من كتاب دراســـــــات فـي الفكر الاستراتيجي والسياسي للكاتب موسى الزعبي

القرنان السادس والسابع للهجرة من أغنى العصور العربية بازدحام الحوادث وسرعة تواليها، وشدة تعقدها، وأفعلها بالمفاجآت، مثلها مثل ظروفنا الحالية مع بداية القرن الخامس عشر الهجري.

ففي الحقبة الأولى، تبدو المملكة الإسلامية واسعة الرقعة، مترامية الأطراف، فسيحة الأرجاء شرقاً وغرباً(1)، وهي على ازدحامها ممالك وإمارات تلوح أمام الناظر كقطرات من قبضة اليد، إذا قبضت عليها انداحت بقوة من بين الأصابع شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً… حسب المفاهيم الدارجة في ذلك العصر. كأن الوحدة غريبة عنها، وكأنها جُبِلَتْ على التفرد والانفصال والانعزال، وصار التمزق الإقليمي سمة يطبع تاريخنا العربي قديماً وحديثاً.

واليوم أيضاً، كل أزمة لها أجواؤها ولها أصواتها، ولها ألوانها، رائحتها ومذاقها الذي يبقى في الحواس، ويستعيدها حية من مخزونات الذاكرة، مهما تباعدت السنون. ينطبق ذلك على أزمات العالم الكبرى. كما ينطبق على أزمات العرب، ومنها ما أخذت الأمة العربية بالمفاجآت، ثم أفزعتها التداعيات، ثم قسمتها الخلافات، ثم ساقتها الفتن إلى طرق وعرة ليس بينها درب أمان، بل اعتراف بالعجز واستسلام لليأس وتخبط في الظلام.

أمة مسلحة، ولكن للاقتتال، وليس للقتال، وأمة غاضبة لكنه غضب بغير كبرياء، وأمة حزينة، وليس لديها وسيلة لتعلو بها على أحزانها، هذا هو واقع أمتنا اليوم، لا تعرف في أي مكان هي، ولماذا، وإلى أين.

في تلك الأيام الغابرة، تلوح أمام الباحث صورة الدولة الإسلامية، إمارات مستقلة واهية البنيان، وممالك كبيرة دبَّت الشيخوخة في أوصالها، فسقطت كالذبيحة بين شدقي الغازي الصليبي من الغرب والقادم المغولي من الشرق(2)، فسقطت كأوراق الخريف، لا تجد من يغار عليها أو يحميها.

مطامع صليبية اتَّشَحَتْ برداء الدين، وأضمرت جشعها الاقتصادي، وظمأها التوسعي، فتوجهت بحقدها غارسة مخالبها في الأرض العربية، زارعة الخراب، والدمار أينما رحلت وحيثما حلت.

وتحفز مغولي للانقضاض على الفريسة الحبلى بالآلام والأوجاع. يدفعه ظمأ رمال الصحارى إلى مياه الغرب. وقد زحفت صحارى الشرق، على خضرة الغرب، فصبغت أسوار إيران، ومآذن العراق، بلونها الأصفر البربري، مبدلة نهار الحضارة بظلام الجهل، مطفئة شعلة النور، مزيحة الستار عن واقع هدتْهُ الانقسامات والفتن والأهواء.

والغريب في التاريخ العربي، وليس جديداً، أن ينقلب العدو صديقاً والصديق عدواً، وأن تتحالف الأضداد المتنافرة دونما اعتبار لتنافرها وتباعد مذاهبها. في الماضي، عُرِفَ المرابطون ببأسهم وقسوتهم على أعدائهم الاسبان، وعدم تهاونهم في الدفاع عن الثغور الإسلامية حتى أن ابن تاشفين خاطب أتباعه قائلاً: “ولئن عشت لأعيدن جميع البلاد التي ملكها الروم، ولأملأنها عليهم خيلاً ورجالاً(3).

وسرعان ما ترتد جيوش المرابطين عن الأمر الذي ندبت إليه، وتتوجه إلى محاربة الموحدين، تاركة ثغور الأندلس لقمة سائغة في أفواه الاسبان، وينقلب القائد العربي “ابن غانية” الذي صد الاسبان مرة عن أسوار قرطبة إلى قائد يأتمر بأوامر الأعداء، ويستل سيفه ليبطش بأبناء قومه وأهل ملته(4).

واليوم يعيد التاريخ نفسه، فيما يسمى بحرب الخليج الثانية، عندما أمسكت الولايات المتحدة الأمريكية بكل خيوط الأزمة من بدايتها حتى نهايتها، نسجتها بدقة وإتقان بالتعاون مع عملائها في المنطقة أو مع زبائنها، وراحت تغزل فيها وفق رسم خططت له، وأغلقت الأبواب أمام العراق، بتوجيه الإنذارات الواحد تلو الآخر، دون ترك أي باب يطرقه، إذ أُغْلق الباب العربي، لأن الولايات المتحدة لا تريد أن يفتح باب أو نافذة أمام بغداد، كما أغلق باب الأمم المتحدة، وأصبح باب بقايا حطام الاتحاد السوفياتي مغلقاً، وهكذا، تآلفت كل الظروف، وتجمعت السحب السوداء فوق بغداد. ويحاصر النمر العراقي، وتبدأ حملة تزييف لم يسبق لها مثيل في التاريخ، يشارك فيها بعض الحكام العرب، حقداً ولؤماً وتآمراً، بعد أن حقق العراق بعض الانتصارات على المستوى الداخلي والإقليمي.

ويترافق ذلك، مع أكبر حشد للقوات والمعدات القتالية، من أحدث ما أنتجته آلات الحرب الأمريكية، وأشدها فتكاً. ثم يحاصر العراق ويجوع شعبه. ثم يفرض عليه حظر يخالف كل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، وَيُجوّع شعب ويمنع عنه حتى الدواء.

ولنعود في هذه المقارنة التاريخية إلى الماضي، فتوصف تلك الحقبة بأنها حقبة عصور الظلام، فتزداد الأمور سوءاً، فكان يجري إبعاد الرجال الأكفاء عن سدة الحكم وممارسة السلطة، وحتى المشاركة في الرأي، وإعداد ما يلزم. فاختفى العدل، وصار القضاة يشترون مناصبهم، وهي هامَّةٌ في تلك الأيام، ولها دلالات عن واقع الأمور، ولقد أثار ذلك التصرف السخط في أواسط الناس، بعد أن عمت الفوضى وساد حكم الجهلة والانتهازيين والأذلاء، وغابت العقول النيرة عن الساحة. فتداعى الرجال من ذوي الهمم إلى الثورة(5)، لكن كانت الفوضى قوية، والإصلاح عسيراً على الرجال، الأمر الذي شجع الاسبان على القيام بحملات، أخذوا يشترون فيها القلاع والحصون العربية.

وتدق أجراس النهاية المشؤومة، حين يلوح في الأفق اتحاد القشتاليين وليون وتوجههم إلى محاربة خليفة الموحدين(6)، المنغمس في اللهو والترف، المعتكف في قصره. وقد نسي نفسه بين أبقاره فعجَّلتْ إحداها بذهاب روحه.

وتمهد وفاة المستنصر بالله للأقارب الذين كانوا يحكمون المقاطعات لتحقيق مطامعهم، فصار النزاع حول العرش مقدمة لحرب أهلية انتهت بانهيار الدولة الموحدية في الأندلس، وقيام أمير من سلالة بني هود بالاستيلاء على مرسية(7)، والانفصال عن جسد الدولة الموحدية.

وتخرج الأندلس نهائياً عن طاعة الموحدين الذين أسرعوا في الهبوط سرعة المياه في انحدارها، والذين تنازعوا ففشلت ريحهم، وجاءت تباريحهم مسجلة أول نكبة في تاريخنا السياسي، أودت بحياة الألوف من العرب وسلخت الأندلس وأعادتها إلى سكانها الأصليين(8).

لقد كانت هزيمة الأندلسيين أمام أعدائهم، وانهيار دولتهم أو دولهم، هما سبب بلائهم ومصدر شقائهم. وكانت الهزيمة والانهيار نتيجة حتمية لخلافاتهم ولنزاعاتهم، وعجزهم عن الاتحاد والتضامن أمام الأخطار. لقد عانى الأندلسيون الكثير من النزاعات التي وقعت بينهم. وقد استمرت هذه النزاعات، إلى أن أدركوا حقيقة ما جَرّتْهُ عليهم هذه النزاعات من بلاء وكوارث. وكان من المفترض فيهم أن يتعظوا بما جرى، فقد رأوا كيف شجعت هذه النزاعات والخلافات أعداءهم، في حين كان من المفترض أن يحافظ الأندلسيون على وحدتهم، كيلا تتجدد خلافاتهم، فينتهزها عدوهم، ويذكي نارها إستعارا

وهكذا، كانت الخلافات والنزاعات تتجدد، وتعم الفوضى، ويأخذ كل فريق يستعين بالأعداء لتثبيت مراكزه. وإذا كانت أحداث التاريخ  تروى لتكون عبرة وذكرى للأحياء، يتأملون دروسها، ويستخلصون العبر منها، فإن أمتنا اليوم أحق الناس بالتأمل فيما جرى.

تلك كانت حال أهل المغرب، فكيف كان حال أهل المشرق؟

لم يكن حال المشرق الإسلامي سياسياً، بأوفر حظاً من حال مغربه، إذ كان يعاني الأمرين من انقسام وحدة المسلمين من جهة، والغزو الصليبي والمغولي من جهة ثانية.

وهكذا، لقد بدت وحدة المسلمين مستحيلة التحقيق، صعبة المنال، ما دام البناء السياسي مشروخاً بشروخ مذهبية، باعدت بين أبناء الأسرة الواحدة، وفرضت لغة السيف وسيلة للإقناع لا لغة العقل والمنطق.

فقد ناصبت السلطة السياسية السنية في بغداد- الحكم الفاطمي والإسماعيلي، في القاهرة وإيران، العداء. واستنجد كل من الأطراف بالعدو المشترك، مع العلم أن كل طرف، كان يعاني من آلام الموت البطيء(9).

وتزحف جيوش الصليبيين مستهدفة بيت المقدس(10)، مستغلة العداء المذهبي الذي أوهن الأمة، وأضعف كيانها، ملقية الضوء على كيانات هدتها الخلافات، وأعمتها عن رؤية الخطر الحقيقي الذي يهدد العالم الإسلامي ومقدساته..

أمام هذه الصورة المؤلمة، بدا البناء السياسي للدولة الإسلامية المشرقية، مشرفاً على الانهيار، والأمل بوقف الزحف الصليبي مفقوداً، ما لم تسعف الأمة دماء جديدة، تبعث فيها الحياة، وتوحد ما فرقته المذاهب وباعدته الشروحات والتفسيرات.

ويذكر ابن الأثير أن أحد حوافز الغزو الصليبي، وعلى نحو مطول، هي الشقاقات والنزاعات التي كانت تخيم على العالم الإسلامي، بالإضافة إلى وجود حكام مسلمين ليسوا عرباً، إضافة إلى الانقسام بين السنة الذين كانوا يستندون إلى حكم الخلفاء العباسيين ولو اسمياً في بغداد، والشيعة اللذين يعترفون بالخليفة الفاطمي في القاهرة. فهذا الانقسام الذي يرجع تاريخه إلى القرن السابع الميلادي، وهو في الأصل نزاع سياسي، تَمَّ تحويله إلى نزاع ديني، واستغل في الحقيقة من قبل أولئك الذين يتربصون بالإسلام والعروبة شراً. وقد أدى ذلك النزاع إلى صراعات شديدة أحياناً، أضعفت العروبة والإسلام، وهي صراعات لا يرضى عنها بالتأكيد رسول الله وابن عمه الإمام علي. وتهديداً للبعض أن الكفاح ضد الشيعة لا يقل أهمية عن الكفاح ضد الصليبين، بالنسبة لرجال الدولة الأيوبية، وَيُتْهم الهرطقيون على أنهم هم الذين تسببوا في جميع الأضرار التي لحقت بالعروبة والإسلام، وليس من المدهش، أن يكون الغزو الصليبي قد ساهم في دسائسهم. ويقال إذا كانت دعوة الفاطميين إلى الصليبيين مجرد خيال، فإن فرحة حكام القاهرة بوصول الغزاة الصليبيين هي حقيقة.

لقد هنأ الوزير الأفضل بحرارة البيزنطيين عند سقوط نيقيا. كما زار معسكر الصليبيين وفد فاطمي كلف بتقديم التهاني الحارة للصليبيين، قبل ثلاثة أشهر من استيلاء الغزاة على أنطاكية. وقد تمنى ذلك الوفد الانتصارات المقبلة للصليبيين، واقترح عليهم إقامة تحالف بينهما. ويقال إن الأفضل، يرجع في أصوله إلى عائلة أرمنية، وهو لا يحمل أي تعاطف مع السلجوقيين الذين قلص تقدمهم مناطق حكم الخليفة الفاطمي منذ نصف قرن. كما جرى ذلك التوسع السلجوقي على حساب الإمبراطورية البيزنطية في الوقت نفسه.

وفي الوقت الذي كان يرى فيه البيزنطيون أن أنطاكية وآسية الصغرى قد أفلتت من سيطرتهم، يرى الفاطميون، أنهم فقدوا دمشق والقدس، اللتين كانتا تابعتين لهما خلال قرن من الزمن. كما توطدت صداقة قديمة بين القاهرة الفاطمية، والقسطنطينية البيزنطية، كما هي بين الأفضل وألكسي. فكانا يتشاوران بصورة منتظمة، ويتبادلان المعلومات، ويعدان المشاريع المشتركة. وقد قابلا بارتياح دمار الإمبراطورية السلجوقية، نتيجة النزاعات الداخلية، التي أدت إلى نشوء العديد من الدويلات الصغيرة في سورية وآسيا والصغرى. ولم يتحدث الوفد الفاطمي الذي أُرسل للغزاة الذين كانوا يحاصرون أنطاكية، عن معاهدة عدم اعتداء، لأن ذلك الأمر كان بديهياً بالنسبة للأفضل. وأن ما اقترحه الوفد على الصليبيين، هو قسمة مشتركة، بحيث يكون للغزاة سورية الشمالية، في حين تصبح سورية الجنوبية، بعبارة أخرى فلسطين ودمشق والمدن الساحلية حتى بيروت، تابعة للدولة الفاطمية. وكانت قناعة الأفضل أن الغزاة سيقبلون تلك العروض المخبرية، لكن الغريب أن يكون جوابهم غامضاً، إذ طالبوا بإيضاحات وتدقيقات.خصوصاً حول القدس ومصيرها. في الوقت نفسه، أظهروا لذلك الوفد، أنهم الأصدقاء الأوفياء، لدرجة أن عرضوا عليهم مشهداً لحوالي ثلاثماية رأس مقطوع من رؤوس المدافعين عن أنطاكية. مع ذلك، رفضوا عقد أي اتفاق، واحتار الأفضل لذلك الأمر.

وتردد حاكم القاهرة الفاطمي فيما يتعلق بالسياسة الواجب اتباعها عندما وصلته أنباء سقوط انطاكية على أيدي الغزاة الصليبيين في سهر حزيران
(1098)، وتبع ذلك الهزيمة المشينة التي تعرض لها كربوغا، في أقل من ثلاثة أسابيع، عندها وجب عليه التحرك بسرعة للتأكد ممن هم أعداؤه ومن هم حلفاؤه. وينقل ابن القلاسني: “أن القائد العام أمير الجيوش، الأفضل، غادر مصر بشهر تموز، على رأس جيش كبير، وضرب حصاراً حول القدس، حيث كان يتواجد فيها الأتراك السلجوقيون، ويهاجم المدينة، ويستولي عليها. وكان لا يعلم، حتى ذلك الوقت اتجاه ونوايا الصليبيين. وعندما عاودوا سيرهم في شهر كانون الثاني عام (1099)، نحو الجنوب، خيم على الأفضل القلق، وأرسل أحد رجاله الثَّقاة على عجل إلى القسطنطينية لاستشارة إمبراطور بيزنطة ألِكْسي. لكن هذا الأخير رد برسالة يقول فيها، إن البيزنطيين لم يعد لهم أية سيطرة على الصليبيين. وإن الأخيرين مصممون على إقامة دولهم الخاصة، كما رفضوا إعادة أنطاكية إلى الامبراطورية البيزنطية، على عكس ما كانوا أقسموا عليه، ويبدو أنهم مصممون على احتلال القدس، وأية مناطق أخرى يستطيعون الاستيلاء عليها. وأن ما ادعوه من توجيه البابا لهم للقيام بحرب مقدسة لاستحواذ قبر المسيح، ما هو إلا ذريعة كاذبة، إلا لماذا يقومون بالمذابح أينما توجهوا. وأَنّا حلوا، وأين أخلاق الحجُّاج من أولئك الوحوش الضارية التي لا ترحم، آكلة لحوم البشر”.

عندها شعر الأفضل بالندم، وعند ذلك تتضاءل المطامع، وتتقارب الأبعاد، وتلتقي الروافد في نهر الأمة الواحد.

وتتميز الدماء الجديدة في تاريخنا السياسي بانبعاثها عند منعطف خطر، يهدد سلامة الأمة وحياتها. وسرعان ما تتلاشى، ويجف فيها روح الحياة، وتغرب عن الجسد، ليعود الكل أبعاضاً، والبناء حجارة متهدمة.

ويشهد الثلث الأول من القرن السادس للهجرة، ميلاد جبهة إسلامية موحدة، على يد صلاح الدين، الذي أدرك خطورة الغزو الصليبي المحدق بالمنطقة العربية، فراح يعمل جاهداً على إقامة دولة إسلامية واحدة، حدودها الجنوبية مصر الفاطمية، وحدودها الشمالية الديار السورية.

وسرعان ما اصطدمت أحلام صلاح الدين بحلف دفاعي غير مقدس، أقامه الفاطميون مع الصليبيين والنورمانديين والحشاشين(11)

وشعر حكام مصر بدنو أجلهم، وأدرك الصليبيون أن نجاح صلاح الدين، يوقعهم في براثن قوى التحرر، فانقلب الصديق عدواً، والعدو صديقاً، وتحالف الجميع لرد الخطر على العروبة والإسلام. ويعبِّئ صلاح الدين قواه تجاه الغزو الصليبي، فيتوجه إلى حطّين أولاً، مسجلاً نصراً باهراً على العدو(12)، ومتابعاً زرع رايات النصر على أسوار عكا والناصرة وقيسارية وحيفا وصفورية وصيدا وبيروت وجبيل وطرابلس واللاذقية، ويتوجه بعد ذلك لفتح باب المقدس، سنة (583) للهجرة.

فتنكمش إثر تلك الانتصارات، الممالك الصليبية وتضيق رقعها الجغرافية، الأمر الذي رفع صوت البابوية عالياً، يدعو ملوك أوربا إلى القيام بحملة صليبية ثالثة(13) لتسترد بيت المقدس، وتثأر للهزائم الصليبية الفادحة.

ويستجيب ملوك أوربا لنداء البابوية، ويتوجهون بأحقادهم إلى عكا، لكن سرعان ما ينهار الحلف الأوربي، غير المقدس، منتهياً بنصر العرب المسلمين، بصلح ينص على ملك العرب لبيت المقدس(14).

ويموت صلاح الدين عام (589) للهجرة، تاركاً خلفه دولة مترامية الأطراف، وجبهة موحدة لأبنائه السبعة عشر(15)، يتقاسمون التركة الواسعة من بعده الذين شهروا السيف لإقناع بعضهم وأخوتهم، متناسين أن السيف الذي ينصر الأخ سوف ينقلب عليه، بعد فترة وجيزة- ويتشتت تبعاً لذلك، البناء السياسي للدولة الأيوبية، وتحفر الروافد قرارها خارج النهر الواحد، ويسير نهر الأمة متباطئاً في سيره وجريانه، هزيلاً في تياره، يبكي مجداً ضائعاً، ودولة بناها الجد، وأضاعها الأبناء والأحفاد.

وتبدأ إثر تقسيم التركة، حروب الوراثة، بين أبناء البيت الواحد، ويطمع الأخ في ملك أخيه، ويسعى جاهداً للإطاحة به وضم أملاكه إلى دولته، كل ذلك، والعدو الصليبي، لا يزال رابضاً، يتحين الفرص للانقضاض على القوى التي أنهكتها الخصومات وزعزعتها الخلافات بين الإخوة. فقد عُرِفَ عن أحدهم، وهو الأفضل، كونه شاباً مستهتراً، ضعيف السيرة، مقبلاً على اللهو والشراب، حتى مَلَّهُ الناس. فركب أخوه العزيز يريد إصلاح أخيه(16)، رافعاً في الظاهر شعار محاربة الصليبيين الذين استغلوا ضعف الأفضل، فاحتلوا جبلة، وراغباً في الباطن ضم دمشق إلى أملاكه.

إلا أن الأفضل يستنجد بأخيه الظاهر غازي، وعمه الملك العادل(17).

وتلتقي الجيوش خارج أسوار دمشق، وتصلح حكمة العادل ما اعتور النفوس من أحقاد ومطامع، إذ أدرك العادل أن الخصام الأخوي يخرب البيوت، ويدخل عليها الآفة. فقال مخاطباً العزيز: “العدو وراءنا، وقد أخذوا جبلة، فلا تكسر حرمة دمشق، وتطمع فيها كل أحد…”(18).

ويتضامن الإخوة فترة وجيزة، في مواجهة الحروب الصليبية، ويقفون يداً واحدة، يشد الواحد منهم إزار الآخر. لكن سرعان ما ينفرط الحلف الأخوي، ليحل محله التناحر والخصام(19). فقد اعتدى المُعَظَّم على أملاك إخوته وأقاربه. وشهر سيف الحرب في وجه أخويه، مستنجداً بالخوارزمية(20)، مزيناً لهم جمال الشام وخيراتها، ووفرة غلالها وثراء أهلها.

أما الكامل، فقد دعا الصليبيين إلى تدعيم سلطانه، واعداً إياهم بمكافأة يقدمها ثمناً لنصرته، وهي بيت المقدس(21). ويلبي الإمبراطور فريدريك. الثاني، دعوة الكامل، فيصل دمشق عام(625) للهجرة، وتنتهي الزيارة بتسليمه مفاتيح بيت المقدس(22)، في وقت ارتفعت فيه صيحات المغول، ناشرة الخراب والدمار على الجناح الشرقي من العالم الإسلامي.

إزاء هذا التناحر والتفكك السياسي، تبدو صورة الأرض العربية صفراء الجبين، وقد غطتها أوراق الفناء، ورقصت في ساحاتها عرائس التشتت والتمزق والانهيار، في إيقاع جنائزي، تعزفه جوقة حكام المسلمين بآلات العبث واللهو والخصام والمطامع.

فقد قام جنكيز خان(23)، بإسقاط الدولة الخوارزمية، واستولى على بخارى، وبلاد ما بين النهرين(24)، إثر دعوة تلقاها من الخليفة العباسي، الناصر لدين الله(25)، حيث اكتشف الخليفة أطماع الخوارزميين الإسلام في ملكه، وتأكد له إصرارهم على غزو بغداد. فرأى في جنكيز خان، الرجل الوحيد، الذي يوقف الخوارزميين، عند حدهم، مطبقاً مبدأ، عَلَيَّ وعلى أعدائي يا رب،(26)، وَعَمِيَ عن بصره أن الجيش الذي سينصره سوف ينقلب عليه بعد حين، ويزيل دولة العباسيين.

ولم تكن بدعة الاستنجاد بالمغول مقصورة على الخليفة العباسي، فقد راسل الاسماعيليون(27) جنكيز خان، لما شعروا بقوة الخوارزمية، وَحَثّوهُ على مناهضة الدولة الخوارزمية، بل أرسلوا مقدمهم إلى المغول يطلعونه على مواطن الضعف عند أعدائهم، الأمر الذي جعل الطريق ممهدة أمام الفاتح المغولي ليزرع رايات الدمار والخراب، على الأرض العربية.

وقد قضى المغول نهائياً على الخوارزميين عام(618) للهجرة(28)، ولم يبق من يقارعهم سوى العباسيين- إلا أن المغول أدركوا أن الاسماعيليين سيكونون شوكة في خاصرتهم وحلوقهم، يحولون دون تحقيق أطماعهم في السيطرة على القسم الغربي في العالم الإسلامي، مدفوعين بعامل هام شجعهم على مهاجمة القلاع الاسماعيلية، وهو “المسلمون أنفسهم اللذين كانوا تحت حكم المغول، ولاسيما أهل قزوين الذين اعتنقوا مذهب أهل السنة”(29) ويظهر ذلك، في رنة الفرح التي عمت العالم الإسلامي إثر اندحار الاسماعيليين، ورغم ما كان يتوقعه المسلمون على أيديهم من أحداث جسام(30).

كل ذلك، يظهر مدى الفساد والتمزق اللذين سادا في تلك الحقبة من تاريخنا السياسي. وقد سقطت قلعة “الموت” عام (657) للهجرة، ثم دمشق عام (657) للهجرة(31). وغابت رايات الإسلام والعروبة عن سواري تلك الإمبراطورية التي بناها الأجداد، وأضاعها الأحفاد.

وهنا،بعد هذا العرض التاريخي السريع، والمختصر جداً، لابد من العودة لربط الماضي بالحاضر. ربما كان الغزو الصليبي أو المغولي، قد تم تحت شعار الخوف من “الإسلام”، لكن الغزو الاستعماري المعاصر بمختلف أشكاله وألوانه وشعاراته، وأهدافه المعلنة والمستورة يتم تحت شعار الهيمنة السياسية والعسكرية والسيطرة الاقتصادية على المنطقة العربية. وإن وجود العرب مقابل أوربا، جعلهم الأقرب منالاً جغرافياً، والأصعب تطويقاً فكرياً وسياسياً، وها نحن اليوم نعاني من محاولات الغرب المتمثل بالولايات المتحدة بعودة الهيمنة بأشكال جديدة، وبأساليب خادعة، من جديد، على منطقتنا العربية. ولقد تأكد تفرد الولايات المتحدة بقيادة “النظام الدولي الجديد” بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، والكتلة الاشتراكية السابقة. وأصبحت الولايات المتحدة البلد الوحيد في العالم الذي يمتلك (المنظومة الكاملة للقوة)، وأنه ما من أحد يستطيع مجاراتها في هذا المجال في هذه الحقبة الزمنية ولا سبيل لتحديها.

وحتى تتوضح “الهيمنة الأمريكية” في إطارها الصحيح، ودون الدخول في الجدال الدائر حول مستقبل النظام الدولي الجديد”، فهناك حقيقة لا تقبل الجدال، تتمثل بوجود منظومة “رأسمالية عالمية”، أصبحت تشكل، دون أي تحد خارجي يذكر، قلب النظام الدولي كله، وتقبضُ بأحكام على الدّفَّة الموجهة لمساره، ولهذه “المنظومة” مكونات ثلاثة: أولها الدول الرأسمالية السبع المتقدمة. وثانيهما الشركات متعددة الجنسية. وثالثهما المؤسسات الاقتصادية الدولية “صندوق النقد الدولي البنك الدولي للإنشاء والتعمير، منظمة التجارة الدولية”.

وقد أصبحت “دبلوماسية” هذه المؤسسات، بديلاً أو بالأحرى رديفاً لدبلوماسية البوارج، التي عُرِفَتْ في مطلع القرن التاسع عشر، وهنا تتضح مداخل منظومة الهيمنة الأمريكية وأدواتها ووسائلها، مع إدراك حجم الدور الأمريكي في تشكيلها وأبعاده.

ويتمثل إدراك طبيعة توجهات تلك “المنظومة الرأسمالية العالمية” قبل كل شيء، هو أن مكونات هذه المنظومة تعمل معاً وفي تناغم كل شيء، من أجل تحويل “العالم” إلى “سوق موحدة” تعمل وفقاً لآليات النظام الاقتصادي الرأسمالي وقيمه ومفاهيمه. إن الترجمة المباشرة لهذا “الأصل” في مواجهة النظام العربي، تنصرف عملياً ومن الناحيتين الاقتصادية والسياسية، إلى تصفية “الصراع العربي- الغربي” باعتباره “الصراع الأساسي”، وفي سياق ذلك تجري تصفية “الصراع العربي- الصهيوني” باعتباره “الصراع المباشر” بحيث تتحقق الهيمنة المباشرة للمركب الامبريالي- الصهيوني، وتسقط “القومية العربية”، وتندثر وتتلاشى.. مرة واحدة، وإلى الأبد.

وفي سياق هذا الأصل، يتعرض الوطن العربي، بأقطاره وشعوبه، إلى ضغوط مكثفة ومتصاعدة لإتمام عملية إعادة دمج اقتصادياتها في إطار الاقتصاد الرأسمالي العالمي، ولإسقاط كافة الحواجز التي تحول دون تحقيق هذا الهدف، بصرف النظر عن التكلفة السياسية والاجتماعية والثقافة لهذه العملية، من وجهة نظر السياسات المحلية. ومعنى ذلك، أن الأقطار العربية تنخرط، رغم إرادتها، في خضم عملية تحول كبرى في هياكلها الاقتصادية والاجتماعية، مدفوعة في ذلك، بضرورات المواءمة مع مقتضيات النظام الدولي “الجديد”، بصرف النظر عن الاعتبارات الخاصة بالمصالح الوطنية لتلك الأقطار.

ويبدو أن الغرب قد استوعب جيداً كل دروس المراحل السابقة، فلم يعد يسمح لنفسه بأي وهم في تقييم مدى ثبات الأسس التي يبني عليها مصالحه ومشاريعه في الوطن العربي. ذلك أن الدوائر الغربية، والصهيونية، تدرك أكثر من غيرها، أن ما تم حتى الآن، ليس الرضى العربي التاريخي النهائي بالكيان الصهيوني في فلسطين، بل الاعتراف العربي الرسمي بالعجز أمام المشروع الصهيوني. والفارق بين الأمرين، كبير للغاية. فالأول صامد ثابت، والثاني متغير زائل. وصحيح أن الغرب ما يزال يبني مشاريعه في المنطقة، ويقيس “واقعيتها” على أساس “العجز العربي”، إلا أنه تعلم من مرحلة الخمسينيات
(1950) والستينيات (1960) التي شهدت ذروة الصراع العربي- الغربي، أن العجز العربي، حالة لا يمكن أن تستمر إلا بفرض وترسيخ ظروف استمرارها المادية والمعنوية.

ولقد ساعد على ذلك، أن القيادات التي تتصدى لاتخاذ قرارات مصيرية، تمس المستقبل العربي كله، وتتصل بحقوق أجيال لا يجوز التصرف فيها، تعمد تحت شعار “الواقعية” إلى عزل الظواهر عن الأسباب، وتبخس الذات العربية، وتغالي في تضخيم قدرات العدو، وتتخذ من معاناة الجماهير سوطاً تلهب به ظهرها لتدفقها قسراً، ودون إرادة واعية للقبول- وبحماس أحياناً- بما يتعارض مع مصالحها وطموحاتها، بل وحقوقها غير القابلة للتصرف، وبالرغم من محدودية مجموعات النخبة المستغلة للأمر الواقع، إلا أن صمت الأغلبية بعد النجاح في تغييبها، عن ساحة الفعل السياسي، جعل منها قاعدة واسعة لقيادة لا يربطها بأي نسب صحيح. وشكل الجميع تجمعاً يتسم بالإدراك القاصر للواقع، والفهم الناقص للواقعية، والاستجابة شبه التلقائية لدعوات اليأس والإحباط، والقبول-ولو على مضض- برموز هذه “الواقعية” والنظر إلى هذه الرموز باعتبارها تجتهد في “إنقاذ ما يمكن إنقاذه”.

وفي ظل هذه “الواقعية” صدرت تصريحات رسمية من أكثر من حكومة عربية- تحت ستار دعاوى تاريخية وثقافية مغلوطة- تدافع عن بعض دول الجوار التي نجحت باختراق جدار الأمن القومي العربي، وتُمارس عدواناً مباشراً على حقوق جوارها ومصالحها.

ولابد من الإشارة، إلى أن الأعوام الأخيرة من القرن العشرين شهدت، وقد تشهد بعد ذلك، استمرار وتعزيز نمطين من أنماط التفاعلات الدولية: أولهما أن التفاعلات العربية الدولية مصدرها الطرف الدولي، حيث استقرت مكانة “العرب” كطرف مُتَلَقّ لا يمتلك قدرات الحد الأدنى اللازمة لممارسة دور فاعل على الصعيد الدولي، وثانيهما أن الوطن العربي مازال أكثر الأقاليم في العالم، تعرضاً للاختراق الأمريكي، على المستويات السياسية والاستراتيجية والثقافية. ويتضح ذلك من متابعة دبلوماسية “عملية التسوية” الجارية للصراع العربي- الصهيوني، ومحاولات تأسيس هيكل أمني في الخليج.

ومن الملاحظ أن القوى العالمية الكبرى الأخرى، كانت تلتزم في حركاتها تجاه الوطن العربي بهذين النمطين، مع بعض التمايزات، ساعدها على ذلك “غياب العرب” شبه الكامل في مجال صياغة سياسية أو حتى سياسات، تجاه هذه القوى الكبرى، حتى ولو من قبيل موازنة التواجد الأمريكي الكثيف، ودعمه غير المحدود للوجود الصهيوني وانتشاره، الذي عمد إلى تصعيد توجهاته العدوانية والعنصرية، باعتبارها لصيقة بهذا الوجود- ولا علاقة لها بأية “تسوية”. كذلك، فإن المأزق العربي نفسه قد تجلى بصورة واضحة في إدارة العلاقات العربية مع دول الجوار الآسيوي والإفريقي، التي يظل من الممكن اعتبارها “رصيداً للعرب في معاركهم المتواصلة، من أجل تحرير الإرادة الوطنية، وصيانة الأمن القومي، وحماية الهوية العربية، على قاعدة من التنمية الشاملة المستقلة.

ولا يزال الوطن العربي، يشهد تعزيزاً لنمط معين من التفاعلات العربية الدولية مفاده أن مصدر هذه الأخيرة- يشكل شبه كلي تقريباً، هو الأطراف الدولية، فيما ظهر العرب كطرفٍ مغلقٍ لهذه التفاعلات، نظراً لغياب قدرات الحد الأدنى المشترك. كما ازدادت ظاهرة الاختراق الدولي، وبالأخص الأمريكي للوطن العربي. كما تدل على ذلك جملة من العوامل أهمها: التأثير الأمريكي الكبير في صياغة الأجندة العربية، وتحديد الأولويات الفعلية، والتدخل الفاعل في العلاقات العربية- العربية، وكذلك في العلاقات العربية- الإقليمية.

ويمكن النظر إلى السياسة الأمريكية تحت عنوانين رئيسين: أولهما دبلوماسية عملية التسوية. وهي دبلوماسية تتخطى هدف تسوية الصراع لتصل إلى محاولة إعادة صياغة العلاقات العربية، مع الكيان الصهيوني والإقليمية عموماً، وإرسائها طبقاً لقواعد ومفاهيم جديدة، تسقط كلياً مفاهيم العروبة والهوية والقومية والعمل العربي المشترك.

والعنوان الثاني لاستراتيجية الولايات المتحدة في الوطن العربي، يتعلق بالهيكل الأمني في الخليج العربي/ الفارسي، حيث شهدت سياسة واشنطن مزيداً من الهجوم الدبلوماسي، والعسكري، وذلك بمتابعة توجيه الضربات العسكرية على العراق وإنشاء جماعات معارضة من الهاربين من العراق، تقوم بتمويلهم ودعمهم، في الوقت نفسه، محاولات الضغط أحياناً على إيران، وأحياناً أخرى، تكليف بعض حلفائها في المنطقة للتقارب من إيران. لكن واجهت هذه الاستراتيجية التي أطلقت عليها واشنطن اسم “الاحتواء المزدوج” مزيداً من الانتقاد الدولي، ولدى الجماهير العربية، لجملة من الأسباب، من أهمها، فشل هذه الاستراتيجيا، نتيجة لسياسات أصدقاء الولايات المتحدة أنفسهم، تجاه العراق، وازدياد بعض الأعمال التي تطلق عليها الولايات المتحدة، اسم “الإرهابية” ضد القوات الأمريكية، إلى جانب غرق دول مجلس التعاون الخليجي في خلافاتها.

وتبدو الولايات المتحدة الأمريكية، كما لو أنها تقف وحيدة على الصعيد السياسي في الخليج العربي/ الفارسي، وبأنها عاجزة عن الإمساك ببعض الأوراق الإقليمية التي تصطدم أحياناً بمصالحها، مثلاً في محاولة الحصول على غطاء الشرعية الدولية، عندما قررت توسيع مناطق الحظر الجوي في العراق.

ولابد من الإشارة مع الإصرار إلى التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي، خاصة في ظل تيار العولمة أو الأمركة، بكافة أبعاده السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية، مع التركيز على أن الآثار السلبية لهذا التيار لا يبغي أن تصرف المثقفين العرب خاصة والجماهير العربية عامة عن تحمل المسؤوليات الذاتية للعمل على تغيير هذا الواقع العربي، على النحو الذي يكفل التعامل مع العولمة بِشَكلٍ يحفظ للعرب وجودهم القومي، وخصوصيتهم الثقافية، والمساعدة على تحقيق أهداف الأمة العربية، والمشاركة بصورة إيجابية، في صنع الأحداث الدولية.

كما أن المنعطف الخطير الذي يمر به الصراع العربي- الصهيوني، يمثل أخطر تَحَدٍّ للأمن القومي العربي في الوقت الراهن- مع التأكيد على مواجهة ما تتطلبه مواجهة هذه التطورات من ضرورة إحداث نقلة نوعية في التعامل العربي مع هذا الصراع، بوصفه صراع وجود ولا نزاع حدود. وعلى الجماهير العربية، أن تتحرك بمعزل عن الأنظمة العربية لمقاومة ما يجري على الساحة العربية، لما يسمى بعمليات التطبيع، وما تَجُرُّهُ من تغييرات في التاريخ والجغرافيا والثقافة… كما يجب على الجماهير العربية، وعلى المثقفين خاصة، فضح خطورة استمرار الوجود العسكري الأجنبي بكل أشكاله على الأرض العربية، مهما كانت الأسباب وتعددت المبررات بكل أشكاله على الأرض العربية، كما يجب توجيه الاهتمام لدى الجماهير العربية إلى تفعيل التضامن العربي، والتنسيق، وتنفيذ القرارات التي تتخذها المؤتمرات العربية وذلك بتفعيل منظمات العمل العربي المشترك والتجمعات العربية الإقليمية.

كما يجب على المثقفين الاهتمام بقضية الديموقراطية وحقوق الإنسان وتشخيصهم لعوائق الانتقال إلى الديموقراطية، مع التأكيد على عدد من الآليات الكفيلة بتسهيل هذا الانتقال، وأهمها آلية الوفاق والحوار الوطني المؤسسي بين السلطة والمعارضة، وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وحرية انتقال الأفراد والأفكار، واعتماد مبدأ الحوار والقبول بوجود رأي آخر، كما يجب التأكيد على أهمية تعزيز استقلال القضاء، وضرورة الاهتمام بالانتخابات المحلية وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وإزالة العقبات التي تحول دون ممارسة المرأة وأية شرائح اجتماعية أخرى لحقوقها السياسية والثقافية والفكرية.

ولابد من الإشارة أيضاً إلى عجز برامج التنمية القطرية والحاجة إلى تبني نماذج شاملة لقضية التنمية، ترتبط بقضايا الانتماء الوطني والقومي والبناء الديموقراطي، كما يجب التعامل مع تيار العولمة الاقتصادية من خلال التوصل إلى التكامل بين الاقتصاديات العربية. كما لابد من الإشارة أيضاً أنه من الضروري إقامة كتلة اقتصادية عربية، وذلك بإقامة منطقة تجارة حرة عربية.

وفي الختام يتوجب الإشارة إلى الخطر الصهيوني في فلسطين المحتلة، فهو نموذج فريد في الاستيطان الاقتلاعي في التاريخ، لا يحاكيه إلا استيطان الجماعات الأوربية لأمريكا الشمالية على أنقاض شعوبها الأصلية، التي اصطلح على تسميتها بالهنود الحمر. فالصهاينة المهاجرون لا يدعون حقاً تاريخياً بأرض، وينازعون عليها شعباً مُتَجَذِّراً فيها منذ قرون عديدة فحسب، بل هم ينهضون أيضاً إلى تحقيق ذلك بأيديولوجيا هجومية احتقارية، تستبيح الانتقام لليهود المضطهدين في العالم، بقهر العرب واقتلاعهم من جذورهم، وإقامة دولة لليهود، تكون جزءاً من السور الغربي المرفوع في وجه العرب، وحاجزاً يفصل المشرق العربي عن مغربه، وحارساً لمصالح الإمبريالية في المنطقة العربية، ومانعاً لوحدتها، وحليفاً للإمبريالية، وعندما يكون الصراع على هذا المستوى، من العداء والمرارة والحرارة، يصبح الأمن هاجساً مقيماً، والتسوية أمراً مكروهاً. ولقد رَكّز الكيان الصهيوني وجوده بدعم سخي، سياسي واقتصادي وعسكري من الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، منذ قرار التقسيم المشؤوم، وقبله وعد بلفور. ثم أخذ ذلك الكيان باستغلال الضعف العربي، في قضم الأراضي العربية، ثم استكمل أحد مشروعاته باحتلاله الكامل للتراب الفلسطيني، في حرب الأيام السته، في حزيران عام (1967)، كما سيطر على سيناء وعلى الجولان، ثم مناطق حدودية لبنانية، بحجة الأمن، أمن المعتدي والقاتل، النظرية النازية نفسها، والأمن ليس له حدود، فهو يبدأ ثم يأخذ بالتوسع والامتداد.

لكن، بقدر ما تبدو القدرات الصهيونية ممركزة وفاعلة، تحكمها قيادة سياسية واحدة، بجهاز عصبي مركزي عالي الكفاءة، والحساسية، ومدعوم من قوى الاستعمار والإمبريالية، بقدر ما تبدو القدرات العربية مشتتة مشرذمة، عاجزة عن إيجاد حد أدنى من التنسيق والانتقام في نسق معقول للتضامن القومي. وأصبح وضع التجزئة والتشرذم مقترناً بالصراعات العربية، نتيجة غياب الديموقراطية والأنظمة الاستبدادية في الوطن العربي عموماً، وخلق الصراعات والأزمات بين الأنظمة العربية، عوضاً عن توجيه الطاقات، نحو العدو المشترك، في الوقت نفسه، بات الكيان الصهيوني تمتلك ترسانة ضخمة من أسلحة الدمار الشامل بمعونة الغرب ودعمه، بالإضافة إلى جميع أنواع الأسلحة المتطورة وأحدثها، مع قدرات على تصنيع الأسلحة، في حين تمنع أية تكنولوجيا عسكرية عن العرب، لا بل شارك العرب في تدمير ما حققه قطر عربي من تطور في هذا المجال عوضاً عن المساعدة لمواجهة ذلك الخطر الصهيوني.

من جهة أخرى، تتمثل القاعدة المادية الأساسية التي تقوم عليها الاستراتيجية الغربية بصورة رئيسة، في مجموع المصالح والامتيازات الاقتصادية والتجارية والمادية التي تستحوذ عليها الشركات متعددة الجنسية، وتستنزف بواسطتها الثروات القومية، وعلى رأسها النفط، والأموال التي تنتج عنه، بصورة وحشية، وقد ترافق نمو هذه المصالح، بتزايد النفوذ والتأثير السياسي وتقوية المواقع العسكرية للغرب عموماً، والإمبريالية الأمريكية خصوصاً في العديد من الدول العربية. وتؤكد الوقائع كل يوم، وبصورة قاطعة، التوافق المصلحي للكيان الصهيوني، مع تقدم الاستراتيجية الغربية في المنطقة العربية. بل كان الكيان الصهيوني في فلسطين ولا يزال- حتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أحد أدوات تنفيذ هذه الاستراتيجية، وقد لا ندهش في يوم من الأيام، أن يحدث تحالف ما بين ذلك الكيان الغريب عن المنطقة، وبين بعض الحكام العرب، لكن علمنا التاريخ، أن الانتصار للشعوب في آخر الأمر، وويل للمتخاذلين.

¡ الهوامش

1- امتدت المملكة الإسلامية شرقاً فشملت: الدولة الخوارزمية في إيران، وبلاد ما بين النهرين. والسلجوقية في شمال سوريا وآسيا الصغرى. والعباسية في بغداد. والأتابكية في حلب والموصل. والفاطمية في مصر وجنوب سوريا وفلسطين. وتمتد غرباً لتشمل الدولة الموحدية في الأندلس والشمال الأفريقي.

2- ابتدأ الزحف الصليبي عام (1095)م والمغولي عام (1258)م.

3- المراكشي: ص226، وعلام: ص142.

4-هو القائد يحيى بن غانية، آخر ولاة المرابطين في الأندلس، الظافر على النصارى في معركة أفراغة التي هلك فيها الفونسو المحارب، ثم انقلب إلى حليف للأسبان. وكذلك القائد سعيد بن مردنيش، تاريخ (567) للهجرة، الذي لم يتردد في طلب العون من الإسبان ضد أبناء قومه. وكثير من القادة ساروا على منوالهم، كابن هود، وابن همشك: ابن صاحب الصلاة، ص115، وابن الأبار، ص220، وأشباح ص229، وعلام ص161 و 175، والحلل السندسية: شكيب أرسلان ج3 ص514، مكتبة الحياة بيروت 1936.

5- أشباخ من 401و 402و 403.

6- أشباخ ص405.

7- مَرْسِيَّة: مدينة في جنوبي الأندلس، بناها الأمير عبد الرحمن بن الحكم سنة 216 للهجرة، وأضحت قاعدة حكم آل هود، راجع في ذلك، ابن صاحب الصلاة ص115، د. شكيب أرسلان ج3 ص533.

8- يعلل ابن الآبار أسباب سقوط الأندلس، في كتابه، ص327-333 فيقول: “دناءة الملوك، وعدم رعايتهم لحرمة النفس الإنسانية، والانقسام المخيف الذي ظهر بين عرب الأندلس، هو الذي مكن سكان البلاد الأصليين، من القضاء عليهم، وبالتالي أجبرهم على الخروج نهائياً من شبه الجزيرة. ثم عقلية أمراء وولاة المغرب في الأندلس، وكيف يسعون إلى الحياة المترفة الهانئة، التي سادت الأندلس في أواخر أيامه، وفي أشد الساعات حراجة، ثم أخلاق الأمراء والقضاة وسعيهم للحكم والسيطرة، وكيف أنهم فطروا على المكر والخديعة.

9-  آ-استنجد الخليفة العباسي الناصر لدين الله “575-622” للهجرة، بالمغول ليخلصوه من الخوارزميين والاسماعيليين. راجع الكامل في التاريخ لابن الأثير؛ ج9 ص361 و 362.

ب- وتجد اسماعيلية إيران، يقتلون الخليفة العباسي، المسترشد سنة (529) للهجرة، ويتصل مُقَدَّمَهُمْ بجنكيز خان، يحثه على مناهضة العباسيين والخوارزميين.

    وراجع: تاريخ الخلفاء للسيوطي من (433)، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة (1952). والمغول في التاريخ؛ فؤاد الصياد ج1 ص84 دار النهضة العربية: بيروت 1970.

ج- ثم ترى حلفاً فاطمياً صليبياً للقضاء على الأيوبيين. راجع النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لابن تغردي بردي ج6 ص6، المؤسسة العامة للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة.

د-  المختصر في أخبار البشر، لابن الوردي: ج2 ص115-119، دار المعرفة بيروت 1970.

هـ-ثم تجد راشد الدين بن سنان يعمل على قتل صلاح الدين، ويقيم حلفاً مع عموري، صاحب بيت المقدس، وملك صقلية، النورماندي، لمهاجمة الشواطئ المصرية، بغية القضاء على الأيوبيين، راجع مصر في العصور الوسطى. د. علي إبراهيم حسن ص173-174، دار النهضة المصرية 1964.

9-أما السلاجقة، فكانوا في حرب دائمة مع غيرهم من سلاطين المسلمين، راجع د. الصياد ص89-90.

10-زحف الصليبيون على سوريا عام (1095)، وأسسوا إمارات الرها وانطاكية وطرابلس وبيت المقدس.

11-راجع: ابن تغردي بردي ج6 ص6، والروضتين للمقدسي ج1 ص329-335. والمختصر في أخبار البشر لابن الوردي: ج ح ص115- 119، دار المعرفة، بيروت 1970. ومصر في العصور الوسطى: ص173-174. “حيث يجمع المؤرخون على اتحاد الفاطميين والحشاشين والنورمانديين وملك صقلية للفتك بصلاح الدين. ثم اتفاق راشد سنان الدين زعيم الإسماعيلية مع عموري صاحب بيت المقدس وملك صقلية على مهاجمة الشواطئ المصرية…”.

12-ابن تغردي بردي: ج6 ص31، وابن شداد ص75. وقد جرت المعركة سنة 583 للهجرة.

13-ملوك أوربا هم: فيليب أوغست، ملك فرنسا، وفريدرك بربوسيا، امبراطورية ألمانيا، وريتشارد قلب الأسد، ملك إنجلترا، وهي الحرب الصليبية الثالثة، عاشور ص56.

14-تشتت الحملة عام 586هـ، إثر صلح الرملة، الذي عقد بين صلاح الدين وملك الإنجليز. راجع ابن تغردي بردي ج6 ص47-48، وعاشور ص59.

15-ابن تغردي بردي: ج6 ص62 “كانوا- أولاد صلاح الدين- ستة عشر ذكراً، وابنة واحدة، أكبرهم الأفضل علي، ولد بمصر سنة 565هـ، ثم الظاهر، وقطب الدين موسى 573هـ، والملك العزيز عثمان 067هـ، وأخوه يعقوب، والملك القاهر غازي، والملك زاهر داوود، والملك المعز إسحاق، والملك المؤيد مسعود، والملك الأشرف محمد، والملك محسن محمد، والملك الغالب ملكشاه، ما لبثت مؤمنة خاتون، وقد تزوجها ابن عمها، الملك العامد بن الملك العابد.

16-مفرج الكروب في أخبار بني أيوب: جمال الدين بن واصل. ج3 ص14- دار القلم بمصر.

17-راجع ترجمة العادل ت 596هـ في: ابن تغردي بردي ج6 ص160.

18-المرجع السابق: ج6 ص121.

19-المرجع السابق ج6 ص229- 234 واصل من 104-120.

20-أصل الخوارزميين أتراك- يدينون بالإسلام، وينتسبون إلى “توشكين” الذي كان عبداً اشتراه أحد أمراء السلاجقة، ثم نصبه حاكماً على إقليم خوارزم، وتلقب بـ”خوارزمشاه” 450 هـ. وقد بلغت الدولة أقصى اتساعها في عهد السلطان علاء الدين خوارزم شاه
(596-617)هـ.

21-عاشور: ص75.

22-المرجع السابق: ص86 “وَتُعْرف هذه الحملة تاريخياً، باسم الحملة الصليبية السادسة. وهي ملعونة من البابا لحرمان رئيسّها من عطف البابوية”.

23-جنكيز خان: (1115-1227)م، اسمه الحقيقي تيمورجين بن بسكاي بها در بن برتار بهادر. وقد لقب بجنكيز خان، عندما صار ملكاً على المغول، راجع المقريزي في السلوك لمعرفة دول الملوك، ج1 ص307. نشر الدكتور محمد مصطفى زيادة، القاهرة، عام 1934، ود. الصياد، ص39-40-41-48.

24-بدأ الزحف المغولي على الأقاليم الخوارزمية عام 616هـ، وانتهى عام 618هـ، راجع: د. الصياد ص112.

25-الناصر لدين الله العباسي (575-622)هـ راجع د الصياد ص72.

26-يقول صاحب الكامل في التاريخ: “إنه- أي الناصر- هو الذي أطمع التتر في البلاد، وراسلهم في ذلك. فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم”.

      ويقول المقريزي: ج1 ص218: “وفي خلافة الناصر، خرب التتر بلاد المشرق، حتى وصولاً إلى همذان. وكان هو السبب في ذلك، فقد كتب إليهم بالعبور إلى البلاد خوفاً من “علاء الدين خوارزمشاه”.

27-الإسماعيلية: إحدى الفرق الباطنية. نادى أتباعها بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق. وأطلق عليهم لفظ الحشاشين، لأنهم كانوا يستعينون بمخدر الحشيش في الترويج لمذهبهم، وفي حوادث الاغتيال السياسي. ويُعْتَبَر الحسن بن الصباح، المؤسس الحقيقي لفرقة الحشاشين في إيران، عام (483)هـ، راجع الفصل في الملل والنحل والأهواء، لابن حزم: ج4 ص182، 183، مطبعة التمدن بمصر 1321هـ ود. الصياد حتى 74-75.

28-د. الصياد: ص235

29-المرجع السابق ص244

30-المرجع السابق ص252

31-المرجع السابق ص237-260-295.