استثمار الهشاشة: كيف تعمل “فاجنر” على تعزيز حضورها الاقتصادي في أفريقيا؟

ثمة جدل في دوائر السياسة الخارجية الغربية حول توسع الحضور الاقتصادي لمجموعة فاجنر العسكرية الروسية على الساحة الأفريقية، وفي هذا السياق أشارت تقارير عديدة إلى هذا الدور المتنامي؛ إذ نشرت وكالة الأخبار البلجيكية Belga News Agency في الثاني من ديسمبر الجاري، تقريراً عن تورط مجموعة فاجنر العسكرية الروسية في عمليات تجارة وتهريب الماس من جمهورية أفريقيا الوسطى إلى بلجيكا، وهو ما يثير تساؤلات حول حدود التمدد الاقتصادي لمجموعة فاجنر في القارة الأفريقية.

مداخل للنفوذ

اعتمدت مجموعة فاجنر الروسية في تنويع مصادر تمويلها وفي حضورها الاقتصادي في القارة الأفريقية على مداخل عديدة، وأهمها ما يلي:

1- تنويع حالات توقيع عقود الحماية الأمنية: حيث تعمل مجموعة فاجنر الروسية على تنويع مصادر تمويلها، وبينما يتم تمويلها جزئياً من خلال علاقات مديرها يفجيني بريجوزين الوثيقة مع الكرملين، تعتمد المجموعة أيضاً على مصادر تمويل خارجية؛ إذ تحصل فاجنر على نسبة محددة من الذهب والماس مقابل خدماتها الأمنية في جمهورية أفريقيا الوسطى، فيما أكد رئيس القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” ستيفن تاونسند، في فبراير الماضي، أن فاجنر ومالي تعاقدتا على أن تدفع الأخيرة للأولى 10 ملايين دولار شهرياً، معتبراً أن مالي سيتعين عليها “أن تتاجر بالموارد الطبيعية كالذهب والأحجار الكريمة من أجل دفع هذا المبلغ”.

2-عقد صفقات سياسية لحماية المسؤولين: إذ تعتمد فاجنر على التوصل إلى صفقات سياسية تتضمن تقديم الحماية الأمنية لرؤساء الدول وأعضاء الحكومة مقابل الحصول على امتيازات اقتصادية تسهل لها الوصول إلى الثروات المعدنية. وعلى سبيل المثال، توصلت فاجنر إلى صفقة سياسية مع جمهورية أفريقيا الوسطى، عندما وصلت في عام 2018 لحماية الرئيس المحاصر فوستين أرشانج تواديرا، وقامت بتدريب قوات الأمن المحلية لصد هجمات المتمردين في أوائل عام 2021. وبالمثل توصلت فاجنر إلى صفقة سياسية مع المجلس العسكري في مالي عقب انقلاب مايو 2021، واتفق الجانبان على تقديم فاجنر خدماتها الأمنية وحماية أعضاء المجلس العسكري من مؤامرات الاغتيال ومحاولة الانقلاب على سلطته مقابل الحصول على امتيازات اقتصادية داخل البلاد.

3-التمركز الجغرافي في مناطق استخراج المعادن: أكدت العديد من التقارير حصول شركة “فاجنر” على نسبة 78% من أسهم الشركة الوطنية المسؤولة عن تعدين الذهب وتكريره “مارينا جولد” MARENAGOLD في مالي؛ حيث توجد أربع شركات دولية تنافس روسيا على مناجم الذهب هناك، وهي “باريك جولد” “BarrickGold”ومقرها كندا، و”ريزولوت مينينج”، و”Resolute Mining” الأسترالية، إضافة إلى “أنجلو جولد أشانتي” “AngloGold Ashanti” الجنوب أفريقية، و”بي تو جولد “B2GOLD الكندية، فيما تعتبر مالي ثالث أكبر منتج للذهب في القارة الأفريقية بعد غانا وجنوب أفريقيا، وبلغ إنتاجها من الذهب 63.4 طن خلال عام 2021. وتمتلك البلاد فضلاً عن ذلك، وبحسب وزارة المناجم المالية “مليوني طن من خام الحديد، و5 آلاف طن من اليورانيوم، و20 مليون طن من المنجنيز، و4 ملايين طن من الليثيوم، و10ملايين طن من الحجر الجيري”، ومن ثم عملت فاجنر على التمركز في مناطق الشمال والوسط المالي. وعلى المنوال نفسه، سعت فاجنر للتمركز في شمال موزمبيق، ونشرت نحو 160 مقاتلاً في منطقة كابو ديلجادو الغنية بالغاز.

4-ممارسة أنشطة تهريب الماس وغسيل الأموال: حيث تشير التقارير إلى أن فاجنر تنتهك نظام كيمبرلي الذي يدار من قبل مكتب الأمم المتحدة المعني بمكافحة الجريمة وتجارة المخدرات، ويحظر دخول الماس غير المشروع، ومن ثم تحرص فاجنر على إخفاء مواردها المالية، وتستثمر في تجارة الأحجار الكريمة القابلة للنقل، التي يمكن غسلها بسهولة، وتجاوز النظام المالي الرسمي؛ حيث اتجهت فاجنر لتأسيس العديد من الشركات لغسل الأموال، لا سيما من تهريب الذهب والماس في أفريقيا الوسطى.

ووفقاً لتقرير صدر مؤخراً عن شركة De Standaard، فإن فاجنر قد أنشأت شركة واجهة تسمى Diamville في جمهورية أفريقيا الوسطى في عام 2019، وتعتبرها وكالة التعاون الإنمائي الأمريكية USAID واحدة من أكبر أربعة مصدرين للماس في أفريقيا الوسطى، ويُقدر أنها صدرت 132 ألف يورو من الماس إلى بلجيكا؛ حيث يعتبر تقرير وكالة الأخبار البلجيكية Belga News Agency أن شركة Deauville هي شركة واجهة لفاجنر تنشط في قطاع الماس في بانجي، كما أنشأت فاجنر شركة Lobaye Invest وتنشط في صناعة المواد الغذائية في أفريقيا الوسطى، في الوقت الذي تعمل فيه تعمل فاجنر أيضاً على تطوير شركات تابعة في قطاعات أخرى.

5-العمل في تجارة السلع وتجارة الأخشاب: حيث أكد تقرير صادر عنEuropean Investigative Collaborations (EIC) – وهو مشروع صحافة استقصائية عابرة للحدود – أن مجموعة فاجنر تعمل في مجال الغابات بجمهورية أفريقيا الوسطى. وتنشط شركة Bois Rouge في تصدير الأخشاب ومقرها أيضاً في جمهورية أفريقيا الوسطى وتعمل كواجهة أخرى لـفاجنر؛ حيث تشير التقارير إلى أن فاجنر زادت استثماراتها في قطاع الغابات عبر هذه الشركة، كما تعمل فاجنر في الوقت نفسه على توريد السلع وبيعها في داخل الدول الأفريقية لزيادة عائداتها ومواردها المالية، وفي الوقت نفسه تخفي أنشطتها غير المشروعة، فبالإضافة إلى استيراد الآلات اللازمة لاستغلال الأخشاب والمعادن، تشتري فاجنر منتجات مثل الكحول النيجيري الرخيص من دوالا، وتتم معالجته وتصنيعه في شركة Lobaye Invest ثم بيعه في جمهورية أفريقيا الوسطى.

6-ابتزاز السكان بالعنف أو دفعهم للهجرة: فغالباً ما انتهجت فاجنر ممارسات الميليشيات في تمويل نشاطها في القارة الأفريقية، لا سيما من خلال تهجير السكان في المناطق الغنية بالموارد والمعادن، أو ابتزاز السكان وتهديدهم بالعنف. وعلى سبيل المثال، نقلت صحيفة “الشرق الأوسط” عن صحيفة “وول ستريت جورنال”، في 23 أغسطس الماضي، أن “فاجنر” مارست تهجيراً للسكان في المناطق الغنية بالمعادن في مالي. وأشارت تقارير عدة إلى أن فاجنر استحوذت على قطاع الماس في أفريقيا الوسطى بإجبار تجار الماس المحليين على البيع حصرياً إلى شركة Diamville أو المخاطرة بالتعرض لأعمال انتقامية عنيفة، وقد نفذ عناصر فاجنر بالفعل اغتيالات ضد التجار الذين عارضوا التعاون.

سياقات محفزة

تستفيد مجموعة فاجنر من السياقات الأمنية والسياسية الهشة في الدول الأفريقية في تعزيز حضورها الاقتصادي في القارة؛ وذلك على النحو التالي:

1-الاستثمار في الهشاشة السياسية والأمنية: حيث يُلاحظ أن فاجنر تستهدف البلدان التي لديها حكومات هشة لكنها غنية بالمواد الخام المهمة، مثل النفط والذهب والماس واليورانيوم والمنجنيز. وهي تُظهر كأنها تتدخل من أجل معالجة النزاعات العسكرية والإرهابية المحلية المعقدة التي تكافح الحكومات الأفريقية لصدها، وأنها توفر لهذه الحكومات القدرة على القيام بعمليات مكافحة التمرد ومكافحة الإرهاب، ومن ثم تحصل في المقابل على مدفوعات وامتيازات الوصول إلى الموارد الطبيعية، أو عقود تجارية كبيرة، أو الوصول إلى مواقع استراتيجية، مثل القواعد الجوية أو الموانئ البحرية.

2-التعاون مع مافيا التهريب الأفريقية: إذ تفيد تقارير عدة بأن تهريب الماس منتشر في جمهورية إفريقيا الوسطى، وليس فقط من قبل الأفراد المرتبطين بفاجنر؛ حيث يتم تهريب الأحجار الكريمة في كثير من الأحيان إلى الأسواق الخارجية عبر البلدان المجاورة، وخاصة الكاميرون وتشاد والسودان، ثم يتم تهريبه للخارج. وتشير المعلومات إلى أن البضائع تمر عبر ميناء دوالا، وتقوم بالدور شركة International Global Logistic (IGL) التي أسسها أنور مادجيدو في أفريقيا الوسطى، ويديرها حالياً بشكل غير رسمي رجل يدعى نيكولاي، وتعمل من العاصمة الكاميرونية، وهي على اتصال وثيق مع رومان وفيتالي بيرفيليف في بانجي. وبحسب التقارير، فإن الشركة تتعامل مع عبور البضائع والحاويات عبر ميناء دوالا، ويتم بعد ذلك شحن البضائع إلى الخارج – لا سيما إلى روسيا – عبر ميناء دوالا.

3-الاتصال بشبكات تهريب دولية: حيث تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الشركة صدرت ما يقرب من 1000 قيراط من الماس بين أكتوبر 2019 ويناير 2021، وتم بيع الماس الذي بلغت قيمته 12 مليون دولار، في أنتويرب ببلجيكا. ووفقاً لتقرير صادر عن صحيفة The Guardian في نوفمبر الماضي، استوردت بلجيكا نحو 1.2 مليار يورو من الماس الروسي في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2022. ويبدو أن هذا الاقتصاد غير الرسمي، يمثل أهمية كبيرة لصناعة الماس في بلجيكا؛ فوفقاً لمؤسسة AWDC فإن حظر دخول الماس لهذه البلاد سيؤدي إلى فقدان نحو عشرة آلاف وظيفة في هذه الصناعة البلجيكية. ومع ذلك تشير بعض التقديرات إلى أن المبيعات من جمهورية أفريقيا الوسطى لا تمثل سوى أقل من ١٪ من إجمالي واردات أنتويرب من الماس.

انعكاسات محتملة

من المتوقع أن تؤدي جهود فاجنر لتعزيز حضورها الاقتصادي في القارة الأفريقية إلى ما يلي:

1-توسُّع العقوبات الدولية على نشاط فاجنر: حيث فرضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على بريجوزين وآخرين مرتبطين بعمليات فاجنر، ومن المرجح أن يؤدي توسيع حملة العقوبات المتعددة الأطراف ضد فاجنر إلى ممارسة ضغوط مستمرة على قدرتها على العمل. ومع ذلك، فإن الهياكل المالية لفاجنر تبدو معقدة ومبهمة عن قصد. ويعتمد معظمها على الشركات الواجهة لإخفاء عملياتها وأصولها؛ حيث تضم المجموعة شبكة فضفاضة وسرية من الشركات والوسطاء الماليين الذين لديهم روابط مع بريجوزين والدولة الروسية، وهذا الهيكل الفضفاض يضعف من فاعلية العقوبات وغيرها من سياسات الاستهداف المالي، التي يمكن للشركات العسكرية الخاصة تجنبها من خلال تغيير هيكلها وإعادة توجيه أنشطتها المالية والتعتيم عليها؛ لذلك يرى العديد من الخبراء الأمنيين أن توسيع العقوبات سيكون مفيداً للغاية باعتبارها إحدى الاستراتيجيات الهامة لتعطيل العمليات الاقتصادية والمالية لفاجنر.

2-تصاعد الدعاية الغربية المضادة لفاجنر: حيث تزايدت الانتقادات الدولية لانتهاكات فاجنر في أفريقيا الوسطى. وقالت سفيرة الولايات المتحدة ليندا جرينفيلد لدى الأمم المتحدة في أكتوبر الماضي إن مجموعة فاجنر تنهب الموارد الطبيعية في أفريقيا للمساعدة في دفع تكاليف الحرب الروسية في أوكرانيا والشرق الأوسط. واتهمت ليندا جرينفيلد فاجنر بالاستفادة من البلدان التي تعمل فيها، وتوجيه “المكاسب غير المشروعة” للمساعدة في دعم العمليات العسكرية الروسية. وقالت إن فاجنر تستغل الدول العميلة التي تدفع مقابل خدماتها الأمنية من الذهب والماس والأخشاب والموارد الطبيعية. وفي الوقت نفسه، وجهت الدول الغربية انتقادات متكررة لممارسات فاجنر في جمهورية أفريقيا الوسطى؛ حيث اتهمت فاجنر بارتكاب جرائم ضد السكان المحليين بما في ذلك اغتصاب المراهقات في القرى القريبة من معسكرات الشركة الروسية. وأشارت تقارير محلية في أفريقيا الوسطى إلى تنامي مشاعر الاستياء والإحباط تجاه الروس وممارساتهم واستغلالهم الاقتصادي.

3-التوجُّه إلى تصنيف فاجنر ككيان إرهابي: ثمة مطالب متصاعدة من جانب مسؤولين عسكريين وسياسيين في الولايات المتحدة لتصنيف فاجنر ككيان إرهابي. ويرى هذا الاتجاه أن تصنيف فاجنر على أنها كيان إرهابي، له تأثيرات حيوية بالغة الأهمية، ومن شأنه أن يقلص تكلفة التعامل معها، ويتوقع معه أن يدفع الدول والشركات والمؤسسات في اتجاه إعادة النظر في إقامة علاقاتها مع فاجنر والتعامل معها على أنها منظمة إرهابية، وأن هناك فوائد عديدة لهذا التوجه، وأهمها الحد من وصول فاجنر إلى الموانئ والموارد الطبيعية.

وفي المجمل، يبدو أن مجموعة فاجنر الروسية تستهدف البلدان الهشة سياسياً وأمنياً والغنية بالموارد في القارة الأفريقية، لا سيما جمهورية أفريقيا الوسطى ومدغشقر وموزمبيق ومالي، وهي تتبع ممارسات ميليشياوية في تمويل أنشطتها والقيام بدورها في تحقيق أهداف السياسة الخارجية الروسية وتحقيق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية وعسكرية لموسكو، غير أن التوسع الاقتصادي لفاجنر في الدول الغربية يواجه بتحديات عديدة، وأهمها سياسة العقوبات التي تنتهجها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ وذلك بهدف زيادة تكاليف ومخاطر استخدام موسكو للمجموعة في زيادة نفوذها في القارة.


Ahmed Abdel-Alim – إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

vote/تقييم

SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى