تعد قضية تيمور الشرقية إحدى القضايا التاريخية المهمة لأنها تقدم دروسا قيمة في التاريخ السياسي والعلاقات الدولية، حيث كان تاريخ هذا الإقليم حافلا بالنزاعات، وهذا ما سيتم توضيحه في مايلي:

أولا_ التعريف بإقليم تيمور الشرقية:

الإطار الجغرافي:

تقع تيمور الشرقية في أقصى الطرف الشرقي للأرخبيل الإندونيسي، وهي الأكبر مساحة في  جزر سوندا الصغرى، حيث تضمن جزر سوندا الصغرى بالي، ولومبوك، وسومباوا، وسولور، وسومبا والكثير من الجزر الأصغر حجما، وتيمور من الناحية الفنية هي أقصى شرق جزر سوندا الصغرى، حيث يحد الإقليم من الشمال بحر سافو وباندا ومن الجنوب بحر تيمور، ويبلغ طول الإقليم حوالي 480 كم وعرضه 10 كم2، أما مساحته الإجمالية فبلغت 30.820 كم2، وتنقسم جزيرة تيمور إلى قسمين: البرتغالية “الشرفية” ومركزها ديلي ومساحة صغيرة من أوغوس امبينو في الشمال الغربي فضلا عن سواحل جزر اتورو وجاكو وانكليف وتبلغ مساحتها 14.953 كم2، وقد ضمتها اندونيسيا في العام 1975، وتيمور الهولندية “الغربية” ومركزها كوينغ إذ تبلغ مساحتها 15.867 كم2 والتي أصبحت جزءا من اندونيسيا في العام 1950.

الإطار الطبيعي:

جزيرة تيمور الشرقية لا تمتلك مقومات بناء دولة مستقلة اقتصاديا اذ تعتمد 80 بالمئة في اقتصادها على اندونيسيا، فالجزيرة فقيرة من حيث الانتاج الزراعي فمناخها حار رطب نسبة الأمطار فيه (1200_1900) ملم في السنة، هذا بالإضافة إلى مساحتها الصغيرة التي تتكون من قطاع جبلي تقطعه وديان عميقة أي عدم توفر مساحات للأراضي الزراعية مما اضطر السكان لإزالة الغابات واستخدام أراضيها في زراعة بعض المنتجات مثل البن والأرز والذرة والبطاطا وفول الصويا، كما تحتوي الجزيرة على ثروة حيوانية كالأغنام والبقر، بالإضافة إلى وجود الثروات الطبيعية كالغابات التي توفر مصدر للأخشاب.

الإطار البشري:

يدين سكان تيمور الشرقية حوالي 91 بالمئة بالمذهب الكاثوليكي المسيحي فيما يدين 3 بالمئة بالمذهب البروتستانتي و 4 بالمئة مسلمين و 0.5 بالمئة هندوس، و بذلك تختلف تيمور الشرقية عن باقي أجزاء اندونيسيا بل وحتى عن النصف الغربي من جزيرة تيمور التي يشكل الإسلام دين الغالبية العظمى من سكانها، حيث يعود أصول سكان تيمور الشرقية إلى العنصر التيتوني الذين كانوا أول من سكن الجزيرة و هم ينحدرون من الملايو و البولونيزيين و من بابوا، كما يسكن الجزيرة مجموعة ذات أصول صينية تقوم بدور اقتصادي مهم في البلاد و يتحدث سكان الجزيرة اللغة التيتونية فضلا عن وجود بعض الجماعات الأثنية الصغيرة التي تتحدث لغات خاصة بها حيث توجد 16 لغة محلية أخرى مثل مامباي و الكيماك و الجالولي، وتعد اللغة التيتونية والبرتغالية اللغتين الرسميتين في البلاد، أما الاندونيسية فهي لغة التعليم في البلاد،  أما بالنسبة للغة الانجليزية فلا تستخدم سوى من قبل عدد قليل جدا من المثقفين، وتبلغ نسبة من يجيدون القراءة و الكتابة من السكان البالغين حوالي 48 بالمئة و هي نسبة قليلة جدا.

الإطار التاريخي:

خضعت تيمور الشرقية للاستعمار البرتغالي في القرن السادس عشر، وخلال حكم الهابسبورغ للبرتغال للمدة 1580-1640، فقدت البرتغال جميع مستعمراتها لصالح الهولنديين بما فيها جزيرة تيمور، وعندما عادت الجزيرة للحكم البرتغالي تم اقتساما بين الهولنديين الذين استولوا على القسم الغربي “تيمور الغربية” منها، في حين سيطر البرتغاليون على القسم الشرقي “تيمور الشرقية”، وفق معاهدة لشبونة في عام 1805، وفي أواخر عام 1941 احتل الهولنديون والاستراليون تيمور الشرقية لمدة وجيزة في محاولة لاستباق الغزو الياباني للجزيرة، ولكن ذلك لم يحل دون خضوع تيمور الشرقية مدة قصيرة لحكم اليابانيين خلال احتلالهم اندونيسيا ابان الحرب العالمية الثانية، ثم عادت إلى البرتغاليين بعد انتهاء الحرب، وعندما تخلت هولندا عن حكم اندونيسيا في عام 1949 أصبحت تيمور الغربية جزءا من الدولة الاندونيسية في حين بقيت تيمور الشرقية تحت الهيمنة البرتغالية.

ثانيا_ أزمة تيمور الشرقية:

الجذور التاريخية لأزمة تيمور الشرقية: 

خلال الحرب العالمية الثانية دخلت  القوات اليابانية تيمور الشرقية و طردت البرتغاليين منها، ولدى انسحاب اليابان من الجزيرة عام 1945 بسط البرتغاليون سيطرتهم على تيمور الشرقية من جديد، وفي عام 1945 بدأ الشعب التيموري نضاله ضد الاستعمار و استمر بذلك حتى عام 1974 عندما أطاحت ثورة القرنفل في البرتغال بالحكومة السابقة و أعلن النظام الجديد إطلاق الحريات المستعمرات ما وراء البحار بما فيها تيمور الشرقية.

وفي عام 1974 تأسست ثلاث أحزاب سياسية في تيمور هي الجبهة الثورية من الاستقلال، و الاتحاد الديمقراطي الذي ينادي بالاستقلال ضمن نظام برلماني غربي و الحفاظ على علاقاته مع البرتغال، و الرابطة الشعبية الديمقراطية التيمورية التي تطالب بانضمام تيمور إلى اندونيسيا.

وفي عام 1975 أعلنت أستراليا و اندونيسيا تأييدها عودة المستعمرة إلى السيادة الاندونيسية، أما البرتغال فقد أعلنت من جهتها أنها ستجري استفتاء شعبيا حول حق تقرير مصير هذه المستعمرة لكنها انسحبت دون أن تفعل ذلك.

وفي عام 1975 سيطرت الجبهة الثورية على معظم انحاء الجزيرة، لكنها اصطدمت بالقوات الاندونيسية التي بدأت بالتدخل تدريجيا ضد قوات الجبهة الثورية بحجة الاستجابة لمطالب الشعب التيموري الانضمام إلى اندونيسيا، و قد جرت معارك مطاحن بين الطرفية راح ضحيتها آلاف المدنيين.

وفي عام 1976 أعلنت اندونيسيا رسميا ضم تيمور الشرقية إليها لتصبح المقاطعة السابعة والعشرين، و قد أثار هذا الضم فيما بعد مشكلة دولية إذ لم يِؤيدها سوى عدد قليل من الدول الغربية وفي مقدمتها أستراليا و الولايات المتحدة الأمريكية، بيد أن مواقف هاتين الدولتين تغير تدريجيا على نحو سلبي.

وما أن اعلنت اندونيسيا ضمها لجزيرة تيمور عام 1975 حتى بدأت المقاومة المسلحة لهذا الضم إلى جانب المطالبة بالاستقلال و حق تقرير المصير.

وقد كانت هناك جملة متغيرات داخلية و خارجية تساند الاتجاه الاستقلالي لهذه الدرجة، فالاستعمار البرتغالي الذي استمر لفترة طويلة استطاع أن يزرع دولة مسيحية كاثوليكية داخل اندونيسيا ذات الغالبية المسلمة، و قد ساهمت مواجهة الحكومة الاندونيسية، لحركة التمرد و الانفصال التيمورية بالعنف و القوة المسلحة، إلى خلق حالة من صراع اجتماعي ممتد بين المسلمين و المسيحيين في هذا الإقليم أصبح من الصعب تجاوزه أو القضاء عليه.

أسباب انفصال تيمور الشرقية:  

تعرضت اندونيسيا لحركات انفصالية منذ استقلالها وهذا ناتج عن عدة عوامل تتمثل في:

  • عدم التجانس اللغوي والعرقي إضافة إلى الانقسام الطبقي في المجتمع التيموري الذي خلف أزمة في الهوية والثقافة لاسيما من قبل النخبة التيمورية السياسية.
  • تعتبر تيمور الشرقية أحد أكبر الجزر الإندونيسية التي يعمها التخلف والجهل بين سكانها وحياتهم بالغة البدائية.
  • ولا يمكن اغفال الدور الخارجي في تأجيج الأزمة والرغبة في الدعوى للانفصال وذلك حسب مصالح الدول الكبرى ( الولايات المتحدة الأمريكية، استراليا…).

ثالثا_ دور الأمم المتحدة في أزمة تيمور الشرقية:

وافق مجلس الأمن بالإجماع على نشر قـوة دولية متعددة الجنسيات في إقليم تيمور الشرقية لإعادة الأمن والاستقرار للإقليم باستخدام جميع الوسائل اللازمة والضـرورية وذلك وفقًا لمواد الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بالعقوبات الإلزامية هذا ويقدر حجم القوة الدولية بحوالي 8000 جندي منهم حوالى 4500 جنـدي أسـترالي ولهذا ترأست أستراليا القوة وشـاركت فيهـا بريطانيا وفرنسا ودول أسيوية أخرى، وأعلنت الولايات المتحدة أنها ستشارك بقوة رمزيـة  على أن يكون دورها معاونًـا فقط، أما اليابان فـأعلنت أنها ستقدم معاونات ماليـة للقـوة الدوليـة ومسـاعدات إنسـانية واقتصادية لتيمور الشرقية ورغم إعلان قائد القوة الدولية – الأسترالي – أن مهمة قواته سوف تكـون صـعبة بـدون معاونة القـوات الإندونيسـية إلا أن الأمـور سارت بعد ذلك في طريقها للتهدئة وانسـحبت القوات الإندونيسية بالتدريج في الوقت الـذى تدفقت فيه قوات الأمم المتحدة علـى تيمـور الشرقية.

المصادر والمراجع:

الجميلي سلمان علي. ، “حق تقرير المصير بين الفهم التقليدي المعاصر (دراسة حالة تيمور الشرقية)”، “مجلة الدراسات الدولية”، ع26، ب.س.ن، ص ص 109،110.

أحمد عادل، “ماليزيا وأندونيسيا: تطورات ما بعد الأزمة المالية في جنوب شرق آسيا”، ” مركز الحضارة للدراسات السياسية”، ب.س.ن.

فنجان الامارة، ابراهيم. كاظم هيلان محسن، “الاحتلال الاندونيسي لتيمور الشرقية أهم المواقف الدولية منه، “مجلة أبحاث البصرة”، مج37، ع1، 2012.

محمد العامري، ابتسام. “تيمور الشرقية دراسة في التطورات السياسية بعد الاستقلال”، “مجلة المستنصرية للدراسات العربية والدولية”، ع 52، ب.س.ن.

معين حسن، تغريد. “تيمور الشرقية دراسة في الجغرافيا السياسية”، “حولية المنتدى، جامعة الكوفة، كلية الآداب، ب.س.ن.

المصدر: الموسوعة السياسية