بقلم يونس صالح

لعل أبرز وأسوأ سمات الأزمة الاقتصادية العالمية التي تمسك بخناق البلدان الرأسمالية المتقدمة، وتواجهها البلاد المتخلفة، هي تفاقم مشكلة البطالة، أي التزايد المستمر في عدد الأفراد القادرين على العمل والباحثين عنه دون جدوى.
وطبقاً للإحصائيات الحديثة يصل معدل البطالة في المتوسط إلى 12% في مجموعة الدول الرأسمالية بغرب أوربا، وإلى نحو 10% في الولايات المتحدة الأمريكية ما قبل الكورونا.
وليس هناك ما يشير إلى توقع انخفاض حجم البطالة ومعدلاتها في الأجل القريب المنظور.
أما في البلدان المتخلفة التي تعاني الآن أشد المعاناة من حصار التبعية فيها للاقتصاد الرأسمالي العالمي، فإن البطالة فيها أكثر تفاقماً وأكثر أيلاماً للناس.
والحقيقة أن (البطالة المتزايدة) في البلدان الرأسمالية قد تطورت في السنوات الأخيرة لكي تصبح مشكلة هيكلية، بمعنى أنها أصبحت صفة لصيقة بخصائص هيكل اقتصادات هذه البلدان، ومن ثمّ فإن هذه الأزمة أخذت تشكل نقطة تحول تاريخية هامة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي.
والآن لن أتعرض لتحليل هذه الأزمة ودلالاتها، إنما أودّ فقط أن ألقي الضوء على علاقة هذه الأزمة بسوق العمل في البلدان الرأسمالية.
لقد صاحب هذه الأزمة تعاظمٌ خطير ومستمر في أعداد العمال العاطلين، وكان ذلك في الحقيقة راجعاً إلى حد كبير إلى عوامل أساسية:
تفاقمت آثار الثورة العلمية التقنية على العمالة، وأدى ذلك إلى تقليل الطلب على عنصر العمل الإنساني.
– انتقال عدد لا بأس به من الصناعات الموجودة في البلدان الرأسمالية المتقدمة إلى البلدان المتخلفة، بفعل ممارسات الشركات متعددة الجنسية، للاستفادة من العمالة الأجنبية الرخيصة.
– لجوء كثير من هذه البلدان إلى انتهاج سياسات انكماشية وتحجيم الإنفاق العام (باستثناء الإنفاق العسكري) وانعكاس ذلك على العمالة المحلية.
تلك هي أهم العوامل التي تفاعل بعضها مع بعض، وألقت بظلالها الكثيفة على سوق العمل في البلدان الرأسمالية، الذي أصبح يعج بملايين العاطلين عن العمل.
أما البلاد المتخلفة التي تأثرت كثيراً بالأزمة الاقتصادية العالمية، فقد نمت فيها معدلات البطالة ما جعل آثار هذه الأزمة عليها أثقل، وعجز الأنظمة السائدة فيها عن تطبيق سياسات حازمة لمواجهة الصعوبات الخارجية، مثل صدمات ارتفاع أسعار الموارد وانخفاض أسعار الصادرات وتقلّبها، وتذبذب أسعار الصرف وعدم استقرار أسواق النقد العالمية.. الخ، كما ساهمت سياسة (الباب المفتوح) التي ينتهجها الآن كثير من هذه البلدان في تفاقم أهوال البطالة، بسبب المنافسة غير المتكافئة التي تعرضت لها الصناعات المحلية، مما أدى إلى إفلاس الكثير منها وإغلاقها، وبسبب الممارسات التي تزاولها الشركات المتعددة الجنسية داخل تلك البلدان.
ويسود الاتفاق أو الإحساس العام بين العديد من الاقتصاديين في العالم الرأسمالي، بأن العودة إلى (الأيام الجميلة) التي تلت الحرب العالمية الثانية هي أمر صعب، إن لم يكن مستحيلاً، وقد بات راسخاً في الذهن، تلك الحقيقة المرة التي تقول إنه لا توجد دولة رأسمالية في العالم يمكنها أن تجمع الآن بين تحقيق العمالة الكاملة، والاستقرار السعري والتوازن الخارجي ونظام حرية السوق.
ومع ذلك فإنه من بين ثنايا هذه الصورة القائمة تبرز بعض الآراء المتفائلة بصدد علاج مشكلة البطالة، وفي هذا الخصوص ثمة أفكار تستحق المناقشة.
أول هذه الأفكار يرى أن مشكلة البطالة في العالم الرأسمالي تنحل تلقائياً من خلال الاتجاه التدريجي لحجم قوة العمل نحو التناقص بفعل الميل المستمر لمعدل الخصوبة نحو التدهور في هذه البلدان، إن هذا الرأي يحلم بإيجاد الحل عن طريق (التغيرات الديموغرافية) في الأجل الطويل، ولا يهتم بالأجل القصير.
وثاني هذه الآراء يقول بأن أفضل سبيل للخروج من مأزق البطالة هو الإصرار على النمو الاقتصادي وتحقيق المزيد منه على أساس أن زيادة الاستثمار والإنتاج وتشغيل الطاقات الباطلة من شأنه أن يخلق فرصاً كافية للعمالة الباحثة عن عمل، بيد أن هذا الرأي وإن كان صحيحاً من الناحية التاريخية، إلا أنه يعد الآن من الآراء المشكوك في صحتها، لأنه لا يراعي التغيرات الهيكلية التي حدثت في الدول الرأسمالية، ذلك أن النمو الاقتصادي قد يتحقق الآن بشكل غير مصحوب بزيادة في فرص العمل بسبب الثورة العلمية التي قللت من حجم استخدام القوة العاملة، وهي تتوغل الآن بشدة في القطاعات الخدمية وهي القطاعات التي كانت لها القدرة على استيعاب العمالة الزائدة.
وثالث هذه الآراء يقترح تخفيض ساعات العمل لكي تتاح الفرصة لأكبر عدد من العمال للمشاركة في الإنتاج، وزيادة أيام الراحة في الأسبوع وإطالة مدة الإجازات السنوية، بيد أن السؤال الهام الذي يتعين الإجابة عنه هو موقف رجال الأعمال، فالذي لا شك فيه أن تقصير وقت العمل من شأنه أن يرفع من كلفة الأجور في تكاليف الإنتاج، وبناء عليه فإنه ما لم يعوض الانخفاض في وقت العمل، بارتفاع مناظر على الأقل بالنسبة نفسها في إنتاجية العمال، فإن اقتراحاً بهذا الشكل من شأنه أن يهبط بمعدلات الربح، وهو أمر لن يقبل به رجال الأعمال.
وهناك رأي رابع آخر يرى أن علاج مشكلة البطالة يتطلب إعادة الحياة إلى قوى العرض والطلب في سوق العمل، ويعتبر أن البطالة ترجع إلى جمود الأجور وإلى زيادة تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، وأن بالإمكان تجاوز مشكلة البطالة من خلال تخفيض الأجور، ولهذا يتعين (النضال) بلا هوادة ضد قوة نقابات العمال التي تقف أمام هذا الطريق، وينبغي كذلك إلغاء إعانات البطالة، لأنها تجعل هؤلاء العاطلين غير عابئين بالبحث عن فرص العمل، والواقع أن اقتراحاً كهذا يؤدي بالتأكيد إلى حدوث صدام بين الطبقة العاملة وتنظيماتها النقابية والسياسية، وحماة السلطة والرأسمال.
وهناك اقتراح خامس (على عكس الاقتراح السابق) يرى أن يأتي الحل من خلال دعم دور الدولة في الحياة الاقتصادية، مع الإشارة دوماً إلى أن وظيفة الدولة ليست مصادرة الأرباح والحد من حرية رأس المال الخاص، ولكن وظيفتها يجب أن تكون هي جعل الخسائر اجتماعية، وتسهيل عمل النظام الرأسمالي من خلال تنشيطه، وأنصار هذا الرأي يقترحون حلولاً كينزية أو شبه كينزية، مثل دعوة جهاز الدولة لتبني التخطيط الاقتصادي طويل المدى وقيام الحكومات بتنفيذ استثمارات عامة واسعة في مكافحة تلوث البيئة على سبيل المثال، أو بناء مساكن لمحدودي الدخل، أو تطوير مصادر جديدة للبطالة، وتوسيع وإعادة شبكات السكك الحديدية… الخ.
أخيراً ليس وآخراً، هناك من يعتبر أن الخروج من مأزق البطالة يكون من خلال دول الشمال الرأسمالي، وسيكون من خلال إنعاش دول الجنوب الفقيرة والمتخلفة، ويكون ذلك من خلال استثمار مليارات الدولارات في الجنوب، وسيؤدي استخدام هذه الأموال إلى سرعة إنعاش الطلب الكلي في السوق الرأسمالي العالمي، الأمر الذي سيؤدي إلى دوران عجلة الإنتاج والتوظيف والاستثمار على نحو يحل معضلة البطالة لدى الشمال، ودول الجنوب أيضاً، وهذا الاقتراح يذكّر بما نادت به الكينزية، ومن هنا يمكن اعتباره من قبيل الكينزية العالمية.
كانت تلك طائفة من الحلول والآراء المطروحة على ساحة الفكر الاقتصادي للخروج من مأزق البطالة، ولكن مهما يكن من أمر، فلا سبيل للخلاص من مأزق البطالة كما أعتقد ما دامت قدرة النظام الرأسمالي الإنتاجية تنمو بمعدلات أكبر من قدرته على الاستهلاك، وهنا يكمن لب المشكلة، وأن العائق الحقيقي للتغلب على هذه المشكلة يتمثل في المحتوى الاجتماعي للنظام الذي تعلو فيه مصلحة (الخاص) على (العام).
ولهذا، فأغلب الظن أن أية حلول سيؤخذ بها للتخفيف من حدة هذا المأزق ستكون من قبيل الحلول المسكنة.
إن هذه الأزمة هي أزمة هيكلية، وتشكل، كما جرى التطرق إلى ذلك، نقطة تحول حاسمة في تاريخ النظام الرأسمالي، وإن ثمة تغيرات هامة في السياسة والاقتصاد يجب أن تحدث حتى يظهر وضع تاريخي جديد، يكون مؤاتياً لاستئناف التوسع في عمليات الإنتاج وتراكم رأس المال، ومن ثم زيادة فرص التوظيف، أما في البلاد المتخلفة فليس هناك من سبيل فعّال أمامها للتخلص من مأساة البطالة، إلا بتحقيق التنمية المستقلة، التي تتوجه إلى الداخل، وتهدف إلى الإشباع المتزايد للحاجات الأساسية للسكان، ولن يتحقق ذلك إلا بتحقيق التحرر الاقتصادي وتعبئة الموارد الممكنة، وترشيد استخدامها من خلال نظام عقلاني يعتمد على التخطيط.