هو من وُلد في القدس، في السادس والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني لعام 1936 في شهر رمضان، في حارة السعدية، قريباً جداً من مسجد “المئذنة الحمراء”، وهو عنوان الحي وعلامة من علاماته، لذلك حينما كتب إبراهيم غوشة كتابه أسماه باسم أكبر ما رأته عيناه وهو طفل صغير. ترعرع في بيت لا يبعد عن الأقصى أكثر من خمس دقائق، كان ينزل من زقاق بجانب المئذنة الحمراء باتجاه باب الغوانمة ويلج إلى الأقصى. سكن في بيت قديم صودر لاحقاً بعد احتلال القدس في حارة السعدية القديمة الأثرية، وفتح عينيه على عائلة متدينة ملتزمة، ودرس في مدرسة الشيخ جراح ولاحقاً في مدرسة الرشيدية في القدس المحتلة، وفي ذلك الوقت انضم للإخوان المسلمين حتى أنهى الثانوية العامة عام 57 وذهب إلى مصر. تأثر منذ طفولته في البيئة الإسلامية والقراءات في التاريخ الإسلامي، وبدأ يداوم على متابعة محاضرات تقي الدين نبهاني في شعبة الإخوان المسلمين، وقد تأثرت ثقافة إبراهيم غوشة بدروسه.

   هنا لأول مرة يُصدر أحد أبرز قيادات حماس في الخارج مذكراته، وهي بحق شهادة على العصر، وعلى تجربة الإخوان وحماس من داخلها. نعم عندما يتحدث إبراهيم غوشة بنفسه عن تجربة الإخوان المسلمين في الأردن وفلسطين وعن تجربة حماس فلا بد أن يلقى آذاناً صاغية من كافة المتخصصين والباحثين في الشأن الفلسطيني، فضلاً عن أبناء الحركة الإسلامية والمتابعين لشأنها. لذلك تأتي غنية بالمعلومات التي تُنشر لأول مرة، لرجل عاش في الوسط الإخواني الفلسطيني والأردني لمدة تزيد عن خمسين عاماً، ولرجل كان هو الناطق الرسمي باسم حماس في الفترة (1991-1999)، وأحد أبرز صنّاع قرارها السياسي خصوصاً في السنوات الـ12 الأولى من نشأتها. وهو ما يعني أن هذا الكتاب سيصبح مصدراً لا غنى عنه للباحثين والدارسين للقضية الفلسطينية، وخصوصاً للتيار الإسلامي الفلسطيني.

    اختار غوشة لمذكراته اسم “المئذنة الحمراء: سيرة ذاتية” لينقلنا إلى أجواء مدينة القدس حيث نشأ، وكانت تتراءى له مئذنة المسجد الحمراء قرب بيته. يتحدث غوشة في كتابه المكون من 15 فصلاً بلغة سهلة صريحة، يمتزج فيها الجانب الاجتماعي العائلي الإنساني بالجانب الحركي والدعوي، والجانب السياسي، والجانب المقاوم، بشكل لا تكلّف فيه، وبعيداً عن لغة “الأنا” التي تكثر في كتب المذكرات. وتجد نفسك أمام شخص مؤمن بدعوته، ومشرب بروح الولاء والجندية لها، ومستعد للتضحية في سبيلها.

     يتحدث غوشة في الفصل الأول من كتابه عن عائلته وذكريات طفولته، ويصف القدس وأحياءها وأسواقها والمسجد الأقصى، في الفترة التي سبقت حرب 1948. ويتحدث في الفصل الثاني عن ذكرياته حول نكبة 1948، ويتعرض لمعركة القسطل واستشهاد عبد القادر الحسيني، وعن اضطرار العائلة للانتقال إلى أريحا قبل العودة إلى القدس مرة أخرى. ويتحدث عن تزايد الاهتمام السياسي في أوساط الفتيان والشباب ومحاولة التعرف على الطريق الأمثل لتحرير فلسطين. ويذكر أنه انجذب عندما كان في الصف السادس الابتدائي، إلى دروس الشيخ تقي الدين النبهاني التي كان يلقيها في شعبة الإخوان المسلمين، وأنه انتظم في الإخوان عندما كان في السابع الابتدائي، متلمساً طريق أخيه الأكبر مرسي وابن خاله محمود العريان.

   ثم يتحدث عن بدايات حزب التحرير في القدس، وكيف تمكن النبهاني من استقطاب أغلب مثقفي ومعلمي الإخوان المسلمين، ولم يبق إلا عدد محدود أمثال زكريا قنيبي وإبراهيم أبو عرفة. ثم كيف استعاد الإخوان زمام المبادرة، مستفيدين من أجواء انتشار الإخوان القوي في مصر وشرقي الأردن، ومن عودة الطلاب الدارسين من مصر، وكيف أسهم أمثال شحادة الأنصاري وسالم علي سالم ومحمد نمر وهبة في إعادة تنظيم وتقوية العمل الإخواني في القدس. ويلقي غوشة إضاءات جديدة حول أنشطة الإخوان المسلمين في القدس حتى سنة 1954.

     في الفصل الثالث يتحدث غوشة عن باقي عقد الخمسينيات وخصوصاً مرحلة دراسته للهندسة في مصر، وعن العمل الإخواني السرّي للفلسطينيين والأردنيين تحت ظروف أمنية صعبة أيام حكم عبد الناصر، وعن كيفية التنسيق بين الإخوان القادمين من الأردن والقادمين من قطاع غزة. ويلقي غوشة أضواء مهمة على رابطة طلبة فلسطين حيث يؤكد أن القائمة الطلابية التي كان يدعمها الإخوان كانت هي التي تفوز في الانتخابات، وكانت في البداية بقيادة ياسر عرفات الذي كان مقرباً للإخوان، ثم بقيادة صلاح خلف (أبو إياد) الذي كان عضواً في الإخوان، غير أن النشاط الإخواني الطلابي أصابه الضعف مع أواخر الخمسينيات بسبب الضغط الأمني عليهم.

   حول الإخوان وعلاقتهم بنشأة حركة فتح ينبه إلى أن الرواد الأوائل من فتح كانوا أعضاء في الإخوان أمثال خليل الوزير (أبو جهاد) الذي كان يُمثل إخوان غزة عندما كان يلتقي غوشة ممثلاً عن إخوان الأردن، ويشير إلى أسماء أخرى من أمثال عبد الفتاح حمود، ورياض الزعنون، ومحمد يوسف النجار ممن أصبحوا قادة في فتح. كما يوضح كيفية الانفصال والتمايز بين من أسسوا فتح وبين الإخوان. ويقدم غوشة في هذا الفصل تقييماً لتجربة عبد الناصر.

الكويت والأردن     

    يتحدث غوشة عن فترة عمله في بلدية الكويت (1962-1966)، ويقدم رؤية حول إنشاء منظمة التحرير وموقف فتح والإخوان منها. ويتوقف للحديث عن أول مراقب عام للإخوان المسلمين الفلسطينيين الأستاذ هاني بسيسو الذي كان يعمل مدرساً في العراق، والذي استدعاه الإخوان لقيادة التنظيم الفلسطيني سنة 1963، حيث استقر في مصر. وقد قبض على بسيسو مع سيد قطب في الضربة التي تعرض لها الإخوان سنة 1965، ومات في السجن.

    عاد غوشة للأردن وعمل في بناء سد خالد بن الوليد، ومن هناك ينقل لنا التفاعل الإخواني مع كارثة حرب يونيو/ حزيران 1967، والعمل الفدائي الفلسطيني، والإسهام الإخواني في معسكرات الشيوخ، ورؤية الإخوان لمعارك الجيش الأردني مع المنظمات الفدائية في (1970-1971). شارك غوشة في بناء أبراج الكويت في أوائل 1971، ثم عاد ليشارك في بناء سد الملك طلال في الأردن منذ أواخر 1972، ويتحدث غوشة عن بداية العمل الإخواني في نقابة المهندسين في الأردن عندما أسندت له رئاسة تيار الإخوان فيها سنة 1973، وبدأت مشاركتهم في التزايد منذ مجلس النقابة التاسع (1974-1975)، إلى أن تمكنوا من استقطاب ليث شبيلات ودعموه ليصبح رئيساً للنقابة (1982-1983).

العمل الإسلامي لفلسطين في الخارج

    يكشف غوشة النقاب عن جوانب من العمل الإسلامي لفلسطين في الخارج والتي كان أبرزها تشكيل قسم فلسطين الذي يتبع قيادة الإخوان في الأردن، وذلك بعد أن اندمج التنظيم الفلسطيني في قطاع غزة مع إخوان الأردن سنة 1978، ويتحدث عن المؤتمر الداخلي الذي عقده هذا القسم سنة 1983، بحضور عدد من قيادات الإخوان من الضفة الغربية أمثال حسن القيق، ومن قطاع غزة أمثال عبد الفتاح دخان، ومن الكويت أمثال خالد مشعل وغيرهم. وهو لقاء مهم حدد مسارات وأولويات العمل الإخواني تجاه فلسطين وأكد على أن العمل الجهادي في فلسطين لا يتعارض مع العمل لإقامة الدولة الإسلامية، وإنما يسيران جنباً إلى جنب.

   كما أكد المؤتمر بذل الاستعدادات اللازمة لانطلاقة العمل المقاوم. كما يشير غوشة إلى تشكيل جهاز فلسطين بقرار من التنظيم العالمي للإخوان، وهو الجهاز الذي كان يتابع من وراء ستار انطلاقة حماس وما تلاها. ويشير غوشة إلى بدايات تفرّغه في حركة حماس سنة 1989، بطلب من محمد عبد الرحمن خليفة المراقب العام للإخوان آنذاك. وقد أسندت لغوشة مهمة تشكيل أول لجنة سياسية لحركة حماس حيث تفرغ للعمل فيها في الكويت.

علاقة حماس بفتح والأردن

    في الفصل الثامن يلقي غوشة الضوء على علاقة حماس بفتح ومنظمة التحرير، وعن موقف حماس من الدخول في المنظمة عندما اشترطت سنة 1990 الحصول على 40% من مقاعد المجلس الوطني. ويستعرض لقاءات الحوار مع فتح حيث كان أولها في اليمن 10-12 أغسطس/ آب 1990 والثاني في أغسطس/ آب 1991. كما يتحدث عن الاحتلال العراقي للكويت ومشاركته -أي غوشة- ممثلاً لحماس مع الوفود في محاولات رأب الصدع وإقناع القيادة العراقية بالانسحاب. كما يتحدث عن تصاعد الدور الإخواني في العمل السياسي في الأردن إثر فوزهم الكبير في انتخابات البرلمان 1989. ويلقي الضوء على بدايات قدوم عدد من قيادات حماس من الكويت للأردن، وبدايات ترسيم العلاقة بين حماس وبين الحكومة الأردنية. ويشير إلى تعيينه أواخر سنة 1991 ناطقاً رسمياً باسم حماس، وإلى الحوار مع الجبهتين الشعبية والديمقراطية، ولقاء الفصائل العشرة سنة 1991، الذي شكّل فيما بعد تحالف الفصائل العشرة في مواجهة اتفاق أوسلو.

    يتحدث غوشة في الفصل التاسع عن تطور علاقة حماس مع الأردن، وكيف تم ترسيم العلاقة بينهما سنة (1992-1993)، وعن تطورات العلاقة مع فتح والموقف من اتفاق أوسلو، وعن بدايات اتصالات حماس الخارجية أوائل 1993 خصوصاً فيما يتعلق بالضغط من أجل إعادة مبعدي مرج الزهور، حيث تمّت مقابلة مسؤولين في السفارات الأميركية والألمانية والبريطانية والإيطالية والنرويجية في عمّان. غير أنه في نهاية مارس/ آذار 1993 أصدرت وزارة الخارجية الأميركية قرارا بحظر الاتصال بحماس.

    يركز غوشة في الفصل العاشر على الفترة (1994-1996)، ويوضح عدداً من أنشطة حماس ومواقفها في معارضة اتفاق أوسلو، والعمليات الاستشهادية واستشهاد يحيى عياش، والعلاقة بفتح، وعودة العلاقات للتوتر مع الأردن واضطرار موسى أبو مرزوق وعماد العلمي لمغادرة الأردن سنة 1995، وانتخاب خالد مشعل رئيساً للمكتب السياسي خلفاً لأبي مرزوق في نهاية 1995.

   يستعرض في الفصل الحادي عشر تطورات العلاقة مع الأردن، ويلقي الضوء على محاولة اغتيال خالد مشعل وانعكاساتها، وتحرير الشيخ أحمد ياسين وجولته في الخارج. ثم يشرح في الفصل الذي يليه العلاقة المتوترة التي تفاعلت سنة 1999 مع الحكومة الأردنية والمخابرات، ويتكلم بالتفصيل عن عملية اعتقال قيادات حماس في الأردن وحياتهم في السجن، ومواقفهم السياسية، وعن عملية الإبعاد إلى قطر لأربعة قيادات هم (خالد مشعل، وإبراهيم غوشة، وسامي خاطر، وعزت الرشق)، وما تبع ذلك من تعقيدات.

رؤية ذاتية

   في الفصل الثالث عشر يتحدث غوشة عن الفترة من (2000 : 2001)، وكيف تطورت العلاقة مع دمشق والأردن والسلطة الفلسطينية، وعن انتفاضة الأقصى. ويتوقف بالتفصيل عند قصة عودته إلى الأردن في منتصف يونيو/ حزيران 2000، وما تعرض له من احتجاز في المطار دام نحو أسبوعين، إلى أن تم تسوية الأمر وفق ترتيب جديد، تم اصطحابه فيه في طائرة سافرت إلى بانكوك ثم عاد إلى الأردن.

   لم يفقد غوشة حيويته ومتابعته للأحداث في السنوات التالية، والمشاركة بما يستطيع من أنشطة وفعاليات، لكن وضعه في الأردن قيّد من حركته. ويقدّم غوشة في الصفحات الباقية من الكتاب تقييماً للسنوات 2001-2007، ويقدم رؤيته لتجربة حماس في الانتفاضة والعلاقة مع فتح، وأحداث 11 سبتمبر/ أيلول، ووفاة ياسر عرفات، وفوز حماس في الانتخابات التشريعية وما ترتب على ذلك من استحقاقات هائلة، والحسم العسكري في قطاع غزة. ويكشف غوشة أنه تحفّظ شخصياً على مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية، لما يترتب على ذلك من استحقاقات هائلة، مبيناً أنه كان يخشى من إضعاف محور المقاومة في عمل حماس، ولكنه يؤكد على احترامه رأي الأغلبية والتزامه به.

    يبقى أن كتاب “المئذنة الحمراء” كتاب غني بالمعلومات والمواقف التي سيحتاجها أي باحث للتاريخ الحديث والمعاصر في قضية فلسطين. وقد كان جميلاً أن يختتم الكتاب بفهرس للأسماء والأماكن والمؤسسات الواردة في الكتاب مما يسهّل عمل الباحثين.

    لقد شيعت جماهير العاصمة الأردنية المهندس إبراهيم غوشة، والتي يقيم فيها منذ عقود، متأثراً بإصابته بمرض عضال عن عمر يناهز 85 عامًا، وبعد مسيرة طويلة من العمل مع جماعة الإخوان المسلمين، وحركة حماس لخصها في كتابه الشهير “المئذنة الحمراء”. وسمحت الأردن لقائد حركة حماس إسماعيل هنية، ومسئول الحركة في الخارج خالد مشعل بحضور جنازة غوشة والمشاركة في دفنه، ووري جثمانه الثرى في مقبرة شفا بدران بالعاصمة. وعلى هامش مشاركته، ذكر هنية مناقب الفقيد، واصفاً إياه بأنه كان “الحارس الأمين للحركة ومبادئها الأصيلة”.

    في الختام يبقى “غوشة” قيادي تاريخي في “حماس”، وعضو سابق بمكتبها السياسي، وشغل منصب أول ناطق رسمي للحركة، كما شارك بالعديد من وفودها الدبلوماسية في زيارات الدول العربية والإسلامية. ونال درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية والإنشاءات من كلية الهندسة في جامعة القاهرة عام 1961، وعمل في مجال الهندسة في عدة دول بدءاً بالأردن حتى الكويت، وفيما بعد فتح مكتبه الهندسي الخاص في الأردن قبل أن يصبح متحدثاً سرياً في البداية باسم الحركة. كان عضواً في اللجنة الصحافية للرابطة الفلسطينية في القاهرة والتي تضم الطلبة الفلسطينيين في كل الاتجاهات، وقد عمل فيها غوشة بصحبة خليل الوزير وصلاح خلف اللذين كانا ضمن جماعة الإخوان في ذلك الوقت. كان واحداً من حلقة نقل الأخبار من أربعة أشخاص ضمن حركة الإخوان، ناقلًا لأخبار الأردن، بينما كان خليل الوزير ناقلاً لأخبار غزة، في ظل الحكومة المصرية المتشددة على حركة الإخوان في عهد عبد الناصر.

    في غياب النقد الذاتي. لحماس –كفتح– حركة لها قيادتها وسياستها ونظامها الداخلي بما يعطيها خصوصية كبيرة، لكنها أيضًا أصبحت شأنًا عامًا، ليس فقط بسبب طغيان عصر المعلومة والإعلام والفضاءات المفتوحة، ولكن أيضًا للمكانة التي تتبوأها في الشعب الفلسطيني وانعكاس قراراتها عليه وعلى قضيته. وإذا ما كان ثمة قنوات للنقد والتصويب داخليًا ومؤسساتيًا فهناك حاجة ضرورية أيضًا للنقد العام المعلن أيضًا.

     في ظل الأزمات المتعاقبة والمتزامنة التي تمر بها المنطقة ومع تراجع القضية الفلسطينية على أجندة الاهتمام الدولي والإقليمي والعربي إضافة لافتقاد المقاومة الفلسطينية لحلفاء حقيقيين، يضطر السياسي أحيانًا إلى مواقف وتصريحات و«سكتات» قد تكون مفهومة في سياق الاضطرار، لكن حسابات السياسي لا تنطبق بالضرورة على الناشط والمثقف والمواطن العادي إذ يسع الأخير ما لا يسع الأول.

    لقد حذر محمد قطب في كتاب «قبسات من الرسول» من الآفات (سيما الاجتماعية) البسيطة والأخطاء الصغيرة التي تزداد خطورتها وانحرافها مع الوقت منطلِقًا من تفسير أرحب للحديث الشريف «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وهو معنى جدير بالتأمل وأخذ العبر بالتأكيد. فالخطأ متوقع في العمل الاجتماعي/ السياسي من حيث هو عمل بشري، لكنه ينتفي حال التعامل معه على أنه خطأ ينبغي تصويبه، بينما ينمو ويتفاقم ويصبح أكثر خطورة إذا ما حظي بحصانة من النقد باعتباره «أمرًا طبيعيًا» يحصل في أي عمل وبالتالي ينبغي التعايش معه. بهذا المعنى، لن يكون النقد العلني لأحداث ومواقف وتصريحات علنية نوعًا من التجاوز أو «نشر الغسيل» على الملأ كما تم التعامل معه على مدى عشرات السنين من قبل بعض التيارات والحركات، بل يصبح حاجة وطنية وسياسية طالما التزم بالضوابط المنطقية والأخلاقية المتعلقة برصانة الأسلوب والابتعاد عن الشخصنة واستهداف الصالح العام وعدم إفشاء الأسرار وتجنب الإضرار بالمقاومة واستخدام القنوات الأنسب بهدف التصويب وليس الفضح أو تحقيق مآرب شخصية.

    إن طول أمد العمل الفصائلي والمؤسسي إضافة لتبدلات البيئة العربية والإقليمية التي ما عادت حاضنة للمقاومة، كل ذلك قد يجعل الفوارق الضرورية القائمة بين مصالح كل من الوطن والفصيل والمؤسسة والشخص أقل وضوحًا مع الوقت، وهو ما يزيد من أهمية حذر السياسي في ممارسته وضرورة اضطلاع المثقف/المواطن بمسؤولياته.

     إن سلامة المنهج الفكري للمقاومة، حماس تحديدًا، وتاريخها الناصع وتضحيات قياداتها وأبنائها واستمرارها على النهج المقاوم حتى اليوم لا ينبغي أن يكون عائقًا أمام تقديم النقد لها، بل على العكس تمامًا ينبغي أن يكون الحرص عليها وعلى ما قدمت وما زالت ستقدمه دافعًا للحفاظ عليها على هذا النهج استشعارًا لأهميتها وخطورة تراجعها عن ذلك. إن كل ما سبق لا يعطي قداسة أو حصانة لا للمقاوم ولا للسياسي/ الشخص ولا للبندقية/ الأداة، وإن كنا سنتجاوز جدلية المصطلح فيمكن أن نقول إن المقدس هو الوطن/ القضية أو المقاومة/ النهج، وبالتالي يكون النقد وسيلة لإبقاء الشخص والأداة قريبين من بوصلة الوطن والنهج ما أمكن، إذ لا عصمة لحي كما يقولون.