د/محمد مراح

نظمت المحافظة السامية للأمازيغية يومي 20 و21 فبراير الجاري بولاية الشلف ملتقى حول اللغة الأمازيغية ومكانتها في منظومتي التعليم والاتصال بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة الأم، حسب ما أعلنه بيان للمحافظة.[وكالة الأنباء الجزائرية ـــ أدرج يـوم : الأحد, 14 شباط/فبراير 2021 ] . لابأس فقد دُسترت الأمازيغية برضى قلّة لم تنتخب ، وصدّت عنه في مواطن سوادها بالقوتين المادية والمعنوية ترهيبا لمن خطر بباله أن ينتخب على الأقل جذلا باعتماد العروس، و ازدُريت أغلبية ممن انتخب أو لم ينتخب ، خشية ترسيم مسار سلطان أقلية ، لكن الدستور أُعتمد وقضى.

لكن كما قيل الشيطان يكمن في التفاصيل ؛ كيف ؟ :فقد ( أكد  الملتقى على إدراج الأمازيغية في منظومتي التربية الوطنية والاتصال المؤسساتي وتعزيز مكانتها لا سيما في مجال التواصل عبر الإذاعة من خلال البرامج الناطقة بالأمازيغية التي تبثها مختلف القنوات المحلية والوطنية) ( م.ن) لابأس أيضا فهذا من مهام المحافظة .

لكن البيان يمُدّ عنقه إلى  الغاية الآتية : فإن ( التعدد اللغوي في الطفولة المبكرة يشجع بدوره على “التنوع” و”إدراج اللغات المستعملة في الجزائر في المنظومة التربوية والحياة الاجتماعية عموما ما ينمي التضامن الذي يرتكز على فهم الآخر والحوار والتسامح ويعزز التعايش السلمي) !!!

 الأسئلة التي تُطرح : ـــ  ما التعدد اللغوي في الجزائر ؟ ما اللّغات المستعملة في الجزائر التي يجب إدراجها في المنظومة التربوية والحياة الاجتماعية ؟ كيف تُساعد على الحوار والتسامح وتُعزز التعايش السلمي ؟

تتفرع عنها الأسئلة الآتية أيضا : ما التعدد اللغوي ؟ أهي لهجات البربرية ، واللغة العربية ؟ والسؤال على السؤال : هل ستُدرّس وتنشر كل اللهجات الأمازيغية في كل أرجاء الوطن ؟ ما الوسائل التكنولوجية التربوية الفائقة التطور التي ستُحقّق هذا الهدف الخارق ؟!!!

ـــــــ ـ  ما اللغة المستعملة في الجزائر أيضا إلى جانب البربرية والعربية ؟ أليست الفرنسية المكتسبة من المدرسة، والاستعمال الاجتماعي في بعض المدن والجهات لأسباب كثيرة معروفة ؟

ــــــ  ما الذي جدّ لدينا كي نستعين بنشر اللغات المستعملة في تحقيق الحوار والتعايش السلمي ؟ هل هذا اعتراف من هيئة رسمية باختراق النسيج الاجتماعي بأسباب الكراهية والعنف والتباغض؟ هل هذا الاختراق طال كل ربوع الوطن، بمكونات  لهجاته ( والبربرية لهجات، أما العربية فلغة عالمية تُصنّف  في الأمم المتحدة ومنظمة اليونيسكو في الرتبة الخامسة عالميا قبل الفرنسية مثلا )؟

لم نسمع ولم نقرأ ولم نشهد ـــــ مثلا ــــــ هذا الشنآن والكراهية والعنف المفترضين مما سيساعد مسعى المحافظة على مواجهته، في الشرق الجزائري الذي تنتشر فيه الشاوية!!! بل لم تعرفه مدنه التي تضم مختلف الأصول القبلية في الجزائر :(بني ميزاب ــ القبائل ــ العرب ــ الشاوية وغيرهم ) !!!

إذن ما الذي تبقى ؟ احتمالان هما : الفعل وردّه المُضادُّ  له  حول دعوى السكان الأصليين، والعرب الذي انتشر كالنار في الهشيم في السنوات الأخيرة، وليس خلال الحراك كما يُراد تسويقه؟ بل لقد كانت هناك حملات منظمة عبر  وسائل التواصل الاجتماعي ومساحات التعقيبات في الصحف الوطنية للتجديف ضد العربية والعرب والإسلام ، أذكر على سبيل المثال : الهجمات الهوجاء الشعواء على الدكتور عثمان سعدي رئيس الجبهة الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية،  كلّما كتب مقالا في جريدة وموقع الشروق، فتجري مستطيلات التعليقات أنهارا بالشتم والسبّ دون رعاية لمقام العُمُر مثلا ، والتجديف والافتراء الوضيع ضد العربية والعرب والإسلام، وإعلان العداوة والبغضاء لهم ، والدعوة أحيانا إلى وجوب رحيلهم إلى شبه الجزيرة العربية كما يقول بعض السخفاء المأفونين [ انظر مقالنا : شعوبية في الجزائر لها جاحظها، الشروق ] !!!

  قد يُقال : إن هذا صنيع قلّة شاذة. لكن الوقائع الموثقة تدل على أن المسلك خطة منظمة ، مدروسة، هادفة، أو هي حالة ثقافية اجتماعية قد شعشعت ؛فالهجوم ينال بالشراسة والوضاعة نفسها كُلّما تدخّل أحدهم يعلّق بحكمة وعلم ورُشد . فولّد هذا المسلك ردود الفعل الطبيعية التي أفرزت جبهة مقابلة بالحدة والشراسة ذاتها !!!

إذا كان هذا هو المشكل المراد معالجته على نحو ما ذكرت المحافظة : فكيف سيكون؟ و أي

 لهجة من اللهجات البربرية في الجزائر التي ستعتمدها المحافظة في ذلك؟ وبأي خط ستعتمدها لكتابتها  والتواصل المحتاج إليها ؟ وفي هذا المضمار  وجب علينا  تذّكر الحدث الغريب الذي صدر من محافظ المحافظة الامازيغية ؛ حين هاجم بشراسة وبقلّة ذوق رئيس المجلس الإسلامي الأعلى عبد الله غلام الله لمّا صرّح برأيه في اختيار الحرف العربي لكتابة، قال خلال ملتقى بمدينة تيزي وزو : (إن الراغبين في كتابة اللغة الأمازيغية بالحرف اللاتيني “طاغون على الراغبين في كتابته بالحرف العربي، ونحن لن نرضخ لهم!”، و بالنظر إلى “العلاقة الوثيقة والمتينة الموجودة بين اللغتين العربية والأمازيغية، لا يجوز كتابة الأخيرة بحرف آخر غير العربي”، وأضاف وزير الشؤون الدينية السابق قائلا: “اذا أردنا مستقبلا زاهرا للغة الأمازيغية، وجعلها مقوما فاعلا في المجتمع الجزائري، علينا كتابتها بالحرف العربي، لأن الجزائري والمغاربي حروفه الوطنية عربية، والمنطق يقول إن اللغة الوطنية الأخرى ستكون بذات الحرف لا محالة) . [ أنظر الشروق اليومي ، 16/2019] .

فرّد عصاد بعنف واستعلاءقائلا: (”أنا أرفض الخوض في هذا التلويث  إن غلام الله “غير مخول للخوض في مسائل لا تعنيه، أوكلت لهيئات رسمية”.

  وقد خلق رد فعل محافظ الأمازيغية استهجانا وردودا صارمة أعتقد أنها حملت له الرسالة اللازمة [ أنظر : الدكتور العربي دحو المؤرخ والأديب الكبير والمجاهد الشاوي القُحّ :واجه تغوّل سي عصاد على غلام الله قائلا : (“أي سلطة يمثل السيد عصاد في الدولة التي خولته الحجر عن الجزائريين الحديث عن قضية تعنيهم، وبخاصة إن كانت بنت الراهن؟ متسائلا في الوقت نفسه بالقول: “إن كان من تناط به أي قضية وطنية لم يفصل فيها شعبيا يبوأ موقع العصمة فيحظر على الجزائريين الحديث عنها، ”. ( أنظر الشروق، 22/01/   2019] كذلك موقف الدكتور عثمان سعدي، الشروق 19/01/2019 ، ومقالنا ، تلتين الأمازيغية ، سبق برس،18/01/2019 ]  فهذه الردود قد حملت الرسالة القوية اللازمة للمعني، وأدرك معها أن للبيت رب يحميه، وأسود تذود عنه .علما أن كلتا الهيئتين تتبعان تنظيميا رئاسة الجمهورية . فكانت من الحالات الشاذة التي يخرج فيها خلاف بتلك الحدّة للعلن وفي وسائل الإعلام .

الاحتمال الثاني : إذا استبعدنا الاحتمال الأول، واستضعفنا فرضيته بحكم التعايش الواقعي تاريخيا وواقعيا بين مكونات الشعب الجزائري القبلية [ لن استعمل لفظ العرقية ؛ لأنه سيصبُّ في وعاء الجهات المعنية باستعمال هذا البُعد داخليا وخارجيا   لتحقيق الأهداف القريبة والبعيدة من تصارع على الاستحواذ على مفاصل الحكم والمال، والبعيدة : الفيدرالية، أو التقسيم إن حدثت تطورات مناسبة ] إذن الاحتمال الثاني يدفع لإزلاق عبارة ( اللغات المستعملة ) في الجزائر هي (تفرانسيست) !!!

ومن المؤشرات التي تُشجع على الظن بهذا الاحتمال ورودا :

ــــــ انتعاش الفرنسية بعد الرئيسات وتنصيب الحكومة الجديدة ،ووفاة الفريق أحمد قايد صالح  رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، والذي حملته قوة هزة الأحداث لواجهة تحمل مسؤولية قيادة الجش المرحلة بما يحفظ أمن البلاد، ومرافقة الوضع السياسي نحو الاستقرار عبر مخرج دستوري حكيم ، يلقى هجوما شرسا من دعاة المرحلة الانتقالية ، التي جرّبها الجزائريون في التسعينيات فأهداهم أصحابها أم المآسي بعد مأساة الاستدمار الفرنسي .   ـــ

ــــ تواتر الفرنسية في الاستعمالات الرسمية وغير الرسمية بشكل أفضح مما كان عليه الحال سابقا أحيانا ـ

ـــــ الانقلاب على ما بدت حكومة بدوي الإعداد له من توجّه نحو إحلال اللغة الإنجليزية محل الفرنسية في التعليم والبحث العلمي، وعبّر قياس للرأي الجامعي عن ترحيب بالتوجه بنسبة تفوق تسعين 90 بالمائة

ــــــــ نجد مثلا أحد عرابي الفرنسة والفيدرالية الروائي أمين الزاوي  الذي يقول مثلا   : (أعتقد أن إحلال اللغة الإنجليزية محل اللغة الفرنسية في المدرسة الجزائرية سيكون كارثة أخرى على التعليم، فنحن وعلى الرغم من العلاقة التاريخية، وما تتميز به من توتر مع اللغة الفرنسية، لم نتمكن من توفير الشروط اللازمة والمهنية والبيداغوجية السليمة لتدريسها التدريس الأمثل للجيل الجديد، فما بالك بالإنجليزية؟

إن إحلال الإنجليزية محل الفرنسية هي دعوة مُغامرة سياسياً وبيداغوجياً، تشبه تلك التي أطلقها في سبعينيات القرن الماضي أصحاب “التعريب” الفوري والذين كانوا سبباً في ما لحق المدرسة الجزائرية اليوم من كوارث)[ انظر : الزاوي ، حرب في الجزائر ما بين الفرنسية والإنجليزية أندبندنت عربية ، الخميس 4 يوليو 2019.] .

 ـــــــ ومنها كذلك  أن  رئيس المحافظة الأمازيغية عصاد  عرف عنه انحيازه الكامل لكتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني إذ صرح في شهر سبتمبر 2018، قائلا :(إن الهيئة التي يرأسها قد استقرت على خيار الحرف اللاتيني، “وهذا بعد بحوث طويلة”، وهو الخيار الذي اعتبره “أكاديميا بحتا!!![ الشروق ، 16/01/ 2019].

إذن المؤشرات قوية إزاء هذا الاحتمال، مما يجعلنا نقول : إننا هنا إزاء حالة هي (تمازيغت رافعة لتافرنسيست )!!!

وما على الرأي العام  ـــــــ إذن ـــــ سوى الاطلاع على كتب الدكتور أحمد بن نعمان (القبائلي القُحّ ولا أقول حرا، لأننا كلنا أحرار، وهذه الصفة  تُستخدم استخداما عنصريا عرقيا خبيثا وضيعا ) ، خاصة كتاب ( فرنسا والأطروحة البربرية في الجزائر ) ، وكتابات الدكتور عثمان سعدي ( اللموشي  الشاوي القُحّ) في مقالاته في الشروق وفي صحيفة رأي اليوم الإلكترونية لصاحبها الصحفي الكبير عبد البارئ عطوان الصادرة في لندن ، وكتابه (قضية التعريب في الجزائر: كفاح شعب ضد الهيمنة الفرنكفونية) .