هو أكرم زعيتر (1909 – 1996) أديب وسياسي قومي عربي ولد في مدينة نابلس عام 1909، والده الشيخ عمر زعيتر (الجزائري) من كبار رجالات نابلس، وترأس بلديتها في أوائل القرن العشرين. أخوه العلامة عادل زعيتر شيخ المترجمين العرب. درس أكرم زعيتر الصفوف الابتدائية في مدينة نابلس، وأكمل دراسته الثانوية في كلية النجاح ثم انتسب إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، والتحق بعدها بكلية الحقوق في القدس.

زاول زعيتر في بداية حياته مهنة التعليم في ثانويات فلسطين، وعلى إثر الثورة عام 1929 في فلسطين وحملة المندوب البريطاني على الثوار العرب استقال من مهنة التدريس ليتفرغ للعمل في الحقل الوطني، فتولى رئاسة تحرير جريدة (مرآة الشرق) في القدس، وبعد ثلاثة أشهر من عمله في الصحافة قبض عليه وأودع السجن نتيجة لانخراطه في العمل الوطني، وحوكم بالإبعاد مدة سنة إلى نابلس، وهناك قاد المظاهرات الوطنية خاصة يوم إعدام الشهداء الثلاثة: فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير، ولدى عودته إلى القدس مرة أخرى تولى تحرير جريدة الحياة التي قامت بدور هام في تحريك أحداث عام 1931، لكن جرى اعتقال زعيتر وأُغلقت جريدة الحياة، وتم إبعاده مرة أخرى إلى مدينة نابلس حيث تولى التدريس في كلية النجاح، وألف مع نخبة من الأحرار جمعية العناية بالمساجين العرب. وفي تلك الفترة أسس مع عدد من رفاقه حزب الاستقلال العربي في فلسطين. وكان ينشر مقالاته الوطنية على صفحات جريدتي (الدفاع) و(الجامعة الإسلامية) اليافاوية.

اشترك أكرم في تأسيس عصبة العمل القومي في سوريا، وكان نائباً لرئيس مؤتمرها التأسيسي الذي انعقد في بيروت عام 1933، وحينما توفي الملك فيصل الأول في بغداد، مثّل أكرم حزب الاستقلال في مراسم جنازته، فالتقاه ياسين الهاشمي وطلب منه البقاء للعمل في معاهد العراق موجهاً قومياً، وهناك ساهم بتأسيس (نادي المثنى) و (الجوال القومي). بعد عودته إلى فلسطين شرع في عقد الاجتماعات الشعبية في جميع أنحاء فلسطين داعياً للمقاومة ولمجابهة الانتداب البريطاني. وعلى إثر الصدام الذي وقع عام 1936 بين الوطنيين الفلسطينيين وقوات الشرطة البريطانية دعا أكرم زعيتر إلى تأليف لجان قومية، وتولّى هو أمانة سر لجنة نابلس.

تولّت لجنة نابلس الاتصال بأحرار فلسطين والعرب ودعت إلى الإضراب العام الكبير الذي امتد ستة أشهر، والذي كان الممهد لثورة عام 1936، فاعتقل أكرم وكان أول معتقل في هذه الثورة، حيث أُرسل إلى سجن عوجا الحفير في صرفند، وبعد فترة لجأ إلى دمشق حيث حضر مؤتمر بلودان، وتولّى العمل الإعلامي للقضية الفلسطينية في سورية والدول المجاورة. وبعد مطاردة قوات الانتداب للأحرار العرب، اتجه أكرم إلى العراق حيث عمل مفتشاً في وزارة المعارف وأستاذاً في دار المعلمين العراقية إلى أن نشبت ثورة رشيد رضا الكيلاني عام 1941 فشارك فيها، وحين أخفقت الثورة لجأ أكرم وصحبه إلى بادية الشام واختفوا مدة فيها، ثم لجأ إلى حلب ومنها إلى تركيا ليقضي ثلاثة أعوام لاجئاً سياسياً في الأناضول.

بعد إعلان استقلال سوريا عام 1946م عاد أكرم إليها، وأصبح مقرباً من رئيسها شكري القوتلي، كما مثّل سوريا في كثير ممن النشاطات القومية، وكان مستشاراً لوفدها لدى جامعة الدول العربية، وعضواً في لجنة فلسطين الدائمة في الجامعة العربية.

في عام 1947 ترأس وفداً عربياً إلى أمريكا اللاتينية لشرح قضية فلسطين والدفاع عنها، واشترك في معظم المؤتمرات الوطنية والإسلامية المنعقدة في المشرق العربي، ثم تولّى أمانة سر الندوة الإسلامية في دوراتها الثلاث المنعقدة في القدس عام 1959، ومثّل الأردن في الدورة السادسة عشر للأمم المتحدة، وفي عام 1963 عُيّن سفيراً للأردن لدى سورية حيث أمضى قرابة العام ثم سفيراً للأردن لدى إيران وأفغانستان، وفي عام 1966 عُيّن وزيراً للخارجية الأردنية، وفي عام 1967 أصبح عضواً في مجلس الأعيان الأردني، ثم وزيراً للبلاط الملكي.

يوميات أكرم زعيتر: آمال الوحدة وآلام الانقسام (1949-1965)

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب يوميات أكرم زعيتر: آمال الوحدة وآلام الانقسام (1949-1965)، في جزأين، ويغطّي الجزء الثاني منه ما دوّنه زعيتر من يوميات بين عامي 1962 و1965، مستذكرًا وقائع وأحداثًا سياسية ومنعطفات تاريخية شهدتها المنطقة العربية، قبل حرب عام 1967، حينما كان شاهدًا على أسوأ مراحل الانقسامات والصراعات بين الدول العربية؛ إذ كان سفيرًا للأردن في سورية بين عامي 1962 و1963 في فترة الانفصال عن الوحدة (السورية – المصرية)، والتي أعقبتها فترة الانقلابات العسكرية، والخلافات بين البعثيين والناصريين، ثم انتقل سفيرًا في طهران وكابُل بين عامي 1963 و1965، قبل أن يصبح وزيرًا للخارجية الأردنية في عام 1966.

في الفصل الأول، “عام 1962″، يتطرق زعيتر إلى الكثير من الحوادث التي حصلت في هذا العام؛ فيتحدث عن لقاء جرى مع الملك حسين، والمؤتمر الإسلامي في القدس، وصراحة بهجة التلهوني عن أخطاء مع سورية ولبنان، ووزارة وصفي التل، والعلاقات الأردنية – السورية، والانقلاب الآخر في سورية، والإبعاد عن بيروت، والمؤتمر الإسلامي الذي عُقد في السعودية، واللقاء مع فيصل بن عبد العزيز. كما يتكلم عن خطة الحكومة الأردنية لإنقاذ فلسطين، فيروي أنه في 2 تموز/ يوليو 1962، سافر إلى عمّان، واجتمع بالدكتور حازم نسيبة، وزير الخارجية، وجرى نقاش حول القضية الفلسطينية، وموقف الحكومة الأردنية منها بحضور الشريف عبد الحميد شرف. فيقول زعيتر: “الوزير يتبنى المخطط الذي أعدّته حكومته لإنقاذ فلسطين، وهو يقضي بأن يكون الأردن مركز تجمع القوى للإنقاذ، وإنه هو المنطلق لمعركة التحرير، وذلك طبعًا يكون بموافقة الحكومات العربية، وبدفعها 20 مليون دينار إلى الأردن من أجل ذلك، وهو يقول إن موضوع إقامة كيان فلسطيني إنما يُحل بتسمية مملكة الأردن باسم مملكة الأردن وفلسطين، أي أن الأردن، بما فيه من كثرة فلسطينية، يمكن أن يكون هو ذاته الكيان الفلسطيني المنشود، وأن أية وزارة تتألف بعد ذلك يمكن أن تضم وزيرين يمثلان الفلسطينيين خارج المملكة، أي النازحين”.

ثم يضيف زعيتر: “الفكرة جميلة وسليمة من الناحية النظرية، لكنني رحت أوضح للوزير بعض ما يعترضها من صعاب، وأول الصعاب، فقدان الثقة لدى معظم الدول العربية بالأردن؛ فكيف تطلب ممن لا يطمئن إليك، ولا يثق بك، ويتهمك بمختلف التهم، أن يقدم إليك المال، وأن يجعلك أنت مركز تجمع القوى والمنطلق للخلاص؟ إنه يعتقد أنك تعتمد على الأجنبي في موازنتك، وأن هذا الأجنبي يهمّه وجود إسرائيل، والمحافظة على كيان إسرائيل، فكيف تقنع الدول العربية بأنك قادر على الإفلات من نفوذ ذلك الأجنبي والتحرر من رغباته، بل ومحاربة تلك الرغبات بالقوة؟ أما تسمية المملكة باسم [الأردن] وفلسطين، فقد كانت فكرة موفّقة لو اختير لها الزمن المناسب”. فكان أن طُلب من زعيتر الاطلاع على الخطة وإرساء تعديلاته عليها. وفي الفصل نفسه، يتحدث زعيتر عن قيام حركة فلسطينية، والتخوّف من فكرة الكيان الفلسطيني، وعلى تعديلاته على مخطط تحرير فلسطين، انتهاءً بمحاولة اغتيال الملك حسين في المغرب. ثم يتذكر المعارك الاستخباراتية، ورسالة جون كنيدي إلى الملك حسين، وتقديم أوراق الاعتماد للرئيس السوري ناظم القدسي، ومقال نبيه العظمة عن الانفصال عن الوحدة المصرية – السورية، واللقاء مع رئيس الوزراء السوري خالد العظم، ورواية معروف الدواليبي لحركة 28 آذار/ مارس، ثم اللقاء مع المفتي في دمشق ومع شكري القوتلي بعد غياب، وورود أسلحة إلى عُمان، والاعتداء الصهيوني على سورية، ثم الاتصال بالسوفيات.

في الفصل الثاني، “عام 1963″، يتذكر زعيتر المضبطة الطلابية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإغلاق الحدود (السورية – اللبنانية)، وإرهاصات انقلاب جديد في دمشق، والفتنة بين طلاب الجامعة، ووصول برقية مشفرة من وصفي التل، ثم الأزمة في الحكومة السورية، والانقلاب في العراق، والمقترح لإعلان الأحكام العرفية في الأردن، والقرار بالتدخل في سورية إذا وقع انقلاب ناصري، والخلافات بين القدسي والعظم، ثم توالي الانقلابات في سورية ولجوء العظم إلى السفارة التركية، ثم وقوع الخلاف (الناصري – البعثي)، ورأيه في حكومة التل، والمبادرات بين العراق والأردن، وعلاقة الأردن والسوفيات، واستقالة سمير الرفاعي وحلّ مجلس النواب، وتفاصل حديثه مع صلاح البيطار، واللقاء مع أمين الحافظ. وفي مسألة التدخل في سورية إذا وقع انقلاب ناصري، يروي زعيتر تفاصيل لقائه مع وصفي التل حين اضطر إلى مغادرة الغرفة، والذهاب إلى المطار لاستقبال زوجته. “وهنا، تلفنت إلى وزير الخارجية أرجوه الحضور إلى دار الرئاسة للاشتراك معنا في الحديث، وقد جاء، وبينما كنت أحدثه عما عندي من ملحوظات عن الأوضاع في سورية، فاجأني بقوله: إن هناك قرارًا اتُخذ للزحف إلى سورية، حالما يقع أي انقلاب أو حادث لمصلحة عبد الناصر، يتم من دون اجتماع مجلس الوزراء، وتلقائيًا. وقد طلب إليَّ أن أبحث في الأمر، وأن أشارك في تدبر الموضوع، والحيلولة دون الإقدام على ما قد تنجم عنه مضاعفات خطيرة غير مأمونة العواقب. قبل أن ننتهي من الحديث، قال لي: والآن، ما ترى يجب أن يكون واجبنا إزاء الاحتمالات في سورية؟”. وأبدى ميلًا إلى التدخل العسكري في حالة حدوث انقلاب ناصري. وقد رأيتني أقول له: هل أنتم مطمئنون إلى وضع الجيش الأردني؟ قال: كل الاطمئنان. إننا أرسلنا لواء مدرعات إلى حدود العراق، ولكننا لم نكتم الأمر عن العراقيين، بل أخبرناهم بهذا. إن الجنود في الجيش على ولاء عظيم لجلالة الملك، وهذا لا يعني طعنًا في ولاء الضباط”.

كما يتذكر زعيتر الصراع بين زياد الحريري والبعثيين، وموقف الإخوان المسلمين، ومرض خالد العظم في السفارة التركية، واستقالة لؤي الأتاسي، وتعيينه سفيرًا في طهران، والتصويت على مصير خالد العظم، والحوار مع أحمد الشقيري، والحجز على أموال شكري القوتلي، والوساطة بين الجزائر والمغرب، واللقاء مع علي أبو نوار، وأكبر هاشمي رفسنجاني وكتاب القضية الفلسطينية.

في الفصل الثالث، “عام 1964″، يستذكر زعيتر مشروع تحويل نهر الأردن، والبحث حول جمال الدين الأفغاني، والنقاش حول العلاقات العربية – الإيرانية مع الوفد العراقي، ومسألة البترول الإيراني إلى إسرائيل، والمؤتمر الفلسطيني في القدس، وزيارة الملك حسين لنابلس، واللقاء مع رئيس الوزراء الأفغاني. وفي مسألة بيع إيران بترولها إلى إسرائيل، يتذكر زعيتر من يوم 14 نيسان/ أبريل 1964: “بناءً على اتفاق سابق بين السفراء العرب ووزير الخارجية الإيرانية، السيد عباس آرام، كان السفراء في الساعة العاشرة في وزارة الخارجية. قلت للوزير: أرجو أن تكون زيارتكم للكويت والسعودية موفّقة، وأن تكونوا قد لمستم حقيقة المشاعر العربية نحو إيران. فأجاب: لقد كانت موفقة جدًا. لقينا من الحفاوة الكثير، ولمسنا من المشاعر النبيلة ما جعلنا مغتبطين. وبالغ الأمير فيصل في الحفاوة بنا، وكذلك الشأن في الكويت وما لقيناه من أميرها. وقال الوزير: أرجو أن أعلم سبب هذه الزيارة التي أنا مغتبط بها. فلخّص له السيد عدرة الموضوع، وهو يدور حول حرصنا على التأكد بأن إيران لا تبيع بترولها إسرائيل، وأعرب له عن قلقنا مما بلغنا بأن بترولًا إيرانيًا يُباع لإسرائيل. ونوّه بتصريح لجلالة الشاه، أكد فيه أن إيران لا تبيع قطرة مما يخصّها من بترول لإسرائيل. وهنا، سأل الوزير: وهل هذا موضوع بُحث في جامعة الدول العربية؟ فأجيب بالإيجاب. فقال: أما ما يخصّنا من بترول، حصة لإيران نفسها، فإننا ملزمون بأن نأخذ بما خطّه الشاه ولا نحيد عنه. أما ما يُباع من نفطنا، فهو إنما يُباع للكونسوريتوم، وليس في شروط العقد بيننا وبين الكونسوريتوم ما يجيز لنا الإشراف على ما تبيعه وما توزّعه، وإنما تنتهي علاقتنا بذلك البترول فور تسلّمه من قبل الكونسوريتوم مباعًا لها. ولسنا نعلم إذا كانت هي تبيع مما تشتريه شيئًا لإسرائيل”.

في الفصل الرابع، “عام 1965″، يتناول زعيتر في مذكراته مسألة يهود إيران، واغتيال حسن علي منصور، واللقاء مع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، ومحاولة اغتيال الشاه محمد رضا بهلوي، وأسئلته للملك، واستقبال الملك فيصل في إيران.

   في مسألة يهود إيران، يتذكر زعيتر من يوم 6 كانون الثاني/ يناير 1965: “في جيبي الآن رسالة تلقّيتها من وزارة الخارجية بعمّان، فيها نصّ حديث أدلى به أحد أعضاء الكنيست اليهودي إلى صحيفة، وفيه يتحدّث عن يهود إيران ونشاطهم، وحركة الطليعة بينهم، وكونهم سيوفدون ستة من اليهود الإيرانيين لحضور المؤتمر الصهيوني، وأنا بصفتي سفيرًا للأردن هنا، يفترض فيّ أن أبحث في صحة هذه الأنباء. إنني أريد أن أسألك، كيف تسمحون ليهود إيرانيين أن يحضروا مؤتمرًا صهيونيًا؟ كيف تقبلون أن يكون يهودي إيراني مزدوج الولاء؟ وأما أن يكون صهيونيًا إسرائيليًا، فكيف تقبلون وجوده بينكم، وحسبانه في رعاياكم؟ هذا مثال. اسمحوا لي أن أعلن على الملأ أنكم قررتم منع أي يهودي إيراني من الاشتراك في مؤتمر صهيوني. وهنا أجاب: إنني أستغرب ما أسمع. إنني لا علم لي بكل ما ورد في حديث مردخاي هذا. إنني أعلم أن إسرائيل قد تجاوزت كل حدّ في استغلال علاقاتها بإيران. وأنا قانع كل القناعة بوضع حدٍّ للنشاط الإسرائيلي في إيران، إنْ لم أقل بالقضاء عليه نهائيًا. إنني أرجوك أن تزودني بقصاصة الجريدة العبرانية التي نشرت الحديث المذكور، مع ترجمته إلى العربية، لأتّخذ الإجراءات التي ترضيك. إنني أوافقك على كل ما قلت بضرورة تعديل موقفنا من إسرائيل، وأرجو أن نستعين بآرائك على هذه الأساس، ولكني أحب أن أقول إن تعديل موقفنا، ومقاومتنا لإسرائيل، واستئصال نفوذها، ومحاربة نشاطها، لا يمكن أن يتم في جو من تهديدات عربية. إننا لا نقبل أن تُفرض علينا سياسةٌ ما فرضًا. فقلت له: لا فرض هناك. إن لكم أصدقاء من العرب يناشدونكم في سبيل مصلحتكم ومصلحة العرب معًا أن يكون جوابكم على الدعايات المُثارة ضدكم الموقف الحازم من إسرائيل، والحيلولة دون نشاطها. فقال: أعدك بأن أعمل على ذلك، وأوكد لك أن جلالة الشاه [محمد رضا بهلوي] قانع بهذا، وسترى في ما بعد ما يسرّك. فقلت له: يسرّني أن أسمع ذلك. هناك أكاذيب تُنشر حول إيران، وحول تعاونها مع إسرائيل، ومن واجبنا نحن تكذيبها، ولكننا لا نستطيع تكذيبها إذا لم نتحقق من كذبها منكم. كما أن هناك أخطاء تُرتكب في هذا الموضوع من جانبكم، فاسمحوا لنا أن نبدي رأينا فيها لكم بصراحة. فقال: أنا موافق. فقلت: إذن، أرجو أن تعيّن شخصًا موثوقًا ذا كفاية يمثّلكم، نستطيع أن نتصل به كلما اقتضى الأمر، نسأله أسئلة، ونبدي له آراءنا، ونسدي نصائحنا. فقال: وهو كذلك. إنني سوف أختار الشخص الذي تتوافر فيه هذه الصفات”.

سنوات الأزمة (1967: 1970)

هو كتاب (يوميات أكرم زعيتر: سنوات الأزمة 1967-1970)، وهو جزء من يومياته يدوّن فيه وقائع سنوات صعبة، هي سنوات الأزمة الممتدة بين عامي (1967: 1970)، حيث كان عضوًا في مجلس الأعيان الأردني، ثم وزيرًا للبلاط عقب حرب حزيران/ يونيو 1967. ومن موقعه هذا، يقدّم زعيتر صورة دقيقة للأوضاع؛ أردنيًا، وفلسطينيًا وعربيًا، عشية الحرب وخلالها، وفي أعقابها، موردًا الكثير من الوقائع والوثائق التي أضحت معروفة في خطوطها العامة، إلا أن تلك الإطلالة على بعض مراكز صنع القرار العربي تفسّر كثيرًا من الوقائع، وتشرح المسار الذي سلكته الحوادث قُبيل الهزيمة، وفي أثناء وقوعها، والتعامل مع تداعياتها ونتائجها بعد ذلك، مرورًا بتصاعد حركة المقاومة الفلسطينية بعد حرب 1967، واصطدامها بالنظام الأردني في أيلول/ سبتمبر 1970.

يتألف الكتاب (672 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) من مقدمة، وأربعة فصول، وباقة من الملاحق والصور.

يقدم زعيتر في يومياته في الفصل الأول، “عام 1967″، تفصيلات كواليس السياسة الأردنية حين كان عضوًا في مجلس الأعيان، وزيارته الكويت ولقائه الشيخ سعد السالم الصباح/ وزير الخارجية الكويتي، واتفاقية الدفاع المشترك بين الأردن والجمهورية العربية المتحدة، واندلاع الحرب مع إسرائيل، وتعيينه وزيرًا للبلاط الهاشمي، وإعدام سليم حاطوم ووفاة شكري القوتلي في سورية، وزيارته الأمم المتحدة وإيجاز الملك حسين عنها، ومضمون البرقيات المتداولة في أثناء المعركة، واتجاه الأردن إلى تشكيل حكومة عسكرية، ثم تأليف بهجة التلهوني الوزارة، ورحلته إلى الدول الإسلامية، وعودته منها إلى عمّان.

1968: المقاومة الفلسطينية والسياسة الأردنية

يتحدث زعيتر في الفصل الثاني، “عام 1968″، عن الاتجاه إلى الاتحاد السوفياتي طلبًا للسلاح، بعد الحظر الأميركي على تسليح الجيش الأردني، وعن لقاء تم بين الأمير شكيب أرسلان وبن غوريون في جنيف في الثلاثينيات، وتحذير أرسلان من مطامع بن غوريون واليهود في فلسطين حينها، وعن زيارة الرئيس اللبناني شارل الحلو في 19 كانون الثاني/ يناير 1968، وجولته في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وعن تطويق مخيم الكرامة، وفكرة حكم محلي في الضفة بإشراف منظمة الأمم المتحدة لمدة عام تحضيرًا لتسوية ما، وعن اشتباك مع العدو في التاسع من شباط/ فبراير. كما يتحدث عن التوتر بين إيران ودول الخليج، والغارات الإسرائيلية في السابع عشر من الشهر نفسه، وتصريح وزير الداخلية الأردني الشاجب لعمليات الفدائيين، والاتصال بحركة فتح، ومقترحات الإسرائيلي موشيه ساسون للحكم المحلي في الضفة الغربية، وعن معركة الكرامة، واجتماع الملك بكبار رجال الدولة لاطلاعهم على الموقف، وعن البرقيات المتبادلة مع الملك فيصل، ونتائج مفاوضات يارينغ، وعن خروجه من الديوان الملكي وعودته إلى مجلس الأعيان، والانقلاب في العراق، والمنشورات الإسرائيلية الملقاة في سماء عمّان. ويتناول أيضًا المحاولة الإسرائيلية لإقامة إدارة مدنية في الضفة الغربية، ونسف الطائرات في مطار بيروت.

1969: أحاديث السياسة والحكومة

يتحدث زعيتر في يومياته في الفصل الثالث، “عام 1969″، عن الاعتصام في كنيسة القيامة نفذته جمهرة من السيدات، مسلمات ومسيحيات، آلين على أنفسهن ألا يتناولن طعامًا حتى يتم الجلاء عن الضفة الغربية. كما يتحدث عن تكليف عبد المنعم الرفاعي بتأليف الحكومة الأردنية الجديدة، وشن إسرائيل غارة جوية في 26 آذار/ مارس على منطقة استراحة عين حريز الواقعة على طريق السلط – وادي شعيب، “أدت إلى استشهاد ثمانية عشر شخصًا، وجرح خمسة وعشرين؛ جراح عشرة منهم خطِرة وجميعهم من المدنيين، وتدمير ست سيارات شحن مدنية وسيارة أجرة وسيارة للأشغال العامة، وتدمير ستة منازل مدنية وإلحاق أضرار بالطريق العام”. ويتحدث أيضًا عن إحراق الأقصى في آب/ أغسطس، وعن تظاهرات عمان في 22 تشرين الأول/ أكتوبر احتجاجًا على موقف السلطات اللبنانية من الفدائيين الفلسطينيين، والاصطدام الذي أدى إلى استشهاد ستة منهم في قتال دار بينهم وبين الجيش اللبناني، وعن تعيين زيد الرفاعي رئيسًا للديوان الملكي.

1970: أيلول الأسود ومخاضات ما بعد النكسة

أما الفصل الرابع، “عام 1970″، فيتحدث فيه زعيتر عن انتقال القيادة الفلسطينية من أحمد الشقيري إلى ياسر عرفات، والمؤتمر الإسلامي في القدس في عام 1931، والاشتباكات المسلحة بين قوات أمن البادية والفدائيين الفلسطينيين، والمباحثات بين الفدائيين والحكومة الأردنية، وجمعية الكفّ الأسود، ومحاولة الاعتداء على موكب الملك حسين في 9 حزيران/ يونيو، والاشتباكات بين الجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين، ووضع العراق جيشه تحت تصرف الملك حسين، وتوتر علاقة وصفي التل بالفدائيين، وتكليف عبد الوهاب المجالي بتشكيل الحكومة، ثم تشكيل اللجنة الرباعية العربية، وموقف أبو عمار من الوزارة، ثم تأليف عبد المنعم الرفاعي الوزارة، والتلويح بحكومة عسكرية، ثم تعثّر المفاوضات بين الحكومة والفدائيين، واتفاق الحكومة والمقاومة الفلسطينية، وموافقة عبد الناصر على مبادرة روجرز، ثم محاولة اغتيال الملك حسين في الأول من أيلول/ سبتمبر، وتحذير العراق الحكومة الأردنية من أن القوات العراقية المرابطة في الأردن ستقف في صف الفلسطينيين، ورد الحكومة على لسان رئيسها الرفاعي على المذكرة العراقية. كما يورد زعيتر تفصيلات محاولة اغتيال الملك الأردني، واتفاق ما قبل الانفجار، ومسألة خطف الطائرات، وتجميد اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية عضوية الجبهة الشعبية بعد تفجيرها الطائرات المحتجزة في الصحراء، وتأليف حكومة عسكرية وتجميد الاتفاق مع الفلسطينيين، واندلاع المواجهات المسلحة في 17 أيلول/ سبتمبر، ورسائل جمال عبد الناصر، والتدخل العسكري السوري في المسألة، واعتقال صلاح خلف وفاروق القدومي، تغيّر لهجة القاهرة تجاه عمّان وسكوتها عن التدخل السوري، والدعوة إلى مؤتمر قمة عربي في القاهرة، واجتماع ياسر عرفات بالوفد العربي، وتكليف أحمد طوقان بتأليف حكومة مدنية، وزيارة الملك الأردني إلى القاهرة، وتشكيل لجنة عربية للإشراف على وقف إطلاق النار، ثم وفاة جمال عبد الناصر، ثم انقلاب حافظ الأسد في سورية، وتجدد إطلاق الرصاص في عمّان، واندلاع الاشتباكات في جرش، ثم جمع سلاح الميليشيات.

اكرم زعيتر في لبان

أثناء إقامة أكرم زعيتر في لبنان في الثمانينات ساهم بنشاط في الحركة الثقافية، وكان رئيساً للمركز الثقافي الإسلامي لسنوات طويلة، كما شارك الشعب اللبناني آلامهم ومعاناتهم أثناء الحصار الإسرائيلي لبيروت عام 1982، فقد أُصيب منزله كما احترقت مكتبته التي تضم رسائل من كبار الشعراء والأدباء العرب في الوطن والمهجر، فسبب ذلك له حزناً عميقاً، فغادر بيروت إلى عمان، حيث تولّى رئاسة اللجنة الملكية لشؤون القدس.

كان زعيتر عضواً في مجمع اللغة العربية الأردني، وعضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية بدمشق، كما كان عضواً في المجمع الملكي لبحوث الحضارات الإسلامية في مؤسسة آل البيت. كان أكرم زعيتر خطيباً مفوهاً تأثر أدبه بالجاحظ وأبي حيان التوحيدي وابن حزم، كما تتلمذ على شقيقه عادل زعيتر، و محمد إسعاف النشاشيبي وأمير البيان شكيب أرسلان، و خليل السكاكيني الذي ارتبط به أكرم بوثاق شديد، وظل طوال عمره يباهي بتتلمذه على يد هذا الأديب الكبير، وبلغ من تأثره بعلمه وشخصه أن أطلق اسم (سري) على بكر أبنائه تشبهاً بأستاذه السكاكيني أبي سري.

وفاته

توفي أكرم زعيتر بمنزله في عمان إثر إصابته بسكتة قلبية يوم الخميس الموافق الحادي عشر من نيسان سنة 1996، فصلي على جثمانه في مسجد مدينة الحسين الطبية، ووري الثرى في المقبرة الإسلامية في سحاب بالقرب من عمان.

مؤلفاته

احتلت مؤلفات زعيتر مكانة مرموقة في المكتبة العربية، وقد انفرد بتسجيل أدق تفاصيل الكفاح الفلسطيني لحظة حدوثها بأمانة وموضوعية، ومن أهم المؤلفات:

-تاريخنا، طبع سنة 1935 بالاشتراك مع درويش المقدادي.

-المطالعة العربية، طبع سنة 1939 مع محمد ناصر.

-التاريخ للصفوف الابتدائية، طبع سنة 1940 مع علي الشريقي وصدقي حمدي.

-التاريخ الحديث، طبع سنة 1940 مع مجيد خدوري.

-رسالة في الاتحاد، طبع سنة 1945 بالاشتراك مع ساطع الحصري وكامل مروة.

-مهمة في قارة، طبع سنة 1951.

-القضية الفلسطينية، طبع سنة 1955 نقله موسى خوري إلى الإنكليزية سنة 1958 كما نقله أكبر هاشمي رفسنجاني إلى الفارسية سنة 1965 ونقله د. شمس إلى الأردية.

-وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية، (1918-1939)، طبع سنة 1979. مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

-الحكم أمانة، طبع سنة 1979.

-بدوي الجبل وإخاء أربعين عاماً، طبع سنة 1987، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

-بواكير النضال، من مذكرات أكرم زعيتر 1909-1939) طبع سنة 1993 المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

-من أجل أمتي، (من مذكرات أكرم زعيتر 1939-1946) طبع سنة 1993 المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

-صفحات ثائرة، من مقالات أكرم زعيتر، دار البشير / عمان.

-أوراق أكرم زعيتر، وثائق القضية الفلسطينية (1918 ـ 1940).

-يوميات الثورة الكبرى والإضراب العظيم (1936 ـ 1939)

-يوميات أكرم زعيتر، وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية (1935 ـ 1939). طبع سنة 1980. مؤسسة الدراسات الفلسطينية.