تُعد الدراسة النظامية للظواهر السياسية الجوهرية دراسة قديمة، بدأت منذ أن نشر أرسطو كتابه السياسة، إلا أن اصطلاح “علم الاجتماع السياسي”، الذي يدرس الظواهر السياسية دراسة متعلقة بأجزاء التركيب أو البناء الاجتماعي، ظهر لأول مرة عام 1945. ويرى علم الاجتماع السياسي أن المؤسسات السياسية، بأنواعها الرسمية والدستورية وغير الرسمية، أجزاء أساسية من النظام الاجتماعي؛ فضلاً عن دراسته للطبقة الأرستقراطية، ودراسة مظاهر الصراع وطرق السيطرة عليه، وجماعات المصلحة والضغط، وتكوين الرأي العام، والأحزاب السياسية كمؤسسات اجتماعية، ودراسة الظواهر السياسية المتعلقة بالأنظمة الدكتاتورية، والأنظمة الديموقراطية الدستورية الحديثة.

ومعنى ذلك أن علم الاجتماع السياسي جزء متكامل من علم الاجتماع، استطاع أن يوجه العلم السياسي بصورة متزايدة نحو الاهتمام بالواقع الإمبريقي، والتحليل الاجتماعي للظواهر السياسية المختلفة. وتُعد مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها هي الفترة التي شهدت ظهور علم الاجتماع السياسي وتألقه، حيث كانت محاولات إعادة بناء أوروبا، وحركات الاستقلال الوطني والنزعات المعادية للاستعمار، وظهور الديموقراطية، كأيديولوجية، بمثابة الأرض الخصبة التي تَخلَّق من خلالها هذا العلم؛ بل إن تطوره كنسق معرفي ارتبط بسعيه ومحاولته لتفسير تلك الظواهر القومية والعالمية.

إذا كان المناخ الفكري الناقد الذي صحب الحرب العالمية الثانية، قد ساعد على مزيد من الاهتمام بقضية العلاقة بين السياسة والمجتمع، ومن ثم انبثاق الحاجة إلى علم الاجتماعي السياسي، إلا أن بعض الدارسين يرى أن الدراسة الاجتماعية للسياسة ارتبطت، كذلك، بظهور السلوكية Behaviorism،  التي تؤكد على الوقائع الخاصة، التي يمكن ملاحظتها أكثر من تأكيدها على الخبرات الذاتية للسلوك الإنساني؛ فالاتجاهات السياسية والسلوكيات والإدراكات والمعتقدات، أصبح يُنظر إليها بوصفها انعكاسات للعلاقات البين شخصية Inter Personal Relation، داخل الجماعات الأولية والثانوية. وقد امتد تأثير السلوكية إلى العصر الحديث، حيث ظهر الاهتمام بدراسة الأحزاب السياسية، وبعملية التصويت؛ فضلاً عن تحليل التنظيمات البيروقراطية، والحركات السياسية الشمولية.

وإذا كان علم السياسة، كما يقول لازويل Lasswel، يهتم بدراسة الحكومة والإدارة العامة، أو يدرس الدولة والنظم السياسية المختلفة، أو يُعنى أساساً بدراسة القوة Power، وعملية التأثير أو النفوذ Influence، فإنه يحاول الإجابة على التساؤلات الأربعة: من يحصل؟ وعلى ماذا؟ ومتى؟ وكيف؟.

وإذا كان علم الاجتماع يهتم بدراسة طبيعة البناءات الاجتماعية، فإن علم الاجتماع السياسي قد انبثق من خلال التفاعل بين هذين النسقين المعرفيين (علم السياسة وعلم الاجتماع).

وعلى الرغم من الجهود الضخمة، التي بذلها علماء الاجتماع السياسي خلال العقود الأخيرة، من أجل تحديد دقيق لنطاق عملهم؛ إلا أن التفرقة بين علم الاجتماع السياسي وعلم السياسة قد تبدو أمراً صعباً، في كثير من الأحيان؛ فعلى سبيل المثال، يهتم علم السياسة بدراسة أساليب الحكم وأدواته، بما في ذلك العمليات التشريعية والإدارية والقانونية، دراسة وصفية؛ فضلاً عن الجانب الرسمي للعمليات السياسية، إلا أن الكتابات الحديثة في علم السياسة تشير إلى اهتمام متزايد بالسياق الاجتماعي والاقتصادي، ما جعله أكثر قرباً إلى علم الاجتماع السياسي. وهذا ما دفع عالم الاجتماع السياسي توم بوتومور Bottomore، إلى القول: إن علم السياسة الحديث لا يختلف في اهتماماته كثيراً عن علم الاجتماع السياسي.

لذا، حدد برونجارت Braungart علم الاجتماع السياسي بوصفه: ذلك العلم الذي يُعني بدراسة العلاقة بين المجتمع والسياسة، من خلال القضايا الآتية:

  1. الأحوال الاجتماعية للسياسة.
  2. بنية السياسة، أو العملية السياسية.
  3. تأثيرات السياسة على السياق المجتمعي والثقافة.

ومن ثم فإن الاجتماع السياسي، على نحو ما يرى برونجارت، يُعني بدراسة الأصول الاجتماعية المختلفة للقوة وصنع القرار، كذلك عملية الانغماس في القرار، أو عملية صناعة الحكم وتأثيرات هذا النشاط على المجتمع.

وعلى هذا يُعد علم الاجتماع السياسي وليد فكرة تساند العلوم، خاصة أن أكثر العلوم المعرفية التي لها اتساق علمان، هما: علم الاجتماع وعلم السياسة. وبذلك فعلم الاجتماع السياسي علم قد تخصص في دراسة التفاعلات والصلات، التي تنشأ بين هذين المجالين (علم الاجتماع وعلم السياسة).

مجالات علم الاجتماع السياسي

تتركز مجالات علم الاجتماع السياسي، اليوم، على قضايا مرتبطة بالتنظيم الاجتماعي والسياسي، والتكامل وحماية الحقوق الفردية، في عصر الدولة القومية والمجتمعات الجماهيرية، من خلال المجالات الآتية:

  1. يهتم علم الاجتماع السياسي بدراسة الأساس الطبقي للظواهر السياسية، من خلال ربط المتغيرات السياسية بمتغيرات طبقية، كالمهنة والدخل والتعليم والعرق، حيث استطاع علماء الاجتماع السياسي الكشف عن المتغيرات الاجتماعية والطبقية، التي تلعب دوراً مهماً في تحديد ميول الأفراد عند الإدلاء بأصواتهم في صناديق الانتخابات.
  2. الاهتمام بدراسة قضية المشاركة السياسية، وذلك لبيان أهمية المشاركة في تحقيق الإجماع السياسي، أو نمو المعارضة. كما تسهم في تعميق الشعور بالمسؤولية لدى الحاكم والمحكوم؛ إضافة إلى أنها تمثل آلية “ميكانيزما” دفاع ضد الظلم والطغيان. ومن ثم دراسة العوامل الاجتماعية والسياسية، التي تدفع إلى الإحجام عن المشاركة السياسية، أو الانسحاب منها، والفتور السياسي، أو السلبية السياسية.
  3. تمثل الأيديولوجيا مجالاً مهماً في علم الاجتماع السياسي. والمقصود هنا “بالأيديولوجيا” مجموعة المعتقدات السياسية الشاملة الواضحة، التي تحدد مجال العمل السياسي ومساره. والأيديولوجيا بهذا المعنى تساعد على تشخيص الواقع، بقدر ما تسهم في تحديد الرؤية المستقبلية. ومن هنا نجد علم الاجتماع السياسي يُبدي اهتماماً خاصاً بالأيديولوجيات السياسية، التي ظهرت في دول العالم الثالث منذ حصولها على الاستقلال بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتأثير انتشار التعليم، ووسائل الاتصال الجماهيري، ونمو المدن، على الاتجاهات السياسية عموماً.
  4. كما يهتم علم الاجتماع السياسي بدراسة الأحزاب السياسية وتصنيفاتها ودورها، في إثراء العملية الديموقراطية، خاصة وأن الأحزاب وسيلة مهمة من وسائل تجنب الحكم الفردي والديكتاتوري، أياً كان نوعه؛ فهي تتضمن الوسائل والأساليب، التي تتقدم جماعات جديدة من خلالها للعمل السياسي. وقد أثبتت الأحزاب السياسية في النظام الديموقراطي والشمولي كفاءتها، في صياغة المشاركة السياسية والمنافسة من أجل التصويت. وقد اهتم علماء الاجتماع السياسي في دراساتهم للأحزاب السياسية بنظرية التنظيم والبيروقراطية، ما دفعهم إلى التركيز على الخصائص البنائية الداخلية والمميزة لها، ودورها داخل البناء الاجتماعي.
  5. كذلك، يهتم علم الاجتماع السياسي بدراسة السياق الاجتماعي للقوة، أو السلطة السياسية وتصنيفاتها، وتفسير القوة بوصفها وسيطاً شرعياً لتبادل مصادر القوة وتعبئتها وتجنيدها، من خلال السياسة، تحقيقاً للأهداف الجماعية، ومن ثم يتجه التعدديون إلى رؤية القوة بوصفها عنصراً في المجتمع، تميل إلى أن تكون مركزية تعددية، تنتشر وتتوزع بين جماعات متعددة، وتؤسس وفقاً لمصالح هذه الجماعة؛ بينما القوة تتركز في مالكي وسائل الإنتاج (الخصم الحاكم)، على نحو ما يذهب إليه أصحاب النزعة الطبقية.

المصادر والمراجع

  1. دنيكين ميتشيل، “معجم علم الاجتماع”، ترجمة حسان محمد الحسن، دار الطليعة، بيروت، 1981.
  2. السيد الحسيني، “علم الاجتماع السياسي، المفاهيم والقضايا”، دار قطري بن الفجاءة، قطر، 1986.
  3. عاطف أحمد فؤاد، “علم الاجتماع السياسي”، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1995.
  4. على جلبي، “الشباب والمشاركة السياسية”، في كتاب “مجالات علم الاجتماع، أسس نظرية ودراسات واقعية”، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1985.
  5. Bottomore, T., Political Sociology, Hutchinson uni, London, 1979.
  6. Lasswel, H.D. On political Sociology (Ed).
  7. The University of Chicago press, Chicago, 1977.
SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14303

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *