محمد عبدالرحمن عريف

  بالعودة لبدايات مبكرة في منطقة الخليج جاءت مع الحرب العالمية الأولى، نحو تأسيس عديد المعاهدات نجد معاهدة دارين 1915، حيث تشير المصادر التاريخية إلى تحاشي البريطانيين في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) الاتصالات المباشرة مع عبدالعزيز آل سعود ولم يظهروا رغبة بالتدخل في شؤون وسط الجزيرة العربية وحتى بعد تمكنه من الاستيلاء على الأحساء في عام 1913 وحدوث بعض الاتصالات فإنهم لم يهتموا كثيراً بتحويل اتصالاتهم به إلى التزامات محددة أو اتفاقية رسمية. ذلك لأسباب أهمها اتفاقية عام 1913 بين العثمانيين والبريطانيين التي حددت مناطق السيادة والنفوذ لكل منهما في الجزيرة العربية بحيث كانت معظم الأراضي التي يسيطر عليها عبدالعزيز آل سعود تحت سيادة الدولة العثمانية، ذلك بموجب هذه الاتفاقية السرية لأنها تقع شمالي الخط الأخضر الممتد من عدن إلى قطر والذي رسمت بموجبه الحدود بين الإمبراطوريتين.

   بينما وقع عبدالعزيز معاهدة بالأحرف الأولى مع العثمانيين قبل اندلاع الحرب العالمية بأسابيع قليلة (مايو/ آيار 1914)، فلقد أدى اشتعال الحرب إلى تغيير جذري في دائرة العلاقات (السعودية- البريطانية)، فقد دفعت المصالح السياسية البريطانيين دفعاً إلى رفع علاقاتهم مع عبدالعزيز إلى المستوى الرسمي، وأخيراً وقع (معاهدة دارين) مع المندوب السامي البريطاني في العراق بيرسي كوكس في 26 ديسمبر/ كانون الأول 1915 التي اعترفت بريطانيا بموجبها بعبدالعزيز وورثته من بعده (حاكماً لنجد والأحساء والقطيف والجبيل والموانئ التابعة لها).

   عندها بدأت مفاوضات هذه المعاهدة بين سلطان نجد في منتصف 1915 تقريباً واستغرقت سبعة أشهر ووقعها من الطرف البريطاني السير بيرسي كوكس ومن الطرف السعودي السلطان عبدالعزيز، كانت هذه المعاهدة ثمرة للإستراتيجية السعودية في فرض التحالف فرضاً على بريطانيا، وفي حين تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن أحمد الثنيان هو مستشار عبدالعزيز الذي أدار المفاوضات مع برسي كوكس تحت إشراف عبدالعزيز وتوجيهه، وكانت مفاوضات حقيقية طلب فيها الجانب السعودي تعديلات وإضافات أملتها الأوضاع الداخلية، وقَبِلَ البريطانيون معظمها، في حين تم التوصل إلى حل وسط في صياغة بعضها الآخر.

   مرت السنوات وجاءت مهمة سياسية إلى بغداد لم يكد أحمد الثنيان يرجع من مهمته في الحجاز -والتي يبدو عدم التزام الشريف حسين بالاتفاق الذي تمخض عنها- حتى انتدبه السلطان عبدالعزيز إلى مهمة سياسية جديدة إلى العراق حيث تشير رسالة من سلطان نجد وملحقاتها عبدالعزيز آل سعود إلى الوكيل السياسي البريطاني في البحرين مؤرخة في 7 يناير/ كانون الثاني 1921 إلى إرساله أحمد بن ثنيان وعبدالله الدملوجي ورفاقهما ممثلين عنه إلى بغداد لمقابلة المندوب السامي البريطاني لمناقشة القضايا موضع النزاع بينه وبين كل من الشريف حسين والشيخ سالم الصباح شيخ الكويت التي أثرت على شؤونه الداخلية دون أي تجاوب فعلي من البريطانيين، وقد طلب عبدالعزيز في رسالته من الوكيل السياسي في البحرين تسهيل مهمة الوفد وتقديم المساعدة اللازمة مع إبلاغ المندوب السامي بموعد وصوله ومغادرته.

   بالفعل وصل الوفد إلى البحرين يوم 20 يناير 1921 وغادر إلى البصرة بتاريخ 24 يناير 1921، ويظهر أن مفاوضات الوفد مع المندوب السامي استغرقت وقتاً طويلاً لأسباب نجهلها ولعل منها مغادرة المندوب السامي بغداد أثناء وجود الوفد لمقابلة ونستون تشرشل في مصر، إذ تشير الوثائق البريطانية إلى أن أحمد الثنيان في طريق عودته وصل الكويت قادماً من البصرة عبر الزبير بتاريخ 22 مايو/ آيار 1921 تقريباً وغادرها براً متجهاً إلى الرياض بتاريخ 27 مايو 1921 بعد أن طلب من الوكيل السياسي في الكويت إرسال ثلاث رسائل سلمها له إلى المندوب السامي في بغداد.

  لم يكن غريباً أن تتوتر علاقات نجد بالعراق بعد اعتلاء الملك فيصل بن الحسين عرش العراق في 23 أغسطس/ آب 1921 لأسباب عديدة ليس هنا مجال لبسطها ولكن الأوضاع على الحدود تأزمت إلى درجة حدوث الصدام المسلح بين القبائل التابعة للحكومة العراقية والقبائل التابعة للحكومة النجدية، مما دفع السير برسي كوكس المندوب السامي البريطاني في بغداد إلى محاولة تهدئة الأوضاع وتنقية الأجواء بالعمل على عقد مؤتمر المحمرة لحل مشكلات الحدود وتبعية القبائل العالقة بين العراق ونجد، وقد وافقت الحكومتان على ذلك

   البدايات جاءت مع الكثير من الاضطرابات على الحدود بين العراق و ( الأشقاء) في نجد وقد شغل هذا الأمر الحكومة البريطانية التي كانت تبدي اهتمامًا زائدًا في العراق مما اضطر السير بيرسي كوكس المندوب السامي البريطاني أن يطلب من السلطان عبدالعزيز بن سعود أن يرسل وفدًا إلى بغداد لبحث موضوع الحدود إلا أن السلطان عبدالعزيز رفض هذا الأمر خشية وقوع بعض التاثيرات السياسية على الوفد الذي سيرسله، عندئذ اقترح السير بيرسي كوكس أن يعقد المؤتمر في المحمرة في قصر الشيخ خزعل، فرحب السلطان عبدالعزيز بالأمر ثقة منه بالشيخ خزعل صديقه الحميم المخلص.

  في 4 رمضان 1340هـ ( 3 مارس/ آزار 1922 ) عقد المؤتمر بحضور ممثل عن السير بيرسي كوكس وصبيح نشأت ممثلًا عن الحكومة العراقية وأحمد بن ثنيان السعود ممثلًا عن السلطان عبدالعزيز بن سعود وقد وضع المندوبين اتفاقًا وقعوه في المحمرة بتاريخ 5 مارس/ آزار 1922 عرف بمؤتمر المحمرة. لتكون خطوات قادمة في 5 مايو/ أيار 1922، بين سلطنة نجد وتوابعها وبين مملكة العراق، وحضرت ضمن اتفاقيات تمهيدية نحو رسم خارطة المنطقة في ضوء إتفاقية (سايكس بيكو 1916). ففي الاتفاقية إرساء قاعدة في العلاقات المستقرة للمحميات البريطانية، وقد بدا ذلك واضحاً من مقدمة الاتفاقية (نظراً لوجوب تأمين الوداد، وتأسيس حسن المناسبات بين حكومتي العراق ونجد..). وهذا الهدف لا يتحقق الا بعد حسم قضية الحدود بين الحكومتين، وكل ذلك تحت رعاية بريطانيا عبر ممثلها المندوب السامي في العراق الميجر جنرال السير ب. ز. كوكس، حيث سنّت معاهدة ببنود محددة.

  نعم كانت مقاربة عبد العزيز آل سعود للحدود على أساس عشائري، وهو ما رفضه المندوب البريطاني كوكس واعتبر بأنه تصرّف صبياني، وطلب منه الكف عن هذا التفكير. ولذلك نصّت الفقرة (أ) من المادة الأولى من المعاهدة بأن (العشائر التي هي تحت اسم عشائر المنتفك والظفير والعمارات فهم راجعون إلى حكومة العراق، وأما الحكومتان نعني بهما العراق ونجد تتعهدان متقابلاً أن تمنعا تعديات عشائرهما على الطرف الآخر ويكون الطرفان مكلفان في تأديب عشائرهما، وإذا الأحوال لم تساعدهما للتأديب فالحكومتان تتذاكران لاتخاذ تدابير مشتركة طبقاً لحسن المناسبات فيما بينهما). وهذا البند وضع حداً لمقاربة عبد العزيز في ترسيم الحدود على أساس عشائري.

   الواقع حينها على الأرض أن هذا ما حاولت الفقرة (ب) من البند الأول توضيحه، حيث أن الاعتراض الذي تقدّم به عبد العزيز على الحدود التي طلبها مندوب حكومة العراق تمّ حسمه بأن تقرر اعتماد الفقرة (أ)، على أن تكون (عشائر شمر نجد إلى نجد، والآبار والأراضي المستعملة من القديم من قبل عشائر العراق هي للعراق والآبار والأراضي التي مستعملة من القديم من قبل شمر نجد هي لنجد. ولأجل تعيين هذه الآبار والأراضي وسن الحدود على هذا الأساس حصل الاتفاق بتشكيل لجنة مركبة من أهل الخبرة لكل حكومة شخصان تحت رآسة أحد رجال حكومة بريطانيا المنتخب من قبل المندوب السامي وتجتمع اللجنة في بغداد تسن الحدود القطعية والطرفان يقبلونها بدون اعتراض).

   في المادة الثالثة تعهدٌ من قبل الحكومتين العراقية والنجدية (لتأمين طريق الحج وعلى محافظة الحجاج الكرام من كل تعدي ما داموا في داخل حدودهما..)، ولفتت المادة إلى تعهد سابق بين عبد العزيز والحكومة البريطانية بخصوص تأمين طرق الحج وسلامة الحجيج، في إشارة إلى المادة الخامسة من معاهدة دارين/ القطيف.

    ظهر في المواد اللاحقة (الثالثة بفقراتها أ، ب، ج) التي تتصل بالعلاقات التجارية وعملية تنظيم طرق التجارة البرية، وفي المادة الرابعة اتفاق على حركة المسافرين بين البلدين وضرورة حملة وثائق سفر على رعايا البلدين. وفي المادة الخاسة اتفاق على أن أي عشيرة من عشائر العراق أو نجد تقرر الإقامة قهراً في أراضي أي من الطرفين (تكون تابعة للرسوم المرعية). كذلك جاء ضمن المادة السادسة دلالة لافتة، بأن المعاهدة تكون منفسخة تلقائياً في حال وقع خصام بين أي من الحكومتين العراقية أو النجدية من جهة والحكومة البريطانية من جهة أخرى. ماذا يعني ذلك؟ أول ما يعنيه هذا البند أن المعاهدة هي في الأصل لتنظيم العلاقة بين دول مسلوبة السيادة، وكيانات تابعة للعرش البريطاني، وعلى هذا الأساس وقع مندوبا سلطان نجد، وملك العراق من جهة، وسكرتير ملك بريطانيا ب.هـ. بورديلا.

Print Friendly, PDF & Email
blank