قضايا أمنية

أهمية التنظير لموضوع الأمن القومي العربي: التطور المعاصر لأمن منطقة الخليج العربي

مشكلة الأمن القومي العربي أضحت بحيث لم يعد من الممكن الاستمرار في تجاهل صياغتها في منطق متماسك ومتكامل. التطورات التي تعيشها تفرض علينا وحدة في الرؤية وتجانسا في القناعة المتعلقة بالتعامل مع المشاكل بل لأن حقائق جديدة فرضت نفسها خلال الأعوام الخمسة الأخيرة جعلت المنطقة العربية تقفز إلى موضع الصدارة من الصراعات الدولية.

(أولا) فالصراع العربي الإسرائيلي لم يعد اليوم دعوة شعب مشرد لأن يخلق لنفسه وطنا يأمن فيه على نفسه ليعيش أبناؤه حياة عادية كأي شعب آخر من الشعوب المنبوذة وقد وجد في إسطورة الوعد الإلهي سندا لشرعية دعائه. إنه قد أحال أمة قد تجانست وشجعتها الظروف لن تكون قاهرة تسعى إلى السيطرة على إقليم كامل والتحكم في خيراته. ليس الشعب المنبوذ المعذب الذي نتعامل معه وإنما المجتمع الذي يدعي حق السيطرة والقيادة والاستغلال للشعوب الأخرى. وبعبارة أخرى لقد تحول الصراع العربي الإسرائيلي إلى مرحلة جديدة في تطور الاستعمار الأجنبي للعالم العربي.

(ثانيا) كذلك فإن المنطقة قد أضحت محور الصراع بين القوتين الأعظم فالولايات المتحدة تجعل من هذه المنطقة خنجرا مصوبا إلى القلعة السوفيتية في أضعف مواقعها والاتحاد السوفيتي لا بد وأن يجيب على ذلك ولو من باب الدفاع عن النفس ومن ثم فإن المنطقة تصير مسرحا لصراع لا ناقة لها فيه ولا جمل. ومن الطبيعي أن كلتا الدولتين الأعظم تملك تصورها لتوظيف المنطقة في ذلك الصراع. فأين تصورنا وأين إدراكنا القومي بجميع هذه الحقائق التي لا بد وأن تنعكس على جميع عناصر إدارتنا لصراعاتنا المحلية والإقليمية والدولية؟

(ثالثا) كذلك فنحن نتناسى أن العالم المقبل سوف يعاصر قوى جديدة وسيطة وهي جمعيها تنبع على حدود المنطقة العربية أو مرتبطة ومترابطة معها من حيث المصالح والأهداف. وسواء كانت هذه القوى الجديدة والمتوقعة قادرة على أن تعيد تشكيل علاقة التوازن الدولي أو لن تستطيع ذلك فإنها لا بد وأن تحدث آثارها في طبيعة علاقات الأسرة الدولية. فأوروبا الغربية في أقصى الغرب والهند في أقصى الشرق وبينهما أكثر من قوة واحدة قادرة على أن تعلب دورها على الأقل في علاقات التوازن الإقليمية حول المنطقة العربية كإيران وتركيا والحبشة على سبيل المثال. هذه القوى الجديدة لا بد وأن يغريها ضعف المنقطة العربية ولا بد وأن ازدياد قوتها يجعل منها خطرا جديا على تماسك وقوة العالم العربي. ونحن نشاهد ما يحدث حاليا في غيران وهو فصل ورغم أنه لم ينته بعد إلا أنه قابل للتكرار في أكثر من موقع واحد بل وفي جميع حدود الوطن العربي. وتزداد المأساة عمقا لو تصورنا توافقا بين تلك القوى المحيطة بالمنطقة العربية الأمر الذي يجب أن يفرض على الإرادة العربية حركة واعية لا فقط لمواجهة تلك الاحتمالات بل وللأخذ بمبدأ المبادرة لمنع مثل ذلك التوافق. ويجب بهذا الخصوص إلا ننسى الهند التي تتقدم بثبات والتي تواجه مشكلة ديموجرافية عنيفة ولن تجد لها حلا إلا في مواقع الجذب حولها والقريبة منها وبصفة خاصة منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة السعودية.

(رابعا) والواقع أن أخطر ما تعيشه المنطقة العربية منذ قرابة خمسة أعوام وما هو معد لأن يحدث آثاره العميقة في الأعوام القادمة وما يفرض أيضا النظرة الشمولية للتعامل مع المنطقة هو الترابط بين جميع أجزاء التوتر حول منطقة الشرق الأوسط. فشرق البحر المتوسط ابتداء من وسط أوروبا حتى تركيا ومنطقة القلب في العالم العربي الممتدة من شمال سوريا حتى جنوب السودان بما في ذلك جميع أجزاء البحر الأحمر ثم الخليج العربي دون استثناء الأجزاء المتاخمة له وامتداداته البحرية حتى وسط المحيط الهندي وعلى وجه التحديد حتى جزيرة دييجو جارسيا أضحى مسرحا واحدا ومتكاملا لعمليات الكر والفر بين المواجهة والتسلل الأمريكي من جانب ورد الفعل السوفيتي من جانب آخر. هذا الترابط الذي يستند كلية وشاملة بين القوى العظمى يفرض على الجانب العربي بدوره إدراكا استراتيجيا متكاملا لا يقتصر على جزئية أو منطقة دون الأخرى.

جميع هذه الحقائق تنبع من طبيعة التطورات التي تعيشها الأسرة الدولية. وإذا كان التعرض لهذا الموضوع أي تطور الأسرة الدولية ليس هدفنا في ذاته من هذه الدراسة، فإن تحديد بعض ملامحه العامة المرتبطة بالمنطقة ضرورة لازمة لفهم مدى أهمية التوقف لبناء نظرية متكاملة لمفهوم الأمن القومي العربي. العالم يعيش اليوم ما يسمى بالحرب الباردة الجديدة. واحتمالات حرب عالمية جديدة ثالثة أضحت واردة في حساب أي محلل على قسط معين من الحصافة والواقعية. والعالم الثالث ارتفعت أهمية بعض أقطابه واحتلت وضعا متميزا يجعل صوتها له وزنه في نطاق الصدامات الدولية. والمنطقة العربية لم تعد مجرد مسرح للأحداث بل أضحت إرادتها بدورها طرفا متعاملا. وهي جميعها متغيرات لا بد وأن تطرح مشكلة الأمن القومي العربي من مختلف أبعاده وبديناميات جديدة على أن الأمر الذي يجب أن يلفت الانتباه وأن يفرض المراجعة الفكرية هو موضع الخليج العربي من الصراعات الدولية في الثمانينات. هذه الناحية التي كثيرا ما يتعرض لها المحللون على حدة بل وباستقلال عن مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي تفرض علينا وقفة تأمل ولو موجزة منذ بداية هذا التحليل.

ملاحظتان يجب أن نبدأ بهما: الأول حول حقيقة العلاقة بين منطقة الخليج ومنقطة السويس. والثانية حول الأهداف الخفية التي تسيطر على القوى الكبرى في تعاملها مع منطقة الخليج. بالنسبة للناحية الأولى فإن هذه العلاقة القديمة منذ أن قدر للعالم أن يعرف أن التحرك البريطاني عند احتلال نابليون لمصر كان أحد دوافعه الخوف على النفوذ البريطاني في منطقة الخليج. على أن هذا الترابط ارتفع إلى القمة خلال الأعوام العشرة الأخيرة. وذلك لأسباب عديدة بعضها يعد إلى تطور عملية نقل البترول واتجاه السعودية وكذلك العراق إلى جعل موانئ البحر الأحمر هي الأساس في تصدير الطاقة الواردة من منطقة الخليج. أضف إلى ذلك التطور الرهيب في أدوات القتال التي الفت ولو نسبيا عامل المكان وربطت بين المساحات ومن ثم وسعت ميدان العمليات. الملاحظة الثانية تذكرنا بضرورة الأخذ بكثير من الحذر تلك التصريحات والتقارير التي تنشرها الجهات المسئولة وبصفة خاصة المنسوبة إلى القوتين الأعظم. هناك فارق خطير وأساسي بين الأحداث المعلنة الأهداف الحقيقية بل ما هو أداة للتمويه حول الأهداف التي تنوي فعلا أن تسعى إلى تحقيقها القوى المسئولة. ولنتذكر على سبيل المثال موضوع استخدام سلاح الغذاء في مواجهة دول الخليج الذي هدد به كيسنجر أثناء وجوده في وزارة الخارجية. إن الذي نعلمه اليوم هو أنه في نفس اللحظة التي كان يفعل فيها ذلك كان أمامه تقرير المخابرات الأمريكية بعدم فاعلية استخدام ذلك السلاح بالنسبة لدول الخليج. هذه الملاحظة تفرض من جانب آخر ضرورة المراجعة والتأمل بخصوص مراكز الدراسات الاستراتيجية القومية والتي لا موضع لها حتى الآن في تقاليدنا العربية.

يقال دون مبالغة أن أكبر تحد تواجهه الولايات المتحدة خلال الأعوام القادمة هو موقفها وقدراتها الحقيقية وفاعليتها في حماية مصالحها الحقيقية في منطقة الخليج العربي. والواقع أن ستة اتجاهات من حيث صياغة سياسة التعامل مع تلك المنطقة التي كثيرا ما يتفاعل الواحد منها مع الآخر باسم التهديد السوفيتي ما يشوه من حقيقة المتغيرات الدفينة تسيطر على هذه المنطقة وتجعل منها المحور الحقيقي للتعامل الفكري مع مفهوم الأمن القومي العربي.

أول هذه الاتجاهات هو أن هذه المنطقة أضحت اليوم تخضع لعلمية جذب ثورية عنيفة. ليس فقط بمعنى أنها عرفت حركات لا تزال ذكراها قائمة كحركة ظفار بل وكذلك لأنها تتوسط اليوم أكبر أربع حركات ثورية كل منها لها دلالتها. فهناك ثورة الخميني وبغض النظر عن طابعها القومي الفارسي فهي عامرة بالمعاني الإسلامية والمرتبطة بحركة التحدي لجميع القوى العظمى. وإلى جوارها بمعنى آخر نجد التطورات التي تعيشها أفغانستان. ولا نستطيع أن ننسى أن اليمن الجنوبية تعد بدورها لوظيفة لا يمكن أن يستهان بها. والحديث عن اليمن الجنوبي يقود بالضرورة إلى طرح علامات الاستفهام حول الحبشة. ويزيد من جميع هذه الاستفهامات خطورة حقيقة مزدوجة. أن النظم السياسية الموالية للحكومات والمصالح الغربية والأمريكية هي في حقيقتها نظم ضعيفة وفاسدة ولا تستطيع أن تواجه أي ضربة حقيقية. ولنتذكر بهذا المعنى جميع دول الخليج بما في ذلك السعودية لو استثنينا العراق. بحث أن المخاطر التي تواجهها تلك النظم لا تأتي فقط من الخارج بل ومن توظيف الصراعات المحلية والداخلية. كذلك من جانب آخر فإن الثروة البترولية أدت إلى طفرة حقيقية وإلى تطور سريع اجتماعي  وسياسي لا يستطيع المحلل مهما بلغ من دقة أن يحدد أبعاده. ديموقراطية التعليم خلقت قوى جديدة سوف تلعب دورها. وهو لن يكون في صالح أي من القوتين الأعظم والواقع أن ما يحمي هذه النظم الرجعية من السقوط هو أن المنطقة لم تعرف حتى الآن نظاما يجمع بين التقدم وحماية كرامة الفرد من جانب والحرية الديموقراطية من جانب آخر. ولو وجد في المنطقة مثل هذا النظام لاستطاع أن يغزو جميع أجزاء منطقة الخليج دون رصاصة واحدة.

(ب) كذلك فإن المعنى الجديد الذي تحتويه الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج لا بد وأن تفرض أبعادا مختلفة على توظيف هذه المنطقة من جانب القوى العظمى. لأول مرة تصير الولايات المتحدة في حاجة إلى استيراد قرابة 20% من استهلاكها النفطي من تلك المنطقة. أوروبا الغربية بدورها تستورد 60% بينما اليابان لا تستطيع أن تستورد أقل من 90% من نفس المنطقة. والقوى الثلاث ورغم جميع التنافسات تقف في معسكر واحد. الازدهار الاقتصاد الأمريكي يتوقف اليوم إلى حد كبير على استمرارية تدفق النفط العربي من هذه المنطقة.

الشعور بالتبعية من جانب الدول الصناعية كان لا بد وأن يحدث آثاره في أكثر من بعد واحد. وخصوصا لو تذكرنا أن مشكلة نقل هذه الطاقة تمثل العديد من المخاطر أيضا في حالة السلم. وحرب الأيام الستة لقنت الولايات المتحدة درسا قاسيا لم تستطع أن تستوعبه إلا عندما سعت لإعادة فتح قناة السويس. ثم جاءت حرب أكتوبر فأكملت الدلالة. وتؤكد هذه التبعية ناحية السيولة النقدية التي أضحت بدورها تمثل هاجسا خطيرا في ذهن جميع القيادات البيضاء دون استثناء رجال المال في القارة الجديدة. إن علينا أن نفهم معنى التطور الخطير الذي تعيشه الأسرة الدولية وأبعاده المستقبلية من الناحية الاقتصادية. مراكز الثقل الحقيقي في التعامل الاقتصادي لم تعد في أوروبا وإنما انتقلت نهائيا ما بين عواصم المال في الولايات المتحدة ثم الخليج العربي من جانب ومنطقة الشرق الأقصى من جانب آخر. ومشكلة السيولة النقدية وحرب الاستثمارات على وجه التحديد لم تعد تتحكم فيها سوى القيادات الخليجية.

(جـ) ويرتبط بذلك تطور آخر قد يبدو لأول وهلة بعيد الصلة بالواقع العربي. على أن النظرة الفاحصة لا بد وأن تؤكد العلاقة الوثيقة. ذلك التطور يدور حول تفجر قوى العالم الثالث التقليدية. لقد عرفنا في الحقبة الماضية قوتين على وجه التحديد كان لكل منهما أثر واضح في تطور الأحداث. الأولى منظمة عدم الانحياز، والثانية منظمة الأوبك. الأولى في عصر العمالقة تيتو ونهرو وسوكارنو وعبد الناصر كانت قادرة على أن تخلق اضطرابا في التعامل الدولي في أي لحظة يحلو لقياداتها أن تتصدى للدول الكبرى. بل وكانت حول تلك الكتلة الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن. وانتهت تلك الحقبة باختفاء القيادات الكبرى وبهزيمة حقيقية للولايات المتحدة وبصفة خاصة في أفريقيا دون انتصار حقيقي لموسكو. ولكن النتيجة التي آن الأوان لأن يسلم بها الجميع أن دول العالم الثالث تتكتل باسم عدم الانحياز قد فشلت في أن تحقق أي هدف لها وقد أثبتت الخبرة أننا في إطار دولي لا يسمح بسيادة هذا المفهوم. بل أن طبيعة المشاكل التي تواجهها دول العالم الثالث تفرض عليها الانحياز. وهكذا برز واضحا أن هذا الفراغ يجب ملؤه وبرز أيضا واضحا أن كتلة الدول الإسلامية هي القادرة على ملء ذلك الفراغ. ورغم أن هذه الكتلة لا تزال غير واعية في السعي حثيثا نحو ذلك الهدف إلا أن الأعوام القادمة وبصفة خاصة لو قدر لحركة الخميني أن تعتدل ولو قدر للحركات الإسلامية الأخرى أن تتلاقى في بناء تنظيمي اصلاحي واقعي سوف نشاهد مثل هذا التطور.

من جانب آخر فإن منظمة الأوبيك التي هي من حيث جوهرها تعبير عن دول العالم الثالث البترولية تفجرت وبصفة خاصة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. وللمرة الأولى منذ قرابة عشرين عاما نجد أكثر من نصف بترول العالم الدولي يأتي من دول لا تنتمي إلى منظمة الأوبيك: المكسيك ودول بحر الشمال على سبيل المثال. مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة سعت بسياسة خبيثة إلى تحقيق هذا الهدف منذ حرب أكتوبر. ولم تدخل في اعتبارها أنه ليس في صالحها خلق الفوضى في السوق الدولية البترولية. ولكن الأمر الذي يعنينا هو أن تفجير منظمة الأوبك سوف يعطي لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول دفعة جديدة ومستقلة وسوف يضفي عليها أهمية لم تكن حتى الآن تملكها. فهي عندما نشأت لم يكن الهدف منها سوى منع استخدام البترول في الصراع العربي الإسرائيلي. ولكن لو قدر لمنظمة الأوبك التفتت الكامل فإنها، وبحكم الكم البترول العربي، سوف تحل محل هذه الأخيرة ولو نسبيا في التحكم أو على الأقل التأثير في السعر الدولي للبترول الخام.

(د) الخليج العربي يلعب دورا خطيرا في السياسة الأمريكية ليس فقط بمعنى حماية أمن دول غرب أوربا وليس فقط بمعنى تهديد الأمن القومي السوفيتي ولكن وهو ما لم يلحظه المحللون العرب حتى الآن فهو أداة للضغط المباشر على دول أوربا الصناعية واليابان.. كيف؟ المتتبع لتطور علاقات الأسرة الرأسمالية وما يرتبط بذلك من هيمنة أمريكية يلحظ تقلصا متزايدا وضعفا مستمرا في القبضة الأمريكية، أسباب ذلك عديدة: الضعف الأمريكي الداخلي وأزماتها الاقتصادية من جانب، ثم القوة الأوربية والايناع الاقتصادي وبصفة خاصة في اليابان وألمانيا الغربية وفرنسا من جانب آخر فضلا عن تدهور الهيبة الأمريكية عقب الصفعات العديدة التي تلقتها وأخرها حادث الرهائن في إيران. على أن هذا التدهور يعكس حقيقة يعترف بها علماء الاقتصاد. فالولايات المتحدة كانت تمثل 50% من دخل العالم انخفضت لتصير في عام 1978 30% فقط. والمتوقع أنها في خلال فترة خمسة عشر عاما لن تتجاوز 20%، بل في هذه اللحظة هناك دول أوروبية تمثل متوسطا للدخل الفردي أعلى بدرجة ملحوظة من متوسط الدخل الفردي في الولايات المتحدة ولنذكر على سبيل المثال سويسرا والسويد والدانمرك بل وألمانيا الغربية التي خرجت من الحرب دولة مهزومة ومحطمة. وقد ارتبط بهذا التطور الداخلي مجموعة أخرى من التقلصات التي عبرت عن تدهور حقيقي في القدرة والفاعلية الأمريكية. ظهور اختلال في ميزان المدفوعات وبصفة خاصة في أعقاب حرب فيتنام: تدهور الدولار في لحظة معينة من حيث علاقته بالعملات القوية الأخرى؛ التوغل الياباني في السوق الأمريكي واكتساح بعض الأسواق التقليدية التي ظلت حتى وقت قريب محتكرة من جانب الصناعة الأمريكية.وهكذا بدأت تبرز حركة استقلالية في السياسة الدولية لم تعهدها من قبل الدبلوماسية الأمريكية. فرنسا الديجولية التي كانت استثناء أضحت القاعدة. ظهر ذلك واضحا في أزمة أفغانستان وكذلك في مشكلة إيران بل وإزاء نفس الأحداث التي عاصرتها ولا تزال بولندا.

وهنا تبرز حقيقة الأهداف الخفية التي تستتر خلف سياسة واشنطن. أن التواجد الأمريكي في منطقة الخليج وحماية تدفق البترول بل وتضخيم هذا البعد من النواحي الأمنية جدير بأن يعيد الدول الأوروبية إلى صوابها ودون استثناء اليابان، وهي بهذا المعنى تذكر قيادات الدول الصناعية باستثناء بريطانيا من الذي يتولى حمية مصالح تلك الدول في تلك المنطقة وهي مصالح ترتفع لتصير محور الحياة أو الموت بالنسبة لأمنهم القومي. كذلك فإن هذه السياسة تحدد الإطار الذي تسمح الدبلوماسية الأمريكية في حدوده للسياسات الأوربية أن تمارس أي مبادرة مستقلة بصدد مشكلة الشرق الأوسط. لقد ظلت هذه المنطقة مسرح صدام بين الولايات المتحدة ودول أوربا الغربية. والولايات المتحدة بتدخلها المكثف في منطقة الخليج بصفة عامة تؤكد للقيادات الأوروبية ثلاث حقائق: الأولى أن أوروبا لم تعد هي المحور الاستراتيجي الأول للسياسة الأمريكية، والثانية أن الولايات المتحدة هي وحدها التي تتحكم في مصير الازدهار الأوربي والياباني عن طريق حماية التدفق البترولي، والثالثة أن على القيادات ألا تتجاوز حدودا معينة في مبادراتها بالنسبة لمشكلة الشرق الأوسط بل وأن هذه المبادرات يجب ألا تتم إلا في إطار ترسمه الدبلوماسية الأمريكية.

(هـ) كذلك علينا ألا ننسى أن الاتحاد السوفيتي يدرك أهمية منطقة الخليج العربي ويضعها في اعتباره وهو يخطط لاستراتيجية المواجهة التي يتبعها بصدد تعامله سواء مع المعسكر الغربي أو مع الولايات المتحدة الأمريكية. الحديث حول التفوق السوفيتي من الناحية العسكرية يحيطه الكثير من الغموض. ولكن الأمر الذي لا شك فيه أن هناك تقدما ثابتا في الأداة العسكرية من جانب وفي القدرة على التوسع من جانب آخر. ومن المسلم به أن الاتحاد السوفيتي يملك اليوم قوات صالحة للإنزال بعيدا عن حدوده بما يعنيه ذلك من خطوط نقل جوي بعيدة المدى وقوات بحرية قد أعدت بمهارة خاصة. بل والأحداث قد أثبتت أن القيادة السوفيتية على استعداد لاستخدام تلك الأدوات. وأنها لم تعد تقبل سياسة الانتظار وعدم المبادرة. وإذا كانت قد خرجت من مصل لصالح الولايات المتحدة فهي قد وضعف أقدامها في ليبيا والحبشة واليمن الجنوبي. إن هناك تطورا خطيرا في الفكر الاستراتيجي السوفيتي سواء بالنسبة لدول العالم الثالث أو بالنسبة للمنطقة العربية من جانب وما يستتبعه ذلك من تصور جديد للتعامل مع منطقة الخليج العربي من جانب آخر. ويخطئ من يتصور أن الاتحاد السوفيتي قد تخلى عن أحلامه في السيادة العالمية. وهو على كل في حاجة إلى تطور من نوع معين ليرفع من مستوى الحياة في داخل إقليمه. ولا يعقل أن دولة تزعم السيادة العالمية ولا يزال مستوى المعيشة في داخل الكثير من أجزائها لا يتجاوز بعض دول العالم الثالث التي على قسط معين من التقدم. وهو ليحقق ذلك لا بد له من سياسة أخرى غير تلك التي سار عليها حتى اختفاء بريجنيف. فما هي سياسته الجديدة؟ بل البعض يحدثنا وبثقة أن هذه الاستراتيجية الجديدة تعود إلى منتصف السبعينات وعلى وجه التحديد منذ اختفاء خروتشوف بل وإن اختفاء خروتشوف لم يكن إلا نتيجة لهذه السياسة الجديدة. وهنا تكتمل الصورة عندما نلحظ كيف أنه ارتبط بذلك التاريخ خروج تدريجي للنفوذ السوفيتي من قلب المنطقة العربية وتغلغل تدريجي في الأطراف انتهى باكمال كماشة رهيبة تحتضن وتضم منطقة الشرق الأوسط: أفغانستان، اليمن، الحبشة، ليبيا، سوريا. هل يفسر هذا التطور الخطاب المشهور للزعيم السوفيتي الراحل حول تحييد منطقة الخليج العربي؟ الكلمات التي ألقاها بريجنيف أما البرلمان الهندي في 10 ديسمبر 1980 لم تكن متجهة إلا إلى الرأي العام العربي. فهل فهمتها قياداتنا ووعيت مغزاها؟ ويرتبط بذلك مفهوم آخر كثيرا ما يغيب عن الأذهان: وهو الشرط الأساسي لنجاح سياسة الاسترخاء الدولي أو ما تواضع الفقه العربي على تسميته خطأ بكلمة الوفاق الدولي. إن المنطلق الأساسي لتلك السياسة هو التفوق الأمريكي. ومتى حدث اختلال في هذا الإطار سواء بمعنى التفوق الروسي أو حتى التوازن بين العملاقين فإن سياسة الاسترخاء تصير في غير صالح الاتحاد السوفيتي. ومن ثم تعود الحرب الباردة مرة أخرى تسيطر على العلاقات الدولية وهو ما تعيشه الإنسانية منذ فترة حكم كارتر ورغم أن ذلك لم يبرز واضحا إلا مع مجيء ريجان إلى السلطة.

والواقع أن أهداف السياسة السوفيتية البعيدة المدى من منطقة الخليج لا تعدو أن تتمركز حول نقاط ثلاث:

(أولا) تحويل المنطقة وبصفة خاصة الدول المحيطة بحدود الاتحاد السوفيتي الجنوبية وهي باكستان وإيران وتركيا إلى نوع من “منطقة أمن جنوبية” مماثلة لتلك التي توصف بأنها “منطقة أمن غربية” والتي استطاعت الدبلوماسية الروسية بحنكة وصبر أن تبنيها في شرق أوربا.

(ثالثا) أن تخلق أدوات الاتصال البرية بين الأرض الأم الروسية المحيط الهندي بحيث تقلل من اعتمادها الحالي على قناة السويس بما يعنيه ذلك من المرور عبر البحر الأحمر دون الحديث عن التبعية الحقيقية للمضايق التركية.

فهل قياداتنا العربية واعية بهذه الحقائق؟

(و) كذلك علينا أن ندخل في الاعتبار كيف أن مشكلة الخليج أخضعت لعملية تضخيم منظمة ومعتمدة بقصد تصعيد الروح القتالية والاستفزازية في المجتمع الأمريكي. فالناخب الأمريكي الذي عاش لحظة ضعف وتوتر عقب حرب فيتنام عاد ليتمزق في كبريائه القومية عقب أزمة الرهائن. وكان على القوى المحافظة في برنامجها التسليحي الضخم الذي بدأ مع كارتر ولكنه وصل إلى دفعته الحقيقية مع ريجان أن يخلق الشحنة الانفعالية ليبرر هذه الوثبة وليحصل على التأييد الشعبي من جانب والنيابي من جانب آخر. لقد ارتفعت ميزانية الانفاق العسكري من 162 بليون دولار عام 1981 لتصل كما هو متوقع عام 1986 إلى 343 بليون دولار أي بزيادة في خلال خمسة أعوام تزيد على 200%. وأكثر من 25% من هذه الميزانية سوف يخصص لقوات الإنزال السريع والتدخل في دول العالم الثالث وهو ما يمثل أكثر بكثير مما هو مرصود لتطوير الأسلحة النووية. والواقع أن أمن الخليج ومشكلة الشرق الأوسط أضحت تمثل عصب الدعاية الأمريكية في سبيل تبرير هذا البرنامج الضخم لخلق ترسانة مسلحة باسم حماية المصالح الغربية المهددة. جميع العوامل المرتبطة بتطور منطقة الخليج تؤهل مثل هذا المنطق للنجاح: احتمالات انقطاع تدفق البترول، رفض دول المنطقة لاستقبال القوى الأمريكية بصفة دائمة، موقع المنطقة التي يجعل الصدام مع الاتحاد السوفيتي واردا بلا وشديد الاحتمال. القتال الدائم بشكل أو بآخر في جزء من أجزاء المنطقة مع ما يعنيه ذلك من إمكانية عدم احتواء الصراع لو تعدى حدودا معينة. أضف إلى ذلك ما تمثله إسرائيل من مصالح متناقضة ومتعارضة بل وغير واضحة وغير مستقرة.

على إننا يجب رغم وضوح هذه الحقائق ألا ننسى ما يستتر خلفها من متغيرات. فالولايات المتحدة نجد من صالحها الحقيقي عدم احتلل تلك المنطقة ليس فقط لأن هذا قد يكون سببا لاستفزاز الاتحاد السوفيتي دون الحديث عن أهل المنطقة بل ولأنها بتشجيع خلق جيوش محلية تضمن مصادر دائمة للإنفاق سواء على تطوير قواتها المسلحة أو على مساعدة ربيبتها إسرائيل. ويكفي أن نتذكر قصة طائرات الأواكس التي بيعت للسعودية. ولا يوجد ما يمنع من أن يصاحب ذلك عملية إخراج مسرحية لايهام القيادات العربية بأن مثل هذه الصفقة تتم ضد مصالح الصهيونية الأمريكية ورغم صرخات السلطات الإسرائيلية. والواقع أن علينا بهذا الخصوص أن ندخل في الاعتبار أمرين:

(أولا) أن نظام الدفاع عن المنطقة أي منطقة الخليج العربي بما في ذلك السعودية قد استوعب في النظام العسكري الأمريكي استيعابا كليا وشاملا. سواء من حيث نظام المعلومات أو من حيث التسهيلات المحلية للقوات الأمريكية أو من حيث التدريب على المناورات المشتركة.

(ثانيا) أن القوات المحلية العربية في هذه المنطقة لا تصلح لأن تؤدي أي دور فعال. فهي في مجموعها (أي تلك الخاصة بدول مجلس تعاون الخليج) لا تتجاوز مائة وسبعين ألف مقاتل وهو عدد لا قيمة له إزاء اتساع المساحة المدعو للدفاع عنها وطبيعة المخاطر المعرضة لها المنطقة. وهي في غالبيتها وبصفة خاصة من حيث القيادة لا تنتمي إلى أهالي المنطقة. ثم فإن قدراتها القتالية الفعلية وعلى وجه التحديد من حيث استيعاب الأسلحة المتطورة موضع شك وتساؤل.

(ز) منطقة الخليج العربي أرض صراع وصدام محتمل بين القوتين الأعظم. وهي كذلك أرض تنافس بين القوى الإقليمية على السيادة والسيطرة وسوف نتعرض لذلك بقدر اللازم لتحليل مفهوم الأمن القومي العربي في موضع لاحق. ولكن لا يجوز لنا أن نغمض أعيننا أو لا يقتصر خيالنا ويتجمد إدراكنا حول الوضع القائم. إن التحليل السياسي هو أيضا نوع من التنبؤ بل أن محوره الحقيقي هو علم التدبر. وأحد الأبعاد التي يجب أن تشغل اهتماماتنا بطريقة ثابتة هو موضع إسرائيل والأطماع الصهيونية من أي حركة بصفة خاصة في أبعادها المستقبلية. ومنطقة الخليج تمثل ثروات عنيفة. فهل لعاب إسرائيل وقياداتها سوف يظل حبيس الجدران؟ أم إنه سوف يأتي يوم تتجه الأبصار بفاعلية نحو تلك الأرض وما تحتويه من خيرات؟ خصوصا أنها خيرات سوف تنضب إن أجلا أم عاجلا.

وتزداد هذه الملاحظة رسوخا لو تذكرنا مجموعة من الحقائق:

(أولا) إن الحرب العراقية الإيرانية خلفها إسرائيل وقد ثبت ذلك بجميع الأدلة والبراهين.

(ثانيا) أن ضرب المفاعل النووي قرب بغداد لم يكن له من مبرر على الأقل في الأمد القريب.

(ثالثا) إن إدعاء إسرائيل بأن أمنها القومي يمتد من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط ليس عشوائيا وإنما يقصد منه جعل تلك الدائرة تحتضن على وجه الخصوص منطقة الخليج العربي.

(رابعا) أن النفوذ الإسرائيلي يتسع ويثبت أقدامه في البحر الأحمر وقد سبق وذكرنا بأنه لم يعد من الممكن الفصل بين أمن البحر الأحمر وأمن الخليج العربي.

المتتبع لتطور أمن منطقة الخليج في محاولة لطرح التساؤل حول المستقبل لا بد وأن تؤكد هذا الافتراض. فأمن هذه المنطقة مر بثلاث مراحل. المرحلة الأولى تميزت بالسيطرة المباشرة لقوة كبرى وهي بريطانيا العظمى من خلال التدخل المباشر وفرض الهيمنة بقوة سلاحها الاستعماري. أعقبت ذلك مرحلة ثانية تميزت بالسيطرة الأمريكية ولكن من خلال الوسيط المحلي وهو إيران. واليوم نعيش مرحلة غامضة قلقة لم تتحدد خصائصها بعد.ولكن لأول وهلة تبدو بعض ملامح هذا الوضع القائم وهي تعد لقوة محلية ذات مقومات معينة. فالولايات المتحدة لا تستطيع ولا تجرؤ على أن تعيد السياسة البريطانية. وجميع القوى الدولية تعلن اهتمامها بمصير المنطقة: إلى جانب الدولتين الأعظم فلا نستطيع أن ننسى اليابان ودول أوربا الغربية. والحرب التي تدور رحاها سوف تنتهي بأن تحطم كلتا الدولتين اللتين كانت كلاهما تعد نفسها لدور قيادة المنطقة بل ويمكن القول بأن ذلك قد تم فعلا دون انتظار لنتيجة الحرب. فهل هذه مقدمة لبروز إسرائيل في هذه المنطقة لتؤدي الدور الذي كانت تقوم به إيران؟ وهل لهذا هي تتقارب اليوم من الاتحاد السوفيتي؟ وهل لذلك حددنا مفاهيم بيجن في خطابه ردا على الرئيس الفرنسي أمام الكنيست بأن إسرائيل هي بطبيعتها وتاريخها دولة بحر متوسطية؟ ولكن إلا يعنى ذلك صداما بين المصالح الاقتصادية الإسرائيلية والمصالح الأمريكية أم أن إسرائيل سوف تقف عند مجرد أداء وظيفة كلب الحراسة المدلل..؟

أسئلة عديدة نطرحها دون أي محاولة للإجابة عليها لأن ذلك يخرج عن نطاق الهدف المباشر من هذه الدراسة.

12- صياغة مفاهيم الأمن القومي ووظيفة القيادة الفكرية:

من الأسئلة التي لا بد وأن يطرحها القارئ منذ الصفحات الأولى لهذه الدراسة: من الذي يتولى صياغة مفاهيم الأمن القومي؟

سبق ورأينا كيف أنه لا موضع للخلط بين مفهوم الأمن ومفهوم الأمن القومي. الأمن الذي هو الطمأنينة يعني مضمونا عاما للسياسة القومية وصفة تميز أي بعد من أبعاد التحرك السياسي لو انطلق من قواعد أساسها فكرة الاستقرار والثقة المشروعة من جانب وتجنب المخاطرة والمغامرات من جانب آخر. الأمن القومي ينقلنا إلى تطبيق محدد يدور حول حدود الإقليم القومي من حيث علاقات الجوار وما تعنيه من إجراءات وقائية تفرضها طبيعة تلك الحدود وخصائص الشعوب المتاخمة لتلك الحدود.

ومن الطبيعي من ثم طرح ذلك التساؤل: من الذي يقع عليه عبء صياغة المبادئ العامة التي تسيطر على مفاهيم الأمن القومي؟

(أ) في حقيقة الأمر لا توجد قاعدة ثابتة بذلك الخصوص. فالمفهوم كان ممارسة أكثر منه صياغة نظرية في تقاليد الدولة القومية الأوربية. بل أنه كان يعتبر من قبيل المفاهيم غير المعلنة في تقاليد السياسة الفرنسية بينما صاغه هتلر باسم نظرية “الفراغ الحيوي” وجعلها أساسا لسياسة استفزازية خلقت حوله مجموعة من العدوات انتهت بالقضاء عليه. وهو يصير تنظيرا فكريا في تقاليد الدولة الصهيونية قبل أن يكون ممارسة بل أنه أعد دائما لتلك الممارسة ولخصائصها. وهو في التقاليد المعاصرة الأمريكية يخلط بين الأمن القومي والسياسة الخارجية في صورة واضحة. رغم هذا الاضطراب إلا أننا نستطيع أن نحدد مجموعة من التطلعات.

(أولا) صياغة قواعد الأمن القومي تتحدد وتتوقف على جهود متضافرة تتفاعل منها مفاهيم العسكريين التي تنطلق من اعتبارات العقيدة القتالية الدفاعية والسياسيين حيث يكون المحور الأساسي هو الوظيفة الحضارية والإقليمية للمجتمع السياسي. في هذا اللقاء يمثل موضعا متميزا كل ما له صلة بالخبرة التي تعيشها الجماعة. وحيث أن كل مجتمع له خبرته المتميزة فإن جوهر مفهوم الأمن القومي لا بد وأن يختلف من مجتمع لمجتمع. ولعل هذا يفسر لماذا مفاهيم الأمن القومي تصير واضحة وتكاد تكون مقنعة لدى الشعوب ذات التاريخ الطويل حيث الخبرات متراكمة ونماذج التعامل متعددة بينما نجد الشعوب الحديثة القصيرة التاريخ تتحدث عن الأمن القومي بلا فهم واضح لمعنى هذه الكلمة ولا للدلالة المرتبطة بها. كل من يتابع التصريحات الأمريكية ويقارنها بتلك الروسية يلحظ الفارق الواضح بين قوم لم تقدر لهم خبرة التعامل الدولي وقيادة ورثت تقاليد ثابتة منذ قرون عديدة.

(ثانيا) كذلك علينا أن نتذكر أن صياغة مفاهيم الأمن القومي ومهما أثير حولها من ملابسات هي صنعة الفئة المختارة التي تتولى توجيه الجماعة السياسية والتي تمثل العصب الفكري والقيادي لتلك الجماعة. مما لا شك فيه أنه يساعد على ذلك بروز العقليات الاستراتيجية الخلافة الكبرى ولكن الحقيقة الثابتة أن رجل الشارع ليست وظيفته أن يصوغ أو يحدد أوليات في إطار نظرية الأمن القومي. إن هذه المفاهيم ليست صنعة الجماهير وليست موضع مناقشة مع الرجل العادي. إنها وعي قومي حيث التماسك ينبع من الضمير الجماعي اليقظ الذي يمثل محور التكتل الإرادي حول المصير الكلي والشامل. والديمقراطية لا تعني المهاترة وإنما تعني احترام الكرامة الفردية. الأمن القومي إجراء يتولاه المتخصصون لتمكين الجسد من حماية ذاته حتى يستطيع أن يحقق أهداف تلك الديمقراطية ووضع مفاهيم الأمن القومي موضع الاستفتاء العام أو جعل مدركاتها محورا لما يسمى قياس الرأي العام بالمعنى المتداول أي بمعنى استطلاع تصور رجل الشارع ليست له من دلالة سوى توجيهه ولا يمكن أن تتدخل في صياغة متغيرات وجوهر مفهوم الأمن القومي.

(ثالثا) وعلينا أن نضيف ملحوظة أخرى قد تكون بعيدة الأهمية لو أطلقنا العنان للاعتبارات العلمية البحتة. وهي مرتبطة بالنظرة الأمريكية للأمن القومي. الواقع أننا وكما سبق وذكرنا وكما سوف نعود لتأكيده فإن الأمن القومي ليس مرادفا لمفهوم الاستراتيجية. إنه أحد تطبيقات التصور الاستراتيجي ونتيجة من نتائج سيادة المتغيرات الجيوبوليتيكية ولكنه ليس التطبيق الوحيد كذلك فإن الأبعاد الاستراتيجية لا تقتصر وحدها على تشكيل متغيرات الأمن القومي، متغيرات سياسية، وعلى وجه التحديد تلك المرتبطة بالواقع الإقليمي لا بد وأن تتفاعل مع الاعتبارات الاستراتيجية القومية المحلية. الخلط الذي يقع فيه الفقه الأمريكي مصدره عوامل عديدة. أحد هذه العوامل يعود إلى حقيقة يتناساها كثير من المحللين وهي أن التقاليد الأمريكية ورثت الممارسات الإنجليزية. وهذه عاشت عالة على المفاهيم القيصرية الرومانية، وهي لم تتنبه إلى أن روما دولة بحر متوسطية بل أنها مختنقة في باطن البحر المتوسط بينما الولايات المتحدة لا صلة لها من قريب أو بعيد من حيث وجودها القومي بالبحر الأبيض المتوسط.

(ب) كيف تتم من جانب آخر صياغة مفاهيم الأمن القومي؟

لو أردنا تلخيص التطور الفكري الذي يسبق عملية الصياغة لمبادئ الأمن القومي لكان علينا أن نميز بين مراحل ثلاث:

(أولا) مرحلة أولى حيث يتم التحديد بالمدخلات التي منها يجب أن تتكون العناصر الأساسية التي تدور حولها عملية بناء السياسة الأمنية. وبعبارة أخرى الأهداف المباشرة التي يجب على السياسة الأمنية أن تحققها بصورة إيجابية أو سلبية تبعا للمصالح القومية العليا. فلنتصور مثلا في الوضع المصري المتعلق بشطر وادي النيل عند القاهرة لو قدر لأي قوة معادية أن تتواجد حول السويس وأن تتجه غربا نحو العاصمة المصرية. ومنع تحقيق مثل هذه المخاطر هو أحد الأهداف الأساسية الذي يجب أن يسيطر على الفكر الذي يتولى صياغة مبادئ الأمن القومي المصري.

(ثانيا) المرحلة الثانية وهي تدور حول بناء التصور الواضح لردود الفعل المختلفة التي من خلالها تتم في تطابق مع المدخلات صياغة السياسة الأمنية. أو بعبارة أخرى التحديد بمختلف الإجراءات المتتابعة والمتصاعدة التي تسمح بتحقيق الأهداف السابق إيضاحها في المرحلة الأولى. فعلى سبيل المثال، في المثال السابق تعمير المنطقة الممتدة من السويس حتى القاهرة وجعلها تتميز بالكثافة السكانية أو بناء تحصينات معينة أو إعداد أدوات تسمح بإغراقها وتحويلها إلى بحيرة واسعة تصير جميعها أدوات قادرة على أن تحقق ولو نسبيا هذا الهدف.

(ثالثا) المرحلة الثالثة وهي تطبيق تلك السياسة الأمنية وقد تحددت على ضوء المرحلة الثانية حيث أن المواجهة الفعلية مع الواقع لا بد وأن تبرز من العيوب والمزايا ما يفرض الإصلاح والتعديل والتغيير ولو الجزئي لتقترب من الكمال أو على الأقل من الفاعلية الكاملة بقدر المستطاع. فصياغة السياسة الأمنية لا تكفي بل يجب إدخال متغيرات أخرى في تلك الصياغة مرتبطة بالتطبيق وهي تدور حول مبدأين: الأول وهو أقل قدر من الخسارة حيث المبدأ المطلق الذي يجب أن يسود اقتصاديات الحركة وهو أن الطاقة يجب ألا تهدر بلا عائد. والثاني وهو افتراض الموقف الأسود في التعامل.

هذه المراحل الثلاث في الواقع ليست قاصرة على صياغة سياسة الأمن القومي بل إنها تنطبق على أي سياسة أمنية. فلنقتصر في هذه المقدمة على معالجة الأبعاد العامة لهذه المفاهيم تاركين التطبيق بصدد مفهوم الأمن القومي وعلى وجه التحديد الأمن القومي العربي لجزئيات الدراسة.

(جـ) أول مرحلة من مراحل بناء السياسة الأمنية هي التحدي بمدخلات تلك السياسة أي بعبارة أخرى الأهداف التي يجب أن نسعى إلى تحقيقها. والواقع أن أي سياسة أمنية تفترض لقاء بين مجموعتين من العناصر: أهداف وصياغة لمخرجات. فإذا كانت الجماعة تملك القدرة على تحديد أهدافها ولكنها لا تملك الكفاءة اللازمة لتشكيل المخرجات المتوافقة والمعبرة عن تلك الأهداف فأننا نصير إزاء أمل ولسنا إزاء سياسة. وإذا كان الموقف يرتبط بجماعة قادرة على إنتاج مخرجات دون أن تحدد لها أهداف وغايات فإن هذا يصير تعبيرا عن قوة وليس سياسة. كلا البعدين يجب أن يتفاعلا في انسجام تام وتوافق مستمر لنستطيع أن نخلق سياسة حقيقية.

كذلك فإن السياسة الأمنية يفترض أنها تتكون من مجموعة من القرارات والتعاملات بقصد حماية أو خلق نظام معين يتفق مع المصالح والقيم من خلال استخدام أو التهديد باستخدام القوة.

وهذا المبدأ يسري ويسود كل سياسة أمنية وبغض النظر عن تطبيقاتها المختلفة والتي سبق وسردناها تفصيلا.

من هذا المنطلق يجب أن نحدد مسبقا الإطار العام للمدخلات التي يجب أن تكون الإرادة القومية واعية بها وهي تسعى لصياغة مبادئ السياسة الأمنية. وهي بهذا المعنى تخضع للأبعاد الثلاثة التي تدور في حدودها أي سياسة قومية: داخلي وإقليمي ودولي.

أولا- المدخلات المتعلقة بالوضع الداخلي:

1- الشعب: الحجم والتكوين بما يفرضه ذلك من علاقات توازن طائفية ومحلية، داخلية وإقليمية.

2- التطور الاقتصادي: الزراعة، الصناعة، مستوى المهارة الفنية، التخصص التصنيعي الدولي، التجارة والتبادل، البحث والتنمية وبصفة خاصة معدل التنمية.

3- النظام السياسي وهيكل الحكومة، العلاقات المتداخلة بين المؤسسة العسكرية والنظام المدني، المنافسات المهنية والحزبية، السياسات البيروقراطية وحدود الرقابة.

4- الدين، الايديولوجيات الاجتماعية والسياسية،النقاء اللغوي.

ثانيا- المدخلات المتعلقة بالوضع الإقليمي:

        1- الركيزة الجيويوليتيكية.

2- نظام الأمن الإقليمي وتنظيم علاقات الجوار، توزيع القوة العسكرية، التحالفات والتعاون الإقليمي، الأطراف المتعاملة: الدول القومية، المنظمات الدولية الإقليمية، المنظمات الإقليمية المرفقية.

3- نظم التعاون الإقليمي الاقتصادي، العلاقات الثنائية الإقليمية، المحاور الإقليمية للتبادل التجاري والاقتصادي، أساليب الاستثمار، سياسة الانفتاح الإقليمي وتطبيقاتها، توزيع الثروات وسوق العمل.

4- علاقات العداوة وموضوعات الخلاف.

ثالثا- المدخلات المتعلقة بالوضع الدولي:

1- طبيعة العلاقة مع الدولتين الأعظم وحدود التعامل والقدرة على التحدي.

2- حقيقة المساندة الإقليمية في مواجهة الدولتين الأعظم.

3- دوائر النفوذ الدولي خارج الدولتين الأعظم.

4- عناصر الارتكاز للتأثير في داخل كل من الدولتين الأعظم.

5- نظام الأمن الكلي وعلاقته بالنظام الإقليمي.

6- نظم التعاون الدولي وأبواب الاستثمار.

7- علاقة التبعية الاقتصادية وبدائل الإحلال مع مصدر التبعية.

والخلاصة أنه قبل أي صياغة لمفاهيم ومبادئ الأمن القومي يجب أن تتحقق مقدمات ثلاث:

(أولا) إنه على الفئة المختارة في تلك الجماعة أن تقوم بعملية مواجهة ورصد لمختلف الأهداف التي يجب أن تسيطر على سياستها الأمنية في ذلك الشطر المتعلق بإقليمها وكيانها الذاتي.

(ثانيا) إنه يجب أن تتم عملية اختيار بوضوح دقيق وصراحة كاملة، ومن المعلوم أن الاختيار يعي قسطا من التضحية من جانب وترتيب الأولويات ترتيبا تصاعديا من جانب آخر.

(ثالثا) إنه يجب أن تكون العلاقة بين السياسة العسكرية والسياسات الأخرى للدولة بدورها مقنعة بوضوح ودقة وأن التعاون بين الجانبين يجب أن يكون أساسه الثقة وليس السيطرة لأي من الطرفين على الآخر.

(د) مما لا شك فيه أن عملية صياغة مبادئ الأمن القومي تمثل فصلا من أدق وأصعب فصول التحليل السياسي. وأسباب ذلك عديدة استطاع القارئ أن يتلمسها من العرض السابق. رغم ذلك فنستطيع أن نحدد عناصر معينة بغض النظر عن الموضوع والتطبيق تمثل إطارا فكريا يجب على من يتصدى لصياغة مبادئ الأمن القومي لمجتمع معين أن يدخلها بشك أو بآخر في اعتباره. وبصفة خاصة عندما يكون مدار الحديث صياغة الأمن القومي لدولة ليست إحدى الدول العظمى وليست دولة متقدمة.

تسعة تساؤلات يجب أن يطرحها المحلل:

(أولا) الافتراضات التي يقوم عليها تصور الطبقة القيادية والمتعلقة بالإطار الإقليمي ثم الدولي الذي في نطاقه يتعين على القوة العسكرية أن تتحرك بمعنى ما إذا كان ذلك الإطار يمثل عقبة أم موقف الترحيب والصداقة، وفي الحالة الأولى كيف يجب خلق الشلل في ذلك الإطار وإعادة تطويعه، وفي الحالة الثانية كيف يجب استغلال تلك الصداقة ذلك الترحيب إلى أقصى حد.

(ثانيا) التحديد بحقيقة ومضمون التهديدات العسكرية للنظام السياسي القومي أو للدولة والكيان القومي أو لكليهما ومن ثم الأهداف التي يجب أن تسعى الأداة العسكرية لتحقيقها باستخدام القوة أو للتهديد باستخدام القوة العسكرية ونظام الأمن الإقليمي أو الدولي أو كلاهما الذي يفرض اندلاع ميكانزمياتية التدخل العسكري وما يفيد ذلك من تحديد للسلوك المحتمل الذي يتعين على الدولة أن تتبعه لحماية أمنها القومي في دينامياته الجديدة والمتجددة.

(ثالثا) العقيدة القتالية والعسكرية التي لا بد وأن تستجيب لهذه التهديدات وما تفرضه من ضرورات لاستخدام القوة أو التهديد باستخدام القوة.

(رابعا) مستويات استخدام القوة ونظم السلاح المرتبطة بكل من هذه المستويات للإستجابة إلى أي من هذه التهديدات تبعا للقرار ولمستوى رد الفعل المرتبط بدلالة القرار.

(خامسا) الاستراتيجيات المعلنة – والتي قد تختلف اختلافا كليا أو جذريا عن تلك المستخدمة فعلا- والتي يتعين أبلاغها للحلفاء أو التوفيق بينها وبين سياسة الحلفاء والأطراف المحايدة. ويرتبط بذلك توقيت الإبلاغ  وكيفية ذلك الإبلاغ. وما يرتبط بذلك من عملية تنسيق للأدوات الاكراهية وغير الاكراهية التي تستطيع الدولة استخدامها لاكراه الطرف المتعامل على الانصياع أو التخفيف من حدة الصدام.

(سادسا) المصادر البشرية والمادية بما في ذلك التكنولوجيا المتقدمة التي تحتاجها الأداة القومية لتستجيب مع مقتضيات السياسة الأمنية مع الاستمرار في الاستجابة إلى المتطلبات الداخلية.

(سابعا) إنشاء نظام سياسي للرقابة يسمح بتوجيه المؤسسة العسكرية لتساند الأهداف وقد تحددت بوضوح مسبقا دون خروج عليها أو تشويه أو مغالطة في عناصرها أو في تطبيقاتها.

(ثامنا) استراتيجيات التعامل مع الحلفاء أو المؤيدين والمعارضين بقصد توسيع اهداف الأمن القومي للحد الأقصى بما في ذلك اتخاذ الإجراءات الكفيلة بضبط الرقابة على السلاح لدى الخصم المهدد للأمن القومي إن أمكن ذلك.

(تاسعا) تشكيل الرأي العام والأحزاب السياسية والقوى الضاغطة لمساندة النظام السياسي في تحقيق الأهداف القومية والسياسات والاستراتيجيات السابق التحديد بها في جميع البنود السابق ذكرها.

صياغة مفاهيم الأمن القومي يجب أن تستجيب إلى جميع هذه العناصر من التصور والإدراك الحركي. إنها إطار كامل للتعامل وليست مجرد مثالية لذلك الذي يجب أن يكون. ويجب أن نلاحظ بهذا الصدد ضرورة عدم الخلط بين العقيدة القتالية والعقيدة العسكرية. إن هذه جزء من الأولى لا تتجاوز الشطر المهني من الأداة القتالية، كذلك فإن العقيدة القتالية أكثر اتساعا من مفهوم الأمن القومي.. إنها تنظير للاستراتيجية وقد تحددت هذه من حيث المكان والزمان.

(هـ) ويعقب ذلك المستوى الثالث وهو المرتبط بنتائج تطبيق سياسة الأمن القومي في معناها الحقيقي والحرفي أي شن حرب وقائية لمنع قوة مجاورة من أن تصير في لحظة معينة مصدر تهديد على التهديد الذاتي الذي لا يمكن رده إلا بخسائر فادحة أو بتضحيات غير محتملة الأمر الذي يبرر من منطلق مبدأ الضرورة الخروج على القواعد المعتادة في التعامل والالتجاء إلى أسلوب وممارسات تتجافى أخلاقيات الجوار ولكن يبررها وفقط مقتضيات حماية الذات. ولعل هذه الناحية هي أخطر ما تفرضه سياسة الأمن القومي. فالصراع العضوي في عالم اليوم وبصفة خاصة بين الدول غير العظمى أضحى محفوف المخاطر. كذلك فإن أي قائد عسكري يعرف جيدا متى وكيف يبدأ القتال ولكنه لا يعرف كيف ولا متى ينتهي القتال. إن أي قتال هو مغامرة ومهما كانت حسابات القيادة فهي تتضمن من عناصر المخاطرة القدر الذي لا يسمح لأي قائد بتحديد النتائج مسبقا. كذلك فقد أضحى من المسلم به أن دول النامية مدعوة لأن تلعب دورا خطرا في تشكيل الأمن الإقليمي والكلي الشامل وهو دور يدعو لأن يتزايد في الأعوام القادمة. والصراع بين الباكستان والهند ثم بين إسرائيل والدول العربية ترك آثارا تعدد من حيث نتائجها التطور الإقليمي. ونظرية الاستراتيجية التي احتضنتها في لحظة معينة القيادة الإسرائيلية كأداة للتأثير في علاقة التوازن الدولي من خلال التلاعب بالتوازن الدولي هي التي تحكمت في أهداف تل أبيب من حرب الأيام الستة وهو ما حققته فعلا خلال الفترة المجيدة من عام 1967 حتى حرب رمضان عام 1973. ولعل أهم ما يعنينا بخصوص نتائج تطبيق سياسة الأمن القومي ولو بنجاح جزئي تقوية التماسك القومي وتدعيم الثقة في الذات القومية وتمكين الترابط بين القيادة والمجتمع المحكوم.

13- المشاكل التنظيرية التي تثيرها عملية صياغة مفاهيم الأمن القومي العربي.. تقسيم الدراسة:

كما سبق ورأينا فإن صياغة مفهوم الأمن القومي العربي تعني الإجابة على أكثر من تساؤل واحد. مما لا شك فيه أن المجتمع العربي يملك الكثير من عناصر القوة لو نظر إليه في دائرة المجتمعات المتخلفة. فهو في مجموعة يمثل درجة معينة من المقدرة واليسر ومن ثم هو قادر على الإنفاق على عملية التسليح والحصول على التكنولوجيا المتقدمة. كذلك فإن تاريخه الطويل وخبراته المتعددة تجعل من بناء مفهومه للأمن القومي أمرا لا ينطلق من فراغ. أضف إلى ذلك أنه رغم التجزئة التي يعيشها فهو يملك التعبيرات النظامية عن إرادته القومية حتى لو اعترفنا بأن تلك التعبيرات النظامية لم تقدم حتى اليوم الفاعلية المطلوبة.

مفهوم الأمن القومي العربي رغم ذلك لا بد وأن يثير الكثير من المشاكل. هل من الممكن الحديث عن أمن قومي لمجتمع لم يتكامل بعد لينصهر في إطار دولة واحدة تملك هيكلا نظاميا واحدا؟ وإذا قبلنا ذلك الاتجاه الذي ندافع عنه والذي بدأ يبرز وبصفة خاصة في غرب أوروبا حيث يصير مفهوم الأمن القومي تعبيرا عن مفهوم المجتمع القومي واستمرارية للإرادة القومية وليس تعبيرا عن النظام السياسي فهل نستطيع أن نحيل هذا المفهوم إلى مجموعة من المبادئ المقننة الواضحة والمحددة من حيث دلالتها الحركية ومن حيث أسلوب التعامل مع تلك المبادئ كمنطلق لتخطيط سياسي لا يقتصر على الحاضر بل يتعدى ذلك إلى المستقبل؟ إن تقنين مفهوم الأمن القومي هو في جوهره تفاعل بين إدراك سياسي للنخبة القيادية وتحليل استراتيجي لتحديد مواقع الضعف في الإقليم القومي. والعالم العربي لا يزال حتى اليوم ينقصه كلا البعدين. لا يزال العالم العربي لا يملك الإدراك العلمي للمضمون السياسي للقومية العربية. ولا تزال القومية العربية تدور حول الحديث العاطفي المشحون بالانفعالات الذي لا يقدم أي حلول علمية لمشاكل الواقع الذي تعيشه الأمة العربية. وهذه الحلول كان يجب أن تتمركز أساسا حول نقطتين: بناء واضح لمفهوم الأمن القومي وصياغة محددة لكيفية تخطى التجزئة وخلق الإرادة الواحدة.

كذلك فإن الواقع الإستراتيجي للإقليم العربي لم تقدم له بعد أي دراسة حقيقية سواء على مستوى جزئياته أو من منطلق النظرة الكلية الشاملة. وهذه الدراسة لا يمكن أن تتبلور إلا بفضل جهود عربية تعكس المصالح العربية. وحتى هذه اللحظة إذ أردنا تحليلا للأبعاد الاستراتيجية ولتوظيف المنطقة وفي الصراعات الدولية فلا نجد سوى فقه أجنبي غربيا كان أو روسيا دون أي محاولات جادة تعكس علامات الاستفهام والمصالح المرتبطة بالواقع العربي. لقد ذكرنا في أكثر من موضع واحد كيف أن مثل هذه الدراسة في حاجة إلى خبرة الفريق المتكامل حيث لا بد وأن يلعب دورا أساسيا أيضا المتخصص الاقتصادي والخبير النفسي. وبناء صياغة لمفهوم الأمن القومي لا يكفي بخصوصه تحديد مبادئ ولكن يجب تحويل كل من تلك المبادئ إلى قواعد إجرائية مع تصور كامل لنتائج وآثار الممارسات المرتبطة بتلك القواعد الإجرائية على جميع المستويات: محليا، إقليميا ودوليا.

فلنقتصر على الحد الأدنى ولنحاول أن نضع اللبنة الأولى في ذلك البناء المتكامل. من هذا المنطلق فإن اهتماماتنا يجب أن تتمركز حول ثلاثة تساؤلات أساسية: أهمها الصياغة الفكرية لتلك المبادئ التي يجب أن يتكون من مجموعها مفهوم الأمن القومي. الواقع العربي له خصائصه وهي خصائص لا بد وأن تعكس ذاتها على مفهوم الأمن القومي. أول هذه الخصائص يدور حول وظيفة مصر كأداة أساسية لتحقيق وقيادة الأمن القومي العربي. أمن قومي عربي دون وظيفة مصر الحضارية لا موضع له. وكذلك وظيفة مصر كدولة قائدة دون إشعاع إقليمي يعني تقوقعا لمصر وانتهاء لدورها التاريخي. هذه العلاقة المزدوجة يجب أن تسلط عليها الأضواء لتحديد وتقنين حقيقة العلاقات بين الإرادة المصرية والقدرات العربية. هذه العلاقة لا بد وأن تفرض بدورها تحليلا مماثلا لموقف القوى الكبرى من مفهوم الأمن القومي العربي. إن القوى الكبرى التي لا بد وأن تسعى سعيا حثيثا لمنع المنطقة من الوحدة لا تستطيع أن تضرب ذلك التكامل بصورة مباشرة وقاتلة بأكثر سهولة من أن تفصم العلاقة بين مصر الدولة القائد والمنطقة العربية.

حول هذه التساؤلات الثلاثة نتابع الدراسة.

سوف نرى أيضا في خاتمة هذه الدراسة كيف أن إسرائيل وهي دولة دخيلة على المنطقة وهي تعيش في عزلة حقيقية حتى أن البعض وصفها بأنها دولة الجيتو، وكيف أنها رغم جميع محاولات التطبيع تقف منبوذة محصورة دون قدرة حقيقية على الانفتاح الإقليمي، فإنها تطور أمنها القومي بثبات نحو النظرة الكلية الشاملة في مواجهة عالم عربي كان المفروض بحكم تكوينه وامتداداته الجغرافية أن يملك تلك النظرة الكلية الشاملة فإذا به غير قادر على أن يرتفع عن مستوى الشعوبيات بما يعنيه ذلك من ضيق في الأفق وقيود في القدرة على التعامل.

الدكتور حامد ربيع

أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد جامعة القاهرة (سابقا)

رئيس قسم الدراسات السياسية والقومية بمعهد الدراسات العربية ببغداد

أستاذ خارجي بجامعات الخرطوم ودمشق وروما وباريس

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock