تعكف الحكومة على اعتماد جملة من التعديلات على قانون القرض والنقد، في سياق مسعى يراد من خلاله تكييف القانون مع الإصلاحات الشاملة التي يعرفها النظام المالي.

وتشير مصادر مالية إلى أن التعديلات المرتقبة ستعتمد قبل نهاية السنة الحالية، قصد الإسراع في تأطير عدد من النشاطات، لاسيما ما تعلق بالصيرفة الإسلامية.

وتضمنت أهم التعديلات التي سيتم إدخالها على قانون القرض والنقد الصيرفة الإسلامية وتشجيع اللجوء إلى آليات بديلة تمثل أدوات لتعبئة المدخرات وتمويل الاقتصاد.

كما يتضمن إصلاح قانون النقد والقرض إدراج مبدأ العهدة بالنسبة لمحافظ بنك الجزائر من أجل ضمان استقلالية البنك المركزي, إعادة الاعتبار لدور أدوات السياسة النقدية في تحقيق الأهداف الاقتصادية الكبرى.

بالمقابل ستدرج ضمن التعديلات مبادئ الحوكمة في تسيير البنوك والمؤسسات المالية والترخيص لمزودي خدمات الدفع بالدخول إلى نظام الدفع الوطني كـ”مساهم مستقل” من أجل ترقية الاقتصاد الرقمي.

كما يشمل التعديل أيضا الترخيص للسماسرة الممارسين بصفة حرة للدخول في سوق العملة بين البنوك وجعل الانخراط في مركزية الأخطار إجباريا لجميع هيئات الإقراض والقرض المصغر.

يشار إلى أن القانون رقم 90-10 الصادر في 14/ 04/1990 والمتعلق بالنقد والقرض، كان يعد من بين أهم النصوص التي شرعت للإصلاحات الاقتصادية في الجزائر، والذي كان يهدف إلى تأطير وضع المحيط المالي للاقتصاد الوطني، وتضمنت تقليص دور الخزينة العمومية في تمويل الاستثمار العمومي وتحديد ماهية المخاطر البنكية، لاسيما من خلال إنشاء مركزية المخاطر وتنظيم السوق النقدي ودعمه وإدارة وتسيير القروض الخارجية ومحاولة تحسين أداء سوق الصرف للتحكم واحتواء السوق الموازية وتحديد مهام الهيئات النقدية.

وقد عرف قانون 90-10 المتعلق بالنقد والقرض عدة إصلاحات وتعديلات بهدف تطوير النظام النقدي وبنك الجزائر، بداية بصدور الأمر 01-01 المعدل والمتمم لقانون 90-10 المتعلق بالنقد والقرض المؤرخ في 27 فيفري 2001، حيث تم تقسيم مجلس النقد والقرض إلى جهازين هما جهاز مجلس الإدارة الذي يشرف على إدارة وتسيير شؤون بنك الجزائر وجهاز مجلس النقد والقرض الذي يكلّف بأداء دور السلطة النقدية والتخلي عن دوره كمجلس إدارة لبنك الجزائر.

ثم اعتمد التعديل الثاني عبر الأمر رقم 03-11 المؤرخ في 26 أوت 2003، وبموجبه تم إلغاء قانون 90-10 المتعلق بالنقد والقرض الصادر في 14 أفريل 1990، حيث منحت حرية أكبر عبر تمكين بنك الجزائر من ممارسة صلاحياته وفصل إدارة البنك عن مجلس النقد والقرض وتوسيع صلاحيات مجلس النقد والقرض في إدارة السياسة النقدية وسياسة سعر الصرف، فضلا عن منح استقلالية أكبر للجنة المصرفية، بإضافة أمانة عامة خاصة بها وإنشاء لجنة مشتركة بين بنك الجزائر ووزارة المالية لتسيير الأرصدة الخارجية والمديونية وتحديد شروط ومقاييس اعتماد البنوك ومسيريها والعقوبات الجزائية التي يتعرض لها مرتكبو المخالفات، بالإضافة إلى تعزيز صلاحيات جمعية البنوك والمؤسسات المالية وكذا اعتماد القانون الأساسي لهذه الجمعية من بنك الجزائر.

كما أدخلت تعديلات على القانون مجددا عبر الأمر رقم 10-04 المعدل والمتمم للأمر 03-11 المتعلق بالنقد والقرض الصادر بتاريخ 26 أوت 2010 لدعم الجانب المؤسساتي ومراقبة البنوك والمؤسسات المالية وتأطير مجال الشراكة على أساس ما نص عليه قانون المالية التكميلي لسنة 2009 والذي اعتمد الشراكة كأسلوب لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية عبر قاعدة الاستثمار 51 و49 بالمائة.

بالمقابل، اعتمدت تعديلات مجددا عبر القانون رقم 17-10 المتمم للأمر 03-11 بتاريخ 11 أكتوبر 2017 11، حيث تم تعديل المادة 45 بإضافة مادة 45 مكرر، والتي نصت على أن بنك الجزائر يستطيع بشكل استثنائي ولمدة خمس سنوات بتمويل الخزينة العمومية بشكل مباشر عن طريق شراء السندات المالية التي تصدرها، أي إرساء ما عرف بالتمويل غير التقليدي أو طباعة النقود.

وحددت المادة أنه “يسمح للخزينة العمومية بشكل استثنائي الاقتراض من بنك الجزائر المركزي خلال مدة 5 سنوات عبر سندات تصدرها الخزينة، وذلك للمشاركة خصوصا في تغطية طلبات التمويل للخزينة وتمويل الدين العمومي وكذا تمويل الصندوق الوطني للاستثمار”.

كما أشارت نفس المادة إلى أن هذا “الإجراء وضع حيز التنفيذ لمرافقة عملية تنفيذ برنامج الإصلاحات الاقتصادية والميزانياتية والتي من شأنها أن تسهم في إعادة التوازن لخزينة الدولة وميزان المدفوعات وذلك في غضون المدة المحددة لآلية التمويل غير التقليدي”. وتم وضع آلية لمتابعة تنفيذ هذا الإجراء من طرف الخزينة وبنك الجزائر المركزي، والذي يتم بمراقبة هيئة مختصة في المجال المالي.

قراءة في أهم تعديلات قانون النقد والصرف

اعتبر الأستاذ المحاضر في الاقتصاد، محمد سعودي، أن قانون النقد والقرض يعتبر قاطرة قوانين الإصلاح الاقتصادي وأهمها، لأنه ينظم الدائرة النقدية، غير أن الواقع يشير إلى تراجع دور السياسة النقدية وحتى استقلالية البنك المركزي.

وأشار محمد سعودي بالرجوع إلى مختلف التعديلات التي تلت قانون 90-10 يظهر مجملها بأنه ضمن قالب الإصلاحات الاقتصادية، غير أن الواقع يؤكد تراجعا في دور السياسة النقدية وحتى استقلالية البنك المركزي في قراراته”، مضيفا “ولعل أهم تحد أمام القائمين على السياسة الاقتصادية، هو القدرة على تعبئة الادخار، خاصة من القطاع العائلي أو امتصاص جزء من السوق الموازي، فضلا عن تحدي الفجوة بين سعر الصرف الحقيقي وسعر الصرف الاسمي نتيجة ضعف الأداء الاقتصادي”.

ولاحظ سعودي، في نفس السياق، أن “وسائل الدفع الحديثة في حد ذاتها تحولت من هدف إلى ضرورة ملحة، خاصة في ظل أزمة الجائحة وعجز المؤسسات النقدية والمالية التقليدية من تحسين مؤشرات هذه الخدمة. ومن هنا، فإن السعي إلى إدراج الصيرفة الإسلامية ضمن تعديلات القانون هو من أجل تحقيق التحدي الأول وهو تعبئة المدخرات”.

أما التعديل المرتبط بالسماح لمزودي خدمات الدفع للدخول إلى نظام الدفع الوطني كمساهم مستقل، فهو حسب سعودي “لتحسين وسائل الدفع وتغطية العجز الحاصل”، فيما يهدف الترخيص للسماسرة الممارسين بصفة حرة، الدخول في سوق العملة، فهو خطوة نحو وضع بيوت السمسرة حيز الخدمة وحل مشكل قانوني يحول أمام التجسيد الفعلي له”.

وبخصوص مسألة الاستقلالية، فإن وضع عهدات للمحافظ حسب دكتور الاقتصاد “هو تراجع عن هذا المبدأ، فالعهدات المفتوحة تعطي للمحافظ القدرة على وضع سياسات نقدية أكثر استقرارا ومن الأفضل التركيز على مفهوم الاستقلالية السياسية للبنك المركزي من جانب مؤشر كيكرمان والذي يهدف للتقليل من تأثير وزارة المالية على توجهات السياسة النقدية للبنك المركزي. عموما يمكن القول إن التعديلات المستمرة في قانون النقد والقرض هي دليل على عدم الاستقرار في التوجهات الكبرى للسياسات الاقتصادية خاصة النقدية منها، وإن كان لابد منه، فإنه دون تبني سياسة سعر صرف معوّم بصفة مطلقة، نبقى دون مستوى الإصلاح الاقتصادي الفعلي، ولكن ضمن إطار مساحيق التجميل الاقتصادية”.