى طبيعتها بشكل تدريجي مع بدء انتشار لقاح فيروس كورونا مما أدى إلى ارتفاع الطلب على النفط بما يتجاوز المعروض منه حيث تباطأ المنتجون في إعادة النفط إلى السوق مرة أخرى وهو ما أرسل سعر النفط الخام إلى أعلى مستوياته منذ عدة سنوات في ظل أزمة الطاقة العالمية، كما يتبين من الرسم التالي:

الشكل (1): سعر  الخام الأمريكي وخام برنت (دولار للبرميل)

الشكل (1): سعر  الخام الأمريكي وخام برنت (دولار للبرميل)

Source: Oil price.com, Oil Price Charts.

ومع ارتفاع أسعار النفط، خفضت منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك” توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2021، ليبلغ متوسط الاستهلاك خلال العام الجاري نحو  96.44 مليون برميل يوميًا مقارنة بتقديراتها السابقة البالغة 96.6 مليون برميل يوميًا، ليرتفع الطلب عقب ذلك خلال 2022 إلى 100.6 مليون برميل يوميًا، وهي مستويات أعلى من تلك المسجلة خلال عام 2019 –قبل انتشار الوباء- بنحو 0.5 مليون برميل يوميًا. وفيما يلي عرضًا لتوقعات “أوبك” الصادرة  في الحادي عشر من نوفمبر 2021 حول الطلب على النفط خلال العامين الحالي والمقبل:

الشكل (2): توقعات الطلب على النفط (مليون برميل يوميًا) (فصليا)

Source: OPEC, Monthly Oil Market Report.

ويتضح من الشكل السابق أن “أوبك” تتوقع ارتفاع الطلب على الذهب الأسود بنحو 1.6 % على أساس فصلي من 97.89 مليون برميل يوميًا خلال الربع الثالث من 2021 إلى 99.49 مليون برميل يوميًا خلال الربع الرابع من نفس العام، لينخفض عقب ذلك إلى 98.02 مليون برميل يوميًا بحلول الربع الأول من العام المقبل، معاودًا الارتفاع من جديد ليسجل 102.63 مليون برميل يوميًا بحلول الربع الرابع من 2022.

هل ينجح “بايدن” في خفض أسعار النفط؟

خفض المحللون في الأسواق من أهمية الخطوة الأمريكية؛ إذ إنها تُعد حلًا مؤقتًا قصير الأجل لن يعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في وجود فجوة كبيرة بين العرض والطلب بسبب وجود كمية محدودة من النفط الخام في الاحتياطي الإستراتيجي والذي يجري الاحتفاظ به عادةً لصدمات العرض، وليس لمواجهة ارتفاع الطلب في ظل التعافي الاقتصادي.

وبالإضافة إلى ذلك، لا تمثل الخمسين مليون برميل التي تخطط الولايات المتحدة لإطلاقها لا تمثل سوى بضعة أيام من استخدام الشعب الأمريكي المعتاد للوقود، كما أنه تم التهديد باتخاذ هذا القرار منذ فترة طويلة ولهذا قد يكون تأثيرها قد حدث بالفعل قبل الإعلان عنها.

وقد اعتبر أحد المحللين لدى وكالة “فيتش ريتنجز” قرار السحب من المخزون الاستراتيجي انتصارًا قصير الأجل على الصعيد السياسي فقط، من الممكن أن تمثل ورقة ضغط فقط على الدول الأعضاء بتحالف “أوبك+”، ومن ناحية أخرى حذرت بعض الأوساط من احتمالية أن يتخذ التحالف رد فعل عكسي بما يهدد بإلغاء أي تخفيف على قيود الإنتاج.

فيما تشير بعض التهنكات إلى وجود عوامل أخرى أكثر فاعلية قد تساهم في خفض مكاسب أسعار النفط من أهمها زيادة حالات الإصابة بفيروس كورونا في البلدان الأوروبية مما يزيد من احتمالية فرض قيود سفر جديدة أو عمليات إغلاق من شأنها أن تقلل الطلب.

وفي الختام، ينبغي الإشارة إلى أن جميع الأنظار تتجه الآن إلى منظمة “أوبك” وحلفائها للوقوف على  رد فعلهم تجاه السحب المشترك من الاحتياطي في اجتماعهم الذي ينعقد في الثاني من ديسمبر المقبل لمناقشة سياسة الإنتاج.