محمد عبدالرحمن عريف
نعم الشاه الأب رضا بهلوي كان يؤمن بمجد إيران واستقلالها، ورغم علاقته بالمستعمر البريطاني لم يمِل لصالح الحلفاء ضد المحور، فخلعوه وجاؤوا بابنه الشاه محمد رضا بعد غزو بريطانيا وروسيا لإيران 1941م. وبات الشاه الشاب (تحت الوصاية) البريطانية، ولم يجد بُدًا من الهروب إلى الحضن الأمريكي لاحقًا.
في تلك الأثناء رسمت شخصية (محمد مصدق) العظيمة أكبر حراكٍ سياسي في المنطقة للتحرُّر من الهيمنة الغربية فأسَّس “الجبهة الوطنية” تحالفًا وطنيًا واسعًا تبعه شريعتي وطالقاني وبازرجان.
بقيت قضية “تأميم النفط” ضد (الشركة البريطانية) تتفاعل، فقاد مصدق المطالبات الشعبية بالتأميم واستطاع تحجيم الشاه الذي غادر البلاد. لكن بريطانيا شددت حصارًا بحريًا واقتصاديًا على إيران من أجل خلع مصدق (رئيس الوزراء المنتخب)، وإحداث شغبٍ شعبي مضادٍ له من خلال العملاء وشراء بعض القوى الدينية والتجار، أعقبها (عملية أجاكس) بالتعاون مع أمريكا.
هي بدايات حضرت عندما “أنشأت المخابرات المركزية الأمريكية شبكة قوية من العلاقات في إيران، احتوت هذه الشبكة على أكثر من مئة عميل وميزانية سنوية تتجاوز المليون دولار، ثم طلبت الإدارة الأمريكية من المخابرات أن توظف هذه الشبكة من أجل تدبير عملية انقلاب على رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق”.
كانت هذه الكلمات من كتاب (كل رجال الشاه) لستيفن كينزر بداية لما سيشكل أول عملية انقلاب للمخابرات الأمريكية في الشرق الأوسط، سجلت هذه العملية بداية التدخل الأمريكي السافر في تقرير مصائر شعوب المنطقة والتحكم في القرارات السياسية فيها منذ الحرب العالمية الثانية، فما هي تفاصيل تلك العملية؟ وكيف بدأت سلسلة التدخلات منذ تلك اللحظة؟.
في عام 1901م، منح الشاه الإيراني المستثمر البريطاني وليام نوكس داسي الامتياز الحصري للتنقيب عن البترول. أعطى الامتياز دارسي حق احتكار التنقيب، واستغلال، وتكرير البترول في إيران بشرط حصول الشاه على 16% من الأرباح. استمرت عملية البحث سنوات وأخيرًا استخرج دارسي البترول في عام 1908م، وعلى الفور قام البريطانيون بتدشين شركة النفط الأنجلو-إيرانية AIOCلاستخراج البترول وتكريره، بصفتها الشركة المحتكرة الوحيدة لإنتاج وبيع النفط الإيراني.
بسبب الثروة الهائلة الموجودة في باطن الأرض الإيرانية، ضمنت هذه الشركة تعزيز القوة البريطانية في الحروب العالمية في أوائل القرن العشرين، بالإضافة إلى أنه بحلول عام 1940م كان 40% من بترول الغرب يتم إنتاجه في إيران، بما فيه 75% من بترول أوروبا. وجدير بالذكر أن هذه الشركة ظلت تتطور حتى صارت تُعرف حاليًا بـ British Petroleum، إحدى أضخم شركات العالم الحديث على الإطلاق. وفي أغسطس 1953م، كانت طهران تشتعل، نظمت العصابات المدعومة من المخابرات الأمريكية وزرعت المخابرات الأمريكية عملائها في المظاهرات الإيرانية المؤيدة لمصدق.
هنا بدأت قصة تأميم النفط الإيراني مع بروز اسم محمد مصدق عندما كان عضوًا لامعًا في البرلمان فيما بين عامي 1923 و1928، حتى نفاه الشاه رضا بهلوي بسبب آرائه السياسية والاقتصادية الوطنية، لكنه اضطر إلى إعادته تحت الضغط الشعبي في عام 1939م. ظل مصدق معارضًا للتبعية الغربية حتى وجد فيه البرلمان ضالته المنشودة لتحقيق آمال الشعب الإيراني. وفي عام 1952م، اختارته مجلة Timeالأمريكية كرجل العام ولقبته بـ”جورج واشنطن الإيراني، والرجل الأبرز في الساحة الدولة”.
مع استمرار هيمنة البريطانيين على النفط الإيراني في النصف الأول من القرن العشرين، جاء التحول الجذري في أبريل عام 1951م، فقد تم انتخاب مصدق رئيسًا لوزراء إيران من قبل الشعب الإيراني الساخط على الاحتلال البريطاني، وكانت أولى قرارات مصدق بعد شهر واحد فقط من توليه الحكم، بجانب إضعاف سلطة الشاه وتقليص صلاحياته وتحجيم سيطرته على مجريات الأمور، هو تنفيذ قرار البرلمان بتأميم النفط الإيراني ونزعه من أيدي البريطانيين من أجل التخلص من تبعية إيران إلى قوة أجنبية واسترجاع حق الانتفاع بالنفط إلى الشعب الإيراني. هنا حاولت حكومة مصدق استرضاء بريطانيا وتجنب غضبها بكل الوسائل: فقد وعدت الحكومة بتخصيص 25% من أرباح النفط الإيراني لبريطانيا كتعويض لهم، كما وعدت بضمان حياة وأمن ومناصب العمال البريطانيين العاملين في إيران، كما وافقت الحكومة على الحفاظ على النظام العالم القائم وقامت ببيع النفط إلى الشركات الدولية بشكل طبيعي. لكن كل ذلك لم يشفع لمصدق عند بريطانيا، فقد أرادت بريطانيا استرجاع شركتها، ورأس مصدق كذلك، “فالعبد لا يهين سيده دون الإفلات من العقوبة”.
لم تقف بريطانيا مكتوفة الأيدي أمام هذا التحول الجديد، وفورًا شنت حملة دولية ضد مصدق اتهمته فيه بسرقة “ممتلكاتها”. طلب البريطانيون أولًا من المحكمة الدولية والأمم المتحدة أن يعاقبوه، قم قامت بريطانيا بتجميد الأصول الإيرانية في الخارج خشية من انقال فكرة التأميم إلى بقية مستعمراتها، فلم تسفر هذه الضغوطات عن نتيجة تُذكر، فلجأت بريطانيا إلى تحريك بوارجها الحربية إلى الخليج العربي، كما فرضت أخيرًا حصارًا خانقاً أدى إلى تدمير الاقتصاد الإيراني. لكن رغم كل ذلك، لم تتغير سياسات مصدق أمام هذه الحملة الدولية، ووقف الشعب بجانب سياسات مصدق الوطنية، لأن مصدق أخبرهم منذ بداية الأمر عن الصعوبات التي ستواجه التأميم عندما وقف أمام البرلمان خاطبًا: “إن الإيرانيين قد قاموا بالكشف عن كنز كان مخفيًا، ومن فوق ذلك الكنز يرقد تنين”.
الواقع أن الشعب الإيراني سدّ كل السبل البريطانية للتراجع عن قرار التأميم، مما ألجأ بريطانيا إلى التفكير في تدبير انقلاب عسكري تقليدي على مصدق، لكن مصدق استطاع أن يكشف خطة البريطانيين مبكرًا، فأغلق السفارة البريطانية في عام 1952م، ورحل جميع المسؤولين والدبلوماسيين البريطانيين من إيران ولم يتبق منهم أحد لتنفيذ الانقلاب. فكيف تصرفت بريطانيا حينما ضاقت أمامها السبل؟.
هرع البريطانيون إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل التخلص من خطر مصدق على مصالحها. فعقب انتخاب إيزينهاور رئيسًا لأمريكا في 1952م، وبعد أيام قليلة من انتخابه، تقابل مسؤولون بريطانيون مع مسؤولي المخابرات الأمريكية المركزية CIAوتم الاتفاق على العمل المشترك من أجل الإطاحة بمصدق. لم تكن المساعدة الأمريكية عملًا خالصًا لله وللوطن، فقد رأت الإدارة الأمريكية في إيران خطرًا محتملًا على مصالحها وتهديدًا قد يساهم في انتشار حركات التحرر القومي، كما أنها رأت في الانقلاب على مصدق فرصة لتوزيع ثروات إيران بين بريطانيا والولايات المتحدة بدلًا من استئثار بريطانيا بالحصص النفطية وحدها.
أرسلت الولايات المتحدة ضابط المخابرات كيرميت روزفلت، وهو حفيد الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت، لقيادة عملية الانقلاب على مصدق التي سميت بالعملية أجاكس Operation Ajax. دخل روزفلت إيران سرًا تحت اسم مستعار (وات بريدج)، وعندما وصل روزفلت إلى طهران كان أول مهمة قام بها هي مقابلة الشاه لمناقشة تفاصيل العملية أجاكس. استخدمت ال CIAأسلوب الرشوة لشراء ولاءات معلقي الأخبار، والصحفيين، ورجال الدين (الملا)، والسياسيين، ورجال العسكر. وقدمت ال CIAلهم عشرات الآلاف من الدولارات شهريًا، لدرجة أن بعض التقديرات تقول أن إجمال ما تم إنفاقه من أجل إسقاط مصدق يصل إلى 19 مليون دولار. وفي إحدى لقاءات روزفلت مع الشاه للتخطيط للانقلاب، أخبره روزفلت بأنه يملك تحت يديه “العديد من المتخصصين والمنظمين لتوزيع المنشورات، أو لتنظيم العصابات، أو لتتبع المعارضة، قل ما شئت: أنا أملكه”.
ثم شرح للشاه خطة الانقلاب فقال له: “تشمل العملية أجاكس أربعة خطوط من الهجوم. أولًا: إدارة حملة إعلامية منظمة وبروباجندا متواصلة ضد مصدق في المساجد والصحافة والشوارع لتحجيم شعبية مصدق. ثانيًا: ستتحكم العصابات في الشوارع لإثارة الشغب والاضطرابات. ثالثاً: سيسلم الضباط العسكريون البيانات الملكية إلى مصدق لإزاحته من السلطة. رابعًا: توفير بديل لمصدق وهو الجنرال زاهيدي الذي سيرقيه الشاه إلى مرتبة رئيس الوزراء”.
امتدت الحملة الإعلامية ضد مصدق إلى كافة ربوع الدولة الإيرانية، ويذكر كوتام أن 80% من الجرائد في طهران كانت تحت سيطرة المخابرات الأمريكية. وفي أغسطس 1953م، كانت طهران تشتعل، نظمت العصابات المدعومة من المخابرات الأمريكية وزرعت المخابرات الأمريكية عملائها في المظاهرات الإيرانية المؤيدة لمصدق، وعلى امتداد المظاهرات كان هؤلاء العملاء يقومون برمي الحجارة والتعدي على الممتلكات الخاصة والمساجد وعلى رجال الدين، وكان غرض هذا الأمر، وفقاً للأكاديمي الأمريكي ريتشارد كوتام، هو إظهار مصدق بصورة الرجل الشيوعي العنيف الذي يحارب الدين والحريات.
صرح اللواء جورج ستيوارت في شهادته أمام الكونجرس الأمريكي: “عندما اشتعل فتيل الأزمة بين الشاه وأنصار مصدق، انتهكنا معاييرنا الطبيعية وأيدنا الجيش فورًا على أساس طارئ.. البطانيات، الأحذية، الملابس، مولدات الكهرباء، والإعانات الطبية، وكل ما يلزم من أجل خلق مناخ لتأييد الشاه.. الأسلحة التي كانت بأيديهم، الشاحنات التي تم نقلهم فيها، السيارات المدرعة التي قادوها في الطرقات، واتصالات الراديو التي سمحت لهم بالتواصل، كل هذا تم تزويده من خلال برنامج معونة الدفاع العسكري”.
امتدت الحملة الإعلامية ضد مصدق إلى كافة ربوع الدولة الإيرانية، ويذكر كوتام أن 80% من الجرائد في طهران كانت تحت سيطرة المخابرات الأمريكية، ويقول: “أي مقالة كنت أكتبها كانت تظهر في اليوم التالي فورًا في الصحف الإيرانية”. وعندما حانت لحظة تنفيذ عملية الانقلاب، لم تمضِ عملية أجاكس بسلام كما خطط لها في يوم 16 آب/ أغسطس عام 1953م، فقد رحل الشاه خارج البلاد قبل أن يوقع على فرمان عزل مصدق، كما تأخر الانقلاب عن موعده المقرر عدة أيام، مما أدى إلى تسرب أخبار الانقلاب إلى مصدق قبل أن تصل إليه القوات العسكرية الموالية للشاه، فسحقت جنود مصدق جنود الشاه، وتم القبض على العشرات والمئات من العناصر الانقلابية.
أمر مصدق باعتقال الجنرال فضل الله زهيدي، زعيم الانقلاب العسكري، إلا أن الولايات المتحدة قامت بإخفاء زهيدي في قلب السفارة الأمريكية، أما الشاه فقد وصلته أخبار فشل الانقلاب، فهرب مسرعًا خارج إيران إلى بغداد، وفي طهران خرجت الجماهير تهتف بانتصار مصدق، وسرعان ما عادت الحياة في إيران إلى طبيعتها، وتعامل مصدق في اليوم التالي مباشرة على أن الانقلاب أصبح حدثاً من الماضي لا أكثر.
فشل الانقلاب إذن، وأمضت المخابرات الأمريكية ليلة سوداء أمرت فيها عناصرها بالهروب من إيران في أقرب فرصة ممكنة. لكن في وسط في هذا التوقيت الحرج، أرسل رئيس مكتب ال CIAفي إيران رسالة إلى روزفلت قائلًا له: “إذا لم تكن محاصرًا، فافعل ما يتوجب عليك فعله”. كانت الرسالة واضحة: افعل أي شيء في سبيل أن ينجح الانقلاب العسكري، مهما كلف ذلك من أموال أو دماء أو أشلاء.
استعادت المخابرات الأمريكية أنفاسها، وأصر روزفلت على استكمال ما قدم من أجله أساسًا. وفي اليوم التالي مباشرة قام بتنظيم صفوف أنصار الشاه، وحصلت المخابرات الأمريكية على آلة طباعة، وهو أمر كان من الصعب التكتم عليه في ذلك الوقت. نسخت الفرمانات الملكية الانقلابية في قلب مركز المخابرات الأمريكية ووُزعت على ضباط الجيش، وعلى المارين في الشوارع، وعلى الصحف الإيرانية كلها. وطفق عملاء المخابرات الأمريكية في اليومين القادمين في كل شوارع طهران لتقديم الرشوة لكل من تقع أيديهم عليه: الساسة، رجال الدين (الملا)، المسؤولين في الجيش والشرطة، وكل من يستطيع تحريك وتثوير الجماهير.
في تلك الأوقات العصيبة كانت المخابرات الأمريكية تدفع بالعصابات المأجورة لإثارة الشغب والفوضى في الشوارع باسم مصدق، آلاف المتظاهرين خرجوا من أجل نهب المحلات، وتدمير صور الشاه، وسرقة الممتلكات الخاصة، وإطلاق الرصاص على المدنيين، وانضم الشيوعيون والقوميون المتحمسون إلى تلك المظاهرات. كانت خطة روزفلت تعتمد على تعميم شعور الضجر بين الشعب الإيراني جراء أحداث الشغب لعدة أيام متواصلة، وخلق انطباع جمعي أن طهران قد خرجت عن السيطرة وأن حكومة مصدق لم تعد قادرة على التحكم في الوضع، ثم تقديم طوق النجاة لإيران في صورة عودة الشاه عبر حشد شعبي ضخم في اليوم الرابع لمعارضة مصدق وحكومته.
هذا ما حصل بالفعل، ففي يوم 19 آب/ أغسطس عندما رأى المواطنون المظاهرات المؤيدة للشاه لا تنهب الممتلكات ولا تخرب المحلات، تعاطفوا معها ورأوا فيها أناس محترمين أفضل من غوغاء الأيام السابقة، فانضموا إلى المظاهرات. ومن عجائب التخطيط الأمريكي في ذلك اليوم هو أن المظاهرات المؤيدة للشاه بدأت بعروض استعراضية من الرياضيين والمصارعين والبهلوانات، بالإضافة إلى المشعوذين والمهرجين، كل ذلك من أجل جذب المارة، ثم أُزيلت الاحتفالات الكرنفالية ورُفعت شعارات تأييد الشاه وبدأت العصابات في الهتاف باسم الشاه.
سيطرت العصابات المأجورة من قبل المخابرات الأمريكية على كل الميادين الرئيسية في طهران، وحرقت المؤسسات الحكومية ومقرات الشرطة وحررت الضباط الانقلابيين المقبوض عليه في المحاولة الأولى للانقلاب. انضم إلى العصابات المواطنين الساخطين على مصدق، بالإضافة إلى مؤيدينه السابقين الذين رفضوا سياساته مؤخرًا كنتيجة للبروباجندا الأمريكية ضد مصدق.
في خضم هذه الأحداث الملتهبة تم اقتحام بيت مصدق ففرّ هاربًا لكنه سلم نفسه في اليوم التالي لقوات الشاه، وأعلن الراديو الإيراني: “تمت هزيمة حكومة مصدق، وفضل الله زهيدي الآن هو رئيس الوزراء الجديد، والشاه في طريقه للرجوع إلى دياره”. وسار كل شيء وفقاً لما أعلن في هذا البيان، وعمت الاحتفالات شوارع إيران ابتهاجًا بانتصار الحرية والإرادة الشعبية.
عقدت محكمة عاجلة وامتثل مصدق قسرًا إليها بتهمة الخيانة العظمى، تجاوز مصدق كل الأعراف القانونية وهاجم الشاه والمحكمة بشدة قائلًا: “إن جريمتي الوحيدة هي أني أممت البترول الإيراني ونزعت من إيران شبكة الاستعمار والنفوذ الاقتصادي والسياسي لأكبر امبراطولية على وجه الأرض”. أعلن مصدق رفضه لمحاكمته الهزلية، وانتهت القضية بالحُكم على مصدق بثلاث سنوات من السجن الانفرادي خرج بعدهم إلى الإقامة الجبرية في بيته في طهران، وعاش معزولًا بقية حياته لا يستطيع أحد زيارته إلا أٌقربائه، حتى توفي بسبب مرض السرطان عام 1967م.
لم يسمح الشاه بجنازة علنية، ورفض وصية مصدق بدفنه بجوار ضحايا الاشتباكات عام 1951م التي أوصلت مصدق إلى السلطة. وعوضًا عن ذلك، دُفن مصدق بجوار بيته، في جنازة صامتة مليئة بالأحزان، ولم يشارك إلا حفنة قليلة من أقرباء مصدق في جنازته. لكن في عام 1980م، في الذكرى الأولى لوفاة مصدق بعد الثورة الإيرانية، وبعد زوال القبضة الأمنية، سافر اثتان مليون إيراني إلى قبر مصدق للإعلان عن تقديرهم للرجل الذي تحدى البريطانيين والأمريكيين وحده.
معظم من كتب عن هذا الانقلاب قال إنه كان انقلاباً أمريكياً بامتياز، شاركت به المملكة المتحدة من الخلف دعماً للرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في حربه ضد الشيوعية العالمية. تحول هذا الانقلاب إلى شيء أشبه بالأسطورة، نظراً لبراعة الولايات المتحدة في خلق الأساطير، أسطورة تُحسب لوكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) ولمديرها العام آلان دالاس.
معظم من كتب عنه بالغ كثيراً بالدور الذي قام به عنصر المخابرات الأمريكية كيرميت روزفلت، حفيد الرئيس الأسبق ثيودور روزفلت، ليظهره حامياً للديمقراطية وعدواً للشيوعية والرجعية. مع مرور السنوات، بات الانقلاب على محمد مصدّق يعتبر أحد أهم منجزات الولايات المتحدة في القرن العشرين، يُستخدم لتخويف الأعداء وتذكير الأصدقاء بأن واشنطن وحدها قادرة على حمايتهم والتصدي لكل من يقف في وجههم، ووجهها. الرسالة المبطنة منه كانت دوماً: “لا تكونوا مثل مصدّق”.
إذا نظرنا بعمق إلى هذا الانقلاب، نجد أن معظم ما قيل عنه كان غير دقيق، لا سند تاريخي له ولا برهان. ولكن ماكينة الدعاية الأمريكية كانت أقوى من الحقيقة، لا يمكن لأحد أن يتحداها أو يشكك بها، تحديداً في ظلّ غياب وثائق بريطانية أو إيرانية تثبت عكس الرواية الأمريكية. الوثائق البريطانية عن أحداث عام 1953 تبقى مغلقة، أما في إيران، فقد أتلفت معظم المراسلات والوثائق مع الفوضى العارمة التي رافقت سقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي سنة 1979.
معظم المراسلات والوثائق كانت محفوظة في أرشيف جهاز المخابرات (السافاك)، الذي تم اقتحامه ونهبه عشية نجاح الثورة الإسلامية. وكل الشهود الرئيسين على تلك المرحلة، ابتداء من الشاه نفسه ومحمد مصدق، ماتوا، أمّا مدير السافاك، نعمت الله نصيري، وهو الأعلم بخفايا تلك المرحلة، فقد تم إعدامه برصاصة واحدة بالرأس يوم 16 شباط/ فبراير 1979. وفي مقابل هذا الضعف في الرواية الإيرانية والبريطانية، كانت الرواية الأمريكية هي الأبقى والأمتن، تُعاد كل يوم، في الصحف والمجلات وفي الأفلام الوثائقية والأعمال الهوليوودية.
تحول الانقلاب على محمد مصدّق إلى شيء أشبه بالأسطورة، نظراً لبراعة الولايات المتحدة في خلق الأساطير، أسطورة تُحسب لوكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) ولمديرها العام آلان دالاس. ومرت سنوات طويلة على انقلاب عام 1953، وتعالت الأصوات المطالبة بالإفراج عن الوثائق الأمريكية لمعرفة إن كانت أسطورة الـCIAفي إيران حقيقة أم خيالاً. وقد أكد مدير الوكالة روبرت غيتس أنه سيفرج عن كل ما لديه من أوراق سنة 1993، ولكن شيئاً من ذلك لم يحصل. وتكررت الطلبات أمام خليفته جيمس ولسي، وتكررت ذات الوعود دون أي نتيجة، إلى أن أعلنت الوكالة في أيار/ مايو 1997 أن معظم وثائق الانقلاب على محمد مصدق قد أتلفت منذ مطلع الستينيات، أي أنه لا يمكن استعادتها أو الاستفادة منها.
اعتذرت الوكالة عن هذا “الخطأ” دون تبرير سببه، وفي سنة 2000، ظهرت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت لتعترف بأن بلادها وقفت خلف الإطاحة برئيس وزراء إيران المنتخب ديمقراطياً، لتؤكد الأسطورة وتضيف لها سنداً سياسياً. وفي سنة 2013، جاء تأكيد مماثل عن طريق وثيقة يتيمة نُشرت عبر جامعة جورج واشنطن، لا ذكر فيها للدور البريطاني. الهدف عن هذا “الدلائل” والاعتذارات كان لتثبيت الأسطورة الأمريكية، وليس لقلب صفحة مع إيران.
دعونا نعود إلى هذا الانقلاب، وإلى الدور البريطاني فيه. الأمريكان أعطوه اسماً حركياً “عملية أجاكس”، وهو مستوحى من التاريخ اليوناني القديم. شخصية أجاكس تظهر في ملحمة الإلياذة الشعرية لهوميروس، وهو بطل مقدام وشجاع فقد عقله وقتل نفسه بالسيف، يعرفها جيداً كل مهتم وأي مختص بالأدب اليوناني القديم. ومن أبرز هؤلاء المختصين كان الباحث كريستوفر مونتاغو وودهوس (Christopher Montague Woodhouse)، ضابط المخابرات البريطاني في طهران سنة 1953. عرفه العالم في سنوات لاحقة كنائب عن منطقة أوكسفورد في مجلس العموم البريطاني، ورئيس لمعهد تشاتام هاوس، من عام 1955 ولغاية 1959. عند وفاته سنة 2001، كتبت الصحف عن مسيرته المهنية، وكيف خدم في اليونان خلال الحرب العالمية الثانية، وساهم في تتبع أمين عام الأمم المتحدة الأسبق كورت فالدهايم، في الثمانينيات، بسبب ارتباطات الأخير بالنازية.
مع مرور السنوات، بات الانقلاب على محمد مصدّق يعتبر أحد أهم منجزات الولايات المتحدة في القرن العشرين، يُستخدم لتخويف الأعداء وتذكير الأصدقاء بأن واشنطن وحدها قادرة على التصدي لكل من يقف في وجههم ووجهها. الرسالة المبطنة منه كانت دوماً: “لا تكونوا مثل مصدّق”. ولم تذكر الصحف أن وودهاوس كان يعمل في طهران، وأنه كُلّف بالإطاحة بمحمد مصدق من قبل مدير الاستخبارات البريطانية في حينها، السير جون سينكلير، الذي كان يطلق عليه اسم “السندباد” تحبباً وإعجاباً.
كان وودهاوس مولعاً بالأدب اليوناني القديم، وكان يدرسه في جامعات بريطانيا، وهو صاحب فكرة تسمية عملية محمد مصدق بأجاكس. وقد تشارك هذا الاهتمام الأكاديمي مع صديقه في طهران روبين زايهنير (Robin Zaehner)، وهو ضابط مخابرات أيضاً كان يُدرس اللغة الفارسية في جامعة أوكسفورد (توفي سنة 1974). وفي لقائه مع الصحفي البريطاني روبرت فيسك، قال وودهاوس بوضوح إن زاهنير كان المكلف بترتيب الأجواء السياسية للإطاحة بالرئيس مصدّق، أما هو (والكلام لوودهاوس) فكانت مهمته نقل الأسلحة البريطانية عبر قاعدة الحبّانيّة العراقية، غرب بغداد. وكان هدف بريطانيا من الانقلاب على محمد مصدّق كان يختلف كلياً عن هدف الولايات المتحدة الأمريكية، فالأولى أرادته لاستعادة السيطرة على النفط، والثانية لمنع تغلغل الاتحاد السوفيتي في إيران. وقد أمر وودهاوس بدفنها في الصحراء الإيرانية، مع إعطاء مواقعها لعملائه الإيرانيين لنبشها واستعمالها عند ساعة الصفر. كما يقول وودهاوس إن الرئيس أيزنهاور لم يكن يريد الدخول في عملية معقدة من هذا النوع، ولكن مدير المخابرات البريطانية أقنعه بذلك، خلال زيارة قام بها إلى واشنطن يوم 18 شباط/ فبراير 1953، أي قبل الانقلاب بخمسة أشهر. وعند نجاح الانقلاب وهروب الشاه إلى بغداد أولاً ومن ثم إلى روما، خوفاً على سلامته، اجتمع وودهاوس بشقيقته التوأم الأميرة أشرف بهلوي، وطلب منها إبلاغه بضرورة العودة فوراً لطهران، لأن خطر محمد مصدق قد أزيل عن الوجود بشكل كامل. وبعد نجاح المهمة، توجه ضابط أمريكي إلى الشاه حاملاً ذات الرسالة، للتأكيد على ما قاله وودهاوس، وهو نورمان شوارتسكوف، والد نورمان شوارتسكوف، قائد القوات الأمريكية في حرب الخليج الثانية عام 1991.
كل هذه التفاصيل لا تظهر في النسخ الأمريكية لما حدث في طهران في ذلك الصيف اللاهب من العام 1953، والتي تؤكد بأن السلاح وصل بواسطة عملاء تابعين لوكالة الاستخبارات الأمريكية، وأن اسم العملية “أجاكس” كان من ابتكار كيرميت روزفيلت وليس مونتاغو وودهاووس. حتى أن بعض الكتاب الأميركيين، ومنهم ستيفان كينزر، كاتب سيرة آلان دالاس، ينفي أن يكون لاسم العملية أي علاقة بالتاريخ اليوناني، ويرجح في كتابة The Brothersأن يكون نسبة لمسحوق الغسيل Ajax، في إشارة إلى رغبة أمريكا بـ”تنظيف أيران وتطهيرها” من النفوذ الشيوعي. وهذا يتناقض طبعاً مع حقيقة دامغة، وهي أن محمد مصدق لم يكن شيوعياً بالمطلق، بل أرستقراطي فارسي ووطني متطرف. كان يكره الشيوعية بقدر ما يكره الهيمنة البريطانية على ثروات بلاده. والمعروف أيضاً أن المحرض الرئيسي للانقلاب، بالنسبة للإنكليز، كان تأميم مصدق لقطاع النفط في إيران، وضرب شركة النفط الإيرانية البريطانية، التي باتت تُعرف لاحقاً باسم British Petroleum BP.
إذاً، هدف بريطانيا من الانقلاب كان يختلف كلياً عن هدف الولايات المتحدة الأمريكية، فالأولى أرادته لاستعادة السيطرة على النفط، والثانية لمنع تغلغل الاتحاد السوفيتي في إيران. وهذا ما قالته مجلة LIFEالأميركية ذائعة الصيت في خمسينيات القرن الماضي، عندما بررت الانقلاب بالقول: “الروس قد يتدخلون في أي لحظة، لسرقة النفط، وإشغال حرب عالمية ثالثة”. وقد استخدمت عبارة grab the oilالأمريكية، التي كررها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل سنوات، عند تبرير بقاء قواته في سورية.
