قراءة في كتاب بعنوان إكسير التنمية: جدلية التنمية والثقافة :أين الخلل؟ نحو تأصيل الثقافة العلمية في المجتمعات العربية
وليد عبد الحي

تمثل هذه الدراسة التي كتبها الباحث السعودي خضر محمد شعبان الشيباني عام 2016 فرع ” دراسات التنمية ” في المجتمع العربي، ويسعى الكاتب فيها لتحقيق اهداف ثلاثة : نقد أدبيات التنمية السائدة في العالم العربي،واقتراح نموذج تنموي بديل يقوم بشكل رئيسي على قاعدة ” الثقافة العلمية” ثم تحديد المتغيرات التي تساهم في انجاح النموذج البديل الذي يقدمه. والفكرة المركزية التي ينطلق منها الباحث هي أن أدبيات التنمية في مشاريع النهضة العربية انصرفت نحو العلوم الاجتماعية والانسانية وطغت عليها اللغة الانشائية والغرائزية، ويرى في ذلك نقطة الضعف المركزية. واستنادا لقناعة الكاتب بأن التقنية –لا سيما في العصر الحالي- هي المحرك الرئيسي للتنمية، فإنه يدعو الى جعل ” الثقافة العلمية التقنية هي نقطة الانطلاق والعمل على تكييف الدراسات الاجتماعية والانسانية مع نتائج الثقافة العلمية التقنية، ولتحقيق هذا الهدف يقترح الكاتب ردم الهوة الفاصلة بين المتخصصين في الميادين العلمية التطبيقية وبين الجمهور لتصبح الثقافة العلمية التقنية ثقافة مجتمعية بقدر يساهم في نقل المجتمع من ثقافة اللغة الانشائية إلى الثقافة العلمية الصارمة والمنضبطة.
واستنادا لمخرجات العلوم التطبيقية كالفيزياء،يرى الكاتب ان في الثقافة ثوابت ومتغيرات (على غرار سرعة الضوء الثابتة في النظرية النسبية من ناحية ومفهوم الزمكان الذي تتحدد ابعاده- الزمان والمكان – بناء على سرعة النظام بالنسبة للراصد من ناحية ثانية (ص.148)، ويرى ان الثوابت- او بُعد الأصالة- في الثقافة العربية هي ” الكتاب والسنة، بينما يمثل الاجتهاد-بُعد التراث- المتغير الذي يخضع لمفهوم النسبية الذي اطلقه اينشتاين(ص.149). وللجمع بين البعدين – التراث والحداثة او الاصالة والمعاصرة- يتكئ الكاتب على “القانون الصفري” المأخوذ من الديناميكا الحرارية(ص.164-165) ويمكن تطبيقه من خلال ” نموذج التوافق التنموي” الذي يقوم اساسا على “الفعل التنموي” الذي يشكل الجسم الجاذب للمتغيرات الأخرى ،وهي مسألة مرهونة بأولوية ” الحركة العلمية التقنية”.
ورغم التباين في بعض التفاصيل الخاصة بالفكرة المركزية في الكتاب- وهي الثقافة العلمية التقنية- عما ورد في الأدبيات العربية في هذا الموضوع، فإني لا أرى جديدا فيها خارج التفاصيل هذه، ولعل مراجعة ما أورده الكتاب عشرات المرات في ثنايا دراسته من اقتباسات عن عابد الجابري وزكي نجيب محمود ومالك بن نبي بشكل خاص –وغيرهم الكثير ممن وردت الاشارة لهم في الدراسة- مؤشر على ان الفكرة المركزية أي اولوية الثقافة العلمية التقنية ليست بجديدة ولا تشكل اضافة إلا في بعض تفاصيلها او التنبيه لبعض جوانبها بخاصة في تحليله لمجتمع المعرفة وشروطه الاجتماعية والثقافية وربطه كل ذلك بالمفاهيم المختلفة لموضوع الأمن والآليات التي تحقق هذا المجتمع مثل التعليم والإعلام والتعريب والنشر والترجمة وجعل كل ذلك باللغة العربية أو ما اسماه الشرط اللغوي(ص.251-263).
أنا اشاطر الباحث رأيه الذي بثه في هذا الكتاب وفي العشرات من مقالاته الصحفية في صحيفة ” المدينة السعودية بشكل خاص، لكني ارى أن الباحث اعاد صياغة ما قاله الآخرون مرارا وتكرارا ، ولا أجد ان ما اضافه يتجاوز الشرح والتفاصيل لبعض النقاط، مثل محاولته لفت النظر لنماذج غير غربية بهدف تقديم أطروحة لا تستند للنموذج الغربي وتكون أقرب في ملامحها الكبرى للمجتمع العربي( كالنموذج الياباني والهندي والصيني والماليزي) لكنه لم يقدم لنا أي جديد فيه سوى إعادة ما كتبه مسعود ضاهر عن اليابان وفي سطور قليلة( ص.154) وهو رأي يحتاج لمراجعة لو اتيح للكاتب ان يطلع على كتاب يتاول الموضوع بشكل اعمق مثل: Masayoshi Sugimoto and David l.Swain-Science and Culture in Traditional Japan,Tuttle publishing .2016 بخاصة الفصل الخامس منه وعنوانه ” The Shift from Traditional to Modern Science من صفحة 291 -352.
ما نخلص له ان الدراسة تنم عن جهد من ناحيتين الاولى تجميع ما كتبه الباحث في الصحف حول موضوعه ، وتأكيده على أولوية العلمية والتقنية في بناء ثقافة تجاري العصر وتخلص الثقافة العربية من الإنشائية والانفعال، لكن لا ارى أن ذلك يشكل إضافة لما هو متداول في عشرات الدراسات العربية بل تأكيد عليه لا أكثر ولا أقل.
يقع متن الكتاب في 389 صفحة موزعة على ثمانية فصول وفصل تاسع شكل خاتمة وعرضا لاهم الأفكار الواردة في الكتاب تحت عنوان ” جماع القول”. ويعمل الكاتب على تقصي طبيعة اشكالية التنمية واستجلاء سبل الخروج من مأزقها(ص.18) مشيرا لإغفال الحركة الثقافية العربية طبيعة الديناميكية العالمية في روح التنمية، ويرى في مقدمته ان الثقافة العلمية هي “القضية الغائبة” في الثقافة العربية(ص.23-25)،أما الفصل الأول(27-57)، والذي يعيد فيه طرح السؤال الشهير في الثقافة العربية(لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا) فيحاول فيه عرض وتحليل ونقد ثلاث مدارس عربية فكرية(ص.39-43، ويعود لها مرة أخرى في الفصل الرابع ص.132) وهي المدرسة التراثية الانعزالية والمدرسة الحداثية الانتهازية، والتوفيقية الاصلاحية، ويرى ان المشكلة في هذه المدارس هي في العجز عن الانتقال من عالم الأفكار إلى عالم الأفعال(ص.52). اما الفصل الثاني وعنوانه الثقافة :التعريف والرؤية(ص.59-97) فبعد عرض لبعض التعريفات للثقافة يعرفها الباحث بانها “المخزون المعرفي ومستودع قيم المجتمع واعرافه واحكامه ومعاييره ومفاهيمه ومعتقداته السائدة”(ص.64)، ويرى في كل ثقافة جوانب سلبية وأخرى ايجابية داعيا للتغلب على السلبية وتطوير الايجابية من ناحية مع الإشارة لثقافة النخبة وثقافة الجمهور التي يرى ان الفاصل بينهما يتآكل بفعل انتشار التعليم والإعلام(ص.71) لكنه يرى ان المثقف العربي ما زال منفصلا عن الجمهور بسبب ” النزعة الأكاديمية المفرطة”(ص.81). ويتوقف الباحث عند ظاهرة العولمة وأثرها، مشيرا إلى ان الخطاب العربي بقي خطابا سياسيا (ص.82) ويخلو من المنهج العلمي التجريبي(86)، داعيا للتنبه لكيفية تقارب النخبة العلمية الاوروبية مع الجمهور بتبسيط المفاهيم لخلق التوعية العلمية(93)، والكاتب في كل ذلك متأثر على ما يبدو بنظرية تشارلز سنو بخاصة في جانب العلاقة بين العلوم الطبيعية والعلوم الانسانية التي نجح الغرب في التقريب بينهما خلافا للثقافة العربية العاجزة عن ذلك(94). اما الفصل الثالث(99-103) تحت عنوان الثقافة العربية مصدر الازمة، يؤكد على غياب الثقافة العلمية في الثقافة العربية ، ويربط كل ذلك بمدى تجاوب الحالة العربية مع نظرية ” توينبي” التحدي والاستجابة(110)، وفي سياق عرضه للمدارس الثلاث التي اشرنا لها ليحدد مأزق الخطاب في هذه المدارس بأنه يتمثل في الخلط بين التراثي والأصيل والنزعة التبسيطية( مثل شعار الاسلام هو الحل) وانفصام التنظير عن الفعل ووهم امتلاك الحقيقة المطلقة.، لكنه يمرر عبارة بلا توضيح وهي أن ” الحداثة الغربية قامت على استخدام العقل والعلم والتقنية المنفصل عن القيم”(140) ثم يؤكد ان في الثقافة بعدين هما ” الثوابت ” و ” المتغيرات” وتتمثل الاولى في الكتاب والسنة والثانية في التراث بما فيه من اجتهادات(148)، مؤكدا على فكرته المركزية بان الثقافة العربية تخلو من “الثقافة العلمية التقنية” في بعديها التراثي والحداثي رغم أنها هي الكفيلة بجمع البعدين معا تنمويا وبفحصهما برؤية نقدية موضوعية(162-163).وفي فصله الخامس(العقل العربي والثقافة التنموية)(173-230) يناقش ثقافة المستقبل وقضايا التبعية ونسب الانفاق على البحث العلمي ونسبة العلماء ناقدا فكرة نقل التقنية مؤكدا على انتشار الثقافة العلمية من خلال المثقف “التنموي”المنفتح على المنهج العلمي والتجريبي(216) بل واعتبار التحدي العلمي التقني قضية ” جهاد”(228). وفي الفصل السادس: الثقافة العلمية وقود الثقافة التنموية(231-265) يطالب بجعل العلوم والتقنية”عادة للمواطن” عبر توظيف ما يسميه ” الطبيعة الاقتحامية للعلوم التقنية(243) مما سيؤدي إلى تراكم كمي يقود لتحول كيفي في المجتمع(245) لينتقل لتحليل مجتمع المعرفة من خلال عرض شروط تشكله الاجتماعية منها والثقافية والتفكير العلمي والعقلنة عبر التحليل المنضبط(251-263).في الفصل السابع (الثقافة العلمية:نظرة شاملة)(267-309)، يعرف الثقافة العلمية بأنها المعرفة العلمية والطبيعة الاستقصائية للعلوم والتفكير والتعليل المنطقي والتفاعل بين العلوم والتقنية وبين المجتمع)مضيفا الابعاد الاخلاقية، ثم يعالج مفاهيم الأمن المختلفة ليربطها بالامن العلمي .في الفصل الثامن :الطريق الى تعزيز الثقافة العلمية ، يحدد ذلك بالتعليم والاعلام والنشر العلمي والتأليف والترجمة، وينتهي في خاتمته لتلخيص ما ورد في دراسته مضيفا بعض المشكلات في موضوعه مثل هجرة الادمغة وقضايا المرأة والديمقراطية ودور التقنيات الحديثة في الربيع العربي وعلاقتها بموضوعه المركزي.
تعاني هذه الدراسة من عدد من المشكلات المنهجية اهمها:
1-التكرار: بدت الدراسة لي بأنها ” تجميع” لمقالات صحفية أو أفكار” وردت في هذه المقالات(بخاصة من صحيفة المدينة)، فقد تكرر كثير من الأفكار بخاصة حول بعض الموضوعات مثل اولوية الثقافة العلمية او وصف الادبيات العربية في هذا الجانب بأنها ” انفعالية وغرائزية او إنشائية..الخ) ، وهو امر وقع فيه الباحث نفسه بخاصة عند تقييم بعض ما كتبه الآخرون ، كما أنه كرر الملاحظة بشكل ممل، يكفي النظر في الصفحات التالية كمثال على التكرار: الصفحات 99-122(يمكن تلخيصها في 3 صفحات)،129- 130، 140،176-184،222…الخ، فكل هذه الصفحات تعيد نفس الفكرة التي سبق للباحث ان عرضها او اشار لها غير مرة في دراسته .
2-الاتكاء الواسع على أدبيات ثلاثة من الكتاب العرب هم الجابري وزكي نجيب محمود ومالك بن نبي، فهو يتفق معهم في أغلب ما ذكروه مع بعض خلاف في قضايا تفصيلية مع الجابري تحديدا ، وهو ما يجعل الباحث يقوم فقط “بشروح على متون” الثلاثة ليس إلا.
3-مشكلة التوثيق والإحالة للمراجع: طريقة الاحالة والتوثيق في هذه الدراسة طريقة فريدة لم يسبق لي ان واجهتها، فقد وضع الباحث قائمة بالمراجع في نهاية دراسته (غير مرتبة ابجديا) ثم وضع لكل مرجع رقما، وحيثما ورد اقتباس من المرجع في المتن وضع رقم الاحالة لتكون نفس رقم المرجع في القائمة، فمثلا كتاب الجابري اشكاليات الفكر العربي المعاصر وضع له رقم (1)،وحيثما ورد اقتباس منه وضع في المتن رقم (1) في كل مرة، فلا تسلسل في ارقام الاحالة في المتن في كل الكتاب او في كل فصل .
كذلك لا يشير الكاتب في أي من احالته لرقم الصفحة التي اقتبس منها، مما يجعل من العسير على القارئ تحري مدى دقة الاقتباس، واعتقد ان هذه الطريقة غير شائعة وفيها هنات كثيرة لا سيما في مجال تحري دقة الاقتباس.
اعتقد ان الفصول الثاني والسادس والثامن تؤدي المهمة المطلوبة لايصال فكرة الباحث ،وما الفصول الأخرى إلا دورانا وتكرارا في اغلبها لما ورد في هذه الفصول الثلاثة.