دراسات أمنيةدراسات عسكرية

إصلاح قوّات الأمن الهجينة في الدول العربية

إليونورا أرديماغني وأندريا سيلينو

سيتطلب إصلاح قوّات الأمن الهجينة واستقرار الدول العربية المتصدعة التركيز على الأمن البشري ومقدمي  الخدمات الأمنية المحليين.

أعادت النزاعات الأهلية الإقليمية بعد عام 2011 وجائحة فيروس كورونا تشكيل الديناميات السياسية والعسكرية في الدول العربية. يحتاج إصلاح قطاع الأمن في المنطقة اليوم إلى وجهات نظر جديدة. تستند المقاربات التقليدية لإصلاح القطاع الأمني ​​إلى نموذج يطبق الإصلاح من قمة الهرم إلى أسفله في نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وإلى قراءة ثنائية للمشهد الأمني ​​تركز على القوّات العسكرية الرسمية. لقد فشلت مثل هذه الأساليب في تحقيق الاستقرار على المدى الطويل وأصبحت منفصلة بشكل متزايد عن أرض الواقع.

يقترح تقرير مشترك صدر في كانون الأول/ديسمبر 2020، تم تحريره من قبل أندريا سيلينو وأناليزا بيرتيجيلا ونشره المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية ومركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، مجموعة أدوات سياسية جديدة لإصلاح القطاع الأمني. يحلل هذا التقرير حالات العراق وليبيا واليمن، كما يخوض في الاعتبارات النظرية حول التهجين الأمني بين قوّات الأمن الرسمية وغير الرسمية والطبيعة المتغيرة لتوفير الأمن على خلفية جائحة فيروس كورونا. بناء على ذلك، يؤكد التقرير أن المقاربات التقليدية لعملية إصلاح القطاع الأمني أثبتت عدم فعاليتها في تأسيس عمليات إصلاح مستدامة في السياقات المتأثرة بالصراع والهجينة في المنطقة.

في السياقات التي فشلت فيها مقاربات إصلاح القطاع الأمني التقليدية من قمة الهرم إلى أسفله والتي تتمحور حول المؤسسات، يمكن اعتماد مقاربات لامركزية ومصممة خصيصًا لصالح أشكال الرقابة المدنية غير الرسمية. يوصي التقرير بتأكيد المحاولات المستقبلية للإصلاح الشامل والواسع على مشاركة المجتمع على المستوى المحلي لجعل الجهات الفاعلة الهجينة مسؤولة من خلال مشاركتها في الحوكمة الأمنية. ويقترح التقرير أيضًا أن ينسق المانحون الرئيسون جهودهم في الدعم أو رعاية جهود إصلاح القطاع الأمني.

التهجين والأمن البشري

بعد انتفاضات 2011، اكتسبت الجهات الأمنية الهجينة مكانة بارزة في جهود إصلاح القطاع الأمني ​​بسبب مؤسسات الدولة المتصدعة أو المنقسمة. يشير جيروم دريفون في فصله حول تحدي الجهات الهجينة للحوكمة الأمنية: “يمكن للجهات الهجينة أن تدعم الحكومات القائمة أو تتوازى معها أو تتعامل معها.” وأضاف: “السمة الأساسية المحددة للمجموعات الهجينة هي الحوكمة،” وتتراوح صلاحياتها الموسعة الآن بين توفير الخدمات الاجتماعية وآليات التقاضي وضبط الأعراف الاجتماعية. وبهذه الطريقة، فإن جائحة كورونا “أضافت شعورًا بالضرورة الملحّة” لمعالجة إصلاح القطاع الأمني وثغراته في المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية، كما يشير رانج علاء الدين.

لقد ولّدت الجائحة، بعيدًا عن كونها مجرد أزمة صحية، مزيدًا من الضغط على الحكومات: كما أن المظالم الاقتصادية والاجتماعية المتفشية توفر أيضًا مجالًا جديدًا لعمل الجهات الأمنية الهجينة. في مثل هذا السياق، فإن تبني مقاربات محلية لإصلاح القطاع الأمني ​​”يتجنب فرض تصاميم بديلة لا تنطبق على ديناميات الحوكمة والخلافات السياسية،” مع إمكانية “إيجاد إجماع حول حوكمة قطاع الأمن” بطريقة أوسع. فتذكر إيرين كوستانتيني أنه بدون وجود منظور للأمن البشري، يمكن للمصالح المتنافسة أن تقيّد إصلاح القطاع الأمني، كما حدث في العراق بعد عام 2003.

تنفيذ إصلاحات القطاع الأمني ​​في اليمن وليبيا

تميّز إصلاح القطاع الأمني ​​في الدول المنقسمة مثل اليمن وليبيا، في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، بآليات متقاربة وغير فعالة: تسييس واسع النطاق من قبل اللاعبين المحليين والإقليميين، وجهود إدماج على مستوى مؤسسي أو جماعي (ولكن ليس فردي)، وقدرة محدودة على التكيف مع التعقيدات، والديناميات المحلية. بهذا المعنى، “تحتاج اليمن إلى إعادة التركيز على المجتمعات المحلية بدلًا من النخب العسكرية كجزء من عملية لامركزية لإعادة بناء الدولة،” كما تذكر إليونورا أرديماغني. إن النهج القائم على الشبكات، وليس المرتكز على الجيش، إزاء إصلاح القطاع الأمني” يقرّ بالأولويات الأمنية المتباينة بين المحافظات اليمنية،” ويدعم الجهود المبذولة لإضفاء الطابع المدني والمحلي على قطاع الأمن.

في ليبيا، أدى التدخل الخارجي والديناميات الداخلية المعقدة إلى تفاقم نمو القوّات الهجينة. في بيئة ما بعد الثورة، انتشرت مجموعات مسلّحة متعددة في قطاع الأمن (غير) الرسمي في البلاد وأدّت إلى إضفاء الطابع العسكري عليه. بعد عشر سنوات من اندلاع الثورة، فشلت مبادرات إصلاح القطاع الأمني ​​في ليبيا في الوصول إلى القدر اللازم من الإرادة السياسية للتنفيذ الناجح والشامل. وعوضًا عن ذلك، كما يذكر جليل حرشاوي، بدأت العديد من القوى الأجنبية في دعم المبادرات الثنائية ذات الطابع الإصلاحي لقطاع الأمني، والتي تركز بشكل أساسي على جهود التدريب والتجهيز وتحقيق الاستقرار على المدى القصير، بدلًا من بناء السلام المستدام على المدى الطويل على أساس آليات رقابة واحترافية القطاع الأمني. ونتيجة لذلك، فإن الخطر يكمن في أن وجود “عدد كبير من المحاولات المنفصلة لإصلاح القطاع الأمني،” التي تركز على “أجزاء محدودة من الأراضي بطرق غير منسقة” يمكن أن يؤدي إلى مزيد من العنف.

يجب أن يكون إصلاح القطاع الأمني، باعتباره مرآة للتوازنات السياسية، قادرًا على تكييف أدواته لتحقيق الأهداف المشتركة. فعندما يكون وجود مقدمو خدمات الأمن المحليون والحوكمة الأمنية الهجينة هو الوضع السائد—وليس الاستثناء—يجب أن يتلاءم إصلاح القطاع الأمني مع هذه الخصوصيات السياقية وأن يهدف إلى إعادة بناء إطار وطني متماسك.

إليونورا أرديماغني زميلة أبحاث مشاركة في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية ومساعدة تدريس في الجامعة الكاثوليكية في ميلانو.
أندريا سيلينو رئيس مكتب شمال إفريقيا في مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، حيث يدير العمليات في مصر وليبيا والمغرب وتونس، مع التركيز على إصلاح القطاع الأمني. وجهات النظر المذكورة في هذه المقالة هي خاصة به.

المقال الأصلي

اقرأ أيضا (read more)  مدخل مفاهيمي للأمن السيبيري

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا contact@politics-dz.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Alert: Content is protected !!