بكل بساطة لقد نَطق الباطل لينصر الحق، صفقة علا بها أهل الباطل بأصواتهم فأمعنوا في توضيح هشاشتهم وحماقتهم وأنانيَّتهم. نعم فالباطل ذليلٌ مهما استكبر وخسيس مهما ادَّعى التنوُّر. فعدالتهم الزائفة مُنحازة لمصالحهم، ومسرحية حداثتهم البغيضة تتوقف عند أطماعهم.
أرأيتم كيف خدمونا وعلى الهواء مباشرة وهم يقولون للعالم نحن الظلَّام والمحتلون والمستبدون والوقحون وهم المظلومون والمستضعفون والمغلوبون على أمرهم. فأضعفوا حُجَجهم الواهية أصلا، ولم ولن يجنوا من صفقتهم تلك إلا المزيد من الخسران والضياع والعزلة والتسفيه واللوم والحسرة والخوف والندم والإنكسار والهزيمة بإذن العزيز الجليل. 
صفقة ذكِّرت المسلمين بمدى طغيانهم وعادت بهم عند قضيِّتهم الأولى، ذكرتنا بتعدِّيهم وجُرأَتهم ووقاحتهم وخساسة أحلامهم. ذكرتنا بحقنا المُغتصب وجرحنا الملتهب وواجبنا المرتَقب. ذكرتنا بأرضنا وشهدائنا وأسرانا ونضالنا، ذكرتنا وعرفتنا بالخائنين والمتواطئين والجبناء والحاقدين.
ولعمري إنَّ هذا لمِصْداقُ قولِه تعالى {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر : 2] فكل التضحيات الجِسام التي بذلوها ومليارات الأموال التي صرفوها والليالي العجاف التي عاشوها بالرعب والمهانة والذل والإستكانة، قد هدموها بلحظة واحدة. وهم يصفقون ويبتسمون ويتفاخرون ويهددون ويتباهون ويستعرضون، وما علموا أن الباطل كلما علا واستحكم كلما انفضح وتصاغر وتبكَّم.
مهلا أيها المبتسمون فاستكبار الباطل الواهم ستدفعون ثمنه بمزيد من الأجيال الواعية التي لم تعش انكسار أهلِ الحق ولكنها تشهد انكسار الباطل وذلَّته، ووضوح ضعفه وشوكته، وقلة عقله وبشاعة منظره وصغارة أساليبه وحتمية عاقبته.
فشكرا وألف شكرا لمنبركم الذي أعطى درسا عظيما لأجيالنا الفتية لن تنساه أبدا. 
شكرا لكم فلم تزيدوا حلفائكم إلا مزيدا من الذل والصغار ولم تقدموا لجيوشكم إلا مزيدا من الذعر والإنهيار ولشعوبكم إلا مزيدا من الرهبة والإنكسار ولسمعتكم إلا مزيدا من المهانة والإستحقار. 
فمن ذا الذي كان بإمكانه فضح باطلكم مثلما فعلتم، ومن ذا الذي كان بإمكانه إعطاء العالم أجمع وعلى الملأ وثيقة تؤكد ظلمكم وحماقتكم واستكباركم وتجبركم وتسلطكم ووقاحتكم وأخلاقكم البهيمية النَّتِنة.
شكرا لكم لقد زدتمونا استبشارا، وحملتم عنا أسفارا، وخدمتم قضيتنا جهارا نهارا. 
لقد زدتم داعمي قضيتنا العادلة عددا وحجة وصلابة وإقداما، وأخجلتم وأخزيتم وأحرجتم داعميكم الباحثين عن مصالحهم المحدودة.
شكرا على حماقتكم التي زادتنا يقينا بأننا على حق، وزادت شعوبكم يقينا بأنهم على باطل، شكرا لكم على إمعانكم في توهين صفوفكم الداخلية بتغذية ضمائرهم وإنعاشها وزيادة مخاوفهم وإرهابها. وما كان بأيدينا على قلة حيلتنا أن نفعل ذلك مثلما فعلتم. فسبحان من بيده ملك كل شيء وهو خير الماكرين.
وأنتم كذلك يالِ شفقتي وأسفي على أطفالكم المساكين، الذين لم تُقدموا لهم إلا الخوف والخطيئة ولوطنهم سوى المهانة ولمستقبلهم إلا مزيدا من العِداء والكراهية والظلام، وكيف لا يكون ذلك وقد بدأتم من هناك وإليه تعودون، ألا ترحموا أطفالكم وضِعافكم من تكبركم وتجبركم وقلة عقلكم وكأن مستقبلهم لا يعنيكم وراحتهم لا تهمكم. 
أبشركم فقد خسرتم الكثير مما توهمتم بأنكم قد حصلتم عليه أو اسْتَمكنتم منه أو ضلَّلتم عنه. أبشركم فقد هدمتم كل منجزاتكم الواهية وأهدرتم كل جهودكم الكبيرة الماضية، وأنتم تبتسمون وتتبجحون. أبشركم يا حمقى المادة وإحصاءاتها البليدة، فما اكتسبته القلوب من اليقين والعقول من الدروس والنوايا من العزائم لن تستطيعوا قياسه بأجهزتكم ولن تشعروا بوجوده حتى يفجأكم بما لا قِبَلَ لكم بمواجهته ولا قدرة لكم على مجابهته ولا حيلة لكم على رده. وما نحتاج لذلك لقوة سلاح فهو بأيديكم ولم يُغنِ عنكم من حقيقة ضعفكم التي تكبر كل يوم شيئا.
أما آن أن تعرفوا أنّ معركة الباطل خاسرة منذ البداية. كيف لا وهو يدفعكم إلى مزيد من الحماقة، ومزيد من الظلم، ومزيد من الرعب، ومزيد من العزلة، ومزيد من المهانة، ومزيد من الذلة، ومزيد من الخسَّة، ومزيد من التهور. فتتضاعف أعبائكم ويزيد الضغط عليكم وتتعقد التحديات التي تواجهكم في كل لحظة فتستنزف قواكم وتُوهن عزائِمكم وتُفرق جمعكم وتُشتت صفكم وتُضيع مكتسباتكم وتفضح خساستكم.
أيٌها المسلمون، أرأيتم كم تحمل قلوبهم من أحساد وعزائمهم من أحقاد. فهم وربي ليسكثرون عليكم نومكم آمنين وبياتكم مُكتَفين واستيقاظكم مُعافين. معشر المسلمين لا تحملوا غيظا على غيرهم فهم مهما كان بيننا من خائنين المسؤول الأول والأخير عن كل سوء يحدث لنا. فحافظوا على وحدة صفكم وحاذروا الفرقة فيما بينكم مهما كانت أشكالها واستوجبت أسبابها فما يجني ثمار احترابنا إلا هم ولا ينتظر ذلك ويمكر له إلا هم. فاطلبوا الإصلاح بما لا تخسرون به مُكتسبا أو تفتحون لحصوننا به بابا، انبذوا المخذلِّين وجادلوهم بالحزم واللين واعتصموا بحبل الله وكتابه أجمعين إنه مولانا ونعم النصير.
أيها المسلمون اعلموا أنكم في رباط وكلُّ واحد منكم على ثغر من ثغور الإسلام، فحاذروا من الوهن أو التوهين، واليأس أو التيئيس، فنحن في معركة مُرابطة ومُصابرة ومُطاولة نزيد بها بصمودنا قوة وأنصارا ويزداد عدونا تخبطا وتهورا وانهزاما وخذلانا.
إنَّ تمسكنا بوحدة صفنا على موقفنا الذي لن يتغير سيجبر  أعوان الباطل الذين يطعنونا من الداخل وتحت ضغط ووسوسة أربابهم على مزيد من الجراءة في نشر بذور الفتن وتوهين الهمم والتحريش بين فئات المجتمع، ومع مرور الوقت وقلة الخيارات ستزداد مواقفهم وضوحا وأساليبهم تهورا وتشددا، وما نزال صامدين محافظين على وحدتنا وأمننا الداخلي إلى أن نعرفهم بأسمائهم ونحاسبهم بالدَّلائل وننبذهم ونبهت باطلهم ومكرهم بأهون ما يكون.
حافظوا على أخلاق الإختلاف الإسلامية التي فيها والله صلاح أمرنا وانتظام شأننا، فأنكروا الضلالة وانصحوا صاحبها بالحسنى، ولا تتهموا أحدا أو فئة من المسلمين بعينها من غير دليل قاطع لا يحتمل التباسا، فإن في الظنون لظلم عظيم وتخذيل لئيم وبهتان عميم. ولا تستمعوا لمن يتهجم على أي فئة من فئاتنا أو إخواننا في أي مكان بالتخوين والتسخيف والترجيف، فكل مظاهر الإستسلام أو التسليم أو الضعف هي آثار جانبية خادعة لإستراتيجية المطاولة المتينة التي لا  تنال من قوة موقفنا وصلابة ثوابتنا واستعدادنا لإطلاق قوتنا لنصرة الحق في وقته المناسب ومكانه المناسب وأسلوبه المناسب.
أيها اللاجئون والمسلمون جميعاً لا تُحمِّلوا أنفسكم فوق طاقتكم. وإني لأرجوا الله أن يكون برباط اخوتنا على أرض وطنكم فلسطين كِفاية، فعليهم السعي وعليكم الصبر وعلى الله النصر والتمكين.
وتذكروا أن الله قد شاء فأخذ يوسف عليه السلام أخاه بدين الملك، وعسى أن تأخذوا حقوقكم بسعي إخوانكم في السلطة في منظمات العالم ومؤسساته ولهم من إخوتهم من بقية الفصائل شوكة وسندا وظهيرا. فهم في خندق واحد وصف واحد ليس أدل على وحدتهم مهما بدوا مختلفين إلا رؤية الباطل لهم كيانا واحدا فيسعى إلى إفشالهم جميعا.
أهل الباطل، ما يحملكم على المكابرة على الحق والإصرار على الباطل الذي كفيتمونا مؤونة فضحه وتخذيله وإذلاله بأيديكم. أحسبتم أن قلة ما بأيدينا من حيلة وكثرة ما بأيديكم من وسيلة تجعل من باطلكم حقائق مصدَّقة ومن عدوانكم انتصارات محققة ومن سكوتنا هزائم مستغرِقة. كلا والله الذي لا إله إلا هو إنَّكم لفي وهم وغفلة لن تفيقوا منها إلا وأنتم مبهوتون موتورون بأيديكم الحمقاء وتصرفاتكم الرعناء بلا حاجةٍ منا إلا جيوش مهيبة، أو قوة رهيبة. فأوقفوا عدوانكم واحفظوا دمائنا ودمائكم.
إنها صفقة الوعي والإحياء وصفقة الفضح والإفناء بحق، فالحمد موصول لمن أوهن الباطل وجعل تدميره بتدبيره. وسبحان من جعل الحقارة والمهانة والخسة والدناءة من أساسيات وجوده. وسبحان من كان للحق نصيرا يقذف به على الباطل فيجعله مبهوتا مقهورا.
بقلم حازم مشاقبة
Print Friendly, PDF & Email