عرضت أمس شبكة الأخبار الأمريكية (CNN) صورا ملتقطة بواسطة طائرة بدون طيار للأجزاء المحررة من مدينة الرقة، التي أظهرت مستوى الدمار الكبير الذي لحق بالمدينة سواء تعلق الأمر بالمباني أو البنية التحتية؛ مما يؤشر على حجم القتال الضاري الذي دار في المدينة بواسطة كل أنواع الأسلحة (القصف الجوي، المدفعية، الدبابات والأسلحة الفردية)؛ بحيث أن في النهاية تم تدمير المدينة كلية ولم تعد قابلة لإعادة السكن المباشر وغادرها قاطنوها من البشر والحيوانات.
وفق تصريح أحد القادة العسكريين الأمريكيين، أن حرب التحالف الدولي ضد داعش في سوريا والعراق بلغت مستوى عالي من العنف لم تعرفه الحروب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في أغسطس 1945. السبب الرئيسي في ذلك هو أن المعارك الرئيسية للحروب التي تلت هذا التاريخ (الحرب الكورية 1950-54؛ حرب الجزائر 1945-62؛ حرب فيتنام 1963-74) لم تكن داخل المدن وإنما كانت تجري بشكل رئيسي بين الوحدات القتالية خارج المدن في الغابات والجبال، كما لم تكن الأهداف التكتيكية لتلك الحروب السيطرة على المدن.
من الناحية النظرية، يمكن تصنيف حرب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد داعش ضمن فئة الحرب اللاتماثلية Asymmetric Warfare التي تعني وجود “تباينات كبيرة بين المتقاتلين في القوة العسكرية الكلية وفي طريقة تنظيم القوة العسكرية وتوظيفها على حد سواء”. ويفترض في الطرف الأكثر قوة وسيطرة على البيئة الإستراتيجية أن يكون أكثر التزاما بالأبعاد القانونية والإنسانية في الاشتباك، باعتباره طرفا شرعيا ينتمي إلى فواعل النظام الدولي المعترف بها من قبل الأمم المتحدة.
لكن من الناحية العملياتية، كانت المعارك تجري بطريقة تقليدية جدا، واجهت خلالها القوات المسلحة الأمريكية وحلفاؤها خصمهم داعش -الأقل تنظيم وتجهيزا وعددا- بواسطة قوة نارية غير مسبوقة؛ موجهون بواسطة تبني إستراتيجية الإبادة الشاملة، التي أبدعها الرومان قبل الميلاد من أجل القضاء على التمرد الذي قاده حنبعل في شمال إفريقيا. لقد أطلق جون ميرشيمر تسمية “إستراتيجية قرطاج” على الطريقة التي حارب بها الرومان في قرطان، والتي تضمنت تدمير المدينة كلية، وقتل جميع الرجال والأطفال، واصطحاب النساء والبنات معهم إلى روما حتى لا يظهر في المستقبل من بين المنهزمين رجل يحمل لواء الانتقام للأجداد.
إنها نفس الإستراتيجية (إستراتيجية الإبادة Annihilation Strategy) التي استخدمتها قوات التحالف في الرقة، لكن بإخراج أمريكي يناسب ظروف العصر ومحتوى الإيديولوجية والدعاية الأمريكية (صناعة العدو ثم حشد التحالف لقتاله من أجل إضعاف أو تدمير منطقة معينة).

عامر مصباح
جامعة الجزائر

 

 

Print Friendly, PDF & Email