علاقات شبه الجزيرة العربية بإفريقيا علاقات قديمة وعميقة قدم التاريخ وعمقه. ومن أهم خصائصها ومميزاتها أنها تتسم بطابع التأثير والتأثر من جراء الامتزاج العرقي والتعايش السلمي بين العرب والأفارقة عبر التاريخ القديم والحديث، ظلت هناك اتصالات براً وبحراً تربط شبه الجزيرة العربية بإفريقيا نتج عنها نزوح عدد كبير من القبائل العربية إلى إفريقيا وهجرة أفراد من إفريقيا إلى منطقة شبه الجزيرة العربية واستقرارهم فيها. ثم جاء الإسلام الدين العالمي الذي يدعو البشرية جمعاء إلى الإخاء والتعارف والتعاون على البر والتقوى بصرف النظر عن اللون والجنس واللغة. وكان طبيعياً أن تتجاوب إفريقيا مع هذا الدين فجاءت أول هجرة أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إفريقيا حيث استقبل النجاشي ملك الحبشة المسلمين الفارين بدينهم وحياتهم من بطش مشركي قريش، استقبالاً حاراً من قبل الإفريقيين وكان عدد من كبار الصحابة ينحدرون من أصل إفريقي نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الصحابي الجليل سيدنا بلال بن رباح الحبشي مؤذن رسول الله، وسيدنا نافع بن عبد الرحمن أحد القراء السبعة، وسيدتنا سمية أم عمّار بن ياسر أول شهيدة في الإسلام. فلا غرو إذن أن تكون القارة الإفريقية أول قارة انتشر فيها الإسلام بسهولة.

    لقد رسم الملك عبدالعزيز آل سعود سياسة المملكة العربية السعودية الخارجية والتي سار عليها أبنائه من بعده. التي تتخلص في إقامة علاقات قوية مع العالمين العربي والإسلامي والدفاع عن القضايا العربية والإسلامية بحكم مكانة المملكة السعودية في العالمين العربي والإسلامي. واتخذ الملك عبدالعزيز أيضاً من مساندة القضايا العادلة العالمية منهاجاً لسياسته الخارجية. ولم يغفل الملك عبدالعزيز عن أهمية القارة الأفريقية والتي يفصلها عن المملكة فقط البحر الأحمر وأن أمن البحر الأحمر من أمن المملكة والحفاظ على أمن الحرمين الشريفين.

     فقامت سياسة الملك عبدالعزيز آل سعود تجاه أفريقيا جنوب الصحراء عن طريق دعم القضايا العادلة مثل قضية التحرر من الإستعمار، كذلك دعم المسلمين في أفريقيا مادياً وعلمياً، وسار أبنائه من بعده على نهجه من حيث تقديم المعونات والمساعدات للدول الفقيرة وبناء المراكز الاسلامية والجامعات العلمية والمساجد ودعم المسلمين في ربوع القارة الأفريقية.

     لقد اتخذ مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز آل سعود مواقف ثابتة في دعم حركات التحرير في إفريقيا، بشكل عام وشرق إفريقيا بشكل خاص، فقد وجه الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود توجيهاته السامية إلى مندوب المملكة في الأمم المتحدة بتأييد استقلال الحبشة وإرتيريا من الاستعمار الإيطالي. وقال: إن استقلال إرتيريا لا يقل أهمية عن استقلال ليبيا الذي كان مطروحاً أمام مجلس الأمن الدولي آنذاك. وفي سنة 1953م تقدمت المملكة العربية السعودية بمذكرة رسمية إلى مجلس جامعة الدول العربية طلبت فيها أن تتبنى الجامعة قضية استقلال إفريقيا وتحرير شعوبها من الاستعمار بجميع أشكاله. ومن ذلك التاريخ اتخذت الجامعة العربية موقفاً ثابتاً وقوياً في المحافل الدولية بتأييد الشعب الإفريقي في كفاحه ضد الاستعمار. وكان لهذا الموقف أثر كبير في تحريك قضية استقلال إفريقيا في المحافل الدولية وحمل الاستعمار مكرها على الموافقة على منح الشعوب الإفريقية حريتها واستقلالها. ومن المواقف المشرفة التي سجلها التاريخ للمملكة العربية السعودية تجاه إفريقيا موقف المملكة في إطار جامعة الدول العربية، من حرب تحرير كينيا المعروفة بماو ماو 1953م، وكذلك دعم  الجمعية العربية في سلطنة زنجبار ودعم حركة التحرر في الصومال.

    لقد ظهر تأثير النهضة المعمارية في بناء المساجد والجامعات والمراكز الثقافية التي أولتها المملكة جهودًا ملخصة منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود، وسار على نفس النهج أبناء هذه الدولة الإسلامية، وتجسدت بشكل أكثر زخماً في عهد خادم الحرمين الشريفين وسوف نلقي الضوء على المساجد والجامعات والمراكز الثقافية في دول غرب القارة.

     نحن أمام كتاب يحمل بين طياته أضواء تاريخية مفيدة لمن يرغب معرفة طبيعة العلاقات (السعودية- الأفريقية) في مجالات مختلفة وكثير من المؤرخين من أنحاء العالم اهتموا بالدراسات الأفريقية وأصدوا كثير من المذكرات والأبحاث والكتب، وعلى نهجهم جاء هذا العمل فأسهمت هذه الدراسة بفصولها الخمسة المشتملة على عدد من العناصر المهمة ذات العلاقة بانتشار الإسلام في القارة الإفريقية، وتاريخ الاستعمار الأوربي في القارة الإفريقية، وأثر ذلك في العلاقات العربية الأفريقية، ودور المملكة العربية السعودية في دعم حركات التحرر الوطني في عدد من دول القارة حتى تحقق استقلالها.

    الكتاب عرض للعلاقات (السعودية- الأفريقية) من خلال طرح تاريخي تضمن جذور هذه العلاقة والتطور الذي حدث فيها منذ عهد مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز عبدالرحمن آل سعود إلى الوقت الحاضر باعتبار المملكة دولة محورية عربية واسلامية دستورها القرآن والسنة، ويقع عليها مسئولية الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية في كل زمان ومكان. ولم يغب عن العمل إبراز جهود الدولة السعودية في خدمة ودعم دول أفريقيا في شرقها وغربها ووسطها، فتبادل المسؤولون مع حكام دول أفريقيا الزيارات الدبلوماسية، وافتتحت المملكة في دول أفريقيا القنصليات والسفارات وساهمت في حل الكثير من المشاكل الخاصة بسوء الأحوال المعيشية وكوارث الطبيعة والفقر والمرض، وقدمت مئات المنح الدراسية وأسست الكثير من المدارس والمساجد والمراكز الثقافية واستضافت حجاج وزوار مكة والمدينة، كل هذه الأعمال الرائدة لا تعطى فقط أضواء محددة في العلاقات (السعودية- والأفريقية) وإنما تقدم للدارسين نماذج مشرفة وتبرز الدور الريادي للمملكة العربية السعودية في دعم معظم الدول الأفريقية في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعمرانية.