شهدت بعض الدول الأوروبية مؤخرا حراكا متزايدا و متصاعدا تحت ما يسمي بإحتجاجات أصحاب السترات الصفراء التي خرجت لتجتاح الشوارع الأوروبية للمطالبة بتخفيض الضرائب و تحسين ظروف العيش و الرفع في الأجور و تسوية وضعية العمال و الطبقات الكادحة. إذ نذكر من بين أهم هذه الدول التي شهدت أعنف تمرد شعبي عالمي علي حكومته و علي سياساتها الإقتصادية التعسفية فرنسا و بدرجة أقل بلجيكا و هولاندا. كذلك هناك بوادر مستقبلية لإنفجار بركان ثاني في دول ما يسمي بالربيع العربي و بالتحديد نذكر مصر و تونس و دول عربية أخري بحيث تشير بعض المعلومات الإخبارية أنه هناك تهافت من قبل بعض الأطراف الشعبية علي شراء السترات الصفراء. و لتحديد مفهوم السترات الصفراء و التي تشير في مدلولها اللفظي علي جلب الإنتباه عبر لونها الأصفر اللامع و الجذاب خاصة في الليل. أما مرتدين هذه السترات فهم الأشخاص الذين يعملون في أماكن النقل العام مثل المطارات و محطات القطارات و غيرها, أيضا الأشخاص الذين تتعطل بهم سيارتهم علي الطريق الرئيسية و ذلك قصد جلب الإنتباه للعامة.

بالتالي هذه الثورة العالمية الحقيقية التي إنطلقت من فرنسا أو بالتحديد من الإتحاد الأوروبي مهد الرأسمالية و الثورة الصناعية و الأسواق التجارية العالمية و المالية الحرة تشير إلي نذير خطر عالمي في الأيام القليلة القادمة عبر تواصل تلك الموجات الإحتجاجية الصفراء الداكنة من أجل جلب إنتباه الحكومات الرأسمالية الأوروبية. إن الفقر المدقع و التهميش و غياب العدالة الإجتماعية في معظم الدول الأوروبية  التي مازالت تعاني من السياسات التعيسة للرأسمالية المتوحشة عبر عبء الضرائب المتزايدة علي المحروقات و الدخل و رواتب التقاعد و غيرها من الضرائب الجبائية المجحفة تعد كارثة إجتماعية حقيقية ستؤدي بالنتيجة إلي تمرد عمالي عالمي. هنا يكمن مربط الفرس, إذ علي الرغم من خروج الرئيس الفرنسي إيمانيويل ماكرون علي وسائل الإعلام عبر خطابه للأمة الفرنسية من أجل إحتواء الأزمة و تطويق الإحتجاجات القادمة و ذلك عبر طرحه بعض الحلول لتلبية الحاجيات الأساسية من خلال الرفع في الأجر الأدني ب 100 أورو و إلغاء الضرائب علي المحروقات و تقليص الضرائب علي رواتب المتقاعدين, إلا أنه لم يفهم المطالب الأساسية و التي في جوهرها العامة تعني تغيير النظام الرأسمالي الموالي لرجال الأعمال و أسواق المال.

إن المطلب الأساسي لأصحاب السترات الصفراء يتمثل في تطبيق العدالة الإجتماعية و التوزيع العادل للثروة الوطنية علي كافة أفراد المجتمع الفرنسي و الخروج من دائرة الدويلة الصغيرة التي يديرها أصحاب المال و المستثمرين تحت مظلة القطاع الخاص. هذا التمرد الشعبي لن ينتهي و هو سيبقي كالبركان الثائر المدمر لجميع المكاسب الوطنية الإقتصادية إن لم تتجه السياسة الإقتصادية نحو تعزيز مكانة الدولة في الإقتصاد الوطني الفرنسي و إعطاء القطاع العام مكانته عبر إدارة اليد الخفية للأسواق المحلية قصد تلبية الحاجيات الأساسية منها الصحة المجانية و التعليم المجاني و الإنتدابات القارة في الوظيفة العمومية و تسوية الوضعية التشغيلية المؤقتة. كل هذه المبادئ الإقتصادية تؤسس للمخرج الرئيسي من المأزق الحالي و الإنطلاق بتنفيذ جميع النقاط التي تأسست عليها الإشتراكية و الشيوعية العالمية بالطريقة العادلة و الصحيحة و التي أوصي بها المنظر الإقتصادي العالمي كارل ماركس. إن أغلب سكان العالم هم في الأصل من طبقات العمال الكادحة و الفقيرة و لا سبيل بأي حال من الأحوال للإرتهان لقلة قليلة من الطبقات الثرية التي تدير النظام الرأسمالي الرجعي و المتوحش و الذي أضحي بدوره اليوم عاجز تمام العجز في إدارة شؤونه الإقتصادية نظرا لتراكم الأزمات المالية المتتالية و التي أغلبها كان فيها المتسبب الرئيسي في جميع دول العالم عبر نظرية العدوي المالية و التجارية. و لعل أبرز دليل علي ذلك تلك الثورات الإجتماعية التي إنطلقت منذ سنة 2011 في بلدان ما يسمي بالربيع العربي للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية و الإقتصادية و مازالت سلسلة الإعتصامات و الإحتجاجات متواصلة في تلك البلدان إلي يومنا هذا. فيعاد مجددا علي العالم بأسره و في عقر دار دول الرأسمالية ذلك السيناريو الشبيه بتلك الثورات التي أسقطت جميع الرؤساء العرب و أقنعتهم المنحازة للطبقات الثرية و لأصحاب المال و الأعمال و ذلك عبر ما يسمي بإحتجاجات أصحاب السترات الصفراء.

إن هذا الزحف لن يقتصر فقط علي فرنسا بل ربما سيشمل في القريب العاجل دول أوروبية أو عربية أخري. فهذه البوادر تشير إلي إنفجار بركان شعبي عالمي نتيجة لتدهور الأوضاع الإجتماعية لأغلب الطبقات العمالية. بالتالي يمثل هذا مؤشرا حقيقيا علي وفاة الرأسمالية المتوحشة التي هي في مرحلة الإحتضار بحيث تثبت نتائج سياساتها الإقتصادية السيئة مدي السخط و التذمر الإجتماعي الذي لا يراعي الحد الأدني لمستوي عيش الطبقات الفقيرة. فهذا التبشير الشعبي يمهد الطريق لعودة النظام الإشتراكي و الشيوعي منذ إنهيار نظام الإتحاد السوفياتي سابقا خلال فترة الثمانينات.

كما أن زحف العملاق التجاري الصين الشعبية قادم بقوة علي الساحة الإقتصادية العالمية بمنتجاته الإستهلاكية الشعبية الرخيصة لتسقط بذلك سياسة منظمة التجارة العالمية الحامية لذلك النظام الرأسمالي الهش الذي يعاني الأمرين في ظل دويلة صغيرة جدا تديرها نفوذ رجال المال و الأعمال. فإحتجاجات أصحاب السترات الصفراء تؤكد أن طريق الزحف بالملايين نحو بلجيكا و هولاندا مازال متواصلا و أيضا ستشمل قريبا إيطاليا و إسبانيا لتسقط مطالبها بالنتيجة و بالضربة القاضية النظام الرأسمالي التعيس و المتوحش.

فؤاد الصباغ – باحث اقتصادي دولي

 

Print Friendly, PDF & Email