أثر تغير دور الدولة مع بداية القرن العشرين، من حارسة، يرتكز جل نشاطها في حماية الأمن الداخلي والخارجي لمواطنيها، والفصل في المنازعات التي تنشأ بينهم، إلى متدخلة، يتشعب عملها في مختلف مجالات حياة المواطن، من أجل رفاهینه وراحته، في تطور أساليب الإدارة وأهدافها، مع الإشارة أنه ليس هناك أسلوب واحد تأخذ به كافة الدول، بل إن كل واحدة تأخذ بالأسلوب الذي يناسب ظروفه السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والتاريخية، كما أنه ليس بالضرورة أن يكون هناك أسلوب واحد للإدارة داخل الدولة الواحدة، وهي تنظم شؤونها واحتياجات أفرادها إذ يمكنها الجمع بين أكثر من أسلوب، إن كان يحقق مصالحها ومصالح أفرادها”

نجد بذلك، في مختلف الدول أسلوبين للتنظيم الإداري، المركزي واللامركزي، بقصد بالأول ” تجمیع مختلف مظاهر الوظيفة الإدارية في الدولة في يد هيئة واحدة، تكون عادة في العاصمة ، وبشكل يؤدي إلى توحيد الأسلوب الإداري وتجالسه في كل أرجاء الدولة “، وتباشر الهيئة التنفيذية هذه الوظيفة إما بنفسها – وهذا ما يسمى بالمركزية المطلقة ، أو من خلال موظفين وهيئات تابعين لها، موزعين على مختلف أقاليم الدولة ويعملون باسمها – وهذا ما يسعى بالمركزية المعدلة.

أما اللامركزية، فيقصد منها ” توزيع الوظيفة الإدارية في الدولة بين الحكومة المركزية في العاصمة وهيئات إقليمية أو مرفقية مستقلة نسبيا، تعمل تحت إشراف ورقابة السلطة المركزية ، فتكون الثانية بالاعتراف بالشخصية المعنوية لبعض المرافق العامة في الدولة بغية تسيير بعض المصالح المحلية، أما الأولى فتكون بتقسيم إقليم الدولة إلى وحدات إدارية، تتمتع بالشخصية المعنوية، ينتخب سكان الإقليم أعضاؤها التولي تسيير الشؤون المحلية، تحت إشراف السلطة المركزية يحتل بذلك موضوع الجماعات الإقليمية، أهمية خاصة في كافة دول العالم، نظرا للتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي أثرت على الحكومات، ففي الوقت الحالي لم يعد النظام المركزي، قادرا على إشباع حاجات المواطنين الذين يطمحون باستمرار، ، وخصوص كلما زاد وعيهم الثقافي. الأكثر مشاركة في تسيير الشؤون المحلية، وللمزيد من الخدمات جاء بهذا الأخذ بأسلوب اللامركزية الإدارية الإقليمية، لتحقيق غرضين، الأول إداري، ويتمثل في تخفيف الأعباء عن السلطة المركزية، فيتغير دور الدولة، عجز الأسلوب المركزي في مواجهة المتطلبات والحاجات المتزايدة والمتجددة، أما الثاني فسياسي، والمتمثل في تجسيد الديمقراطية، وإشراك المواطنين في تسيير شؤونهم، من خلال ممثليهم في المجالس المحلية المنتخبة، على أساس أنهم أكثر دراية بحاجاتهم ومشاكلهم، وبالتبعية فهم أقدر وأولى بإشباعها وحلها.

يظهر بذلك أن هناك علاقة وثيقة بين الإدارة والسياسة، واللامركزية الإدارية الإقليمية، تعد خيارا سياسيا أكثر منه إداريا، فلو كان غير ذلك لكفلت المركزية الإدارية إدارة فعالة وناجحة، لكن الدول الحديثة ليست بحاجة لإدارة ناجحة فحسب، بل كذلك إلى حرية سياسية، وهو ما عبر عنه الفقيه موریس هوربو بقوله: ” إن أسباب اللامركزية ليست إدارية، ولكنها ذات طابع دستوري، فلو كانت ذات طابع إداري لكفلت المركزية إدارة فعالة وناجحة للدولة، ولكن الدولة ليست بحاجة إلى إدارة جيدة فحسب، بل بحاجة أيضا إلى حرية سياسية.

تحميل الرسالة

Print Friendly, PDF & Email