بعد اندلاع الحرب الأهلية في دولة مالي المجاورة للجزائر، أثارعضو البرلمان السابق فقاس نعمان، في عام 2013، موضوعا بالغ الأهمية، تحدث فيه عن وجود المئات من الأطفال الماليين المولودين في الجزائر، وطرق إمكانية مطالبتهم بالجنسية الجزائرية بعد سنوات.

الموضوع الذي تم التطرق له في العديد من التقارير الصحفية في الجزائر بين عامي 2013 و2014، الأمر الذي دفع حكومة الوزير الأول الأسبق عبد المالك سلال، لاتخاذ قرار بترحيل الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين القادمين من دول إفريقية نحو الجزائر، وفسر القرار في تلك الفترة بحماية الجزائر من مشكلة ديمغرافية متوقعة بعد 10 أو 15 أو 20 سنة قادمة.

لكن هذا لم يمنع آلاف الجزائريين والجزائريات في السنوات العشر الماضية من الزواج من مهاجرين قادمين من دول إفريقية، وهذا ما أدى إلى ظهور جيل جديد من الجزائريين يعرف بالـ métis، فما هي أسباب هذه الظاهرة، وكيف تفاقمت لدرجة تسجيل 800 حالة زواج بين مهاجرين من دول إفريقية وجزائريات، وعدد غير معروف من الجزائريين الذين قرروا الزواج من فتيات من دول إفريقية.

مالي والنيجر والسنغال في المرتبة الأولى

يقول موظف في مصلحة الحالة المدنية من ولاية وهران، في تصريح لـ “الخبر”، أن المصلحة سجلت ما يزيد عن 70 حالة زواج مختلط بين جزائريين ومواطنين قادمين من دول إفريقية في عام 2020، وطبقا  لتصريح الموظف الذي طلب عدم الكشف عن هويته، فإن 57 حالة كانت لزواج فتيات جزائريات من رعايا دول إفريقية، منها 29 حالة زواج من مواطنين من دولة مالي والبقية من السنغال نيجيريا والنيجر، ومن بين الحالات الـ 57، تم تسجيل دخول 4 من الأزواج في الدين الإسلامي لأنهم كانوا مسيحيين.

بينما سجلت الجزائر 800 حالة زواج  بين أفارقة وجزائريات كانت نسبة 07 بالمائة من مجموع هذه الحالات في ولاية وهران، وهي النسبة التي ترشح هذه الولاية لاحتلال المرتبة الأولى وطنيا، وطبقا لمعلومات جمعتها “الخبر” فإن ولايات الجزائر، البليدة ،عنابة، قسنطينة، تمنراست، غرداية، المنيعة، ورقلة، تبسة وباتنة قد شهدت زواج جزائريات من رعايا دول إفريقية في عامي 2018

و2019، هذا الزواج المختلط بين الجزائريات والرجال القادمين من دول إفريقية، أدى إلى ظهور جيل جديد من المواطنين الجزائريين الذين ستتضاعف أعدادهم حتما في السنوات القادمة.

قصص حب وخوف من العنوسة

بينما يعتقد البعض أن الزيجات بين الجزائريات والرعايا الأفارقة، يتم على مستوى إجتماعي معين، أي زواج رجال بدون مستوى دراسي أو بمستوى دراسي ضعيف من جزائريات من نفس المستوى، لكن الحقيقية هي أن الزواج المختلط يتم في مستويات اجتماعية وثقافية أعلى، وبنفس النسبة تقريبا.

وقد فاجأنا السيد “دادي مسعود”، إطار متقاعد من وزارة الشؤون الدينية في الجزائر، بمعلومات مثيرة للانتباه، أين يقول “في حالات زواج الجزائريات من رعايا دول أجنبية لا يدينون بالدين الإسلامي، يجب على الرجل إشهار إسلامه وإثبات ذلك بوثيقة رسمية.

وأضاف “وبالفعل في عام 2015 منحت وزارة الشؤون الدينية شهادات لأجانب أشهروا إسلامهم، نصفهم تقريبا من دول إفريقية، ويتعلق الأمر في عام 2015 بـ 37 إعلان عن الدخول في الإسلام لأجانب مسحيين من دول إفريقية، منهم 11 خريج من جامعات جزائرية، وعلى الأغلب ارتبطوا بطالبات زميلات لهم في ذات الجامعات”.

ويضيف المتحدث أنه درس بشكل جزئي الظاهرة، وفهم  أن حالات زواج  الجزائريات من رجال أجانب من دول إفريقية، تمت بعد تعارف إما في العمل أو في الدراسة، ولم يصادف حالات أخرى على الأقل في عام 2015″. وقد يؤكد تصريح السيد دادي مسعود أن زواج الجزائريات من رعايا دول إفريقية يتم بشكل انتقائي في المستوى الدراسي على الأقل.

بينما يقول الدكتور مرجن علي، متخصص في علم الاجتماع، “في اعتقادي  الخاص، فإن ميل الجزائريات للزواج من أشخاص يحملون جنسية دول إفريقية له أسباب تتعلق بارتفاع مستويات العنوسة في الجزائر، فقد نفهم أن بعض الجزائريات يتزوجن بأجانب من دول عربية لأسباب تتعلق بالعاطفة، والزواج من أجانب  أوروبيين أو آسيويين من أجل تحسين المستوى الاجتماعي، لكن أحد الأسباب الرئيسية للزواج من رعايا دول إفريقية يعود لتراجع إقبال الرجال الجزائريين على الزواج وارتفاع  نسب العنوسة. لكن هذا ليس السبب الوحيد في رأيي ويحتاج الموضوع بالفعل إلى دراسة سوسيو ـ اجتماعية تتعلق بزواج الجزائريات من الأجانب عموما”.

الفرق بين الجزائري والإفريقي

عندما تقرر فتاة أو امرأة جزائرية الزواج من رجل إفريقي، فإن الأمر لا يتعلق أبدا بالخوف من العنوسة، أو الرغبة في اللحاق بقطار الزواج قبل فوات الأوان، وهذا حسب تصريح سيدة سبق لها الزواج من رعية من دولة غينيا، وبقيت في عصمته لمدة 11 سنة كاملة.

فتجربة الزواج من رجل أجنبي، حسب السيدة ب. راضية، ” قرار بالغ الصعوبة لا تحسه إلا السيدة التي مرت بنفس التجربة، إنها حالة تقترب كثيرا من قرار ركوب قوارب الحراقة، فهي مغامرة مختلفة تماما”.

وتسترسل السيدة راضية في الحديث قائلة “عندما تقدم زميلي السابق في العمل في شركة نفط في عين صالح  لخطبتي رسميا، وعرض علي الموضوع، فكرت لأكثر من 5 أسابيع كاملة، وترددت كثيرا، الأمر لا يتعلق بالرغبة في الزواج فقط، بل أيضا بحالة قناعة بأن قرار الزواج سليم، وبصراحة شديدة الرجال في القارة السمراء ودودون جدا، وقد تجد بعض السيدات راحة أكبر في الحياة مع زوج إفريقي”.

وتضيف السيدة “ب. راضية” من غرداية “تزوجت من مهندس من غينيا، وانفصلت عنه قبل سنوات.. الجزائري سريع الغضب، لا يعبر عن مشاعره تجاه زوجته إلا نادرا، يفضل التعبير بالفعل ليس بالقول، وهذه مشكلة تعاني منها كثير من الزوجات الجزائريات، وهنا لا أقلل بالمطلق من قيمة الرجل الجزائري، لكن هذا هو أحد أهم أسباب الزواج بين الجزائريات والرجال الأجانب”.

وتضيف المتحدثة “عندما تقرر المرأة الزواج، فإنها لا تفكر بمنطق الخوف من العنوسة فقط، بل تنظر إلى صفات زوج المستقبل”.

بكيت يومين…. 

“فهمت مع بداية نضوج أطفالي، أن قرار الزواج من أجنبي مهما كان لون بشرته، ومهما كان أصله، أنه أصعب قرار في الحياة، بل هو الأخطر على الإطلاق، لكنني فهمت هذا بعد أن بدأ أبنائي في الكبر، وبعد أن تنقلت للعيش مع زوجي في غينيا في عام 2008، وبقيت هناك 5 سنوات لكنني قررت العودة بسبب الشعور القاسي بالغربة واختلاف المجتمع ككل”.

وتسرد المتحدثة  تفاصيل قصتها في الغربة البعيدة “الأغاني ليست كالأغاني والعادات مختلفة والعقلية كذلك، ولعل الشعور الأصعب الذي لا تحسه إلا الجزائرية المتزوجة من أجنبي هو بأن أبناءها غرباء عن محيطها الذي ولدت وترعرعت فيه”.

في قصة زواج السيدة راضية من رعية من غينيا بعض الألم، المعنية تقول “قضيت يومين كاملين وأنا أبكي، وهذا بعد أن قرر زوجي العودة للعمل في مالابو عاصمة غينيا، واضطررت للتنقل معه إلى هذه المدينة، وبالرغم من أن الناس في هذا المكان طيبون ولا يثيرون المشاكل إلا نادرا، لكنني فهمت لاحقا خطورة المشاكل التي يثيرها الزواج المختلط”.

وتواصل “لقد بكيت يومين كاملين بعد الانتقال إلى مدينة مالابو بسبب الشعور بأنني وحيدة تماما وسط عالم لا أعرف عنه أي شيء، لاحقا تعمق شعوري بالغربة، العادات والتقاليد مختلفة، بعض الأمور التي نعتقد في الجزائر أنها طبيعية وعادية، قد تثير مشاكل كبيرة في هذا المكان، وبعض الأمور التي نعتبرها نحن في الجزائر غير مقبولة بحكم العادات والتقاليد، هي بالنسبة لهذا الشعب طبيعية وعادية جدا”.

وتضيف السيدة راضية، وهي أم لطفلين يحملان جنسية مزدوجة، “أنا لم يسبق لي الزواج برجل جزائري، ولا يبدو أنني سأتزوج من جزائري بسبب حضانتي لطفلين أجنبيين، لكن ما أسمعه حول طريقة تعامل الجزائري في نطاق العلاقة الزوجية، مختلف تماما عن ما عشته مع زوجي السابق الذي كان يراعي كثيرا مشاعر الأنثى، وإلى اليوم هو يطلب عودتي لكنني أرفض”.

وتضيف المتحدثة “قد أكون مخطئة في أحكامي، لكنني أعتقد أن الجزائريات المتزوجات من رجال أفارقة يعشن في الأغلب حياة زوجية وأسرية مستقرة تماما”.

المرأة الجزائرية مثيرة !

السيدة “ش. رزيقة” تزوجت من تاجر من دولة النيجر، وانفصلت بدورها عنه في عام 2006، وتشير حسب ما تعتقد إلى حقيقة مهمة، وهي أن المرأة الجزائرية مطلوبة للزواج بل هي في مكان مميز ضمن نساء العالم حسب اعتقادها.

وتقول “كثير من النساء يعتقدن أن المشكلة في الرجل الجزائري وطريقة تعامله، لكن الحقيقة أن المرأة الجزائرية هي التي تثير انتباه الأجنبي سواء كان  من دول عربية أوروبية أو إفريقية، لأن المرأة الجزائرية قوية الشخصية وشديدة الصراحة، وهذه صفات تستهوي كل رجال العالم”.

وتشير السيدة رزيقة إلى ما تعتبره حقيقة مطلقة “أعرف جزائريات متزوجات من تونسيين، مصريين، سوريين، فلسطينيين وفرنسيين اعتنقوا الديانة الإسلامية، ولم أسمع بأن أجنبيا طلق جزائرية، بل على العكس، الطلاق يأتي بطلب النساء الجزائريات وفي أغلب الحالات بسبب إصرار الأزواج على العودة إلى أوطانهم”.

أطفال الزواج المختلط…..نحن جزائريون

الأطفال المولدون نتيجة الزواج المختلط يعيشون حالة صراع بين هويتين وثقافتين، فمن جهة ينشأ أغلب الأطفال في الجزائر، ويتعاملون مع محيط ثقافي جزائري، ومن جهة ينتمون من جهة الأب إلى مجتمع آخر مختلف.

ويقول هنا السيد دنون موسى، ماجيستير في علم اجتماع، “يعيش أغلب المولّدين حالة من النزاع والتناقض النفسي بسبب الانتماء المزدوج، وهذا ما يعيشه أيضا أبناء الزواج المختلط بين الجزائريين والأوروبيين في دول أوروبا، ففي الجيل الثاني من المولّدين، يفقد الأشخاص طبقا لبعض الأبحاث أي شعور بالانتماء الوطني لأي دولة، وفي بعض الحالات يكون هذا بسبب رفض المجتمع في الدولة التي يقيم بها المولّدون لهذه الفئة، وهذا ما يؤدي إلى وقوع مشكلات كبيرة على المدى البعيد، ويصر أبناء الزيجات المختلطة الجزائرية الإفريقية على أنهم جزائريون وليسوا لآبائهم”.

وهذا ما يقوله بوكرم حسان، أستاذ تعليم متوسط من ولاية المنيعة، “درس عندي في مناسبتين تلاميذ آباؤهم من جنسية مالية، وفوجئت بأن الأطفال جزائريون 100 بالمائة، بل ويصرون على كونهم جزائريين، ربما بسبب التنشئة في الجزائر والاختلاط بالجزائريين وربما بسبب تأثير الأم، لا أدري”.

أين يتزوج الجزائريون من إفريقيات؟

يقول عبد الناصر كحول، صاحب شركة تصدير تعمل في المقايضة مع دول إفريقية من ولاية ورقلة، “عملت منذ عام 1985 في تجارة المقايضة مع الدول الإفريقية، وعرفت أثناء تنقلي إلى مالي والنيجر العشرات من التجار الصغار والكبار والسائقين الذين تزوجوا من فتيات من مالي والنيجر، وأحيانا من دول أخرى”.

ويضيف السيد عبد الناصر كحول “بعض التجار الجزائريين والعاملين في شركات المقايضة، يضطرون للبقاء في دول إفريقية لفترات تصل إلى 6 أشهر، وعدد كبير منهم يتزوج في دول إفريقية كزواج مؤقت، وهذا أمر شائع جدا في الكثير من الدول الإفريقية، وفي كثير من الحالات ينتج عن ذلك مواليد أغلبهم بل كلهم جزائريون بحكم جنسية الأب، وهذه مشكلة لن تواجهها الجزائر في سنوات قادمة، بل هي موجودة بالفعل”.

ويضيف “فمحاكم الأسرة بولايات عدة أغلبها في الجنوب، تعج بقضايا إثبات النسب، وهذا على أساس أن عددا كبيرا من حالات الزواج كانت إما عرفيا أو أمام هيئات إدارية في دول إفريقية”.

ويضيف المتحدث” يميل الجزائريون للزواج من فتيات إفريقيات لعدة أسباب لا يتعلق بعضها فقط برغبة بعض الجزائريين في تغيير الجو، بل لأن الفتيات الإفريقيات طيبات العشرة جدا، وهذا أمر يعرفه جيدا كل من تزوج وعاشر في إفريقيا السوداء، لكن الأغلبية لا يفكرون في تبعات هذا الزواج، ولا يرغبون في كشفه، لأن أغلبهم متزوجون بالفعل في الجزائر ولديهم عائلات لا يرغبون في زعزعة استقرارها”.