البدايات حضرت انسجامًا مع مقترحات لورنس التي قدمها تشرشل، وفي مقدمتها إنهاء حالة الخوف الناتج عن الحركة الصهيونية لدى جماهير شرق الأردن، الذي لا يمكن تبديده إلا بإصدار بيان سياسي رسمي ينص صراحة على استثناء شرقي الأردن من مواد صك الانتداب المتعلقة بالصهيونية، فقد أقرت عصبة الأمم في (22 تموز/ يوليو 1922) صك الانتداب على فلسطين وشرقي الأردن، كما قدمته الحكومة البريطانية، ونص الصك في المادة (25) على أنه يجوز للدولة المنتدبة أن تؤجل أو توقف تطبيق أية شروط تراها غير ملائمة للمناطق الواقعة إلى الشرق من نهر الأردن. فقدم اللورد بلفور، ممثل بريطانيا في عصبة الأمم بإيعاز من حكومته، لمجلس العصبة المنعقد في جنيف، مذكرة تفسيرية للمادة (25) من صك الانتداب بتاريخ (6 أيلول/ سبتمبر 1922)، ودعا مجلس العصبة إلى الموافقة على فرض الانتداب البريطاني على شرقي الأردن، واستثنائه من مواد صك الانتداب على فلسطين، المتعلقة بإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وصادق المجلس على مذكرة اللورد بلفور (16 أيلول/ سبتمبر 1922) وأصدر قراراً في (23 أيلول/ سبتمبر 1922) بهذا الشأن.

     بإقرار مجلس عصبة الأمم الـذي مثّل وقتذاك الشرعية الدولية، أخذت الحكومة البريطانية الشرعية الدولية لبرنامجها السياسي الخاص بشرقي الأردن وتمت له التغطية القانونية الدولية، ويؤشر ذلك على بدء عهد استقرار السياسة البريطانية في شرقي الأردن، خاصة وإن إقرار عصبة الأمم للانتداب على شرقي الأردن جاء في ظروف تشكّل بنية مؤسسات المجتمع المدني البدائي، وأصبح من العسير على الإدارة البريطانية أن تتراجع عن خططها بإقامة كيان سياسي أردني خاضع بالكامل للمركز الاستعماري.

    شكّل الانتداب على شرقي الأردن مقدمة لمرحلة استعمارية جديدة، رأى فيها الأردنيون استعماراً مباشراً لبلادهم، فتصدوا له ورفضوه، وأعلنوا الإضراب العام في (13 تموز/ يوليو 1922) لمدة يومين، وشمل الرفض كافة الأوساط الشعبية في البلاد.

    بعد أن ضمنت الإدارة البريطانية حصولها على الشرعية الدولية لانتدابها على شرقي الأردن، رأت حكومة الأمير عبدالله، ضرورة تحديد إطار العلاقة (الأردنية – البريطانية) الرسمية، بمعاهدة تتضمن اعتراف حكومة بريطانيا الرسمي بدولة الإمارة، لتحقيق عدة أهداف في مقدمتها حصول دولة الإمارة على شرعية الوجود من بريطانيا باعتبارها مهندسة وصانعة وحامية الدولة الجديدة. مع ضمان الدعم السياسي والمالي والعسكري البريطاني في وجه أية انتفاضات أو هبات محلية قد تعصف بالدولة الجديدة، وقد جاء هذا التوجه الحكومة الإمارة بعدد من انتفاضات محلية شكّلت صعوبات وتحديات كبيرة لدولة الإمارة والبرنامج السياسي البريطاني.

    كانت الخطوة الثانية بعد قرار عصبة الأمم في (23 أيلول/ سبتمبر 1922) القاضي باستثناء شرقي الأردن من أحكام وعد بلفور، الاعتراف البريطاني (باستقلال) الإمارة الأردنية، وفي هذا الإطار عقدت محادثات بين الطرفين في شهر (تشرين الأول/ أكتوبر عام 1922) في لندن أعلنت حكومة جلالة ملك بريطانيا في نهايتها للجانب الأردني التوكيد الشفوي “إن الحكومة البريطانية على استعداد للاعتراف بقيام إدارة مستقلة في شرقي الأردن، ذات حكومة دستورية، يرأسها أمير عربي، شريطة أن توافق عصبة الأمم على ذلك، وأن تكون بريطانيا في وضع يمكّنها من الوفاء بالتزاماتها الدولية فيها يتعلق بتلك المنطقة، وذلك عن طريق عقد اتفاقية القدس بين الأمير وممثل بريطانيا”.

    يبدو أن التوكيد جاء شفويًا عن قصد، ولم توافق الحكومة البريطانية على إعلانه رسميًا أو تقديمه خطيًا، لسبب يعود إلى رغبة بريطانيا في مسايرة فرنسا آنذاك، وحتى تأخذ الحكومة البريطانية الوقت الكافي لدراسة التوكيد، وخلق الظروف الملائمة لوضعه موضع التنفيذ، إذا ما رأت الحكومة صحة ذلك، ثم إن التوكيد الشفوي غير المعلن يعطي الإدارة البريطانية التي لم تستقر رؤيتها السياسية للمنطقة بعد، فرصه للتراجع عن ذلك إذا ما وُجد المعترضون.

   رأت الحكومة البريطانية ضرورة عقد معاهدة مع حكومة مستقلة، حتى تأخذ المعاهدة شكلها القانوني المعرف به دوليًا، فلا معنى قانوني لمعاهدة تبرمها حكومة غير مستقلة او شرعية، واستجابة لمصالحها الحيوية في المنطقة عزمت على الاعتراف الرسمي والعلني باستقلال دولة الإمارة، ليتسنى لها فرض سيطرتها القانونية المباشرة على البلاد، ولهذا جاء الاعتراف البريطاني باستقلال شرقي الأردن في (25 أيار/ مايو 1923)، بعد خمسة شهور من رفض الحكومة البريطانية الاعتراف الرسمي باستقلال البلاد كما رأينا قبل قليل، ويبدو ذلك واضحاً من تصريح الاعتراف الذي جاء فيه أن الحكومة البريطانية “تعترف بوجود حكومة مستقلة في شرقي الأردن برئاسة صاحب السمو الأمير عبدالله بن الحسين، شرط أن توافق جمعية الأمم على ذلك، وأن تكون حكومة شرقي الأردن دستورية، تمكّن حكومة جلالة الملك من القيام بتعهداتها الدولية فيما يتعلق بتلك البلاد، وذلك بواسطة اتفاق يعقد بين الحكومتين”. لهذا يمكن القول أن منح بريطانيا الاستقلال لدولة الامارة الأردنية جاء حلقة جديدة من حلقات فرض السيطرة الاستعمارية البريطانية المباشرة على البلاد بشكل يحترمه القانون الدولي والشرعية الدولية في ذلك الوقت، بهدف تحقيق المصالح الكولونيالية البريطانية في المنطقة، من جهة، ويطمئن جماهير البلاد بأن مفاعيل وعد بلفور لم تشمل بلادهم، وهو الأمر الذي خلق حالة احتقان سياسي في البلاد وعدم ثقة بالمخططات البريطانية في المنطقة.

     بإعلان الأمير عبد الله تأسيسه لإمارة شرقي الأردن، وضعت بريطانيا هذه المنطقة نصب عينيها بسعيها لاقتطاعها من الحجاز، واخضاعها لنفوذها، وذلك من خلال فرض الانتداب عليها وفقا لقرار عصبة الأمم الصادر عام 1923، وفازت بريطانيا بهذه المنطقة كجزء من الانتداب على فلسطين، لكن باستثنائها من وعد بلفور.

    ولأهمية الموقع الاستراتيجي لمنطقة شرقي الأردن، شرعت بريطانيا في ترسيم حدود هذه المنطقة، متخذة في ذلك عدة اعتبارات، لتشهد العلاقات الأردنية البريطانية منحى آخر بتوقيعها لمعاهدة 1928م، التي رسخت الهيمنة البريطانية على المنطقة.

-دوافع فرض الانتداب على شرقي الأردن

     لقد أقامت انجلترا امارة شرقي الأردن تحقيقًا لمآرب سياسية واستراتيجية تخصها من أهمها تأمين القطاع العربي في الطريق البري إلى الهند، فيما بين الخليج والبحر الأبيض المتوسط خاصة بعد أن أثبتت وسائل المواصلات السريعة أهمية الوطن العربي بالنسبة لاتصالات انجلترا بالهند، وأيضًا انشاء قاعدة لنفوذها السياسي والاستراتيجي في هذه المنطقة تشرف منها على بقية أجزاء الوطن العربي خاصة المشرقية، وخاصة بعد ظهور البترول وازدياد المصالح البريطانية في أقطار الوطن العربي. كما أن منطقة شرقي الأردن تعتبر منطقة حربية، ورغم عدم أهميتها، فإن بريطانيا لا تريد أن تراها تخضع لنفوذها دولة أخرى.

     أقر مؤتمر الصلح في باريس مبدأ وصاية  عصبة الأمم( ) على الشعوب المختلفة، وتضمن ميثاق العصبة الذي وقع في فرساي 28 حزيران/ يونيو 1919 نظام الانتداب، فنصت المادة الثانية والعشرون منه على “إن المستعمرات والأقطار التي قضت على نتائج الحرب الأخيرة بخروجها من سيادة الدول التي كانت تحكمها، والمأهولة بالشعوب، لا تزال غير قادرة على الوقوف منفردة في معترك الحياة الجديدة، يجب أن يطبق عليها المبدأ القائل بأن خير هذه الشعوب وتقدمها وديعة مقدسة في عنق الحضارة، فيجب أن تدرج في هذا الميثاق الضمانات للقيام بحق هذه الوديعة”، وتختلف صفة هذا الانتداب بحسب درجة الشعب في الرقي وموقع القطر الجغرافي، وأحواله الاقتصادية وغير ذلك من مثل هذه الأحوال( ). وفي مؤتمر سان ريمو 25 نيسان/ أبريل 1920، تم وضع العراق وفلسطين تحت الانتداب البريطاني دون أن يرد ذكر شرق الأردن في النص الرسمي لوقائع المؤتمر.

    في سنة 1922، أدمجت بريطانيا شرق الأردن في فلسطين في صك الانتداب الذي قدمته إلى مجلس جمعية الأمم الذي أقره يوم 24 تموز/ يوليو من نفس العام، فشملها الانتداب( ) البريطاني رسميًا، ولما كان صكه ينصّ على جعل فلسطين وطنًا قوميًا لليهود طبقًا لوعد بلفور، فقد أرسلت الحكومة البريطانية يوم 16 أيلول/ سبتمبر1922 مذكرة رسمية إلى جمعية الأمم باستثنائه من هذا الوعد طالبت فيها مجلس جمعية الأمم وفقًا لشروط المادة 25( ) من صك الانتداب لفلسطين أن يقرر “لا تطبق المواد الاتية من نظام الانتداب الفلسطيني في القطر المعروف بشرق الأردن الذي يشمل جميع المقاطعات الواقعة إلى شرق خط ممتد من نقطة واقعة على خليج العقبة على بعد ملين إلى غرب مدينة العقبة، مارًا بمنتصف وادي عربة، والبحر الميت، ونهر الأردن، حتى يلتقي بها هذا النهر، نهر اليرموك في منتصف هذا النهر حتى الحدود السورية”.

والمواد الملغاة هي الفقرة الثانية والثالثة من دباجة صك الانتداب، والمواد الثانية والرابعة والسادسة والسابعة، والجملة الثانية من الفقرتين الأولى والثانية من المادة 11، والمواد 13،14، 22، 23.

وفي تطبيق نظام الانتداب على شرقي الأردن تقوم حكومته بالأعمال التي تقوم بها حكومة فلسطين في فلسطين، بمراقبة الدولة المنتدبة. وتقبل حكومة جلالة الملك التبعة التي تقوم على عاتقها في تطبيق نظام الانتداب على شرقي الأردن، وتتكفل بأن الشروط التي توضع لإدارة ذلك القطر وفقا للمادة 25 لا تكون بأي وسيلة غير مطابقة لبقية شروط نظام الانتداب التي لم يشر عدم تطبيقها هذا القرار.

   ولم يتصور البريطانيون في بادئ الأمر شرق الأردن دولة منفصلة قائمة بذاتها، فقد فازت بريطانيا بهذه المنطقة كجزء من الانتداب على فلسطين، وكان وراء قرار فصل شرق الأردن عن فلسطين- الذي أخذ صيغة رسمية عام 1923م- اعتباران أساسيان هما، رغبة بريطانيا في قصر وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود على الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن. ورغبة بريطانيا في حصر طموحات الأمير عبدالله في منطقة تقع تحت السيطرة البريطانية.

    بفرض الانتداب على شرق الأردن، تمكنت بذلك السياسة البريطانية من خلق دولة، تؤلف حلقة في مواصلاتها بين البحر المتوسط والخليج العربي.

-مواجهة مشكلة الحدود

      اتجهت كل من فرنسا وبريطانيا فور تحملهما مسؤولية الانتداب في منطقة الشرق الأوسط، نحو خلق نمط جديد من الحدود، لم يكن معروفًا في هذه المنطقة من قبل، وهو النمط الذي يعتمد في الفصل بين كيان سياسي وآخر على الحدود، وليس على منطقة الحدود، بالرغم من أنّ النمط الأخير هو الأقرب من غيره إلى طبيعة المجتمعات الصحراوية التي تعتمد في حياتها الاقتصادية على التنقل والترحال وراء الماء والعشب.

     وقد أخذ ترتيب الحدود بين الانتدابين (البريطاني والفرنسي) في بلاد الشام فترة طويلة  ودخلت في ترسيمها اعتبارات متعددة، أعطت الأولوية لمصالح الدولتين الاستعماريتين، وكذلك لمتطلبات المشروع الصهيوني، أما السكان المحليون فقد أهملت مصالحهم وعلاقاتهم، وتطلعاتهم السياسية( ). ومن الحدود التي حاولت بريطانيا ترسيمها، حدود شرقي الأردن الشرقية، والغربية، والشمالية، والجنوبية التي تتمثل أساسًا في ضم العقبة ومعان.

    قبل أن نتحدث عن كيفية ضم معان والعقبة إلى إمارة شرقي الأردن، لابد لنا أن نشير إلى أنّ معان( ) كانت تتبع لواء الكرك، التابع لولاية سورية، وذلك قبل الثورة العربية، أما العقبة( )، فكانت تتبع المدينة المنورة التابع لولاية الحجاز بناء على أمر أصدره السلطان العثماني، عبد الحميد الثاني في عام 1892، وبعد سقوط الحكومة العربية في دمشق في 1920، قرر الشريف حسين ضم معان فعليًا إلى حكومته في الحجاز، وتم تنفيذ هذا المشروع بسهولة. وجاء دخول عبد الله بن الحسين إلى معان في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر1920. وربطها بإمارة شرق الأردن التابعة لمملكة الحجاز مؤكدًا أنه لم يخرج عنها، ذلك أن كل من شرق الأردن والحجاز تخضعان لسيادة الشريف حسين، وفي عام 1921 بدأت الحكومة البريطانية تفكر جديًا في ضم معان والعقبة إلى منطقة شرقي الأردن( )، حيث توجه لورانس في أيلول/ سبتمبر 1921، إلى الشريف حسين لإقناعه بضرورة عقد معاهدة حجازية بريطانية لتعديل الحدود بين الحجاز وشرق الأردن، لكنه فشل في مسعاه هذا، مما دفعه بالتوجه إلى عمان( ) في أوائل تشرين الثاني/ أكتوبر 1921 حيث دخل في مشاورات مع الأمير عبدالله، وطرح عليه ضرورة مد حدود إمارته جنوبًا لتضم العقبة ومعان بعد سلخها عن الحجاز( ). وجاء ضم معان والعقبة لإمارة شرق الأردن إبان زيارة الحسين لهذه المنطقة عام 1924، إذ ناقش عبدالله والده للتنازل عن معان والعقبة لإمارته مادام أنه تابع له.

      في يوم 18 آزار/ مارس 1924، أعلن الملك حسين تنازله عن إدارة العقبة ومعان الداخلتين في مملكة الحجاز إلى نجله الأمير عبدالله، فضمهما إلى بعضهما، وأنشأ منهما ولاية جعل معان مقرها( )، وألحقت هذه المقاطعة رسميُا بحكومة عمان في شهر تموز/ يوليو 1925، فقد تنازل الملك علي عنها إبان الحرب (الحجازية- النجدية) سنة 1924- 1925 بمعاهدة عقدت بجدة يوم 5 حزيران/ يونيو 1925، ونصها تقرر بين جلالة الملك علي وسمو الأمير عبد الله ما يلي: “التصريح بسلامة الشرق العربي. ولا يجري تسليم المنطقة إلا بعد تشريف جلالة الملك حسين لجدة. لا يجري التسليم إلا بعد صدور الأمر منه لموظفي ولاية معان. وعدم التعرض لناقلات الحجاز الحربة مطلقًا. والسماح للحكومة الحجازية بنقل جندها ومعداتها إلى أي محل تريد قبل التسليم وبعده.

     أما فيما يخص الحدود (الأردنية- النجدية)، فقد مثلت التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها شبه الجزيرة العربية خلال الربع الأول من القرن العشرين الدافع الرئيسي لضرورة طرح قضية الحدود على بساط البحث، ولإعطائها أولوية خاصة على حساب القضايا الأخرى، لذلك ترجمت الرغبة البريطانية في عقد لقاء يجمع ممثلي جميع الأطراف في المنطقة في مؤتمر خاص لترتيب وترسيم الحدود، سمي بمؤتمر الكويت الذي عقدت أولى جلساته يوم 17 كانون الأول/ ديسمبر 1923، وقد طرحت خلاله ثلاث رؤى وتصورات حول الحدود (الأردنية – النجدية) مثلت الأطراف صاحبة العلاقة، ويمكننا تحديدها كما يلي:

-كانت الرؤية البريطانية تتفق مع مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وذلك بخلق معبر بري بين رأس الخليج العربي، والبحر الأحمر، فالبحر المتوسط، بحيث تكون الحدود (الأردنية- النجدية) على أن تتخلى إمارة شرقي الأردن عن جزء كبير من وادي السرحان، مقابل ضمها الكاف إلى نجد( ). وعرضت الحكومة الأردنية تصورها لحدودها مع نجد خلال الجلسة الثامنة من جلسات  المؤتمر التي عقدت يوم 23 كانون الأول/ ديسمبر1923، حيث طالبت الأردن بأن تكون الحدود بين البلدين حسب الحدود القديمة التي أقرت بموجب المعاهدة التي تم التوقيع عليها في 18 تموز/ يوليو 1916 بين حكومتي نجد وبريطانيا، وذلك بتخلي الحكومة النجدية عن الجوف والسكاكا وملحقاتها للأمير نوري الشعلان، لتكون تلك إمارة مستقلة تحت إشراف إمارة شرقي الأردن.

     أما الوفد النجدي فقد قدم احتجاجًا، ورفض النظر في مطلب شرقي الأردن، أي رفض التنازل عن الجوف والسكاكا وملحقاتها، وطالب بأن يتكلم الوفد الأردني باسم حكومته فقط، على أن يتم تحديد نقاط الخلاف مع نجد، وفي 29 كانون الأول/ ديسمبر1923 وخلال الجلسة التاسعة من المؤتمر عرضت نجد رؤيتها وتصوراتها لخط الحدود وطالبت بما يلي:

-على قوات شرقي الأردن اخلاء المناطق التي تسيطر عليها في وادي السرحان والجوف، التي كانتا تابعتين لنجد منذ أيام الدولة السعودية الأولى، على أن يكون أساس الاتفاق مع إمارة شرق الأردن عدم اتصالها بالعراق لضرورات أمنية واقتصادية بالنسبة لتجارة نجد، وتتعهد العشائر التي تتبع لكلا الطرفين عدم اجتياز خط الحدود، وإلا يطبق عليها قانون شرقي الأردن، وهكذا فإن الرؤية النجدية للحدود كانت تعني قطع الامتداد المتكامل للمناطق الخاضعة للنفوذ والسيطرة البريطانية.

     وانتهى المؤتمر بالفشل، وبقيت مسألة وادي السرحان معلقة، وحذر فليبي من مأساة ستلحق بالسياسة البريطانية إن هي تركت الأمور على ماهي عليه، فقررت الحكومة البريطانية التحرك بسرعة لإجراء مفاوضات مع عبد العزيز آل سعود، حول قضايا الحدود (النجدية- الأردنية)، فقد ظهرت مخاوف في لندن مفادها أن تسوية الحدود (النجدية – الأردنية) صارت مهمة وعاجلة، ويجب أن تتم قبل أن يستسلم باقي الحجاز لعبد العزيز، فقد يفكر عبد العزيز في تسوية الحدود الشمالية عن طريق السيف، ويضع بريطانيا في موقف حرج، وبدأت المفاوضات الأنجلو- سعودية في 11 تشرين الأول/ أكتوبر1924، واستمرت ثلاث أسابيع، اعترفت بريطانيا لعبد العزيز بالسيطرة على وادي السرحان حتى الكاف، كما وافقت على تسهيل انتقال قوافل نجد التجارية من سوريا واليها –عبر شرق الأردن- في حماية بريطانيا، فقد نص على ذلك بتسوية شاملة عرفت باسم اتفاق جدة الموقع في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر1925.

     واستطاع كل من عبد العزيز وبريطانيا أن يحققا أهدافهما الأصلية، فقد ضمنت بريطانيا الامتداد العراقي الأردني، كما ضمن عبد العزيز وصول قوافله التجارية إلى الشّام، وفوق ذلك ملك كل وادي السرحان حتى الكاف، ونصت المعاهدة أيضًا على منع تحصين أطراف الوادي من الجانبين، وأن يمنع الاخوان من مهاجمة شرق الأردن مقابل أن يمتنع الانجليز من تحصين قصر الأزرق في أقصى شمال الوادي، وبذلك أصبح عبور الوادي عند خط الحدود مسألة ممنوعة قانونًا لأول مرة في التاريخ.

حدود شرقي الأردن مع فلسطين

     تعينت بموجب القانون الفلسطيني المؤرخ في الأول من أيلول/ سبتمبر1922، وجاء فيه أن هذه الحدود تبدأ من “خط ممتدة من نقطة واقعة على خليج العقبة على بعد ملين إلى الغرب من بلدة العقبة، ويمر بمنتصف وادي عربة والبحر الميت ونهر الأردن حتى النقطة التي يلتقي فيها هذا النهر بنهر اليرموك، فمنتصف هذا النهر حتى الحدود السورية”، وصادق مجلس عصبة الأمم على هذه الحدود في 23 كانون الثاني/ يناير 1923.

 الحدود (الأردنية – اللبنانية)

     لقد ادت الظروف بعد انتهاء الثورة السورية سنة 1927 إلى اعادة فتح الحوار بين سلطة الانتداب البريطاني والفرنسي حول ترسيم الحدود بين جبل الدروز وإمارة شرقي الأردن. وبعد مفاوضات بين الطرفين تم التوصل إلى عقد معاهدة لترسيم الحدود بين الطرفين بتاريخ 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1931، وقد قوبلت المعاهدة باستياء كبير في الجبل، وعده الدروز اجحافا في حقهم، فساد الغضب في القرى الجنوبية، وتركز خلافهم حول الرعي وملكية الأراضي التي أصبحت من نصيب إمارة شرق الأردن.

معاهدة شباط/ فبراير 1928

    إنّ اجتماع المندوب السامي البريطاني في فلسطين هيربرت صامويل بوجهاء شرقي الأردن في السلط، واجتماع نائبه سمرست مع وجهاء منطقة عجلون( ) وما تضمنته تلك الاجتماعات من تفاهمات شكلت بمجملها اعترافًا صريحًا طوعيًا من سكان المنطقة بالانتداب، وبالتنازل عن فكرة الاستقلال. كما أنّ اتفاق الأمير عبدالله مع تشرشل في القدس 28 آزار/ مارس 1921، كان اتفاقًا شفويًا مرحليًا مؤقتًا مبنيًا بالأساس على قبول الانتداب، حتى قبل أن تتم صياغة الصك، وقبل أن تقره عصبة الأمم، ولاحقًا استثنيت منطقة شرق الأردن من أحكام وعد بلفور الواردة في صك الانتداب على فلسطين في 24 تموز/ يوليو 1922، مما يعني جهود الأمير عبدالله في ذلك الوقت انصبت على الاستقلال عن الإدارة البريطانية في فلسطين كخطوة أولى، ففكرة الاستقلال بالنسبة لسكان منطقة شرقي الأردن عمومًا كانت تعني الاستقلال عن الإدارة الفلسطينية وليس التحرر من التدخل الأجنبي.

     في أعقاب هذا الاعلان، عزم الأمير عبد الله على إجراء مفاوضات مع بريطانيا، بقصد الحصول على اعترافها الرسمي باستقلال الإمارة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر1922، وجرت مفاوضات بين الطرفين. وقدمت بريطانيا المقترحات التي يمكن بموجبها عقد معاهدة مع شرق الأردن، ورغم موافقة الأمير عبدالله عليها، إلاّ أنّه لم يتحقق الاعتراف الرسمي البريطاني إلا في سنة 1923، عندما أعلن صامويل استعداد بريطانيا للاعتراف باستقلال شرق الأردن بقيادة الأمير عبدالله بن الحسين، شريطة موافقة عصبة الأمم على ذلك، وأن تكون حكومة شرق الأردن حكومة دستورية تمكن الحكومة البريطانية من القيام بتعهداتها الدولية فيما يتعلق بتلك البلاد، وذلك بواسطة اتفاق يعقد بين الحكومتين.

      في 20 شباط/ فبراير 1928، عقدت الحكومة الأردنية معاهدة مع الحكومة البريطانية، وكان عن الجانب البريطاني الفيلد مارشال اللورد بلومير، وعن الجانب الأردني حسن خالد باشا أبو الهدى، وقد قيدت هذه المعاهدة الأردن بقيود ثقيلة، وجعلت الأمور الحساسة في أيدي الانجليز، منها الشؤون الخارجية والرقابة الاقتصادية، والشؤون القضائية، كما جعلت لهم حق الاحتفاظ بقوات عسكرية كافية للدفاع عن الأردن.

      بتاريخ 26 آزار/ مارس 1928، نشر نص المعاهدة البريطانية من قبل اللورد بلومير، وحسن خالد باشا، وفي 19 نيسان/ أبريل 1928 نشر القانون الأساسي لشرق الأردن، وبعدئذ أصدر قانون انتخاب أعضاء المجلس التشريعي( ). وتكونت هذه المعاهدة من أربعة نسخ، واشتملت على 21 مادة، وصيغت باللغة العربية والانجليزية، وتم توقيع هذه المعاهدة في القدس، حيث اشترطت تقديم النص الانجليزي على النص العربي( ).

تضمنت بنود المعاهدة ما يلي:

-مسألة الدستور، فقد وضعت بريطانيا شرطًا لنفاذ المعاهدة الأردنية، وفي مقدمتها بأن تكون حكومة الأمير دستورية بموجب قانون أساسي، وأكدت ذلك في المادة الثانية من المعاهدة، وأن نفاذ هذه المعاهدة رهن بموافقة الحكومة الدستورية، تلك التي اعتبرتها مؤقتة إلى حين مصادقتها على الاتفاقية.

-أما العلاقات الخارجية، فقد اشترطت المعاهدة على أن يسترشد الأمير بالمعتمد البريطاني في جميع الأمور المتعلقة بصلات شرق الأردن الخارجية، وفي جميع الالتزامات والمصالح المالية والدولية، واشترطت على الأمير الرجوع إلى مشورة بريطانيا فيما يتعلق بإصدار أي قانون يتولى فيه الأمير السيادة على قطر خارج عن شرقي الأردن، ولم تشر المعاهدة إلى قضية تمثيل الأردن في الخارج أو آلية قبول اعتماد السفراء والممثلين الأجانب، فقط أشارت المعاهدة على حق الأمير في اتخاذ التدابير لإقامة الممثلين الأجانب( ).

-في الشأن المالي والاداري، فنصت المعاهدة على أن نفقات الحكومة المدنية، والادارة، ومرتبات المعتمد البريطاني وموظفيه، ومحل اقامتهم تتحملها شرقي الأردن كاملة، وتعهد الأمير بأن لا يقوم بتغيير طريقة الرقابة على الأموال العامة بدون موافقة بريطانيا، وأن تشرف بريطانيا على الاستثمارات والموارد الطبيعية و السكك الحديدية في شرقي الأردن، كما نصت المعاهدة على عدم وجود حاجز جمركي بين شرقي الأردن و فلسطين( ).

-فيما يخص القوات المسلحة والدفاع، فقد تعهدت بريطانيا بالاحتفاظ بقوات مسلحة في شرقي الأردن، كما يمكن لها أن تنشئ وتنظم وتراقب قوات مسلحة في شرق الأردن، تكون في رأيها ضرورية للدفاع عن البلاد، وأن يوافق صاحب السمو الأمير على أن لا ينشئ ولا يحتفظ في شرق الأردن بأي قوات عسكرية من غير موافقة الحكومة البريطانية( ).

كان لهذه المعاهدة جوانب سلبية أهمها( ):

-خضوع جميع القوانين والأنظمة لموافقة بريطانيا.

-خضوع ميزانية شرق الأردن لرقابة بريطانيا.

-احتفاظ بريطانيا بالقوات المسلحة لها في شرق الأردن.

-أن تكون بريطانيا مسؤولة عن الصلات الخارجية لشرق الأردن( ).

     وبالتالي كانت النتيجة مخيبة لآمال معظم اولئك الذين سبق أن جرى ايهامهم بأن من شأن أي اتفاقية مع بريطانيا أن تعني الاستقلال، غير أن الاتفاقية قامت بدلًا من ذلك بتفصيل حقوق بريطانيا وواجباتها في شرق الأردن، وكانت هذه الحقوق واسعت الآن ذات علاقة بالشؤن الخارجية والقوات المسلحة، والاتصالات، ومالية الدولة، بينما لم يرد أي ذكر صريح لشرق الأردن في نص الاتفاقية، فضلا عن أن بريطانيا ظلت ممسكة بدفة سائر الفعاليات الحكومية الحاسمة، كما بقي شرق الأردن مسؤولا عن تغطية نفقات المقيم البريطاني، وجهازه، وفي المقابل ما حصلت عليه شرق الأردن  كان متمثلًا في استمرار الدعم المالي السنوي من جانب بريطانيا( ).

   هنا بريطانيا استخفت بقوى البلاد وطاقاتها، فلم يكن من الصحف العربية جميعا إلا أن أعلنت سخطها على هذا الاستسلام، وعلى الانتقاص من حقوق الوزراء العرب وسلطاتهم، فاشتعلت نيران الاضطراب والاضرابات، وحاولت بريطانيا أن تخمدها بقنابل الطائرات، أضف إلى ذلك أن الدستور الذي فرض على الأمير في نيسان/ أبريل لم يمنحه هو، ولم يمنح شعبه أيما حقوق بالنسبة إلى بريطانيا، ومن هنا أستهدف لمقاومة عامة.

-نضال الإمارة السياسي بين الحربين

      تعتبر معاهدة شباط/ فبراير 1928 نقطة تحول هامة في مسار الحياة السياسية شرق الأردن، حيث بدأت تظهر في الأفق شخصيات وزعماء طالبوا بإلغاء المعاهدة وإنهاء الانتداب، معبرين عن سخطهم من خلال عقد المؤتمرات وتأسيس الأحزاب السياسية خلال فترة ما بين الحربين، ليأخذ منحى آخر خلال الحرب العالمية الثانية، متأثرين بالظروف المحلية والاقليمية والدولية، لينتهي بهم المطاف إلى توقيع معاهدة 1946 واعلان الاستقلال( ).

       إن ابرام المعاهدة الأردنية البريطانية في 20 شباط/ فبراير 1928م، كان نقطة تحول هامة في تاريخ الحياة السياسية في شرق الأردن، اذ لم يكتف المواطنون بالتعبير عن سخطهم عليها بالمظاهرات التي عمت المدن، أو ببرقيات الاحتجاج التي أمطروا بها الجهات المسؤولة في عمان، بل تنادى زعماؤهم ومثقفوهم إلى عقد أول مؤتمر وطني للنظر في بنود المعاهدة، والاتفاق على خطة للعمل السياسي المقبل( )، فعقد المؤتمر في عمان في 25 تموز/ يوليو 1928، حيث حضره 120 مندوب واستمر لمدة أربعة أيام، وتمحور الحوار داخل المؤتمر حول المعاهدة البريطانية الأردنية، وكذلك حول وعد بلفور، وبعد مناقشات أصدر المؤتمر بيانًا وطنيًا تضمن المبادئ الأساسية للحكومة الأردنية، ومن هذه المبادئ والأسس أن “إمارة شرق الأردن دولة عربية مستقلة ذات سيادة بحدودها الطبيعية. تدار بلاد شرقي الأردن بحكومة دستورية مستقلة برئاسة الأمير عبد الله. ولا تعترف بلاد شرقي الأردن بمبدأ الانتداب الا كمساعدة فنية لصالح البلاد. واعتبار وعد بلفور القائل بإنشاء وطن يهودي بفلسطين مخالفًا لعهود بريطانيا وتصرفًا مضادًا للشرائع الدينية والمدنية في العالم. وترفض إمارة شرق الأردن نفقات أي قوة احتلال أجنبية.

    وقد شكل هذا الميثاق قاعدة وطنية للبلاد برئاسة حسين الطراونة( ) الذي سلم نسخة منه للأمير عبدالله الذي أحالها إلى المندوب البريطاني، هذا الأخير الذي قام بعقد لقاء مع رئيس المؤتمر الوطني حسين الطراونة، لكنه لم يسفر عن شيء، مما دفع قيادة المؤتمر إلى الاستمرار والنشاط لنشر مقررات المؤتمر، الأمر الذي أثار غضب الحكومة الأردنية برئاسة حسن خالد أبو الهدى( ) الذي قام بإبعاد حسين الطراونة، واتخذ اجراءات تعسفية وقمعية بحق قيادات المؤتمر، حيث اعتقلت عددًا منهم، وفرضت الاقامة الجبرية على البعض الاخر( ). ومن ذلك نرى أن الشعب الأردني لم يكن في مواجهة مع الاستعمار فقط بل كان يواجه الحكومة التي فرضها الاستعمار.

   وعقدت اللجنة التنفيذية مؤتمرها الثاني يوم 11 آزار/ مارس 1929 في عمان، حيث خرجت بعدة قرارات أهمها، “رفض الأردنيين لمشروع المعاهدة لمخالفته اماني البلاد القومية وميثاقها الوطني، ووعود انجلترا الخاصة للعرب، وأن المجلس التشريعي لا يمثل بلاد شرق الأردن في شيء، ومقرراته لا تعبر عن رغائب الأمة ولا تلزم البلاد في شيء، بل تعتبر جزء من اجراءات التسلط البريطاني غير المشروع. وتحمل الحكومة البريطانية مسؤولية التقهقر الواقع في هذه البلاد من حيث التشريع والادارة والجباية المرهقة للفلاح الأردني، حتى أصبحت شرق الأردن في موقف محزن من التقهقر الاقتصادي والاجتماعي لا يسعها السكوت عليه”.

      وفي 25 أيار/ مايو 1930 تم عقد المؤتمر الوطني الثالث في اربد، حيث طالب فيه المؤتمرون بتحدي الانتداب القائم عليهم وعدم مشروعيته، وأجمعوا على أهمية الوحدة العربية، وأن فلسطين وشرق الأردن جزآن من بلاد الشام، وأن البلاد العربية وحدة لا تتجزأ برغم المطامع الاستعمارية، وأصدر هذا المؤتمر بيانًا تضمن مجموعة من المطالب أهمها، “الدعوة إلى تشكيل حكومة دستورية مسؤولة أمام المجلس النيابي. وعدم الاعتراف بالمجلس التشريعي الذي ألفته الحكومة. كذلك عدم الاعتراف بأي حكومة غير نيابية. والدعوة إلى عقد مؤتمر رابع إذا لم تنفذ هذه القرارات”.

    خلال هذا المؤتمر ظهر انقسام بين أعضاء حزب اللجنة التنفيذية حيث أن بعض أعضاء الحزب رفضوا التوقيع على قرارات المؤتمر، وعلى اثري هذا الانقسام تم انشاء حزب جديد ينافس حزب اللجنة التنفيذية الذي أصبح يشكل حزب المعارضة، وهو الحزب الحر المعتدل الموالي للحكومة بتاريخ 20 تموز/ يوليو 1930، وفي هذا الاطار تدخل الأمير عبدالله وحاول اجراء صلح بين أعضاء اللجنة التنفيذية والحزب الحر المعتدل، وقد تكللت هذه المحاولة بالنجاح.

    وتتابعت المؤتمرات بعد ذلك، وأخرها مؤتمر عمان الخامس المعقود يوم 5 جزيران/ يونيو 1933، من دون أن تغير أو تبدل شيئًا من الوضع الراهن، وقد أبدت الحكومة البريطانية أن توافق على تعديل المعاهدة وازالة ما فيها من غبن رغم طلب الحكومة نفسها للتعديل.

     أما فيما يخص الأحزاب السياسية، فكان حزب الاستقلال العربي أول حزب سياسي في الأردن، تأسس عام 1919، وهو يشكل امتدادا للجمعية العربية الفتاة التي أنشأها أيام الحكم العثماني، وهذا الحزب من الأحزاب القومية العربية التي شاركت الشريف حسين في ثورته على الدولة العثمانية، لذلك التحق أعضاؤه بخدمة الأمير عبدالله عندما قدم إلى الأردن، من أبرز اعضائه عوني عبد الهادي ورشيد طليع.

    وقد كان الحزب عبارة عن خليط من عرب الشام الذين فكروا في جعل الأردن قاعدة لتحرير سوريا من الاستعمار الفرنسي، مما جعل الحكومة البريطانية تقوم بمهاجمة الحزب وتشتيت أعضائه، وتم تصفيته سنة 1924 على يد رئيس الوزراء علي رضا الركابي( ). كما تأسس عام 1921 حزب العهد العربي في دمشق، والذي كانت أبرز شعاراته استقلال جميع البلاد العربية تحت ادارة الشريف حسين، نقل مقره من دمشق إلى عمان في نفس السنة، دعمته الحكومة البريطانية لتضرب به حزب الشعب( ). كما تكون في شرق الأردن عام 1927 حزب الشعب، الذي كان يهدف إلى السعي من أجل استقلال البلاد وتحسين الأوضاع الاقتصادية، ونشر التعليم، وصيانة الحريات الفردية.

   ويعتبر المؤرخون هذا الحزب أول حزب سياسي أردني، وقد كان للحزب دور فاعل في مقاومة السياسة التي انتهجها حسن أبو الهدى في موالاتها واستسلامها لسلطات الانتداب، كما عارض بشدة المعاهدة الأردنية البريطانية عام 1928، واندمج هذا الحزب عام1930 مع اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني، وهذا يعني أنه كان يشكل حزبًا معارضًا للحكومة( ). وكان قد تشكل الحزب الحر المعتدل في 24 حزيران/ يونيو 1930 من شيوخ العشائر في الكرك المنافسين لحسين الطراونة. وكان زعيم هذا الحزب رفيفان المجالي( ). كما تألف حزب التضامن الأردني في 24 آزار/ مارس 1933، فضم شبابًا من الأردنيين المثقفين( )، وتمثلت أهدافه في الدفاع عن الأردنيين وتوثيق الصلات بينهم وتهيئتهم لمتطلبات العصر الحديث.

       وكان رد فعل الحكومة الأردنية على هذا النشاط السياسي أن شددت قبضتها على زعماء المعارضة، فسنت قانون الاجتماعات العامة في 4 أيلول/ سبتمبر 1933 الذي نص على “ألا يعقد بشرق الأردن اجتماع عام إلا بترخيص من المجلس التنفيذي”. وبلغ الاضطهاد الساسي ذروته بإصدار قانون الدفاع عن شرق الأردن في 21 كانون الثاني/ يناير 1935، ويعمل به عندما يحدث طارئ عام يقتضي الدفاع عن البلاد ويمس بالأمن العام، وبسلامة القوات البريطانية الموجودة بشرق الأردن.

    وأخذت النوادي ذات الأهداف السياسية تظهر إلى حيز الوجود، إلا أن السلطة أغلقتها، وأصدرت الحكومة قانون الجمعيات في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 1936 الذي يشترط أن تكون مبادئ كل جمعية أو ناد غير مخالف لأحكام القوانين والأنظمة الأردنية، أو مغايرة للآداب العامة، أومن شأنها الاخلال بالأمن والنظام والطمأنينة العامة، أو المساس بالكيان العام ووحدة الدولة.

-النضال السياسي خلال الحرب العالمية الثانية

         خلال الحرب العالمية الثانية، قامت الحكومة الأردنية باتخاذ تدابير أمنية مشددة، فأصدرت قانون الدفاع عن شرق الأردن في آب/ أغسطس 1939، واشتدت رقابة الحكومة على الحريات العامة، و لم يكن يسمح للمواطنين بالاستماع إلا إلى ثلاث محطات إذاعية وهي: لندن، القدس، والقاهرة.

    كما أصدرت سبعة أنظمة دفاع لعام 1939، ظلت البلاد تحكم بموجبها طوال فترة الحرب. أما المعارضة الأردنية في المنفى فقد انضمت إلى صفوف المعارضة الفلسطينية، واتصلت بدول المحور أملًا في التخلص من السيطرة البريطانية على البلاد، أما المعارضة الداخلية فكان نشاطها قوميًا إلى أبعد حد، حيث وقفت شرقي الأردن بحكم خصوصية علاقتها مع فلسطين مع الأماني العربية لشعب فلسطين، وضد المطامع الصهيونية، ومن ثم نادت القوى الوطنية الأردنية لإيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وعدم امتداد هذه الهجرة إلى أراضي الأردن، بل وشارك أبناء الشعب الأردني بالمظاهرات تأييدا لثورات الفلسطينيين.

     وقد برهن المناضلون عن حماسهم ضد الاستعمار البريطاني عندما اجتازوا الحدود الأردنية الفلسطينية ليشاركوا عرب فلسطين في مواجهتهم الانجليز، وكانت فصائل الثوار المتمركزة في جبال عجلون تهاجم النقليات البريطانية، وتقطع المواصلات التليفونية، وتقوم بهجمات على خط أنابيب البترول التابع لشركة نفط العراق، وأيد جميع سكان شرق الأردن أعمال الثورة النضالية.

       في سنة 1939م، حل إلك كيراكبرايد مكان كوكس، وفي هذه السنة شكل أبو الهدى أول وزارة أردنية، وفي هذه الأوضاع خاف الانجليز من امتداد الثورة الفلسطينية الكبرى التي مازالت تتفاعل تأثيراتها في جميع أنحاء البلاد العربية، فقررت السلطات البريطانية زيادة عدد أفراد الجيش الأردني وخاصة قوات البادية، لكي تستطيع مواجهة كل الاحتمالات.