دراسات تاريخية

أول المنفيين الجزائريين إلى كاليدونيا الجديدة

بقلم حفيظ صواليلي

اتُّهم شاب جزائري في يوم الخميس الثامن من يناير عام 1863، عشية الاحتلال الفرنسي للجزائر، بتهمتي الاعتداء وسرقة أحد الشبان المعمرين الأثرياء من أبناء الوجهاء الفرنسيين بالعاصمة، “فرانسوا بورال”، François Burel الذي كان يبلغ من العمر حوالي السابع عشر. مَثل الشاب الجزائري “براهم بن محمد”والمُصنّف ضمن الأهالي وفق الأدبيات الاستعمارية آنذاك، بمحكمة الجنايات بالجزائر العاصمة أمام القاضي “تريون” M.Truant بجلسة ترأسها هو بنفسه . فقد كان “ابراهم” فتاً بحاراً لم يتعدّ العشرين ربيعاً من عمره، من مواليد العاصمة عام 1843 .

شكلت محاكمة الشاب الجزائري منعرجاً خطيراً غيّر مسار حياته كلياً وقلبها رأساً على عقب، لم يكن قط ليتخيّلها من ذي قبل، حيث سارع القاضي “تريون” إلى إدانته عبر حكم قاس جدًّا بعيداً كل البعد عن القاعدة القانونية مبدأ قرينة البراءة الذي ينصّ على أن المتهم بريء حتى تُثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، إذ هرول القاضي الفرنسي خلال محاكمة “ابراهم بن محمد” نحو إثبات التهم والنزول عليه بأقصى العقوبة تمثلت في الحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة. كان هذا الحكم يعكس على نحو كبير قسوة المحلفين الفرنسيين حيال الجزائريين الأهالي.

 شكّلت تلك العقوبة النكراء صدمة حقيقية لدى “براهم” الذي ظلَّ متمسّكاً ببراءته، نافياً بذلك جميع التهم الموجهة إليه، حيث قرّر من ثمّ الطعن في هذا الحكم الجائر بحقّه، بيد أن المحكمة رفضت هذا الاستئناف بتاريخ الخامس من فبراير سنة 1863 . كانت جلسة المحاكمة حينها تعجّ بالأحكام الهشّة المسبقة والتي بنيت في الأساس على وقائع مغلوطة لا تستند على دليل واقعي، سوى على ما أدلى به الضحية المحتال حسب أقواله مع أحد الفرنسيين وكان اسمه “بيار” sieur Billard، الذي بدوره لم يتوان على إخفاء نظرته العنصرية مسبقاً في حقّ المشتبه به الذي تحوّل سريعاً إلى متهم.

 لم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل على الفور قرّرت السلطات الاستعمارية نقل “ابراهم” إلى معتقل “تولون” سيئ السمعة، الذي وصل إليه في يوم الجمعة السادس من مارس عام 1863 ، شاءت الأقدار بعدها بأن يقع الاختيار  على “ابراهم بن محمد” من قبل المحافظ البحري لتولون أندري بول كلافو André Paul CLAVAUD ليُنفى بعيداً بكاليدونيا الجديدة، حيث اعتبر بذلك أول المرحلين الجزائريين إلى الجزيرة المستعمرة على متن الفرقاطة الشراعية “ايفيجيني” L’iphigenie رفقة 250 من السجان المعتقلين في تولون بتاريخ يوم السبت الثاني من يناير عام 1864 .

 قضى “براهم” في معتقل “تولون” تسعة أشهر في ظروف قاسية للغاية، أين كان يُعدّ المعتقل الأكبر من نوعه، ساع لنحو أربعة آلاف سجين، لتبدأ من هنالك رحلة عذاب “براهم بن محمد”.

براهم محمد.. البداية كانت من هنا

ولد الطفل محمد عام 1843 في قلب الحي العتيق بالمحروسة، ابناً لمحمد وزهيرة، في بيت عائلة ابراهم المتواضعة بعد ثلاثة عشر سنة من اجتياح جحافل الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال “بورمون” للعاصمة الجزائر . كان قدوم “براهم” إلى الدنيا مصادفة لفترة شنعاء من الزمن عاشها الجزائريون، كان المحتل المعتدي قد بسط فيها سيطرته على الأرض، فارضاً أثناءها سطوته وقوانينه، كما أنه شرع في تطبيق سياسة الاستيطان المكثف. كان تعداد سكان العاصمة من الجزائريين وقتها في تلك الفترة قد قُدّر بحوالي الواحد والثلاثين ألفاً، بينما قدّر عددهم فيما وُصف بالمناطق الأوروبية بنحو المائة واثنين وعشرون ألفا، كما بلغ إحصاءهم حسب تقدير أعدّه المستعمر عشية دخوله بحوالي المليونين وأربعة مائة ألفا وأزيد .

باشر المستعمر عقب عقد من زمن الاحتلال في عملية استقدام معمرين جدّد بداعي استيطان الأرض وتعميرها، حيث وفدوا من كل حدب وصوب، كانوا زمرة قدموا إليها من مالطا، ومن جنوة والألزاس واللورين إلى الإسبان والبرتغاليين والسويسريين والألمان وغيرهم.

 تمّ تعداد سكاني بمرور عقدان منذ وقت الاحتلال، أُحصي فيها 59.606 ممن وُصفوا بالأوروبيين في مقاطعة الجزائر Province d’Alger على أساس 15.344 عائلة أو أسرة و9.215 منزل منهم 11.248 ولدوا في الجزائر وإلى جانب 33.384 فرنسياً، فقد تمّ إحصاء 17.968 اسبانياً و2.908 إيطالياً و3.018 مالطياً انجليزياً و1.333 من الألمان و1.017  سويسريا أيضا، علاوة على أعداد جمّة من البرتغاليين واليونانيين، البلجيكيين والهولنديين ومن البولونيين كذلك.

غير أن تعداد الجزائريين ممّن كان يصفهم المحتل بالآهالي، القاطنين في مقاطعة الجزائرProvince d’Alger تقلّص إلى 31.608 فقط ، ذلك بعد نحو عقدين من الاستعمار من بينهم 7.514  رجلاً و9.042 من الصبية الذكور إلى جانب 8.936 امرأة و 6.110 من الفتيات، صُنّفت مجمل هذه الفئات تحت مسمى “البلدي” أو الحضر،  كما وصف 3.525 تحت اسم “البراني” أو المتجولين كان معظمهم أطفالاً، بلغ عددهم 1.219، منهم 926 من الرجال،  879امرأة و501 من الفتيات.

كما عمد المعمّرون من الفرنسيين منذ أن وطأت أقدامهم الأرض الجزائرية، على تغيير وجه الجزائر المدينة، حيث هدّمت معاولهم أجزاءاً من مبان عتيقة، كان “مسجد السيدة” من بينها، إلى جانب بنايات عديدة أخرى ليُقام على أنقاضها عمران استعماري حديث، شقّت فيه الطرقات وهُيّئت جملة من الأحياء الجديدة، منها بنايات عسكرية .

كان توسّع المستعمر يلتهم جهة شوارع أحياء “باب الوادي” و”باب عزون”، كما شمل “شارع البحرية” وذلك بهدم حي القصبة السفلي العتيق أيضا قصد إقامة ما عُرف بعدها عند المعمّرين بساحة الحكومة place du gouvernement، وعند الجزائريين باسم “ساحة العود” ، كانت قد سُمّيت بداية بساحة رويال place Royale، أين نصب عليها تمثال دوق اورليان Duc d’orléans بعام 1845 .

تقلصت نتيجة ذلك مساحات الأحياء الجزائرية على حساب المدينة الأوروبية، كما وهُدّمت جلّ التحصينات والأبواب التي اشتهرت بها المحروسة فيما مضى، فإلى جانب شوارع بابي “عزون” و”الوادي” ومعهم “باب البحرية” تمّ شقّو توسيع طرق شارتر Chartres والقناصلة des Consuls، حيث قام المهندس Pierre Auguste Guiauchain بعام 1845، بتصميم شبكة طرقات وبنايات رئيسية على شاكلة مقر الولاية Hôtel de ville وقصر الحاكم والمسرح والمحكمة والبريد والخزينة، أُختيرت لها بذلك أفضل الأماكن النافذة والمطلّة على البحر والميناء .

امتدّت هذه المشاريع على مراحل عبر ما عُرف وقتها بمشروع شاسيريو Chassériau  في1860 وهي السنة التي زار فيها الملك نابوليون الثالث الجزائر ، وأهدى لزوجته مشروع ما سُميّ بنهج الامبراطورة نسبة لزوجته d’Eugénie de Montijo، الذي افتتحه بعام 1865 بالرغم من عدم انتهاءه بالكامل .

استطاع المستعمر خلال عقدين من الاستيطان تغيير جزء كبير من معالم المحروسة، كما أبعد الكثير من الجزائريين من قلب المدينة، حيث توافدت أفواج المعمرين والمستوطنين الجدد على استيطان المنازل التي تتواجد على طول تحصينات المدينة، على غرار حي “باب الوادي”، اختفت أثناءه خاصة منذ 1839، رتل عمرانية كبيرة من الجزء السفلي لمدينة الجزائر، ازداد فيها توافد الأوروبيين زمراً وتباعاً، كانت أولى الوافدة وقتها تحتل بلا هوادة المنازل الموريسكية والعربية المهجورة .

كانت غالباً ما تتردّد أبيات شعرية في المحروسة على لسان “الطالب” تقول :

“يا حسراه على الدزاير، على قصورها ..

وعلى حصونها التي كانت جميلة جدًّا!..

يا حسراه على جوامعها، على الصلوات التي صليناها فيها،

وعلى منابر الرخام

وين كانت تنبعث منها ومضات الإيمان!

يا حسراه على المآذن ، على الأذان و الأذكار التي كانت تنبعث منها ،

على طلبتها ، و مدارسها ، وعلى الذين يقرؤون القرآن.

يا حسراه على زاوياها التي أغلقت أبوابها ،

وعلى المرابطين أصبحوا جميعًا تائهين مبعدين

يا حسراه على الدزاير على بيوتها ،

وديارها المرتبة و المنظمة !

يا حسراه على المدينة وعلى نظافتها

وعلى رخامها وسماقيها يبهر العيون

المسيحيون يسكنونهم، لقد تغيّر صيفهم!

حطّموا كل شيء، هؤلاء الأنجاس!”

كتب أحد السيّاح الذين زاروا الجزائر تحت وطأة الإحتلال عام 1844، واصفاً حال البلاد كمايلي: “قد تستشعر أشياءاً غريبةً مرتسمة في عيون تلك الوجوه الصارمة لهؤلاء العرب، إنهم شهود عيان صامتين لإنشاءاتنا، لإنتصاراتنا، لتقدمنا. هناك غموض يلفّه شعور من الإحتقار والألم والسخرية مرتسماً على تلك الجباه. إنها جباه هؤلاء الرابضون على الحجارة، عند المنعطفات في الشوارع ، في الأزقة والزوايا المعزولة ، يبدو لي هؤلاء الرجال وكأنهم يطلقون نواح بكاء على سقوط الجزائر على أيدي الأجانب”.

كانت الجزائر العاصمة بالفترة التي وُلد وعاش فيها “براهم بن محمد”، تشهد بداية ترسيخ مبدأ الاستيطان الفعلي وترسيم ضمّ الجزائر لفرنسا، و إن ظل الأمر يراهن على وقع المقاومة الشعبية بعيداً عن دائرة العاصمة المدينة التي أُخضعت بقوة السلاح. وأضحى إحتلالها أمراً واقعاً. منها ما إمتدت نارها ودخانها لسنوات طويلة كثورة الونشريس في 1845 ومقاومة الأمير عبد القادر الجزائري من 1832 إلى 1847، التي عسكرت من خلالها بالغرب الجزائري، ومقاومة أحمد باي من 1837 إلى 1848 بمنطقة قسنطينة، ومقاومة الزواوة من 1837 إلى 1845 بالقبائل الكبرى، وكمثيلاتها من مقاومة الخليفة أحمد بن سالم في الأغواط من 1848 إلى 1849، وثورة “محمد بن عبد الله” المدعو “بومعزة” ، من 1845 إلى 1847 بالشلف والحضنة والتيطري. كما يسع الذكر أيضا مقاومة الزعاطشة من 1848 إلى 1849 بالزعاطشة (بسكرة) وجبال الأوراس الشاهقة، كان فيها “بوزيان بو عمار” من أهم قادتها. و ثورة أولاد سيدي الشيخ بقيادة الشيخ بوعمامة والذي توفي بالمغرب و الذي كان يعدّ القائد الوحيد الذي لم يستسلم قط لفرنسا .

رغم ذلك نجح المستعمر في تثبيت أقدامه بالمدن الرئيسية بداية بعاصمة البلاد التي اعتمدت بعد أكثر من عشرية من الزمن منطق السكان المختلطين، مع تسجيل قدوم لافت للأوروبيين. ففي عام 1844 تمّ تعداد 42 ألف أوربي متواجدين بالعاصمة مقابل 17 ألف فقط من المسلمين الجزائريين، مع 6000 من اليهود. في تلك المرحلة كان الحاكم العام المفوض من قبل الحكومة الفرنسية، الجنرال “بوجو” والذي جعل من قصر حسان باشا مقراً له وقصر إقامته بفصل الشتاء كغيره ممن سبقه، الآمر الناهي وأهم المؤثرين في تطوير برامج الاستيطان للأراضي الجزائية وتوسيع دائرة مراكزه  

عمدت فرنسا أثناءها رسمياً الى ضمّ الجزائر بإظهار صفة الإحتلال الاستيطاني، من خلال تغيير هائل لوجه المحروسة العمراني، كان ذلك في عهد الحاكم العام “توماس روبير بوجو دوك ايسلي”Duc d’Isly ، عُرف بعدها بتوقيعه لإتفاقية “التافنة” مع الأمير عبد القادر في الثلاثين من مايو عام 1837، أين إمتدت فترة حكمه ما بين 27 فيفري 1841 و 22 سبتمبر 1847، اشتهر من بين الأكثر العسكريين الفرنسيين أقرانه دموية، حيث كان محاطاً بأكثر الجنرالات وحشية بتلك الحقبة، سبقه في شهرته هذه أيضا “لويس جوشوا دو لاموريسيير” ، حيث أدار هذا الأخير في السنوات الأولى من الإحتلال مكاتب الشؤون العربية أين أنيطت له مهام دراسة السكان الجزائريين باللغة العربية قصد معرفتهم، كان خلالها مساعداً لكلاًّ من “بوجو” و”كافينياك”.

أما عن “بوجو” فقد حكم لست سنوات، إعتمد خلالها في بطشه سياسة الأرض المحروقة والإبادة الجماعية. تلك المفاهيم خاصته التي لخّصها في مقولته الشهيرة “ليس الهدف الركض وراء العرب، فهو أمر غير ضروري على الإطلاق، بل في منع العرب من البذر والحصاد والرعي […] في منعهم نعمة الإستمتاع بحقولهم […]. بكل عام، فلتذهبوا ولتحرقوا محاصيلهم […]، أو أبيدوهم حتى النهاية” .. ” فإذا تراجع هؤلاء الأوغاد إلى كهوفهم، فلتمشوا على خطى “كافينياك” عند الفجر! ولتخنقوهم بضراوة بالدخان كالثعالب”. إشارة الى مجزرة إبادة قبيلة بني صبيح عام 1844.

كان كلاًّ من ملكية يوليو وحكم الملك لويس فيليب الأول، مع حكومة جون دو ديو سولترJean-de-Dieu Soult  الذي كان وزيرا للحربية أيضا، يسودان البلاد على الضفة الأخرى، بينما كان فرانسوا دي لوفوزو François de Lévézou بمثابة رئيس البلدية ما بين 1842-1848. كما تداول على منصب محافظ منطقة الجزائرPréfet d’Alger  كل من فريديريك لاكروا Frédéric Lacroix والذي كان اول المحافظين في 1849، ومن ثمّ شارل لاتورميزيريCharles Lautour-Mézeray  الذي بقي في مركزه تسعة أعوام الى غاية 1858 .

شهدت الجزائر العاصمة أول تنفيذ للاعدامات الوحشية بالمقصلة بالسادس عشر من فبراير عام 1843، بعد أن أقدم وزير الحرب الجنرال ديسبانكوبيارDespansCubiére  على إدخال استخدام آلة المقصلة، والإقرار حصريا على أوربية الجلادين المنفذين للإعدامات، اسم “عبد القادر بن زلوف بن دحمان” كان أول الجزائريين الذين أعدموا بها بتهمتي القتل والسرقة، أين فُصلت رأسه في ساحة “باب الواد”، كان ذلك بنفس التاربخ المذكور أعلاه  

كما شهدت أيضا بتلك الفترة تحويل العديد من المساجد الى كنائس صليبية، كان مسجد “علي بتشين” من بينها، إذ حُوّل بعام 1843 الى كنيسة سيدة الانتصارات notre dame des victoires ، تمّ نفس الأمر قبله مع “جامع كتشاوة” والذي قامت عليه كنيسة بالثاني عشر من ديسمبر ، سمّيت فيما بعد بكنيسة “سان فيليب “. .Cathédrale saint phillipe بأمر من القسيس “كولان”، حيث بني قداس فوق المنبر أين وضع فيه تمثال السيدة “مريم العذراء”.

في ظل تلك الظروف المحيطة، لم يسعف الحظ “براهم”، الفتى المنحدر من عائلة جزائرية فقيرة الحال، من مزاولة دراسته. فقد سادت حقبة السيادة العسكرية بتلك الحقبة من الزمن ما بين 1850 و 1860، فتعليم الرعايا من الأهالي لم يكن وقتها من الاهتمامات الكبرى لدى الإدارة الفرنسية. في حين أنها تبنت سياسة التعليم المزدوج من العربي والفرنسي بهدف إدماج فئة محدودة من الشعب الجزائري في الثقافة الفرنسية وقطع شخصيته العربية الإسلامية من جذورها. وعليه أفتتحت أول مدرسة عام 1833 عرفت تحت مسمى مدارس التعليم المتبادل Enseignement mutuel ، خصّصت للأوروبيين واليهود، بعدها اعتمد التعليم العمومي لتعليم اللغة الفرنسية، من الكتابة والحساب. حيث كانت المدرسة الابتدائية بمثابة أول مدرسة تُفتح لتعليم الجزائريين الفرنسية. عُرفت باسم المدرسة العربية الفرنسيةl’école Arabe Française ، والتي فتحت أبوابها بالعاصمة سنة 1836 ، لم يتعد فيها عدد التلاميذ من الجزائريين عام 1844 السبعة فقط، يقابلهم مئة من الأطفال الأوربيين .

كان الشارع في المحروسة عند أغلبية الشباب من الجزائريين الذين ينحدرون من أسر وعائلات معوزّة، الملجأ الوحيد لكسب قوتهم، ذلك رغم انتشار التعليم الابتدائي في كل المدن الجزائرية. حيث تشير الإحصائيات إلى أن عدد المدارس الابتدائية بصفة عامة بلغ سنة 1851 نحو 223 مدرسة، بينما فاق العدد 52 مدرسة سنة 1846، كانت جميعها مدعمة من طرف السلطات العسكرية والمدنية معاً .

تشابهت حياة “ابراهم بن محمد” مع تلك لمئات الأطفال من الجزائريين غير المتعلمين ، والذين اختاروا البحث عن لقمة العيش بين أزقة شارعي “باب عزون” و”باب الوادي”، وبين منطقة الميناء وساحة الحكومة، إنها المنطقة أين كان الكثير من الشبان الجزائريين المتبقين في العاصمة يتدبّرون شؤونهم اليومية، حيث إمتهن المئات منهم أعمالاً بسيطةً كماسحي الأحذية أو حمّالين، كان الفرنسيون ينادونهم باسم “ياولد “Yaouleds، كان أغلبهم من الباعة الجوّالين أو ممن كانوا يقدّمون خدماتهم في حمل الأمتعة أو الأغراض.

انحصر في هذه المرحلة التعليم التقليدي الذي توقف تقريباً عن الأداء بسبب ظروف الحرب من جهة، والإستيلاء عن الأوقاف من جهة أخرى، كما كانت هجرة المعلمين أو نفيهم من جهة ثالثة أيضا تشكل سببا آخراً. فقد غادر المتعلمون الزوايا القريبة من مراكز الإحتلال، ورغم ضيق الحال وانقطاع سبل العيش في أوج طغيان الإحتلال وتدفق المستوطنين على المدينة، إلاّ أن طموح وفطنة “براهم بن محمد” من استهوت البحر والصيد على ذلك، في وقت لم يكن بمقدور جلّ الشباب من الأهالي أن يحلموا .

(Read more)  كتاب تاريخ يهود الخزر ل م . دنلوب

لقد رسم وضع الجزائر بعد عقدين من الاحتلال الخطوط العريضة للخريطة الاجتماعية في ذلك الوقت من خلال إظهار جزائريتين، واحدة محتلة من قبل المستوطنين والمعمرين، فاحشة الثراء، يسود فيها العمل والنشاط ، وجزائر أخرى للأهالي أين المجاعة والبطالة متفشية بإفقار السكان الأصليين، لتظل على الدوام صورة الأهالي هي مجرد جملة من النقائص والعيوب عبر صورة الكسل والخمول، تتبوأها صور الأهالي البؤساء والمساكين التي تطغى بشأنهم الأحكام المسبقة والقوالب النمطية، ولترتسم صورة المستعمر على مقياس المحتل مع تمجيد المشروع الاستعماري. أين بقي اللقاء بين المجموعتين شأناً مستحيل الحصول، حيث لا يستطيع المستعمر منح أي حق للجانب الآخر، حتى لو استدعاه في مناطقه الخاصة من أجل خدمته.

 من هنا كان منبت الداء ومصير الشاب “ابراهم بن محمد”، الذي تحولت حياته بين عشية وضحاها إلى مأساة حقيقية، بمجرد إلصاقه تهمة السرقة والاعتداء على شاب فرنسي من الأثرياء ذوي النفوذ، لتبدأ معها رحلة النفق المظلم في غياهب معتقلات فرنسا اللعينة، تلاها ترحيله ونفيه إلى أقاصي الأرض الغريبة نحو كاليدونيا الجديدة، وهو الذي لم يكمل بعد العشرين من عمره الفتي.

تهمة جاهزة وإدانة قاسية

لقد أصبح النائب العام في الجزائر، خلافا لما كان معمولاً به في بلد المستعمر آنذاك، بمثابة كل شيء في المحاكم العقابية، لقد كان يُظهر الأمر دوماً وكأنه حالة تلبّس مثبتة، فكان هو من يلاحق الجناة ويحقّق معهم ويسهر على تنفيذ العقوبات المسلطة عليهم، تبعه ذلك انعدام التنظيم لمسألة الأدلة والشواهد، وإصدار الأحكام على متهمين في غياب أي مرافعة علنية أو حتى حضور لمحامي يدافع عنهم . غير أن “براهم” بقي متمسكاً يؤكد براءته من التهم المنسوبة إليه، إلاّ أن القاضي “تريون” أصرّ على إدانته وفعل.

تمرّس المستعمر الفرنسي منذ اقراره لما يعرف بقانون النفي الصادر سنة 1854 ، المعروف تحت تسمية قانون 30 ماي 1854 المتعلق بتنفيذ الأشغال الشاقة و الذي نصّ في مقدمته كالتالي :

“نحن نابليون، إمبراطور جميع الفرنسيين، في الحاضر والمستقبل، وبفضل الله وعزم الوطن، نبلغكم السلام ..

 صادقنا ونصادق، قمنا بالإصدار ونحن نصدر الآن مايلي : لقد اعتمدت الهيئة التشريعية مشروع القانون الذي احتوى على التالي: – المادة الأولى : ستنزّل عقوبة الأشغال الشاقة فيما سيأتي، بالمؤسسات المنشأة حسب مرسوم الامبراطور على أراضي إحدى الممتلكات فرنسية أو أكثر، غير الجزائرية . سيعمل المحكوم عليهم في أصعب وأشق الأعمال الاستعمارية، وفي سائر أعمال المنفعة العامة. كما يجوز تقييدهم بالسلاسل كل شخصين اثنين معاً، أو  سيجبرون على سحب كرة حديدية كعقوبة تأديبية أو كإجراء آمن . أيضا يجوز نقل النساء المدانات بالأشغال الشاقة إلى إحدى المؤسسات المنشأة في المستعمرات، على أن يتم فصلهن عن الرجال وتشغيلهن في أعمال تتناسب مع أعمارهن وجنسهن” .

نال “براهم” نصيبه كواحد من بين ضحايا الأحكام القاسية التي كانت تُفرض على الجزائريين، فقد نظرت محكمة الجنايات بالعاصمة بيوم الخميس، الثامن من يناير عام 1863، في قضيته التي يُتّهم فيها بالسرقة مع ممارسة العنف، مستعرضة خلال المحاكمة رواية واحدة حول ملابسات الأحداث التي شهدها حصن “باب عزون” بأحد الأماكن التي كان يرتادوها الكثيرون من الجزائريين بغية الصيد على حافة الشاطئ القريب للميناء، أين تكثر به حواجز الأمواج البحرية.

 اقتصر سماع المحكمة لشهود الإثبات فقط عند تقديم الواقعة التي أدانت هذا الفتى الجزائري، التي جاء في مفادها أنه بيوم الاثنين السادس من أكتوبر سنة 1862 ، التقى الفرنسي الشاب “فرانسوا بورال” ، ابن السابعة عشر آنذاك، وكان ابنا لأحد الملاك الفرنسيين الكبار ، بصديق له جزائري يدعى “أحمد بن عثمان” كان يعمل بإحدى المقاهي، حيث كانت تربطهما صداقة منذ وقت طويل، قرّر الاثنان في ذلك اليوم الذهاب إلى الصيد، واصطحبا معهما “براهم بن محمد” ابن التاسعة عشر ربيعاً الذي كان صيّادا وبحّارا، سبق لهم وأن تقاسموا نزهة صيد ممتعة هم الثلاث مع بعض.

أوى الفتية الثلاث إلى صخور الشاطئ بمقربة من “حصن باب عزون”، بعد أن نجح الفرنسي “بورال” في اصطياد سمكة كبيرة أراد هو حسب إفادته أمام المحكمة أن يحملها ليوريها الى والديه . رأى الثلاثة بحلول الثانية بعد الظهر ضرورة العودة إلى المدينة، لكن عند افتراقهم، قرّرا “براهم” والفرنسي العودة إلى الصيد مجدّداً بنفس المكان، بينما غادر “أحمد بن عثمان” إلى بيته. أثناء هرولتهما إلى المكان، رآهما أحد المعمّرين الفرنسيين اسمه “ببيار” معاً، فأبدا استغرابه لرؤية شاب فرنسي يبدو الثراء عليه ماشياً برفقة فتاً وصفه بنبرة “عنصرية” على أنه أشعث الحال، ظنّه في البداية أحد من أبناء ربّان السفن وأنّ الآخر أحد البحّارة العاملين لدى والده، قد اصطحبه معه لنزهة صيد قرب الشاطئ .

 رغم أن الشاهد المزعوم أكّد أمام القاضي على أن الشابين اتّخذا موقعاً تعذّر عليه رؤيتهما خلف حصن “باب عزون”، ذلك حتى من واجهة الحصن أو السور التي تتواجد فيها فتحات مواقع إطلاق النار لقطع المدفعية، التي تعود إلى عهد التحصينات القديمة للعاصمة، إلاّ أنه أصرّ على تقديم الحادثة التي أدانت كلياً “براهم” الجزائري ، روى فيها أن هذا الأخير قد أمسك فجأة برقبة “بورال” بعنف وضغط على حنجرته بقوة ، بينما كان الآخر يُلقي بصنارته في البحر ، ليفقد الفرنسي على إثرها وعيه و يسقط أرضاً دون أن يطلق صرخة واحدة . ثم اتهم”براهم” بسرقته حزاماً أحمراً من الصوف و قبعة و جوارب أيضا،إضافة إلى حافظة نقود تحوي ثلاثة فرنكات قديمة وبعضا من السنتيمات.

وتابع بأن “بورال” ظلّ مغمياً عليه لبرهة قبل أن تعيده إلى وعيه بعض زخاتٍ من أمواج البحر التي لامست وجهه . حينها قام بفك ربطة عنقه التي كان يرتديها وصعد إلى رصيف الشاطئ، هنا لحقه المسمّى “ببيار” الذي أفاد أنه وجد الفرنسي في حالة مزرية حيث حكا له عمّا رآه . توجّه الفرنسي على الفور إلى الطبيب الذي أمدّه بشهادة طبية بعد معاينته، قام من ثمّ بإيداع شكوى رسمية . ألقت فيما بعد الشرطة الفرنسية القبض على “براهم” بعد أن بات محل بحث لعدّة أيام ،ولأن ميزان العدالة كانت تميل إلى كفة واحدة، فإن الأمر لم يكن يعتمد على قاعدة البينة لمن إدّعى واليمين لمن أنكر، بل كان الأمر جليّاً لما كان الفرنسي يدّعيه تجاه الجزائري، المواطن الأصلي للبلد .

أنكر “براهم بن محمد” على الدوام جميع تلك التهم التي وُجّهت له مؤكّداً براءته منها ، غير أنّ القاضي “تريون” الذي ترأّس جلسة محاكمته ، لم يكترث وقتها سوى لشهادات المدّعي الفرنسي “بورال” والشاهد الزائف “ببيار” والذي لم يرى شيئاً على ما يبدو، فحكم على ذلك البائس بالأشغال الشاقة المؤبدة في الأخير . ظلّ “براهم” متشبّثاً ببراءته وقام بالطعن في الحكم الصادر بحقّه، بيد أن استئنافه ذاك لم يثمر على أية نتيجة تُذكر ، ذلك لأن تلك المحكمة قد رفضت التماسه الطعن بالحكم، ليُجرّ المسكين إلى السجن حيث تقرّر بعدها ترحيله إلى معتقل “تولون” المُظلم، كان ذلك يوم الخميس  الخامس من فبراير سنة 1863.

أمضى “براهم” بأحد سجون الجزائر بضعة أيام من شهر فبراير في عامه 1863 ، ليقرّر ترحيله بعدها إلى سجن “تولون” الحقير ، حيث تمّ نقله على متن إحدى السفن البخارية من ميناء الجزائر إلى أحد مرافئ ميناء “تولون” ، و الذي بني عليه ذلك المعتقل . لطالما شكّل منظر السجناء المكبلين بالأصفاد والسلاسل الحديدية بأيديهم و أرجلهم و حتى أعناقهم أحياناً مصدر اهتمام كبير من قبل العامّة ،و هم ينقلون من ميناء الجزائر  غالباًزوجين اثنين إلى السفينة التي تقلّهم إلى معتقل “تولون” .

كان حظ “براهم” أن يُنقل مكبّلاً بالأغلال في الأيام الأولى من شهر مارس من نفس العام على متن السفينة بخارية من ميناء الجزائر ، ليودع يوم الجمعة السادس من شهر مارس بسجن “”تولون” الذي مثّل نقطة انطلاق بعد إقامة استغرقت شهوراً في معتقلات فرنسا المخصّصة للمرحّلين كان الجزائريين من بينهم .

تمّت المصادقة على قانون 30 مايو 1854 ،بعد إصدار المرسوم الخاص بإعادة عقوبة الترحيل والمغادرة لأول المدانين إلى جزر “الكايان”بالثامن من ديسمبر 1851 ،و الذي يعرف بقانون النفي وإخضاع عقوبة الأشغال الشاقة في السجون المقامة في بعض المستعمرات ، و يتمّ تحديد “غوينانا” كبداية، قبل استكمالها في الثاني من سبتمبر 1863 بمرسوم يتعلق بإقامة سجن “كاليدونيا الجديدة” .

ابراهم بن محمد السجين رقم94

حمل “ابراهم” رقم تسجيل 94 كغيره من السجناء الذين أقاموا بسجن “تولون”، كما كان رقمه التسلسلي الشخصي  “14815”. قام السّجانون بدورهم بتحديد مواصفات الفتى السجين القادم من الجزائر ، حيث وصلنا على أنه كان فتاً أعزباً قصير القائمة يبلغ طوله حوالي 1.64، ذو شعر وحواجب سوداء ، يملك جبهة عادية وعيون زرقاء أورمادية ، أنفه عادي مستقيم مع ثغر صغبر و ذقن مربع عريض . كانت لحيته ناشئة تشوبها بعض الآثار أو الندوب قد تكون ناتجة عن اصابته بمرض الجذري بصغره ، كانت ساقيه متهالكة من العمل بات من غير الممكن استعادة نشاطها ، علاوة على ذلك كانت به آثار لمسامير حديدية بارزة للعيان على أفخاذه الإثنين مع الركبة اليمنى، نتجت عن الأصفاد و الأغلال التي كانت تؤرق السجين .

حياة السجين ابراهم بن محمد  في معتقل تولون

يتم حلق شعر السجناء فور وصولهم الى المعتقل، يرتدون بعدها بدلة خاصة متميّزة حمراء اللون و سترة حمراءاً أيضاً مصنوعة من الصوف هي الأخرى ، مع قميص من الكتان أبيض اللون و سروالاً معه كتاني أصفر و زوج من الأحذية بدون جوارب ، ملفوفةً بمسامير حديدية، تقاوم الاهتراء و التآكل. كما كانوا يرتدون قبعة صوفية كذلك ، يشير لونها إلى طول مدة العقوبة التي يقضونها . كانت القبعة الحمراءتُسلّم للمحكوم عليهم  لفترة زمنية محدودة ، أمّا الغطاء الأخضر فكان مخصّصاً لمن نالوا عقوبة السجن مدى الحياة.

كان يوضع رقماً من رقيقة صفيح على القبعة و السترة و القميص معاً ، كان “ابراهم” يحمل رقمه الخاص هو الآخر .  كما كان لأولئك الذين يعملون خارجاً أيضًا حظّهم من سترة صوفية رمادية تقيهم ، بالإضافة الى زوج من ملابس داخلية و قميصين و وعاء ترافقه ملعقة من الخشب . تسلّم “براهم” في سجنه ذاك حصّته تمثلت في سترة حمراء من الصوف الخشن و سروال و قميص إضافة إلى قبعة و زوج من الأحذية .

يتمّ بعد ذلك ، تقييد السجناء زوجين اثنين ، حيث يتمّ على الدوام اختيار سجين قديم مع آخر وصل لتوّه ، حديث العهد بالمعتقل بالنسبة للوافدين الجدد. يثبّت قيداً حول الساق اليمنى للمسجون توصل به سلسلة من تسعة حلقات ، بطول حوالي 16 سم تزن من سبعة إلى أحد عشر كيلوغرامًا ، حيث تُربط حول خصر أو حزام السجين ، لتربط هي بدورها مع سلسلتين بثلاث حلقات من الحديد . يُعرف السجينين المربوطين فيما بينهما بفرسانالإكليل أو البهرجان .  

يلج المسجون بداية الى قاعة تقيّد بها كافة المعلومات الخاصة به ، حيث يتمّ التحقق من هويته ، ثم يجرّد من ملابسه ليُغسل و يُحلق شعره ،قبل أن يرتدي لباس السجن و يخضع بعدها لمعاينة الطبيب ، يُسلّم بعدها الى محافظ السجن قبل أن يقيّد بالأغلال و الأصفاد مع سجين آخر،غالباً ما يكون غريباً تماماً عنه ، مختلفاً معه في الطباع و اللغة ، بحيث يحمل السجين لشارة الأشغال الشاقة أو المؤبدة.

يكلّف المعتقلين بمجرد وصولهم إلى السجن ،بأعمال “مرهقة للغاية” من تشييد المباني و خارجها أيضا و التي تعرف بالترسانة ، من تسليح ونزع سلاح السفن ، و تغيير الصواري وضخّ الأحواض وتنظيفها ، و من إطلاق السفن وسحبها إلى الشاطئ أيضا .

كان سجناء “تولون”بالخصوص يسخّرون لأشغال شاقة خارج أسوار المعتقل ،سواء كانت بالميناء أو خارجه . بالشتاء ،  كانت الطبول تدقّ أو تنفخ حلقة البوق في الصباح الباكر عند السادسة ، تنذر السجناء على الاستيقاظ ، كما كانت تنذر على الخامسة بفصل الصيف ، لتفتح الزنازين ، و يغتسل بعدها السجناء ليتوجهوا إلى أشغالهم الشاقة .

غالبا ما كانت تنجز تلك الأشغال الشاقة بميناء “تولون”، في إقامة منشآت عسكرية لتصليح و صيانة السفن الحربية و التجهيزات و العتاد ، كما كانت أيضا تقام بمحيط المدينة “تولون” . كان ذلك العمل المضني يتوقّف لنصف ساعة ثم يستأنف مجدداً الى غاية الثامنة مساءاً بأيام الشتاء الطويلة و حتى التاسعة ليلاً بشهور فصل الصيف . كان السجناء يُجمّعون على شبه الجزيرة الملاصقة للميناء التي كان بها المعتقل،أين يتناول السجين طعامه ، كانت وجبات الطعام من الخبز الأسود و حبوب البقول (حساء الفاصوليا) مع بسكويت البحر الفاسد و نادراً ما كانت قطع من اللحم تزيّنها .

و مع نهاية اليوم يتم اطلاق ذات الجرس منذراً بنهاية اليوم فتُغلق الزنازين التي يحرسها سجان بالداخل و الخارج على السجناء ، كان لكل سجين حيز ضيق للنوم لا يتعدى الخمسين الى ستون سنتمترا عرضا، على شبه أسرة خشبية،وغطاء رقيق من القماش،ليتشكل طابور بشري يقوم أثناءها أحد الحراس من السجان بأخذ آخر حلقات السلاسل لضمها في قضيب حديدي، حيث كان حيز كل سجين لا يتعدى المتر مربع،و بالنسبة لواجهات السجن نحو المرفأ كانت قاتمة معتمة و موصدة لتفادي أي محاولات للفرار . أمّا من جانب الرصيف ، كان لمبنى المعتقل نوافذ متباعدة لا ينبعث عبرها سوى ضوء خافت .هي كذلك كانت طبيعة هيكل المباني من البناء البسيط ،حيث يتحوّل المبنى إلى فرن في الصيف وبيت ثلج في الشتاء . بالأخير ، كانت الأضواء تطفأ بعدها تاركة نفوس السجناء ليلاً في زنازينها الضيقة نائمة دون راحة ، يختلجها الخوف و الاشمئزاز ومرارة الأسر مع مشاعر  الخزي و الإهانة .

بداخل المعتقل ، كان الهواء مقرفاً فاسداً ، تعتريه رائحة كريهة تملأ غرف المساجين ، بكل ليلة كانت الأفكار الثقيلة خلال هذه الليالي الطويلة والمؤلمة ، تثار في رؤوس و عقول هؤلاء البؤساء المقيّدين بالسلاسل ، و التي يتم فكها صباحا لنقل السجناء الى الأشغال الشاقة يسيرون على نحو زوجين اثنين.

عاش “براهم بن محمد” إلى جانب تلك الأشغال الشاقة والمعاملة المهينة، وضعاً مزرياً للغاية حتى مع رفقائه من السجناء، فقد كان غريباً وسط أولئك الذين قدموا من فرنسا وأوروبا، كان الكثير منهم من المصنّفين الخطرين. حيث أجبر ذات مرة للدخول في عراك دفاعاً عن النفس، فقانون المعتقل هو قانون الغاب، فلم يكن يسمح لنفسه بأن يستسلم أو يغفر، وإن كلّفه ذلك عقوبة قاسية بحقه، تماماً كما حدث في الثالث والعشرين من يوليو 1863، بعد مرور 115 يوماً من حبسه في سجن “تولون”، فقد سلطت على “ابراهم” عقوبة الحبس الانفرادي بزنزانة لوحده، قضى بها منفرداً لمدة ثمانية أيام. ولمفارقة القدر، فقد تمّ تاريخياً التحضير لحملة الجزائر العسكرية وغزو الجزائر العاصمة في نفس سجن “تولون” ذاك، من قبل جيوش الملك شارل العاشر .

دامت إقامة “ابراهم بن محمد” في سجن “تولون” حوالي التسعة أشهر من لحظة وصوله إليه يوم الجمعة السادس من مارس 1863، إلى غاية صدور قرار ترحيله ضمن أولى المجموعات باتجاه منفى “كاليدونيا الجديدة”. أختير وقتها “ابراهم” من قبل المحافظ البحري لتولون “أندري بول كلافو” André Paul CLAVAUD، كجزائري وحيد ضمن 250 سجيناً صدر أمر ترحيلهم إلى “كاليدونيا الجديدة” .هذه الأخيرة التي احتلت عبر حملة عسكرية بتاريخ 24 سبتمبر 1853 حين حطّ الأميرال “فيبري ديسبوينت” contre-amiral Febvrier-Despointes أفواجه في ما كان يسمى في الماضي البعيد”بلايد” Balaide من قبل السكان الأصليين أي “قرية الأرض الكبرى”، معلناً ملكية الأراضي باسم الملك نابوليون الثالث، وبالتالي ليصبح الأرخبيل وقتها مع أطرافه مستعمرة فرنسية. عُيّن “شارل غيلان”Charles Guillain بمرسوم صدر في الرابع عشر من ديسمبر عام1861 أول حاكم على “كاليدونيا الجديدة”،  التي سميت عاصمتها “نوميا” أي “حصن فرنسا” Fort-de-France ووصلها في الفاتح من يونيو عام 1862.

وفي الثاني من شهر سبتمبر بالعام الذي تلاه أي 1863، وقّع نابوليون الثالث في منطقة “سان كلو”Saint-Cloud بنانتير شمال فرنسا قانوناً نصّت مادته الأولى على أنه “يجوز إنشاء مؤسسات في إقليم “كاليدونيا الجديدة” لتنفيذ عقوبة الصخرة أو الأشغال الشاقة”، كما وأنه في مراسلة موجهة بالسادس والعشرين من أكتوبر 1863 إلى حاكم كاليدونيا الجديدة أكّدت على تخصيص الفرقاطة البخارية ايفيجيني Iphigénie لنقل أول السجناء المرحّلين مع تحديد تاريخ ترحيلهم في ديسمبر 1863، حيث اعتمدت السفينة على نقل السجناء والعتاد مع المؤونة لرحلة دامت ستة أشهر بحراً من “تولون” إلى “كاليدونيا الجديدة” .

كما أعطيت التعليمات في مراسلة وجهتها وزارة البحرية الفرنسية التي كان يترأسها أنذاكوزير البحرية والمستعمرات  Prosper de Chasseloup-Laubat للمحافظ البحري “كلافو” بالثلاثين من سبتمبر عام 1863، للقيام بعملية الفرز واختيار السجناء في “تولون” ، الذين يتعين ترحيلهم على متن الفرقاطة “ايفيجيني”. كان “ابراهم” من بين الذين اختيروا من بين أكثر من مائتي سجين جلّهم كانوا من الفرنسيين وآخرون أوروبيون من إيطاليين وإسبان ، أكثرهم من ذوي السوابق القانونية، كما كان منهم من العسكريين السابقين من فرنسيّ الجزائر، الكثير منهم من حّكم عليه بتهم القتل والاغتصاب وجرائم خطيرة أخرى، على عكس “ابراهم” الذي كان الوحيد المحكوم عليه من قبل محكمة الجنايات بالجزائر، بتهمة جائرة لم تستحق ذلك الحكم الجائر بحقّه .

شدّدت تلك المراسلة على اختيار سجناء تتعدى أحكامهم الثماني سنوات مع الأشغال الشاقة، بينما نص قانون الترحيل الفرنسي إجبار السجين المحكوم عليه بالأشغال الشاقة الإقامة في المستعمرة طوال حياته، وإن كانت عقوبة حبسه تفوق الثمانية سنوات أو أكثر.

بعد أن اختير “ابراهم” ضمن مجموعة السجناء المختارة للترحيل، قامت إدارة سجن “تولون” بداية من الرابع من ديسمبر 1863 كغيره من السجناء المرحّلين، بعزله فيما كان يعرف وقتها بـ”القاعة”، أي أنه عُزل عن بقية السجناء بعيداً عن إمكانية التواصل مع السجن الرئيسي، كما أنهم أخضعوا لمراقبة خاصة، كان الطعام أثناءها أقل سوءاً من السابق يحتوي على بعض من اللحم والخضار، وفاز “براهم” بحصّته كسجين ببعض الأغراض منها أقمصة وسراويل وقبعة من الصوف، قبل أن يبحر مع من رافقه من السجناء على متن تلك الباخرة.

كذلك فُكّت أصفاده التي كانت تقيّده بقرار من مسؤول سجن “تولون”، بالتحديد في الخامس من يناير عام 1864 ، يوماً واحداً فقط من موعد ترحيله على متن الفرقاطة ” ايفيجيني”  Iphigénie ، باليوم الذي تلاه أي السادس من يناير بعد أن أعطيت الأوامر قبلها من طرف المحافظ البحري لتولون لمسؤولي سجن “تولون” ، أي الثاني من يناير 1864، لتبدأ بذلك رحلة الفتى الجزائري نحو المجهول، الذي كان في الحادية والعشرين ربيعاً آنذاك، حينها كان أصغر المنفيين إلى جزر “كاليدونيا الجديدة”.

كان العالم الجديد الذي انتقل إليه “ابراهم بن محمد “قدراً مجهولاً تماماً بالنسبة إليه، ازداد معه الإحساس بالغربة وأبعده في أقاصي الأرض عن موطنه وأرض أجداده . وأكثر من ذلك كان إحساس الظلم الذي مورس عليه كأسير مكبّل الآن، انقطعت أمامه جميع سبل الحرية . لقد أدرك تماماً بأن معاناته في سجن “تولون” لم تكن نهاية المطاف،بل كانت أنها البداية فقط نحو أمرّ من ذلك .

قامت الفرقاطة الفرنسية ايفيجيني في نفس العام 1863 ، بالثامن و العشرون من شهر ديسمبر ، بناءاً على تعليمات وجهت من قبل وزير البحرية و المستعمرات و الحاكم البحري أنذاك ، و بقيادة الربان “بيرتان” Bertin، بالتوجّه بداية الى مدينة “تولون” الفرنسية في السابع من يناير، ثم بعدها صوب “كاليدونيا الجديدة” البعيدة .

ذكر القبطان “بيرتان” ، بأنه قد استلم نحو 250 من السجناء المرحلين نُقلوا وقتها على متن الباخرة، وفقاً لأوامرتلقاها من نائب الأدميرال الحاكم البحري بتاريخ الثاني من يناير 1864 ، كان من بينهم “ابراهم بن محمد” ، كان ذلك بالتحديد في الخامس من يناير من نفس السنة . لتبحر في النهاية باليوم الذي تلاه أي السادس من يناير، في رحلة طويلة امتدت إلى 123 يوماً بحراً ، كانت تحمل على متنها 663 مسافراً، من بينهم السجناء 250، الذي معظمهم من المحكوم عليه بجنح صارمة ، و الذي تمّ إختبارهم كما سبق الذكر من قبل المحافظ البحري وقتها “كلافو”. بنيت هذه الفرقاطة التي نقلت “براهم” نحو مصيره بكاليدونيا الجديدة في “تولون”،  التي كانت في الأصل سفينة حربية ، حيث استغرق بنائها ثلاثة أعوام كاملة من 1824 إلى 1827. كما أنها من بين السفن التي شاركت في حملة غزو الجزائر عام 1830، بقيادة القبطان Christy-Pallière أنذاك.

بعد يوم واحد من رسو سفينة “ايفيجيني” بميناء فرنسا يوم الثلاثاء، العاشر من مايو 1864، توجّه حاكم المدينة “شارل غيلان إلى السجناء القادمين بخطاب “دعائي”، مطلعه :” أيّها العمال المنقولين، لقد تمّ إرسالكم إلى “كاليدونيا الجديدة” للمشاركة في العمل المهم الذي يتعيّن القيام به في هذه المستعمرة ؛ لقد كنت أنتظر ذلك بفارغ الصبر من أجلكم هناك كمساعدين مكرّسين لهذا العمل، كما أنكم لن تخدعوا وتخذلوا الثقة التي وضعتها فيكم .. يمكن لسلوككم هنا أن يمحي أخطاء ماضيكم الإجرامية، وبالنسبة لي، فإنني أريد أن أتذكرهم فقط كسبب للالتزام الذي يجب أن تعملون فيه عبر عدد عقوبة السنين التي تقضوها تحت إشراف الإدارة، قبل التمتّع بالمزايا المعطاة للمستوطنين الأحرار.. ولكن بقدر ما أنا مستعد لنسيان الماضي، كذلك أنا مصمّم على أن أطالب من الجميع بالوفاء الصارم نحو الواجب.

(Read more)  مجازر 8 ماي 1945 في الجزائر وانعكاساتها على علاقة الإدارة الاستعمارية الفرنسية بالحركة الوطنية 1945-1947

 يمكن تقصير مدة هذا العمل الإجباري، على الرغم من أنها محدّدة قانونًا اليوم، بفضل الرحمة التي لا تُنضب لجلالة الإمبراطور، حسب سلوك كل واحد فيكم، والتغيّر الذي سيبرهن سلوككم، سيكون دليلاً قاطعاً على ذلك، وعليه يبقى المستقبل بأيديكم. يمكنكم البرهان على ذلك، وهذا يعني من خلال السلوك المنضبط، والطاعة العمياء لأوامر أي من الرؤساء من أي جهة كانت، والعمل بضمير حيّ خلال الساعات المطلوبة في العمل تحت هذه الشروط فقط التي تعد، علاوة على ذلك، واجبات مطلقة لموقعكم الآن، ستحصلون مني في المقابل على الرعاية والحماية، ذلك حسبما تقدموه أنتم من استعدادكم من أجل الانخراط في هذا المسار الطيب، كما سأكون بالمرصاد حتى أمنع أي مواطن من تلك أوجه الخلل أو المخططات الوهمية التي قد تختال عقول البعض منكم، والتي قد تؤدي إلى التفكير في محاولات الهرب أو الفرار من هنا “.

 لم يهدف كلام ذلك الحاكم العام المغرور ذاك سوى الرغبة في إشعار السجين المعتقل بالإذلال والخضوع، بيد أن كل ذلك التهديد والوعيد لم يكن لينال وقعاً على نفس “ابراهم بن محمد” الذي ظل جافاً عنيداً غير مستسلم لقدره البائس ذاك .

 أقام “براهم” قليلاً في مركز الإيداع العام بجزيرة نو الواقعة مقابل ميناء “نوميا” العاصمة، ثم رُحّل بعدها إلى “حصن قسنطينة”، حيث أُتّهم مرة أخرى بمحاولته السرقة، قضى فيه شهوراً مجبراً على الأشغال العامة.

أول محاولة للفرار من ابراهم بن محمد

لم تفلح المحن ولم يكسر العقاب عزيمة “ابراهم بن محمد”، الذي بقي هناك يحلم بفك قيوده والانعتاق من الأسر الذي فُرض عليه. سعى من أجل تحقيق حلمه إلى الفرار من سجنه، مستغلاً فرصة تحويله إلى “حصن قسنطينة ” بنوميا . ذلك الحصن السجّان الذي أقامه هناك النقيب “لويس تاردي دو مونترافال” عام 1854 فوق تلًة تطل على الشاطئ أمام جزيرة “نو” . استخدم هذا الحصن كمعتقل منذ تاريخ الاحتلال الفرنسي للجزيرة، أُقيم على شاكلة غرف كان يشغلها قائد الحصن، وزنزانات أعدّت للمرحّلين والمحكوم عليهم بالأشغال الشاقة والأهالي أيضاً. كما تضمن خندقاً حويطاً يقع خارج أبواب الحصن، خُصّص للبحارة أو العساكر الأصحاء بدنيا والذين يعانون من أمراض نفسية أو عقلية . كان يُمنح للسجين في هذا الحصن سرير مخيم وفراش من القش مع غطاء، كما أسديت للسجناء حملات التنظيف اليومية، بينما تواجد مركز أيضا لمشاة البحرية من أجل الحراسة .

 ظلت فكرة الهروب من السجن تراود عقل “براهم بن محمد”، رغم كل تلك الحراسة المشدّدة والرقابة الصارمة وقساوة المعتقل آنذاك. وقد فعلها، حيث أقدم على الهروب بالفعل من مكان احتجازه، واستطاع الإفلات من الرقابة والفرار من حصن قسنطينة، كان ذلك بيوم الجمعة الثلاثين من ديسمبر 1864.

إلاّ أن ذلك الغريب عن تلك الأرض لم يدم هروبه طويلاً، لجهله بمحيط غريب عنه، ضف إلى ذلك الإجراءات التي اتخذتها إدارة السجون والمعتقلات، من بينها إصدار الحاكم “غيلان” لمنشور بتاريخ الخامس من أكتوبر 1864، الذي حدّد من خلاله قيمة المكافآت المالية التي تقدم نظير القبض على الفارين، كل من يعيده من قبل الحراس أو المدنيين والكاناك، والتي قدرت بعشرة فرنكات في جزيرة “نو” وخمسة عشر أخرى في ميناء فرنسا وخمسة وعشرين فرنكاً بالمناطق الأخرى، أيضا استخدمت أساليب تشجيع الوشاية والتنبيه أيضا بطرق مختلقة عن حالات الفرار، من بينها إطلاق طلقة مدفع في حالة فرار سجين أو طلقتين في حالة فرار جماعي، بما في ذلك إشعال النيران، كما شُكّلت فِرق من الشرطة من الأهالي والسكان الأصليين .

 قُيّد “ابراهم بن محمد” بعد إلقاء القبض والحكم عليه بأغلالٍ مزدوجة، يعامل المحكوم عليه بارتداء سلسلة مزدوجة في عرف السجان، على أنه شخص خطير. كما جُلد “ابراهم بن محمد” بعشرين ضربة حبل كعقوبة على فعلته. تسبّبت كل ضربة من ذلك السوط في كدمة عميقة بطول بوصة واحدة على جلد ظهره، نادرًا ما كان لأولئك الذين حُكم عليهم بمثل هذه العقوبة أو التعذيب المقدرة من أن يتحملوا عشر إلى اثنتي عشرة ضربة دون أن يفقدوا الكلام والحركة معاً .كان لمجلس حرب المستعمرة مع ضابطان من مفوضية البحرية، من يصدرون على السجناء هذا النوع من الأحكام.

الترحيل إلى معتقل كانالا

أكّد الحاكم “غيلان”، مع زيادة حالات محاولات الهرب من السجن بين سنتي 1864 و 1865، والتي كانت من بينها محاولة الفرار الفاشلة لبراهم بن محمد، في تقرير له أُرّخ في الواحد من فبراير عام 1865، أن ما سمّاهم “العنيدين الذين لا سبيل إلى تقويمهم”، لا يمثلون سوى أقلية لا تتعدى الثلاثين إلى الأربعين فرداً، وأن هؤلاء يتطلبون حراسة مشددة وبعضهم الآخر لا يمكن التكهّن بأفعالهم أبداً. وعليه، قرّر إنشاء ما سمي بمركز الإيداع للإصلاح بمنطقة “كانالا” الواقعة وسط جزيرة كاليدونيا الجديدة ، على الساحل الشرقي التي تبعد عن نوميا بحوالي166 كلم، كانت تُعرف قبلاً باسم “نابوليونفيل” نسبة إلى الملك نابوليون الثالث .

 أُقيم كمركز للسجناء المصنّفين في الدرجة الرابعة والخاضعين للقيود بالأغلال والسلاسل والذي ظل قائماً من 1865 إلى 1876، أين نزل فيه ثلاثة وعشرون سجيناً “عنيداً” من بينهم “ابراهم بن محمد”، حيث رُحّلوا إليه بالحادي عشر من مارس عام 1866 ، باتجاه “كانالا”، على متن السفينة “فولتون”.

إذا كانت جزيرة “نو” أمام العاصمة “نوميا”، ترمز إلى “الجحيم” كما نعتها بعض السجناء، فإن جلّ سجون “كاليدونيا الجديدة” قد مثّلت قبوراً للمرحلين الذين انقطعت بهم السبل العودة إلى أرض آبائهم، بمناطق نُعتت “بالمسالخ” من قبل السجناء. عاش فيها هؤلاء السجناء والمحكوم عليه احتقار الفرنسي لهم ونعتهم بألقاب حقيرة، مثل  “قبعة القش” chapeau de paille والجدي أو طفل الماعز “بيكو” Bicot .

لم يكن ابراهم ابن محمد سوى أحد نماذج المعاناة التي كابدها مئات من الجزائريين المرحلين والمنفيين إلى كاليدونيا الجديدة، فمنذ 1864 تاريخ ترحيل ابراهم بن محمد على متن سفينة ايفيجيني، إلى غاية 1897 التي رحل خلالها 168 جزائريا على متن سفينة كاليدونيا calédonie التي رست في أرض “كالدون” يوم الخميس 25 فيفري 1897، وطأت أقدام كاليدونيا الجديدة، نفي عبر 42 رحلة نحو 2166 سجينا، أخضعوا للقوانين الاستثنائية والأشغال الشاقة، ووافت جلهم المنية في أرض غير أرضهم، لم يستفد من تبقى منهم أحياء من العفو، إلا بعد الفاتح فيفري 1895، دون الحصول على حق العودة إلى أرض الآباء والأجداد، حيث ظل إلزام الإقامة في كاليدونيا قائما إلى غاية 1904، وفيما انطفأت شمعة ابراهم بن محمد في 1905، فان آخر المرحلين الجزائريين توفي في كاليدونيا الجديدة عام 1968 وقد ترك الكثير منهم أحفاد، ظل لدى الكثير منهم حنين الارتباط بأرض الجذور والأصول.

كتب أحد الجزائريين المرحلين في رسالة طويلة، بمرارة آلام وآهات المرحلين والمسجونين في بلاد الكناك، مناشداً في مطلعها :

“اللهم نسألك الخلاص من هذا الحكم الجائر الذي سلطه علينا قضاة فرنسا .. آه! كم نحن بعيدين عن رجال الساحة وأبطال الحرب. إن الظلم يكبر وينمو، وبات العري والجوع والعمل الشاق بات ثقيلاً جدًّا علينا..

يا حمامة قصورنا .. لقد حكموا عليا ظلماً وهذا الحكم المفجع يرهقني شعوراً بمحنة مريرة .. 

يا حمامة قصورنا .. هذا العالم يشهد تحوّلاً ، وهذا القرن ضائع وأفعاله مشؤومة بائسة..

لماذا تسيئون معاملة السجين أيها الجبابرة؟ باق في العمل المضني، ودمه يفنى .. إنّ العدالة غائبة، والوزير في اعتقادي غير مبالي، لم ير قط الإثم الذي لحق بي وارتكب ضدي، فهو لم يرَ المظالم، ومع ذلك فأنا مشبع بالإذلال والإهانة، لقد وضعوا سلاسل حديد وأغلال بقدميّ . كان القادة في السابق يدعمون المظلومين، وكانوا يمنحون النعم كل عام ولم يكونوا بلا رحمة على الأخطاء التي يرتكبونها.

يعلم الله أن العديد من مخلوقاته أدينوا ظلماً وجوراً، فالقضاة يصدرون الأحكام وهم شهود زور وسبب تعاستي وشقائي ..أقضي الليل في أرق دون نوم وأذرف سيل الدموع، قلبي في حالة ثوران يتخلى عني ثم يعود إلي ..

نحن محكوم علينا بالموت، رغم أننا أحياء، نرتدي ألوانًا قبيحة بشعة، ولدينا لحى حليقة.

السجين شعره أبيض ومع ذلك يسيء حارس السجن معاملته، العمل والضرب. مكبلاً بالسلاسل، يقضي ليله بالأغلال ..حزين، يبكي منهاراً من الدموع ..يعمل عريانًا ويتحمّل ويتكبّد الجوع والبؤس ..

أتوا بنا  إلى كاليدونيا الجديدة بدون حق أو سبب ..

 الذي كان يُعدّ من البواسل وينظر إليه مثل الأشاوس، ابتلع كبريائه ولم يتبق له أي اعتبار و لا أي احترام ..

كاليدونيا الجديدة قاسية شاقة ومؤلمة، تشيب فيها رؤوس النصارى والعرب ..

الحراس يضربون ويقولون “القانون، هذا هو القانون” القانون قاس

أتذرع متوسلا يا مولاي وأنا أدعوك وأسألك يا من تراقبنا أن تستجيب أمنيتي ..

يا حسرتاه، كنّا في إفريقيا، بلدنا، فعلنا مثل الآخرين،

كنا نتوشح بملابس جميلة تسر الناظرين،

ولكننا اليوم تعودنا على مصيرنا ..

لقد عرفنا “كامب برون”، وكنا فيها نعاني الجوع،

كانت ملابس المحكوم عليهم من قماش الخيش،

كل من يراه يهرب خائفاً مذعوراً ،

شاب أو شيخ لا أحد يشعر بالطمأنينة والراحة،

غلبني الجوع ونال مني العُري ..

أدعو العلي القدير كل يوم وأتذرع بالسؤال لمن له القدرة أن يخرجني من هذا الخطب وهذه المحنة ..

لم يعد هناك صبر في قلبي ..

إن حزن المنفى مؤلم ..

يا رب أزح عنا هذا الحكم المستبد الظالم الذي سلطه علينا قضاة فرنسا ..

  

المراجع:

ملف ابراهم بن محمد من أرشيف السلطات الفرنسية

Anom.archivenationales.culture.gouv.fr

Louis José Barbancon ,l’archipel des forcats histoire du bagne de nouvelle calédonie 1863-1931 lille presse universitaire du septentrion,2003 ?447 pages

Le droit journal des tribunaux samedi 17 janvier 1863 N°44 ,27 éme Année

  

Duval, Jules (1813-1870). Auteur du texte. L’Algérie : tableau historique, descriptif et statistique… (1ère éd. revisée et complétée) / par M. Jules Duval,… 1859. 

Pierre Montagon Histoire de l’Algérie des origines à nos jours Chapitre XIV. LES GERMES DE LA DISCORDE page 8

M.Poujoulat, Voyage en Algérie, études africaines paris librairies éducation 1868. 

Hubert Bonin, L’empire colonial français : de l’histoire aux héritages : XXe-XXIe siècles : XXe-XXIe siècles, Armand Colin, 3 octobre 2018 

Collectif, Histoire des émotions, vol. 2. Des Lumières à la fin du XIXe siècle : Des Lumières à la fin du XIXe siècle, Seuil

Marcel Marion. Histoire financière de la France depuis 1715.

أبو القاسم سعد االله (1988 :(تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي، الجزء الثالث 1830-1954 ،الطبعة الأولى، بيروت ص ص290 .( 

Le bagne colonial dans le roman français, 1851-1938 de M Bouaziz 

Yves Person, La Nouvelle-Calédonie et l’Europe, Nouvelles éditions latines, Paris 1954, p. 212.

Journal Message de tahiti1852

Le Moniteur de la Nouvelle-Calédonie, Nouméa, 15 mai 1864.

N 0TIC E SUR LA TRANSPORTATION A LA GUYANE FRANÇAISE ET A LA NOUVELLE-CALÉDONIE 

Année de ParisÉditeurImprimerie impériale

Leçons sur les prisons: présentées en forme de cours au public de …, Volume 2 De Nicolaus Heinrich Julius

Les Jésuites au bagne Toulon.- Brest.- Rochefort.- CayennesDe Léon Aubineau1862

Sort et destinée des déportés algériens en Nouvelle Calédonie Pr.Djilali Sari Département d’Histoire – Université d’Alger-El Massadir N°20 

5/5 - (1 صوت واحد)
Print Friendly, PDF & Email

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا contact@politics-dz.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى