بقلم/ محمد بغدادي (باحث دكتوراه)

   ما مدى التدخل التركي في الأراضي الليبية؟ وهل ستتحول ساحة الصراع الليبي إلى حلبة مصارعة بين أقطاب دولية بقيادة أنقرة وموسكو؟ وكيف تناور القاهرة للحفاظ على حدودها الغربية مع ليبيا؟ كيف تقرأ واشنطن مشهد الصراع الجديد في شمال القارة السمراء؟ فما حدث من تطورات فى الأراضي الليبية خلال الأيام الأخيرة فى غاية الخطورة ويفرض نفسه على الساحة وبعمق ويحتاج للبحث والدراسة، واستمراره بهذا الشكل يعنى فرض واقع جديد ومرير يهدد الأمن القومى المصرى والعربى. حيث تحركت القاهرة فى الأيام الأخيرة، ونجحت فى حل الخلافات العالقة بين قائد الجيش الليبى خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب الليبى عقيلة صالح، ثم شاهدنا إعلان القاهرة عقب اجتماع الرئيس عبدالفتاح السيسى مع كل من حفتر وصالح مع بداية هذا الأسبوع، ويذكر أن مصر كانت أعلنت عن مبادرة سياسية تمهد لعودة الحياة الطبيعية إلى ليبيا، محذرة من التمسك بالخيار العسكري لحل الأزمة في ليبيا. وأشار الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أن الحل السياسي هو الوحيد لحل أزمة ليبيا، وأن أمن مصر من أمن واستقرار ليبيا. وأعلن عن مبادرة ليبية- ليبية لحل الأزمة تحمل اسم “إعلان القاهرة”، تدعو لاحترام كافة والقرارات الدولية بشأن وحدة ليبيا، في خطوه يراها مراقبون جاءت في التوقيت المناسب.

   ومن جهته وجه المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان وقبائل ليبيا نداء فورياً لكل الحكومات العربية الإسلامية ولجامعة الدول العربية ولمجلس الأمن بضرورة اتخاذ موقف صارم ضد التدخل التركي في شؤون ليبيا الداخلية. كما دعا في بيان إلى حماية ليبيا من خلال دعم جيشها واحترام إرادة شعبها، والإسراع في تدارك الموقف الميداني الخطير بتفعيل الاتفاقية الموقعة بشأن الدفاع العربي المشترك ووقف اجتياح الاستعمار التركي للأراضي الليبية. وطالب مشايخ ليبيا رئيس مجلس النواب الليبي بمتابعة طلبه لمجلس النواب المصري بشأن تنفيذ اتفاقيات الدفاع الليبي المصري المشترك.

   وبنظرة في التاريخ نجد أن الأطماع التركية بدأت فى ليبيا منذ عقود باحتلال العثمانيين للأراضى الليبية ونهب ثرواتها ، وتوسعت أطماع الأتراك فى البلاد بعد ثورة الفاتح التي قادها العقيد الراحل معمر القذافي، وحاولت أنقرة ابرام تحالفات خفية مع عدد من المسئولين في نظام القذافي إلا أنها فشلت في تلك التحركات ما دفعها للجوء إلى الاختراق الاقتصادي للبلاد عبر جماعة الإخوان وتحديدا خلال فترة طرح سيف الإسلام القذافى لمشروع “ليبيا الغد” وشروع التيارات الليبية المتشددة خلال القيام بمراجعات.

    فحاكم تركيا أردوغان يستقبل بصفة مستمرة السراج ، ويؤكد دعمه لحكومة الميليشيات التى حوّلها بطريقة غير مباشرة لمتحدثاً بإسم الاحتلال التركى السافر للأراضى الليبية. فأردوغان لم يعد يخفى أطماعه فى طرابلس، فمشروعه للهيمنة العثمانية على المنطقة تلقى ضربة شديدة اللهجه فى ٣٠ يونية ٢٠١٣ بإسقاط الشعب المصرى لنظام الإخوان المسلمون، لكنه لم يستسلم وأخذ يناور ويناور، وما يفعله فى ليبيا هو محاولة جديدة لتكرار ما فشل فيه طوال السنوات السابقة.

   ويرى المحللون أن طرابلس فى حاجة لاستدعاء روح الجهاد ضد المستعمر لمواجهة هذا التغول العثمانى الذى يسعى بالأساس لبسط سيطرته بشكل كامل على شمال افريقيا وليس على ليبيا فقط، وهو ما يتطلب تكثيف الجهود العربية وتوحيد الصفوف لصد الغزو العثماني. كما يٌشار إلى أن أنقرة قامت بعدة عمليات في السنوات الماضية في دول مجاورة، خصوصا في سوريا والعراق، بهدف محاربة مقاتلين أكراد وجهاديين كما تقول. ولكن في الحالة الليبية، فإنّ تركيا لا تتقاسم حدودا برية مع ليبيا الواقعة على مسافة 1500 كلم، ما يطرح عدة إشكالات لوجستية لبلد قد يعاني من ضعف على مستوى قدراته في توسيع نطاق الأعمال العسكرية. ويقول أولغن إنّ “التحدي الأول يتمثل في إمداد القوات”، فيما يتمثل الثاني في “تحقيق التفوق الجوي” الضروري للتحكم بميادين القتال.

    كما سعت أنقرة جاهدة، عبر مسارات مختلفة، للاستفادة «قدر الإمكان» من أجواء الحرب الليبية، للخروج بحزمة مكاسب تمكنها من رسم خريطة البلد الغني بالنفط، على نحو يخدم مصالحها. وهي إذ تعلل بحماية «جغرافيتها وإرثها القديم»، تتزايد المخاوف من أن تشرع «الانتهازية التركية» الباب أمام حرب إقليمية ربما تطول، سيكون الخاسر فيها الشعب الليبي بكل أطيافه ومناطقه. لذلك فهناك تساؤلات كثيرة ومتعددة منها: هل النفط الليبي هو ما تناور عليه أنقره؟ أم أنها تحاول أن تجعل القاهرة في حالة عدم استقرار؟ وكيف يمكن لواشنطن أن تعرقل هذا التحرك التركي؟ وما الذي تسعى موسكو إليه هل هو استعراض للقوة والتواجد بشكل فعال في الشرق الأوسط أم أنها تبحث لها عن مكان مع استغلال البترول الليبي. ورغم ذلك أقول وبكل صدق أن نهب ثروات طرابلس هو الشغل الشاغل لأنقرة في تواجدها الجديد بمنطقة الشرق الأوسط مع البحث عن ثقل سياسي ضد مداهمات واشنطن لها.

Print Friendly, PDF & Email