كان الخليج العربي ولا يزال يحظى بإهتمام خاص من قبل سياسة إيران الخارجية, التي ظلت على الدوام مصدر التوتر والتنافس والصراع, وبالذات مع العراق والمملكة العربية السعودية. ففي الوقت الذي وجد الشاه السابق أن ريادة إيران الإقليمية أمر مفروغ منه بسبب قدراتها الجيوبولتيكية الواسعة مقارنةً بالدول الخليجية الاخرى, فان النظام الإيراني الجديد قد أضاف بعداً أخر لا يقل أهمية عن العوامل المادية, وهو المسوغ الديني, الذي صور إيران باعتبارها ممثلة ورائدة لمصالح المسلمين في العالم, فدخلت إيران في نزاعات مع الدول الخليجية مستخدمه فيها وسائل تنطوي على العنف والتخريب الداخلي من خلال إثارة التركيبية المذهبية فيها, الأمر الذي جعلها قرينة الإرهاب, وعدم الاستقرار, فانعكس ذلك على علاقتها مع الدول الكبرى التي لها مصالح حيوية في الخليج العربي, وبالأخص الولايات المتحدة, وقد أثبتت السنوات الأولى من عمر الثورة عجزها عن بلوغ أهدافها المبالغ بها.
اسهمت بعض المتغيرات التي فرضت تأثيرها على الواقع السياسي لمنطقة الخليج العربي وبخاصة منذ أواخر السبعينات, نفسها على الدور الايراني في المنطقة ويتمثل ذلك في عدد من التغيرات ابرزها:

سقوط الملكية وإعلان الجمهورية في إيران

أسهمت السياسة الخارجية التي اتبعها الشاه محمد رضا بهلوى بدور مهم في سقوط نظامه الى جانب عوامل أخرى, إذ أدى قصر النظر السياسي للعاهل البهلوى واعتماده بالدرجة الاساس على الولايات المتحدة الامريكية لدعم نظامه, فضلاً عن تحالفه مع (إسرائيل) وسياسته العدوانية في منطقة الخليج العربي وبخاصة بعد احتلاله للجزر العربية الثلاث عام 1971م وتحوله الى شرطي الخليج وحارساً للمصالح الامريكية-الغربية, على حساب دول المنطقة, كل هذه العوامل وغيرها, جعلت محمد رضا بهلوى, بعد سنوات طويلة قضاها في الحكم نظاماً غير مرغوب فيه سواء من المجتمع الدولي الذي كانت الولايات المتحدة تسيطر على تحركاته الخارجية بعد الضعف الذي أصاب الاتحاد السوفيتي السابق وتحولها الى قوة وحيدة في العالم أو من الدول الاقليمية المحيطة بإيران.

لم يدرك الشاه ان تكديس الاسلحة في بلاده, واختياره لاداء دور يفوق قدرات بلاده التي كانت تحتاج الى الاموال التي صرفت على صفقات السلاح لاغراض عدوانية, سوف تحول في يوم ما ذلك الى اسلحة ضده, فالولايات المتحدة الامريكية والصهيونية العالمية التي أيدت رغبة الشاه في ملء الفراغ المزعوم بعد الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج العربي عام 1971م , وزودته بترسانة من الاسلحة الحديثة والمتطورة, لم تقف الى جانبه عندما شنت عليه منظمات حقوق الانسان حملتها المعروفة حول إنتهاكات نظامه حريات الشعب الايراني واضطهاد أجهزته الامنية القمعية والتي يقف في مقدمتها جهاز السافاك للحقوق الانسانية للايرانيين .

لقد جاء تخلي الولايات المتحدة عن الشاه في زمن الرئيس الامريكي جيمي كارتر الذي اتفق رأيه مع رأي مستشاريه في ضرورة إبعاد الشاه عن الحكم في إيران وسعت الادارة الامريكية لتهيئة الارضية المناسبة لتقبل مثل هذا التغيير بعد ان أصبح نظامه وجهاً كالحاً ولم يعد يتماشى مع متطلبات المرحلة، ولم يعد يؤمن المصالح الامريكية في منطقة الشرق الاوسط بعد ان استنفدت الولايات المتحدة اهدافها منه. وضمن هذا السياق رفعت وكالة المخابرات المركزية الامريكية تقريراً سرياً في نهاية عام 1978م الى الرئيس الامريكي جيمي كارتر جاء فيه (( ان الشاه لم يعد يملك سوى (50%) من احتمالات بقائه في السلطة)). وتشير أحدى الدراسات الايرانية ان ((الأمريكيين هم الأكثر وضوحاً من غيرهم, فما يميز اسلوب إمريكا عن غيرها هو صراحتها في الاعلان عن نواياها حول مصالحها الوطنية, فقد أعلنت صراحةً ومنذ بداية الاحداث الايرانية ان أهدافها النهائية (كبرت أم صغرت) سياسية كانت أم أقتصادية أم عسكرية فإنها تقوم على تأمين سبل الرفاهية للشعب الامريكي بل والكثر من ذلك تأمين المصالح الوطنية لاغير)) .

لقد كان الشغل الشاغل للامريكان خلال عام 1978م هو كيفية إبقاء المؤسسة العسكرية الايرانية بعيدة عن الشارع الايراني, وحدثت تطورات داخلية كثيرة ومتشعبه في الوسط الايراني ومن بينها ما قام به الجنرال الامريكي ” روبرت هايزر” خلال زيارته السرية الى طهران في السابع من كانون الثاني 1979م تلبيةً للقرار الذي اتخذه الرئيس الامريكي بإزاحة الشاه والتخلي عن تأييده له مقابل تأييد أحد العناصر الليبرالية في إيران بدلاً منه, واتفق صانعو القرار الامريكي على دعم شابور بختيار بصورة مؤقتة وتشجيع الشاه على الاخذ بالنصيحة الامريكية, بأن يتمتع بإجازة طويلة للعلاج خارج البلاد لحين ترتيب الاوضاع الداخلية وبما يؤمن الحفاظ على المصالح الامريكية- الايرانية .

جاءت تنحية الشاه, بعد الاجتماع الذي سبق تكليف الجنرال هايزر بمهمته الخاصة بيومين عندما وصل الرئيس الامريكي جيمي كارتر مع هلموت اشميت مستشار المانيا الغربية وجيمس كالاهان رئيس وزراء بريطانيا بدعوة من الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان الى جزيرة (جواد ولوب) ليبحثوا معاً هناك التطورات الايرانية والموقف النهائي من نظام الشاه ومستقبل إيران السياسي.
خلص الاجتماع الرباعي الى موقفين متباينين, الاول, مؤيد وداعم لموقف الشاه وهو ما ذهب اليه كل من المستشار الالماني ورئيس الوزراء البريطاني, اما الثاني, المتمثل بموقف الرئيسين الفرنسي والامريكي اللذين كانا يعتقدان ان الاوضاع الداخلية المتأزمة في إيران لاتفسح المجال واسعاً لابقاء الشاه في الحكم, واخيراً تم الاتفاق على إزاحة الشاه, وكان الرأي الفرنسي يميل الى الاستفادة من وجود الخميني في فرنسا للقيام بدور الوساطة مع القوى المعارضة لنظام الشاه، وعلى أثر ذلك ازدادت الحملة الاعلامية الامريكية – الغربية ضد نظام الشاه وسياسته المتعلقة بانتهاك حقوق الانسان وكبح الديمقراطية, وأخذ الاعلام الامريكي –الغربي ينعت الشاه بـ” اسطورة بلاده ” أو” الحاكم الاستبدادي أو الاوتوقراطي ” الذي لم يستخدم وسائل معاصرة في حكم شعبه، وان سقوطه أمر ضروري للايرانيين وللعالم برمته.
وصرح الرئيس الامريكي جيمي كارتر قائلاً: ” الشاه يجب ان يبعد عن الحكم سريعاً, لانه لم يعد قادراً على حكم إيران مدةً أطول ” واستطرد قائلاً:” ان الولايات المتحدة لن تتدخل في إيران إلا إذا تعرضت مصالحها أو تعرض اليهود الموجودين هناك للخطر ولاسيما النساء, وعند ذلك فإنها سوف تتدخل”.

لقد اضحى سقوط الشاه أمراً حتمياً بعد ان فقد حتى مؤيديه الدائميين, وبعد ان عج البلاط الشاهنشاهي بالفساد ودمر عمداً طبقة ملاك الارض بـ” ثورته البيضاء ” وأحل محلها ” الملتزمين ” الكبار الذين اعتمدوا المصالح الامريكية وغيرها من المصالح الدولية, وعلى الرغم من ان الشاه كان يدرك ان معركته الحاسمة ستكون مع رجال المؤسسة الدينية, لانهم الهيئة الوحيدة التي كانت تستطيع تعطيل فعالية المؤسسة العسكرية في الدفاع عن نظامه, فقد رسم بنفسه مخطط يهدف الى تقليص نفوذهم وتجريدهم من امتيازاتهم المالية والسياسية, إلا ان احداث عامي 1978-1979 اثبتت ان النقمة الشعبية العارمة ضد الشاه ونظامه كانت قد استغلتها الزعامة الدينية بشكل ذكي مستفيدة في ذات الوقت من مؤشرات السياسة الامريكية المستجدة تجاه إيران والمنطقة, بعد ان فقد الغرب ثقته بالشاه في إجراء إصلاح ينقذ إيران من إوضاعها المتدهورة التي وصلت اليها, لا سيما في المجال السياسي والاقتصادي, لذلك كان من الطبيعي ان تتحرك القوى الداخلية بعد تخلي القوى الخارجية عنه من أجل عزل الشاه كلياً, وتهيئة البديل له والمتمثل بالزعامة الدينية ذات التأثير الفاعل في الساحة الايرانية.

وبسقوط نظام الشاه وتسنم المؤسسة الدينية للحكم في إيران سقطت الملكية الشاهنشاهية دون رجعة وتم إعلان الجمهورية الاسلامية, وعلى أثر ذلك حصلت جملة متغيرات على السياستين الداخلية والخارجية( ). ففي أذار 1979م تم الاعلان عن الجمهورية الاسلامية التي يقوم على أمرها رجال دين مسلمون واضحت الشعارات الدينية تلف إيران بزواياها الأربع وبدأ النظام السياسي الجديد الذي دشنته المؤسسة الدينية بالتبلور في اطار مرحلة تاريخية جديدة حافلة بالاحداث، فالتغير الذي حصل عام 1979 لم يكن في شكل النظام السياسي فحسب, وانما أصاب بالدرجة الاولى منطلقاتها الفكرية, واصبح العامل الايديولوجي يشكل الاساس لفلسفة النظام الجديد. وكان ذلك يعني ان الثورة الايرانية كانت تعبيراً عن الاستناد الى قاعدة شعبية عميقة, واستراتيجية طويلة الأمد ذات مباديء ترتبط بعقائد الشعب الايراني, وتتوائم مع شخصيته التاريخية, وتنتسب الى ثقافة الايرانية لمرحلة مابعد الاسلام.

انتهز التيار الديني الفرصة كي يلعب الدور الأساسي في عملية التغيير, في اعقاب سلسلة من عمليات التطهير ضد القوى السياسية الأخرى داخل إيران, فمكنت هذه الاجراءات رجال الدين من فرض سيطرتهم الكاملة على مقاليد الحكم في إيران( )، حتى أصبح الفصل بين المجالين الديني والسياسي اشبه بالمستحيل في التجربة الايرانية, فالنظام السياسي الجديد في إيران كان قائماً على توازن السلطة بين القوى الايديولوجية والسياسية، واستمر هذا التنافس على السلطة طيلة فترة حكم خميني بالرغم من ان سلطته المطلقة كانت كافية لكي تمكنه من إقامة نظام تسيطر عليه فكرة الموجه الديني الاوحد .
أما في السياسة الخارجية, فلم يغير سقوط نظام الشاه وقيام النظام الجمهوري من سياسة إيران حيال الخليج العربي كثيراً, بل عمل النظام الجديد على تقويض القضية الامنية تحت ذريعة أن الانظمة العربية القائمة في منطقة الخليج العربي موالية للغرب، فاتبع هذا النظام سياسة عدائية توسعية لا تختلف عن سابقتها بشيء سوى الغطاء الجديد الذي تغلف بغلاف الدين .
ان استغراق المسؤولين الإيرانيين بنشوة الانتصار الذي تحقق داخل إيران وأسقط نظام الشاه, جعلهم يبالغون في قوة إيران وقدرتها على فرض نموذجها إقليمياً والتطلع للعب دور سياسي عالمي لايتناسب وإمكانيات إيران الذاتية, مستخدمين في ذلك نبرة عدائية متشددة تجاه “الشرق والغرب” والعديد من دول العالم وبخاصة أقطار الخليج العربي وفي هذا السياق صرح بني صدر قائلاً: ” ان كل الاقطار في الخليج هي تاريخياً جزء من الاراضي الايرانية “.

لم يتغير الادراك الايراني تجاه الخليج العربي رغم تغير صانع القرار, حيث سبق وان التقت أطماع الشاه في الخليج العربي مع أطماع الغرب وبخاصة الولايات المتحدة الامريكية, بعد ان أخذت دعوات الاخير تؤكد على ضرورة تعزيز التفوق الفارسي في الخليج العربي والهيمنة المطلقة عليه, وهذا ما أكده الشاه بقوله:” ان السيطرة الايرانية على الخليج هو أمر طبيعي, نحن نمتلك تفوقاً الان ويجب ان نعززه في المستقبل ” واستطرد قائلاً: ” نحن نعمل كل ما بوسعنا لكي نستفيد من موقعنا التاريخي والطبيعي في الخليج “. وفي السياق ذاته يقول بني صدر:” ان العرب يعتقدون أنهم أتوا إختراعاً عندما أطلقوا على الخليج إسماً مستعاراً, في حين ان كتب التاريخ تقول أنه فارسي “, ويضيف وزير خارجية إيران الاسبق إبراهيم يزدي ” يبقى الخليج فارسياً ولن يتغير تحت أي ظرف “.
بالمقابل واجهت دول الخليج العربي تحذيرات تتضمن سعي إيران لتقويض أنظمتها القائمة, وقرنت ذلك بسلوك متطرف ذي فاعلية قليلة, كان من شأنه دفع المسؤولين السياسيين الايرانيين من غير رجال الدين الى ان يصعدوا تصريحاتهم العدائية وأن يتبنوا طروحات تستهدف (تصدير الثورة) بغية إظهار ولائهم للخميني ولتوجهات النظام السياسية كي لا ينعزلوا سياسياً, ومن بينهم بني صدر الذي قال: ” ان علاقات إيران مع الاقطار الخليجية ليست جيدة, لاننا نعتبرهم حكومات غير مستقلة “.

أدى هذا التحول السياسي في إيران فعلياً الى انسلاخ أيديولوجي وسياسي لهذا البلد عن بعض الاتفاقيات والتحالفات السياسية والامنية والاقتصادية التي كان الشاه قد صاغها مع الاقطار العربية كالعراق وعُمان وبعض الامارات الخليجية, وبهذا التحول أصبحت إيران الثورة مصدر خطر وتهديد على مستقبل الانظمة الساسية العربية أكثر من قبل.
لقد قدمت النخب السياسية والدينية السياسية في إيران منذ تسنمها السلطة ميزة فريدة عما سواها من النظم السياسية الأخرى مفصحة بذلك عن نفسها بخاصية تماثل أو تجانس نخبها السياسية, بإعتبار إنها تحمل ذات القيم الاجتماعية والايديولوجية وخضوعها لتجارب سابقة متشابهة في حياتها العامة, وهو ما يفترض أنه سيعمل على توحيد رؤاها ويهيء لها إدراكاً متقارباً للمواقف والى الحد الذي يبعد أي تناقضات حادة داخل السلطة.

اظهرت توجهات الخميني وثورته ميلاً اكد أنه صانع القرار الاول( ) في الشؤون المتعلقة بطبيعة العلاقات الايرانية-العربية، فالخميني عدَ كل من لا يؤمن بـ(ولاية الفقيه) ويعارضها كافرً ومارقاً, وسعى لتغيير الانظمة السياسية وفقاً للنموذج الايراني بوصفه واحداً من أهم وأخطر أهداف السياسة الخارجية الايرانية , وما حصل في المملكة العربية السعودية في تشرين الثاني 1979من مداهمة لبيت الله الحرام في مكة المكرمة من قبل مجموعة اشخاص مسلحين يقدر عددهم ( 500) شخص بقيادة ” جيهان العتيبي ” استمرت لمدة اسبوعين يحملون الجنسية السعودية ومن سكانها, وكانوا مدعومين من قبل الثورة الإيرانية, فضلاً عن استمرار تظاهر الحجاج الايرانيين في مواسم الحّج ورفع شعارات سياسية تندد بالأنظمة العربية وتدعو الى اسقاطها،والمحاولة الانقلابية الفاشلة في البحرين في السادس عشر من كانون الاول عام 1981، ومحاولة اغتيال أمير الكويت، فضلاً عن التجاوزات الحدودية المسلحة والاعمال التخريبية والتدخل في شؤون لعراق الداخلية التي افضت الى نزاع مسلح استمر ثمان سنوات(1980-1988)، ان كل ذلك دلل على طبيعة توجهات النظام الايراني الجديد ومنطلقاته الايديولوجية تجاه الدول العربية.

وهكذا جعل النظام الايراني من الوطن العربي دائرة الاهتمام الاولى بعد ان حددت الثورة الايرانية أهدافها الاستراتيجية على صعيد استثمار العامل الديني والسياسي إقليمياً ودولياً معتمداً ايديولوجيا عابرة للقوميات وتحت المظلة والشعارات الاسلامية, وتقع مسؤولية تصديرها على الايرانيين لإقامة الحكومة الاسلامية العالمية .
مكن الاستثمار الديني الحكومة الإيرانية في ظل نظامها الجديد من إيجاد أساساً لمشروعها التوسعي بالعودة الى الاسلام المذهبي الضيق التي ارست دعائمه الاسرة الصفوية. أما الاستثمار السياسي فقد تمثل في (تصدير الثورة) الى المحيط الاقليمي والدولي, ومن منطلقات أممية وتتوجه بشكل عام الى البلدان الاسلامية عامة وعلى البلدان العربية خاصة كخطوة أولى, وفي هذا السياق أكد الخميني قائلاً:” إذا اردنا تصدير الثورة فيجب الاهتمام بالجانب الاعلامي, وان السلاح الإعلامي أقوى من قوة السلاح التقليدي في المعارك” .

مارست الثورة الايرانية انتقادات لاذعة لاقطار الخليج العربي وهاجمت بشدة حكامها ووصفتهم بالعمالة للغرب, وقد صرح الخميني بهذا الصدد قائلاً:” ان الثورة الاسلامية الايرانية, حدثت من أجل الاسلام, ولم تكن من أجل البلاد ولا من أجل الامة ولا حتى من أجل أقامة دولة بل لإنقاذ الاسلام من شرور القوى العظمى والمجرمين الاجانب” ولذلك أولت إهتماماً كبيراً بالدعاية الاعلامية تمهيداً لتصدير النموذج الايديولوجي الإيراني الى الاقطار الخليجية, فأصدر صحيفة (طريق الثورة) باللغة العربية ترسل الى انكلترا ومن هناك يتم تسريبها الى اقطار الخليج العربي وهي مختصة بالشؤون الخليجية وبشكل خاص بشؤون المملكة العربية السعودية( ), فضلاً عن نشر وتوزيع العديد من المطبوعات في منطقة الخليج العربي, التي تظمنت أفكاراً سياسية نابعة من فكر الخميني المذهبي الايراني, ودعت الى استخدام العنف واسقاط الانظمة السياسية في الخليج العربي بالقوة فيما قال الخميني :” بما ان الله جعل طاعة أولي الأمر واجب على جميع الامة, لذا يجب ان لا يكون في الارض أكثر من حكومة واحدة وأكثر من تنظيم واحد, ان الشرع والحق هما اللذان يحكمان, ويجب ان لا نسمح لهذه الحكومات بالاستمرار في أوضاعها المعادية للاسلام, وهذا واجب على جميع المسلمين في جميع البلدان, ولابد من الاطاحة بهذه الحكومات الجائرة والعميلة “.
اعتقد النظام الايراني الجديد بأمكانيته إقامة إمبراطورية اسلامية واسعة على النوذج الايراني, ووفقاً لفلسفة (ولاية الفقيه) التي أعلن ان مركزها طهران وقائدها الخميني حسب الدستور الايراني لعام 1979، ورجال الدين هم المنظرين لها, فسارت السياسة الخارجية لجمهورية إيران الاسلامية على وفق هذه الفلسفة, التي لف الغموض كثير من مهامها غير المحددة.

لم يضف النظام الايراني في عهد الخميني, بعداً جديداً للاطماع الايرانية السابقة فحسب, بل وضع لها طريقة لم تكن مؤلوفة تماماً في العهد السابق الا وهي محاولة اثارة النعرات الطائفية واستخدام العنف المتناهي , فكان جراء ذلك, ان شهدت منطقة الخليج العربي منذ اندلاع الثورة في إيران وسقوط النظام الشاهنشاهي عام 1979م مواقف متشنجة ومتسرعة اتخذها النظام الايراني الجديد وهو لا يزال يعاني الكثير من المشاكل الداخلية ولم يحقق بعد أي قدر من الاستقرار على الساحة الايرانية, التي فرقتها الحرب الاهلية بمعزل عن نشاط القوى الامبريالية التي كانت تحرك الاوضاع في إيران بالاتجاهات التي تجعل من النظام الجديد الذي ورث حكم الشاه وريثاً لسياسته الخارجية ومواقفه العدوانية مع دول الجوار العربي التي ظلت علاقاتها مع إيران تمتاز, بالتوتر والتنافس والصراع وبالذات مع العراق والسعودية.

ففي الوقت الذي وجد فيه النظام السابق ان ريادة إيران الإقليمية أمرُ مفروغ منه بسبب قدرتها الجيوبولتيكية الواسعة مقارنةً بالدول الخليجية الاخرى, فإن النظام الجديد الذي تقوده المؤسسة الدينية, قد أضاف بعداً أخر لا يقل أهمية عن العوامل المادية, وهو المسوغ الديني, الذي صوّر إيران بإعتبارها راعية ورائدة لمصالح المسلمين, فدخلت إيران في نزاعات مع دول الخليج العربي استخدمت فيها وسائل تنطوي على العنف والتخريب الداخلي من خلال إثارة التركيبة المذهبية فيها, عن طريق انشاء جهاز سري مسلح ومنظم مهمته (تصدير الثورة) وفي هذا السياق أكد الخميني قائلاً: “نحن نريد ان تكون الثورة في كل مكان ويتم تصديرها”.
وشهدت ثمانينات القرن العشرين حرباً اقليمية مسلحة بين ايران والعراق كان المستفيد الوحيد منها, القوى الكبرى وتجار السلاح وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وحليفها الكيان الصهيوني.

واتخذت السياسة الخارجية للنظام الجمهوري في إيران نفس الاهداف والمنطلقات التي كانت تسير عليها سياسة النظام الملكي الشاهنشاهي السابق حيال منطقة الخليج العربي, ولم يكتف هذا النظام بذلك, بل اختار العلانية في العمل عندما أسس جهازاً في وزارة الخارجية الايرانية ترتبط به اقساماً موزعه في عموم سفاراتها في الخارج مهمته (تصدير الثورة)، الامر الذي جعل الثورة الايرانية قرينة الارهاب, وعامل فاعل في خلق حالة عدم الاستقرار, وانعكس ذلك على علاقات إيران مع الدول الكبرى التي لديها مصالحها الحيوية في المنطقة, وبالتحديد مع الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي السابق, وقد أثبتت السنوات الاولى من عمر الثورة عجز إيران عن بلوغ أهدافها المبالغ فيها, وبخاصة ما يتعلق بالسياسة الخارجية, فقضية إحتجاز الرهائن الامريكان في السفارة الامريكية في طهران عام 1979والتي أسفر عنها تصعيد في المواقف السياسية وزيادة في حدة التوتر انعكست على منطقة الخليج العربي, ومهد الطريق وأعطىالمبررات للتدخل العسكري, وهذا ما حدى بالولايات المتحدة ان تسقط (مبدأ نكسون ), أو ما يسمى بـ(سياسة التوكيل) الذي كان الشاه أحدى ركائزها, وتعلن عن صدور ما يسمى بـ (مبدأ كارتر) الذي يجيز للولايات المتحدة الامريكية نشر قوات التدخل السريع في منطقة الخليج العربي حفاظاً على المصالح الامريكية والغربية معاً, واستخدام القوة إذا لزم الأمر ذلك وفقاً لمفهوم الأمن الامريكي للخليج العربي، فضلاً عن التدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان بعد اسابيع من اقتحام السفارة الامريكية في طهران,الامر الذي دفع الخميني للقول :”إن بإلامكان أن نحول الخليج الى كرة من النيران ان تجرء أحداً على المساس بنا”، فأدى ذلك كله الى تحويل المنطقة الى بؤرة متوترة ومهيئة للاشتعال في أي لحظة وسهل ذلك للولايات المتحدة الامريكية ان تتخذ من سياسة ايران الخارجية ذريعة للوصول الى منطقة الخليج العربي ومحاولة السيطرة عليها.

فقد شكل الاهتمام الاستراتيجي المتزايد للولايات المتحدة الامريكية بالشرق الاوسط عموماً ومنطقة الخليج العربي خصوصاً, بعداً واضحاً بعد الحرب العالمية الثانية, إذ ارتبطت المنطقة ضمن الاستراتيجية السياسية العالمية الجديدة للولايات المتحدة, نتيجةً لعاملين: الاول, ظهور الاتحاد السوفيتي قوة عظمى على المسرح السياسي الدولي. والثاني, خروج حلفاء الولايات المتحدة الامريكية وبخاصة بريطانيا وفرنسا من هذه الحرب ضعفاء اقتصادياً وعسكرياً. وسرعان ما توترت العلاقة ما بين المعسكرين الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي, والمعسكر الغربي الذي تسلمت زعامته تدريجياً الولايات المتحدة , الى ان أصبح الصراع بينهما محوراً اساسياً واستراتيجياً لسياسة العملاقين وبداية لمرحلة جديدة عرفت فيما بعد بالحرب الباردة.
ووجدت الولايات المتحدة الامريكية في الخليج العربي منطقة المستقبل, فبدأت تدرس ميزات هذه المنطقة الإسترتيجية والجيوبولتيكية وتوصلت الى قناعة, انه من خلال الخليج يمكنها ان تهدد منطقة الشرق الاوسط والمحيط الهندي برمته, وإذا كان الخليج بهذه المرتبة من الأهمية, فإن الهدف المركزي للولايات المتحدة هو عرقلة توسيع القوة السوفيتية في المنطقة ومنعها من السيطرة على أي دولة من دول الشرق الاوسط.

وسعت السياسة الامريكية في عهد الرئيس جيمي كارتر عام 1980 الى اسقاط دور القوى الاقليمية في تنفيذ السياسة الامريكية في منطقة الشرق الاوسط والسيطرة على منطقة الخليج العربي بذاتها, من خلال الإعلان عن ” مبدأ كارتر” وعدت ” أية محاولة من جانب أية قوة أجنبية للسيطرة على المنطقة عدوان على مصالحها الحيوية, وسيقابل هذا العدوان بكل الوسائل الضرورية بما في ذلك القوة العسكرية”. وفي واقع الحال ان الثورة الايرانية التي اسقطت نظام الشاه في إيران, كانت سبباً في دفع الادارة الامريكية للبحث عن استراتيجية جديدة لحماية مصالحها في منطقة الخليج العربي وهي ايضاً السبب المعجل في سقوط “مبدأ نيكسون” كما ولعبت دوراً فاعلاً في تنفيذ السياسة الخارجية الامريكية من خلال صدور “مبدأ كارتر” الذي استبدل دور القوى الاقليمية لتحل محلها قوات عسكرية (أمريكية –غربية) تتدخل وبشكل مباشر في مناطق الصراع الحادة, ومنها منطقة الخليج العربي, أطلق على هذه القوات بـ “قوات التدخل السريع (R.D.F) Rapid Deployment Force”. ووفقاً لهذا التطور, انتقلت الاستراتيجية الامريكية الى مرحلة جديدة وهي التدخل المباشر في حماية مصالحها أي بمعنى أخر الانتقال من الاجراءات الدبلوماسية الى الاجراءات العسكرية الميدانية المباشرة، وكان ذلك يعني العودة بالسياسة الامريكية الى عقد الستينات من القرن العشرين، ولعل أبرز ما يمكن استخلاصه من هذا المبدأ وتطبيقاته هو إعتبار النفط أحد عناصر الامن القومي الامريكي وأنه، تبعاً لذلك، من توسيع نطاق الامن القومي الامريكي لان حماية إمدادات النفط تستوجب إعتبار المنطقة العربية وبالذات منطقة الخليج العربي جزءاً من هذا النطاق، فوضعت الولايات المتحدة مخططاً استراتيجياً لقواعدها الممتدة من أوربا, مروراً بالمغرب العربي فالمشرق العربي حتى منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي .
ان ادراك صانع القرار الامريكي للمصالح الامريكية في الخليج العربي وبخاصة النفطية منها تتعلق بجوهر تطورات الصراع العربي – الصهيوني, لذا قدروا الحاجة للجمع بين أمرين متناقضين هما: مساعدة (إسرائيل) من خلال تنشيط عملية السلام (المصرية–الإسرائيلية) وعزل اكبر دولة عربية في مواجهة إسرائيل من جهة, والمحافظة على علاقاتهم بالاقطار العربية وبخاصة الخليجية من جهة أخرى.

ففرضت الولايات المتحدة الامريكية بهذه الطريقة سيطرتها الكاملة على الشؤون السياسية والاقتصادية في معظم اقطار الخليج العربي  وأصبحت منطقة الخليج خاضعة للولايات المتحدة, حيث يمكن القول إنها تفوقت على خصومها وحلفائها في هذه المنطقة دون منازع. فضلاً على حصولها على أليه استراتيجية كبيرة ومهمة تؤمن ربط وجودها في الخليج العربي مع قواتها في البحر الاحمر والمحيط الهندي وصولاً الى منطقة عمل الاسطول السابع في جنوب شرق أسيا ومع وجودها في البحر الابيض المتوسط لتحقيق تكامل استراتيجي لقواتها المنتشرة في العالم. يضاف الى ذلك انها عززت وجودها البحري المكثف في منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي ليكون بمثابة خط دفاعي يتضمن قواعد بحرية وجوية ومخازن للعتاد والاسلحة ومحطات للتنصت والمراقبة والتشويش الالكتروني المتطورة.
لا شك, ان الذي حصل من تطور سياسي وعسكري في منطقة الخليج العربي منذ نهاية السبعينات جاء بفعل الثورة الايرانية وتداعياتها على المنطقة العربية وبخاصة منطقة الخليج العربي, ويمكن القول ان للثورة الايرانية “الفضل” في صياغة وبلورة وتنفيذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة الامريكية في المنطقة التي يطلق عليها “مبدأ كارتر”.
كان كل ذلك يعني إدخال منطقة الخليج العربي ضمن منطقة النفوذ الامريكي وإخراجها من دائرة الصراع الدولي، وجاء “مبدأ كارتر” ليوكد ان لم يكن موجهاً ضد الاتحاد السوفيتي, بل جاء ليربط ما بين ( الطاقة)( )، و(أمن الخليج), وأمن( إسرائيل) وشكل هذا الثلاثي عناصر اساسية وحيوية للامن القومي الامريكي .

وخلاصة القول, يمكن إرجاع الاسباب التي دعت الولايات المتحدة الامريكية الى تغير سياستها الخارجية حيال منطقة الخليج العربي والشرق الاوسط منذ نهاية السبعينات من القرن العشرين بالاتي:
1. الثورة الايرانية وسقوط نظام الشاه, الذي اسقط معه مبدأ نيكسون والعودة الى”مبدأ ترومان” حيث التدخل المباشر لتأمين المصالح الخارجية.
2. وقف ضخ النفط الايراني بسبب الاحداث الايرانية وخلق جواً ينذر بأزمة طاقة, فضلاً عن الخوف من انتشار المدّ الاسلامي في دول منطقة الخليج العربي, وخصوصاً السعودية, بعد حادث مداهمة الحرم المكي من قبل المسلحين عام 1979( ).
3. التدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان, فضلاً عن التزايد المطرد في القوة السوفيتية البحرية في مياه المحيط الهندي والتي أصبحت تشكل عامل تهديد لمصادر النفط وطرق الملاحة تجاه اليابان الحليف الاستراتيجي للغرب( ).
4. ان فراغ القوة المزعوم الذي حصل بعد سقوط الشاه ورفع شعار(تصدير الثورة) من قبل النظام الجديد, أصبح يشكل مصدر تهديد للانظمة الخليجية وينذر بتطورات جديدة.

المصدر: رسالة ماجستير بعنوان ايران والقصايا العربية 1979-1991،من اعداد حسن تركي عمير ، المعهد العالي للدراسات السياسية و الدولية، 2008.