استخدام الدين في الحياة السياسية

المؤلفون أحمد خميس 1؛ محمد الطيار 2، مجلة السياسة والاقتصاد، المقالة 1، المجلد 11، العدد (10) أبریل 2021، الربيع 2021، الصفحة 1-23 

1- قسم الغلوم السباسية، جامعة حلوان

2- قسم العلوم السياسية، جامعة حلوان.

هدف هذه الورقة البحثية إلى تحليل آلية استخدام الدين في الحياة السياسية (توجيه الرأى العام)، من حيث حساسيته فى المجتمعات العربية؛ ولما يثيره من قوة ردع أخلاقية کبري تؤثر على سلوک المواطنين من ناحية، ونتيجة استخدامه من کافة الأطراف في المجتمعات العربية سواء الحکومة (السلطة الحاکمة) أو القوى المجتمعية سواء کانت حرکات اجتماعية أو أحزاب أو مؤسسات دينية (الکنيسة أو مؤسسة الأزهر) أو جماعات التيار السياسي الإسلامي کالأخوان المسلمين أو السلفيين أو غيرهم، من ناحية أخرى.
وتنقسم هذه الورقة البحثية إلى ثلاثة أقسام: أولها، أسباب اختيار الدين کأداة لتوجيه الرأي العام، وثانيها، استخدام الدين لتبرير الطاعة للحاکم. وثالثها، استخدام الدين لتبرير الثورة ضد الحاکم.

مقدمة:

    ينهض الدين بدور هام فى تکوين الرأى العام فى معظم دول العالم المتقدم والنامى على حد سواء، فى کافة المجالات الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والعلمية. وبذلک يمکن القول بأن الدين أحد الدعامات الرئيسية في بناء الحضارة الإنسانية، والنشاط الإنساني ککل، من حيث استمراره، وتقدمه أو تراجعه (أماني صالح، وعبد الخبير عطا، 2008: 84- 85).  

    وقد يستخدم الدين للاضطهاد کما حدث مع جاليلليو فى عصر النهضة حين جرؤ على القول بأن الأرض کروية. وقد يستخدم الدين لنشر روح المحبة والتسامح، وقد يستخدم لنشر روح التعصب (أحمد حسن، 2010: 134).

    ومن الملاحظ أن العلاقة بين الدين والدولة تختلف من مجتمع لأخر، ومن مرحلة تاريخية إلى مرحلة أخرى؛ وفقاً لمکانة الدين فى حياة الناس، ووفق خصوصية کل مجتمع، ووفق رؤية الانظمة الحاکمة لمکانة الدين، وتأثيره من ناحية، ومن ناحية أخرى، وفق رؤية وفهم القوى الاجتماعية الأخرى (غير الدولة) لمکانة الدين، ومدى الانسجام بين رؤية الدولة، والقوى الاجتماعية الاخري، والتوافق او الاختلاف فيما بين الرؤيتين. فضلا عن مکانة الدين فى السياسة العالمية، ورؤية القوى العالمية والاقليمية لمکانة الدين وتأثيره فى المجتمعات، وعلاقتها ببعضها البعض.

    تهدف هذه الورقة البحثية إلى تحليل آلية استخدام الدين لتوجيه الرأى العام، من حيث حساسيته فى المجتمعات العربية؛ لما يثيره من قوة ردع اخلاقية کبري تؤثر على سلوک المواطنين من ناحية، ونتيجة استخدامه من کافة الاطراف فى المجتمعات العربية سواء الحکومة (السلطة الحاکمة) أو القوى المجتمعية سواء کانت حرکات اجتماعية أو احزاب أو مؤسسات دينية (الکنيسة أو مؤسسة الأزهر) أو جماعات التيار السياسي الإسلامي کالإخوان المسلمين أو السلفيين أو غيرهم.

     يمکن التمييز بين أربعة اتجاهات کبرى للعلاقة بين الدين والسياسة (أبواللوز، 2010): أولها، السمو المطلق للدين على السياسة، وبالتالي خضوع السياسة الکامل للدين، وتشکل مجموعة الأفکار التي تسير في هذا الاتجاه نظريات دينية، لأنها نتاج رؤية دينية وذات حساسية تجاه المفارق وتجاه سمو الروحي على الزمني، ولأنها انطلقت غالبا من مصلحين دينيين کلوثر وکالفن، أو من رجال قانون کبودان، أو رجال الکنيسة مثل بوسيي، أو فلاسفة کدومستر. وثانيها، أن المجال السياسي مستقل عن المجال الديني. فهو يرتبط بالعلل الثانوية وغير منظم من قبل الله، وأصبح خاضعا لقوانين الطبيعة التي يضعها الإنسان بواسطة العقل، کما أصبحت فکرة القانون المنظم للمجال السياسي واضحا بدقة من نواح عدة، فهو يتميز عن القانون الإلهي من ناحية الأهداف، لأنه لا يخلق واجبات إلا ضمن المقياس الذي يظل متطابقا مع العقل والحق الطبيعي، وهو يتميز عنه من ناحية غايته، لأن لا أهداف له سوى خدمة الخير العام؛ فسن القانون يعود إلى الشعب بأکملها، فالقانون الظالم ليس قانونا، وإنما انحراف عن غاياته، کما أنه انحراف عن معرفة الحقيقة التي يمکن أن تصل إلى الإنسان بواسطة العقل. إذا کانت النظريات الدينية هدفت – رغم الاختلافات المسجلة داخلها – إلى الحفاظ على سمو الدين على السياسة، فإن بعض المفکرين الآخرين أبدوا فکرة مضادة هدفت هذه المرة إلى إخضاع الدين للسياسة، عن طريق اعتبار الدين مجرد وسيلة يستعملها الحاکم لتحقيق أهدافه السياسية، فهي إذن نظريات أذاتية معبر عنها من لدن فلاسفة ومفکرين سياسيين أعطوا أهمية مرکزية للدولة لتزويدها بمختلف الوسائل لتقويتها بما فيها الدين نفسه. وثالثهما، إخضاع الدين للسياسة، على الرغم من عدم إنکار أهمية الدين کعامل استقرار اجتماعي، فضلا عن ملاحظة بعض المفکرين أنه قد يکون مصدرا للتفرقة والنزاعات، وبالتالي سببا لضعف الدولة، ورأوا ضرورة إخضاعه لهذه الأخيرة لتجاوز الأخطار الناجمة عنه، ولاستخدامه لتقوية سلطتها والحفاظ عليها. فميکيافللي ومونتسيکو، رأو أن لا يعني ارتباط الدين بالسياسة، وجوب تطبيق الأمير لواجباته الدينية والأخلاقية، وإنما للوصول إلى السلطة والحفاظ عليها.  ورابعهما، الفصل التام بين الدين والسياسة وبالتالي استقلالية الکنيسة عن الدولة، فالمجال العام، کحقل للتنافس المستمر والحر بين المصالح المنظمة للوصول إلى تفاهمات عملية واجتماعية، أي بالمفاوضات الذاتية وحسب موازين القوى، والمجال الخاص المستقل عن العام، توضع فيه کل الشؤون البعيدة عن السياسة وعن تنظيم الشأن العام، کالدين ومختلف القيم الأخلاقية والفلسفية وغيرها من المبادئ الشخصية والعائلية للأفراد. ومن أبرز ممثلو هذه النظرية: جون لوک وبنجمان کونستانت، ولامينيس، ثم توکفيل.   

     وقد نصح الأمين العام لواحدة من أکبر المنظمات السياسية الدينية في العالم، إن لم تکن أکبرها، أکمل الدين إحسان أوغلو، الأمين العام الأسبق لمنظمة التعاون الإسلامي، بعدم إدخال الدين في السياسة، إذ ذکر معلقا على اتساع النزاعات بين الشيعة والسنة “الاختلاف المذهبي واقع وحقيقة تاريخية في العالم الإسلامي منذ بدايته إلى يومنا هذا، وهذا واقع تعايشنا معه على مدى عدة قرون، ولم يکن طوال هذا التاريخ هذا الصراع المذهبي الذي يدعو إليه البعض”. وحث أوغلو على التعايش وعدم إقحام السياسة في المذاهب (الراشد، 2011).

     ومن ثم، تسعى هذه الدراسة إلى معالجة کيفية استخدام الدين الإسلامي في الحياة السياسية، خاصة في العالم العربي، من قبل کافة القوى المجتمعية الرسمية منها، وغير الرسمية. وتثير هذه المشکلة البحثية، عدة تساؤلات، أبرزها: ما أسباب اختيار الدين کأداة لتوجيه الرأي العام؟، وکيف يستخدم الدين في الحض على طاعة الحاکم؟ وکيف يستخدم الدين في تبرير الثورة ضد الحاکم؟

     ومن خلال مراجعة الأدبيات السابقة، مثل: دراسة “دور الدين في السياسة الخارجية مع التطبيق على السعودية وترکيا” (أبو العلا، 2007)، ودراسة “إشکالية الاستبداد والفساد في الفکر والتاريخ السياسي الإسلامي” (أبو سليمان، 2011). ودراسة  “Civil Democratic Islam: .Partners, Resources, and Strategies” ( Benard, 2001)يتضح عدم الترکيز على کيفية استخدام الدين في الحياة السياسية، سواء فيما يتعلق بتبرير الطاعة للحاکم أو الدفع للثورة ضده. 

     ومن ثم، ترجع أهمية هذه الدراسة إلى توضيح کيف يستخدم الدين الإسلامي على أساس کونه الدين الرسمي للدول العربية على وجه الخصوص، في الحض على طاعة الحاکم من ناحية، ومن ناحية أخرى، في الدفع للثورة ضد الحاکم.

     وتقوم الدراسة على أساس اختبار صحة الفرضية التالية: کلما تمت السيطرة على القوى الدينية سواء رسمية أو غير رسمية، کلما تمکنت من تعزيز الطاعة للحکام، والعکس بالعکس. إذ کلمت انخفضت السيطرة على القوى الدينية کلما دفعت للثورة على الحکام.

     وتستخدم الدراسة منهج النظم، إذ تعتبر أن اعتناق أغلب مواطني العالم العربي الدين الإسلامي کمدخل، واستخدامه من قبل کافة القوى الرسمية وغير الرسمية کمخرج.

    وتتعد مستويات تحليل علاقة الدين بالسياسة على المستوى العام، ويمکن الحديث عن ثلاث مستويات اساسية: أولها: الدين ککتاب منزل من السماء (خاصة الاديان السماوية الثلاث) بما يحتويه من مبادىء حاکمة للدين والدنيا. وثانيها، الفکر السياسي للدين، ويتضمن الرؤي والاجتهادات والأفکار التى طرحت فيما يخص علاقة الدين بالسياسة. وثالثها، الدين کما عبرت عنه أنظمة الحکم، والقوى الاجتماعية والتيارات السياسية. وترکز الورقة البحثية التى بين أيدينا على هذا المستوى الثالث، من حيث مدى استخدام کل طرف سواء الدولة أو القوى الاجتماعية الأخري للدين کداعم لشرعية النظام القائم، أو کمبرر للثورة ضده.

        وتنقسم هذه الورقة البحثية إلى ثلاثة اقسام:

أولاً: اسباب اختيار الدين کأداة لتوجيه الرأى العام.

ثانياً: استخدام الدين لتبرير الطاعة للحاکم.

ثالثاً: استخدام الدين لتبرير الثورة ضد الحاکم.

أولاً: اسباب اختيار الدين کأداة لتوجيه الرأى العام:

    يشير مفهوم الدين إلى العديد من الدلالات اللغوية، لعل أهمها:

أ‌-  الانقياد والتعبد، بأن يکون الانسان عبدا مطيعا بالأمر والإکراه، خاضع لأوامره.

ب‌- الإعتقاد بأن الله هو من يحاسب عباده، ويعاقبهم، ويجازيهم (أبو الأعلى المودودي، 1993: 116- 130) و (أبو الحسين أحمد زکريا، ، د.ت: 319- 320).

    ويمکن القول بصعوبة وجود اجماع على تعريف للدين، ولعل صعوبة ذلک ترجع للعديد من الأسباب، أهمها:

أ‌-     استخدام مفهوم الدين بالعديد من المعانى، وللدلالة على ظواهر مختلفة، يصعب تمييزها.

ب‌- مرور مفهوم الدين بالعديد من مراحل التطور عبر تاريخه؛ مما ترتب عليه تطور معانيه عبر مراحله المختلفة، ووفقاً لکل مرحلة.

ت‌- عدم اقتصار مفهوم الدين على نطاق جغرافى واحد؛ مما عرضه لتعدد الثقافات والبيئات والأفراد المعتنقين له.

ث‌- تعرض مفهوم الدين للتوظيف السياسي (تسييس الدين) سواء من قبل الأنظمة الحاکمة أو من قبل القوى المجتمعية (هويدا أبو العلا، 2007: 17- 18).

   ويمکن القول بأن اختيار استخدام الدين لتوجيه الرأى العام يرجع للعديد من الأسباب، لعل اهمها:

1- المکانة الاجتماعية للدين:  

    لايزال الدين لاعباً رئيسياً في تشکيل السلوک السياسي، فنموذج الدولة القومية لم ينجح في تخليص النشاط السياسي من الدوافع والمطالب والمؤثرات الدينية (عبد العزيز صقر، 1989: 5- 12). فعلى سبيل المثال يري البعض أن الدين الإسلامي يقدم نسقا عقيديًا متکاملا، وأيديولوجية لبناء الدولة، والتعامل مع العالم الخارجي (محمد سليم، 1998: 218). مما يظهر مدى تأثير الدين على السلوک السياسي بوجه عام، وتوجيه الرأى العام بشکل خاص.

    وقد تنبأ العديد من المحللين والباحثين بعودة الاديان مرة اخرى، خاصة فى القرن الحادى والعشرين، الذى وصفوه بأنه “قرن ديني بامتياز”؛ نتيجة تلازم الدين بالوجود الانسانى، وما يصاحب ذلک من تطور ثقافى وحضاري،….. بمعنى أخر، أضحى للدين تأثير قوى ومحرک للشعوب، خاصة فى مناطق الصراعات کمنطقة الشرق الأوسط، والبلقان، وآسيا الوسطى (محمد سعدى، 2006: 91- 92).

2- عودة الدين بقوة للسياسة العالمية:   

    يري الکثير من المحللين أن هذه العودة ترتد إلى العديد من العوامل لعل اهمها:

أ-طغيان النزعة الفردية، حيث يري نموذج الحداثة الغربي أن الدين نظام من المعتقدات الشخصية مرتبط بالفرد ولا يتخطاه إلى الجماعة أو المجال العام. فى حين أن العديد من المجتمعات غير الغربية يلعب الدين فيها دورا على اساس اعتباره نمطا للحياة، ينظم المجالين الفردى والجماعى، والخاص والعام. وبالتالى لما للدين کمنظم للمجتمع ککل من ناحية، ولحياة الافراد من ناحية ثانية، وکمستودع للقيم والاخلاق من ناحية ثالثة.

ب-فشل سياسات التحديث والتنمية التى اتبعتها العديد من دول الجنوب، وما ترتب على ذلک من انتشار للفساد بکافة صوره، وتقطيع لأواصر العلاقات الاجتماعية؛ مما ساهم فى طرح الدين کوعاء ينظم المجالات الثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. بمعنى أخرى النظر إلى الدين على أنه يلبي الحاجات الروحية، من ناحية، والحاجات المادية في المجالات الاجتماعية، والسياسية، والثقافية من ناحية أخرى، ويري البعض أن الدين ليس بأفيون الشعوب کما ذکر کارل مارکس، بل فيتامين الضعفاء، والمهمشين في العالم (محمد سعدى، ص 93- 96).

    ويحتل الدين فى المنطقة العربية مکانة خاصة، فهى مهد الأديان السماوية الثلاث فى العالم: اليهودية، والمسيحية، والاسلامية. لذا يعد تاريخ الشرق الاوسط تاريخ التوحيد، والايمان بوجود إله واحد فى هذا الکون. ومن المنطقة خرجت المسيحية، ومن بعدها انتشر الإسلام، ووصل لکافة أرجاء العالم (ديبورا ج. جيرنر، 2003: 495- 497).

    ويعد الدين الإسلامي أسلوب حياة متکامل، يوفر الأسس للحياة العامة، والخاصة للفرد وللجماعة، وللدولة وللمجتمع على حد سواء. والغرض الرئيس من القوانين الاسلامية (الشريعة الاسلامية) تحقيق العدل والسلام، ومنع الشر، ونشر الخير. وتعمل السياسة فى الاسلام على توجيه الحکومات وحثها على توفير الحکم الاخلاقى على اساس من الشورى مع مواطنيها (ديبورا ج. جيرنر، 2003: 504- 505).  

    ولا زال للدين دور محوري فى سياسة الشرق الأوسط، سواء من حيث ما يواجه الاقليات غير المسلمة فى هذه المجتمعات من عقبات، أو عقب بروز التيار السياسي الإسلامي على المسرح السياسي فى الدول العربية، وهو ما أطلق عليه الانبعاث العالمي للدين؛ وقد وفر الانبعاث الدينى للاسلام فى الشرق الأوسط تربة خصبة لدراسة تأثير الدين على المجال السياسي فى هذه المنطقة. بل وصار الدين موضوعا رئيسيا فى دراسة السياسة الدولية ککل.

    ويشتد الاختلاف فى اسرائيل بين اليهود المتشددين واليهود العلمانيين حول اسبقية تعاليم الديانة اليهودية (کما يراها الحاخامات) أم المبادىء الديمقراطية. وقد انعکس هذا الاختلاف على الشعب الاسرائيلي حيث ترى الاغلبية تقديم الديمقراطية على الشريعة اليهودية (يعقوب ملکين، 2003: 13- 18، 115- 118). وقد سعى البعض لرأب الصدع بين هذين الاتجاهين، عبر الحديث عن أن اليهودية بوصفها ثقافة، تضم کل التيارات الدينية والتيارات المتحررة من الديانة أيضا، ومن أن اليهودية کثقافة تتغير وتتنوع في خصائصها وسماتها (يعقوب ملکين، 2003: 31- 33).

    وفي ماليزيا نجد أن الدين الإسلامي يمثل عنصرا رئيسيا في شخصية المالاوي وهويتهم، والعمود الفقري للتماسک الديني الثقافي للمالاوي، بمعنى أخر نجد أن الدين الإسلامي بالنسبة لهم أسلوب حياة؛ نتيجة ارتباط منظومة القيم الاجتماعية بالدين الإسلامي (کمال المنوفي، جابر عوض، هدى متکيس، 2006: 186- 187).

    وترجع الأهمية التبادلية للدين والسياسة إلى العديد من المهام التى يقوم بها کل منهما خدمة للاخر، (خاصة فى منطقة الشرق الأوسط)، بحکم أن هذه الأخيرة مهد الأديان الثلاثة کما سبق ذکره، وأن الدين مصدر للهوية، لما يوفره من رموزا لمصداقية ومغزى ومعنى الوجود السياسي والاجتماعي وبحکم أن الدين مصدر اساسي ولا غنى عنه للمجتمع المدنى من ناحية، ويضفي الشرعية على الأنظمة الحاکمة أو قد يوفر الطاقة الحيوية الثورية لتحدى شرعية تلک الأنظمة (ديبورا ج. جيرنر، 2003: 520- 524).

3-استخدم الدين من کافة الأطراف سواء الدولة أو القوى الاجتماعية الأخرى  

        حرصت الأنظمة الحاکمة على احتواء المؤسسات الدينية؛ ادراکا منها لأهمية الدين وتأثيره على المواطنين، ففي مصر على سبيل المثال، يتم تعيين شيخ الأزهر، ومفتي الديار المصرية، إلى جانب تعيين أئمة المساجد والزوايا، من قبل السلطة الرسمية. کما أن جماعة الأخوان المسلمين اتخذت من “الإسلام هو الحل” شعارها الأساسي.

    وقد أجمعت الدول العربية رغم اختلافها من حيث الطبيعة (جمهورية أم ملکية)، والتوجهات السياسية، والتحالفات الاقليمية والدولية، اجمعت على توظيف الدين الإسلامي کمصدر للشرعية، عبر العديد من الاساليب، لعل اهمها:

أ-تأسيس المؤسسات الدينية واضفاء طابع الرسمية عليها من اجل اضفاء نوع من الغطاء الدينى للقرارات السياسية، من ذلک تأسيس وزارة الأوقاف، وتعيين الأئمة، ومسئولة عن المساجد، وانشاء دار الافتاء، وعلى أن يعين المفتى من قبل السلطة الحاکمة. فضلا عن تأسيس لجنة دينية فى المؤسسة التشريعية.

ب-الاهتمام من قبل الحکام بالدين من الناحية الرمزية والسلوکية، فيحرص بعضهم على الحضور والقاء خطب في المناسبات الدينية، کالاحتفال بليلة القدر، وتکريم حفظة القرآن الکريم،،،،، (حسنين توفيق،2001: 77- 85).

ج-حرص بعض الحکام فى أغلب هذه الدول، على بدء خطبهم بـ ” بسم الله الرحمن الرحيم”؛ کايحاء منهم باهتمامهم بالدين.

د ــــــ محاولة بعض القادة ربط أنفسهم بنسل النبي صلى الله عليه وسلم کما فى حالتى الأردن والمغرب.

    ولا تقتصر عملية توظيف الدين على الانظمة الحاکمة فقط، بل تمتد إلى کافة القوى الاجتماعية الاخرى. الإ أن هذه القوى قد تستخدمه لدعم شرعية الدولة، أو ضد شرعية الدولة. ففى دولة کاسرائيل استخدمت القوى والجماعات الدينية (اليهودية) الدين لدعم القدرات العسکرية للجيش، وعبر اعطاء محاضرات عن الدين للجنود، وفى بعض الاحيان دعوة الجنود لرفض أوامر قادتهم. مع العلم بأن حوالي 80% من أفراد الجيش الاسرائيلي يأتون من العلمانيين (کل شاب وشابة غير متزوج)، مقابل 20% من المتدينين (محمد أبو غدير، 2000: 53، 65، 103). وکذلک يري بعض القوميين اليهود أن الکنيست (البرلمان) يعتمد على الشرائع غير اليهودية أکثر من اعتماده على الشرائع اليهودية، التي يجب أن يکون لها السمو والهيمنة (مارک جانسماير، 1995: 174- 175).

    وفى باکستان نجد اضفاء الصبغة الاسلامية على المؤسسات التى بدات تتأسس فى هناک منذ 1977. بل إن الاسلام شکل اساس وجود الدولة الباکستانية التي تأسست في 15 أغسطس 1947 والتي تميزت من البداية بالأغلبية المسلمة الکاسحة (مارک جابوريو، 1991: 156).

    وقد تستخدم القوى الاجتماعية الأخرى (غير الدولة) الدين لکسب الشرعية، وللتاکيد على أن قراراتها ومواقفها منسجمة مع الدين. ففى مصر استخدمت الجماعة الاسلامية العنف ضد الدولة، بما ينسجم مع رؤيتها وفهمها للشريعة الاسلامية. وفى المقابل قبلت جماعة الاخوان المسلمين فى مصر، وجبهة العمل الإسلامي في الأردن، والتجمع اليمنى للإصلاح العمل والمشارکة في النظم السياسية القائمة. فعلى سبيل المثال أقدمت جماعة الإخوان المسلمين على خوض الانتخابات البرلمانية، وحصلت على عدد من المقاعد البرلمانية؛ على الرغم من رفض النظام الحاکم (سابقاً) إضفاء أي مشروعية عليها (حسنين توفيق، 2001: 91- 96).

    وهناک من القوى السلفية، من يرفض فکرة الانتخابات باعتبارها مساومة على الاسلام، فى مقابل من يجيزها بحسبانها وسيلة تستخدم لدعوة الناس إلى الهداية (هشام جعفر، 2004: 69- 73).

    وبالنسبة للأخوة المسيحيين، فقد تحدث قداسة البابا شنودة الراحل خلال إحدى عظاته الأسبوعية وقال للحاضرين “أن إدلاء الصوت في الانتخابات واجب وطني، المقصر فيه مقصر في حق الوطن، وواجب روحي، وحث الأقباط على المشارکة حتى يشعر الناس بوجودهم الوطنى، ودعاهم إلى التواجد بفعالية، لکى يکون لهم تأثير في حياة البلد، وهذا يجعل الناس يحترمونکم، ولو لم تنتخبوا تصبحون مثل جثة مهملة، لا يشعر أحد بوجودها، بل البعض يقول برکة لم تأت منا وأتت منکم، وآخرون قالوا اخبط رأسک في الحيط وشوف النتيجة، وفريق ثالث سيقول أن الانتخابات ستتم بکم أو بدونکم (جون عبد الملاک، 2011).

    وأوصى البابا شنودة الثالث الأقباط بمواجهة أي صعوبات يجدونها في اللجان باللجوء للقضاء قائلاً: استعدوا کلکم للطريقة التي تبدون بها أصواتکم، وإذا ذهبتم للإدلاء بصوتکم وواجهتم مشکلات من المسئول بهذا المکان قولوا له “هنرفع عليک قضية”. و”خليکم رجالة”, وليس عيبًا عليکم أن تطالبوا بحقوقکم لئلا واحد يقول من باب الزهد والنسک والاستسلام أنه عيب، بل إني أتذکر بولس الرسول في مرة من المرات کانوا سيجلدونه، فنظر للأمير الذي يريد جلده وقال هل “يجوز لکم جلد رجلا رومانيا غير مقضيا عليه” لأنه حينها کان الرومانى يجلد بحکم قضائى، فالأمير قال له أنا رومانى لأنى اشتريت الجنسية الرومانية وأنت, فقال له بولس الرسول أنا ولدت بها، وفي مرة أخرى أراد آخر تسليم بولس الرسول لليهود ليفتکوا به فنظر له الرسول وقال: “أمام کرسي ولاية قيصر أنا واقف وإلى قيصر أرفع شکواى” فأجابه الوالى إلى قيصر أنت تذهب, وبولس الرسول يعلمنا مواجهة المشکلات والدفاع عن حقوقنا، المهم الواحد يدافع عن حقه بدون خطأ, وليس هناک خطأ في المطالبة بحق، ولکن هناک خطأ عندما نخطئ لأحد، والکتاب يقول اغضبوا ولا تخطئوا. وأوصى البابا الآباء الأساقفة والکهنة بتنظيم تلک العملية، ومساعدة الناس على الإدلاء بأصواتهم، وألا يقولون إن واجبهم فقط الصلاة ولکن واجبکم أيضًا وطني (جون عبد الملاک، 2011).

    وقد تحدث البعض عن أن البابا شنودة الثالث قد أصدر تعليمات للأقباط بأن يصوتوا لصالح المرشحين الأقباط فى الانتخابات البرلمانية 2011/ 2012 والتى انطلقت المرحلة الأولى منها فى 28 نوفمبر 2011. وفى حال لم يکن هناک مرشحون أقباط، طلب البابا التصويت لمرشحى أحزاب “المصريين الأحرار” و”التجمع” و”الإصلاح والتنمية” و”المصرى القومى” وإن لم يکن هناک مرشحون من هذه الأحزاب فيصوتوا لليبراليين وطالب بالتصويت لـ “الکتلة المصرية” التى تضم أحزاب المصريين الأحرار والتجمع والمصرى الديمقراطى التى يترأسها رجل الأعمال نجيب ساويرس- آنذاک-، والراحل رفعت السعيد رئيس حزب التجمع سابقًا والدکتور محمد أبو الغار، وکتلة رامي لکح ومحمد أنور عصمت السادات التى تحمل اسم کتلة الإصلاح والتنمية. وفي المقابل، حذر من التصويت لـ “الإخوان المسلمين” والتيارات الإسلامية وحزب “الوفد”، لأنه تحالف في البداية مع “الإخوان”، وحث الأقباط على أن يکونوا کتلة تصويتية مؤثرة في الانتخابات (حسين البربر،2011).

    وفى جنوب وجنوب شرق آسيا استخدمت القوى الدينية السياسة لحل المشاکل الدينية، عبر اضفاء النزعة الاسلامية على السياسات (مارک جانسماير، 1995: 77- 79).

4-استخدام الدين للحض على التسامح أو على التعصب:

    تحض جميع الأديان السماوية (اليهودية – المسيحية- الاسلامية) على التسامح، وعدم التعصب، أما يؤدى إلى التعصب هو الفهم والتفسير الخاطىء للدين من قبل البعض. بمعنى اخر يعد مفهوم التسامح فى الاديان مفهوماً وجودياً اعترف به القرآن الکريم، وحض على المسامحة نتيجة اعترافه باختلاف البشر {يا أيها الناس إنّا خلقناکم من ذکر وأنثى وجعلناکم شعوباً وقبائل لتعارفوا} والتعارف معرفة ومعروف وعرفان. وأشار الله عز وجل إلى ان الاختلاف سنة کونية، ولو أراد ان يوحدهم لفعل ما يريد {ولو شاء ربّک لجعل الناس أُمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين} (سورة الحجرات. الآية 13). وقد حض الاسلام على حسن معاملة المختلفين في الدين وبرهم {لا ينهاکم اللهُ عن الذين لم يُقاتلُوکم في الدين ولم يُخرجوکم من ديارکم أن تبرُّهم وتُقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} (سورة هود. الآية 118). وأمر الله عز وجل بعدم سب المختلفين في الدين {ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عَدْواً بغير علم} (سورة الأنعام. الآية: 108).

    بمعنى اخر تحض کافة الاديان (السماوية) على التسامح وعدم التعصب، ويرجع ذلک إلى وحدة تلک الأديان الثلاثة، ونزولها من مصدر واحد فقط (يوسف ذياب عواد، 2007: 86- 87).

    بيد أن البعض يفهم الدين على أنه يحض على التعصب وعدم التسامح، على نحو ما يدعى المهاجمون للإسلام والمعادون له، ففي أوربا يمارس اليمين المتطرف حملة ضد الممارسات الإسلامية، فعلى سبيل المثال، نظم حزب “رابطة الشمال” اليميني في إيطاليا مسيرة ضمت خنازير في المواقع التي سيتمّ فيها بناء مساجد. وفي فرنسا، نظّمت حرکة معادية للمسلمين تدّعي بأنها علمانية حفلات تم فيها تقديم أنواع من السجق الفرنسي والنبيذ في الهواء الطلق، في تحدّ واضح للتعاليم الإسلامية التي تحرم أکل لحم الخنزير وشرب الکحول (فيرجيني غيرودون، 2011). 

    ويذکر إدوارد سعيد أن هنتنجتون صاحب نظرية “صراع الحضارات” سعى لفتح معرکة بين الغرب والاسلام، وکأن الاسلام يزحف على أوربا والغرب (إدوارد سعيد، 1995). بمعنى أخر، بعد انهيار الاتحاد السوفيتى لجات الدول الغربية إلى خلق عدو (خارجى)، وجدوه فى الشرق، وفى الدين الإسلامي على وجه التحديد. وقد ساعد على ذلک تصوير الاسلام فى وسائل الاعلام الغربية على أنه مفرخ للارهاب، والانغلاق، والبربرية، وبالتالى مهدد لمنجزات الحضارة الغربية.

    ومن ثم يمکن القول بأن الغرب قد وضع الاسلام فى موقع المهدد الحقيقي لحضارتهم، أمنيا وقيميا. وهو ما عبر عنه مستشار الادارة الامريکية للشئون الاستراتيجية والعسکرية سابقا إدوارد لو تواک بأن الحد الفاصل بين الحضارتين هو البحر المتوسط، الذي يفصل بين الساحل المسيحي الذي يجيز الاختلافات في وجهات النظر، والساحل الإسلامي الذي يبرر فيه الهجوم على الحضارة الغربية (محمد سعدى، 2006: 97- 99).

    وهو ما تشابه مع العديد من الدعوات لمحاربة ومواجهة الاسلام. فنجد أن Newt Gingrich دعا الولايات المتحدة إلى صياغة استراتيجية لمحاربة الاسلام الديکتاتوري، والمستبد. وهو ما يتسق مع المفهوم الأمريکي للإسلام الذي تم فيه الربط بين الاسلام وبين البدائية، والوحشية، والشمولية، والبربرية (فواز جرجس، 1997: 13- 24).

    وهناک من رأى أن الاسلام ستتيح له امکانياته من منظور عدد سکانه المتزايد، وقوته المالية الکبيرة أن يشکل تحديا کبيرا امام الغرب، وذکر أن السبيل لمواجهة هذا التحدى هو تحالف موسکو مع الغرب، ويبنى اصحاب هذا الاتجاه، رأيهم على أن المسلمين يرون العالم معسکرين لا يقبلان التصالح ” دار الاسلام”، و ” دار الحرب”. لذا وجب التحالف لاحتواء هذا التحدي الإسلامي (ريتشارد نيکسون، 1992: 187).     

    ويذهب المؤرخ الفرنسى “جوستاف لوبون” إلى “أن مصر ظلت مثالاً للتسامح الدينى، سواء من داخلها أو ممن غزاها، فهذا يعترف بديانة ذلک، وذلک يعبد آلهة الآخر، إلى أن جاءها المسيحيون ثم المسلمون فعرفت التعصب للحقيقة المطلقة. وعلى الرغم من أن في الأديان التوحيدية (اليهودية والمسيحية والاسلام) مادة خصبة لتقوية التسامح، إلا أن الممارسة التاريخية لم تکن، کما يعتقد کثير من الباحثين، متسامحة على الدوام (ماعت للسلام والتنمية وحقوق الانسان، 2010).

ثانياً: استخدام الدين لتبرير الطاعة للحاکم:

    حدد الدکتور يوسف القرضاوى (الحاکم) أو ولي الأمر الذي لا يجوز الخروج عليه، بأنه هو من اختاره الناس بحرية وبرضا على أساس من التزام الإسلام، يؤمن بالله ورسوله ويحکم کتاب الله وشرع الله عز وجل، فإذا خرج الناس على هذا الأمير أو هذا السلطان أو الرئيس، يکون هذا بغياً منهم (عثمان عثمان، 2011). وبالتالى کقاعدة عامة فإن الحاکم الذي يتم اختياره برضا المواطنين لا يجوز الخروج عليه، ومن ثم وجبت طاعته.

    لا عجب والأمر کذلک، أن يستخدم الدين من قبل الحکام لتفسير الطاعة لهم؛ وبالتالى توليد شرعية لأنظمتهم الحاکمة، وتتنوع وتتعدد أشکال وصور هذا الاستخدام وذلک على النحو التالى:

1-  استخدام الشريعة کأساس للحکم:

    فنجد أن المملکة العربية السعودية قامت على أساس تحالف تصور معين للدين، مع حرکة سياسية قادها الأمير محمد بن سعود. وقد ساعد على ذلک وجود قبر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والحرم المکى، وجبل عرفات، وغير ذلک من اماکن مقدسة أخرى في المملکة (محمد ضريف، 1992: 171-172).

2-  الجمع بين الدينى والسياسي:

    يعتبر الإسلام في المغرب مصدر الشرعية لأي حاکم، ومصدر تدعيم سلطته، فضلا عن کون الاسلام ثقافة تهتم بالشخصية والسلطة، بمعنى آخر إن التکييف الاجتماعي الذي يضم کل فرد إلى المجتمع، يقوم على قبول قانون الجماعة وثقافتها، بحيث بات الاعتراف بالفرد بوصفه أحد مکونات الجماعة، التي تتحقق شخصيته عبرها (جيلبرت جران جيوم، 2007: 33- 40). بمعنى أخر وجد حکام المغرب الدين الإسلامي مرجعا للهوية المغربية، وأساساً لشرعية السلطة الحاکمة، فدمجو بين الخطاب الدينى والسياسي الرسمى، وجمع الحاکم بين السلطة الدينية والسلطة السياسية (محمد ضريف، 1992: 174- 175)، فهناک يطلق على الحاکم “أمير المؤمنين”، وينسب الملک فى المغرب نفسه إلى الاسرة العلوية، وآل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فضلا عن مبايعة علماء الدين للملک؛ مما يضفي على السلطة السياسية شرعية دينية (عبد اللطيف الهرماسي، 1999: 310- 311). صفوة القول إن النظام المغربي يکتسب شرعيته من الدين الإسلامي، فيحرص على کسب ود علماء الدين، والعمل على تجسير المسافات بينه وبينهم؛ حتى يتسنى له الحفاظ على شرعيته.

3-  توظيف الدين فى المجال العام:

    تعمل العديد من الأنظمة الحاکمة خاصة فى الدول العربية على توظيف الدين فى المجال العام، عبر إطلاق مبررات دينية لسياساتها؛ حتى يتسنى لها کسب الشرعية، والحفاظ عليها.      

    لقد شهدت مصر طوال فترة الرئيس الأسبق مبارک استخدام الفتاوى السياسية لکسب تأييد وشرعية للنظام الحاکم، ولعل أهم تلک الفتاوى تلک التي أطلقها الإمام الأکبر الراحل الدکتور محمد سيد طنطاوي ضد الصحفيين المنتقدين للرئيس الأسبق حسني مبارک، وأجاز فيها جلدهم. ثم فتوى أطلقها شيخ سلفي- الشيخ محمود عامر القيادي في التيار السلفي – رئيس جمعية أنصار السنة المحمدية- تجيز توريث الحکم لجمال مبارک نجل الرئيس الأسبق، وأطلق الشيخ نفسه فتوى أهدر فيها دم الدکتور محمد البرادعي، في أعقاب دعوته إلى العصيان المدني في أنحاء البلاد. ولم تغب الکنيسة عن تلک النوعية من الفتاوى، حيث بارک البابا شنودة ترشح الرئيس لولاية رئاسية خامسة، وأجاز أو بارک توريث جمال مبارک للحکم (صبري حسنين، 2011).

    وقد يکون من المجافى للحقيقة القول بأن نظام مبارک الأسبق، النظام الوحيد الذي حکم مصر ووظف الفتاوى لأغراض سياسية، فقد استخدم الرئيس الأسبق “عبد الناصر” الدين الإسلامي لتبرير تبنيه الاشتراکية کأيديولوجية للدولة خلال فترة حکمه. کذلک وظف الرئيس الأسبق “السادات” الدين الإسلامي لتبرير مبادرته للسلام بين مصر واسرائيل (حسنين توفيق، 2001: 82).

    ولم يقتصر توظيف الدين الإسلامي لتبرير السياسات التي تتبعها الأنظمة الحاکمة على مصر فقط، فنجد أن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين قد رفع راية الاسلام فى مواجهة التحالف الدولى الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق؛ من أجل تحرير الکويت، وذلک عبر خطاباته التى ذکر فيها ان الغرب الصليبي يواجه العرب والمسلمين للسيطرة عليهم وعلى مقدراتهم (فريد هاليداي، 1997: 850).

    وعندما ثار المواطنون فى مصر ضد حکم الرئيس الأسبق مبارک، تم توظيف الدين ايضا فى محاولة اثناء المواطنين عن مطالبته بالرحيل. آية ذلک صدور العديد من الفتاوى التى تحرم الخروج على الحاکم، ومن هذه الفتاوى فتوى دعاة السلفية قبل وبعد ثورة ٢٥ يناير 2011. أبرزها فتوى عدم جواز المظاهرات والخروج على الحاکم (صبري حسنين، 2011).

    وفى المملکة العربية السعودية صدرت فتوى بتحريم المظاهرات، ووصفها بأنها مصدر لتفکيک الأمة، والقضاء على دينها وقيمها وأخلاقها وتفريق کلمتها وتشتيت شملها وتقسيم البلاد والسيطرة على خيراتها (نبأ نيوز، 2009).

ثالثاً: استخدام الدين لتبرير الثورة ضد الحاکم:

    لعب الدين دورا کبيرا فى حض المواطنين على الثورة ضد حکامهم، المستبدين الطغاة. خاصة عندما تستخدم الأنظمة القائمة القوة المفرطة ضد مواطنيها، ففى هذه الحالة تبلغ حالة الاحتقان منتهاها، ويوظف الدين ضد تلک الانظمة، ذلک أن الدين الإسلامي حرم قتل النفس، بينما تمارس الانظمة الحاکمة قتل مواطنيها عمدا.

    فقد ذکر شيخ الأزهر الدکتور أحمد الطيب أن مواجهة أى احتجاج وطنى سلمى بالقوة والعنف المسلح وإراقة دماء المواطنين المسالمين، بمثابة نقض لميثاق الحکم بين الأمة وحکامها، ويسقط شرعية السلطة ويهدر حقها فى الاستمرار بالتراضى، فإذا تمادت السلطة فى «طغيانها» واستهانت بإراقة دماء المواطنين الأبرياء، حفاظاً على بقائها غير المشروع – على الرغم من إرادة الشعوب – أصبحت السلطة مدانة بجرائم تلوث صفحاتها، وأصبح من حق الشعوب المقهورة أن تعمل على عزل الحکام المتسلطين ومحاسبتهم. وأکد على أن انتهاک حرمة الدم المعصوم يعد الخط الفاصل بين شرعية الحکم وسقوطه فى الإثم والعدوان، داعياً الجيوش المنظمة فى جميع الدول العربية، فى هذه الأحوال، إلى الالتزام بواجباتها الدستورية فى حماية الأوطان من الخارج، حتى لا تتحول إلى أدوات قمع وإرهاب للمواطنين وسفک دمائهم (أحمد البحيري، 2011).

    وقد ذکر الدکتور يوسف القرضاوى أن الحاکم الذي يأتي على غير إرادة الناس، والناس لا تحبه ولا تريده، يجوز الخروج عليه والثورة ضده. ويضرب أمثلة على ذلک بمعظم من أصبحوا أمراء في البلاد العربية، ويصفهم بأنهم رؤساء جمهوريات وهم ملوک وليسوا ملوکاً في الحقيقة، ولکن أصبحوا ملوکاً لأنهم أصبحوا مستمرين ثم لا يکفي هذا الاستمرار انهم يريدون أن يظل هذا في أولادهم من بعدهم، کلهم، هذه الجمهوريات الخمس کلها کانت تعمل على توريث هذا الحکم لأبنائهم وأصحابهم، فهؤلاء لم يلتزموا بالإسلام، هل بشار الأسد ملتزم بالإسلام، ملتزم بحزب البعث، الحزب الوحيد الذي يحکم الأمة لا التزام بالقرآن ولا بسنة، وأکد على عدم وجود کلمة قرآن أو سنة أو شريعة  في الدستور السوري، وبالتالي فليسوا ممن تجب طاعتهم باستمرار کما هو شأن الحاکم الشرعي الحقيقي الملتزم بما أمر الله والمنتهي عن ما نهى الله والمحل ما أحل الله والمحرم ما حرم الله (عثمان عثمان، 2011). وبالتالى وجب الخروج عليهم، وعدم طاعتهم، ووجب عليهم الانصياع لمطالب شعوبهم وتنفيذها.

    وذکر الدکتور رضوان السيد أن النبي صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع حدد محرمات قطعية إذا ارتکبها الحاکم أو المحکوم، صار مهدور الدم، قال عليه الصلاة والسلام، (( إن دماءکم عليکم حرام، کحرمة يومکم هذا، في بلدکم هذا، في شهرکم هذا، إلى يوم القيامة، وأن أموالکم عليکم حرام کحرمة شهرکم هذا في بلدکم هذا، إلى يوم القيامة، وأن أعراضکم عليکم حرام، في شهرکم هذا، في بلدکم هذا أو ما يقارب ذلک إلى يوم القيامة))، وهذه المحرمات الثلاث على الحاکم والمحکوم، وهذا الخروج السلمي على الحاکم الظالم جائز شرعاً، علمائنا کانوا يترددون وکان هناک نقاش کبير بينهم على مدى 3 قرون، هل يجوز بدء الحکام الظلمة بالقتال إن لم يحملوا سلاحا لقد أجاز الأحناف بدئهم بالقتال، بينما کان الأئمة الآخرون لا يجيزون، نحن عندنا الآن قطعيات من النبي صلى الله عليه وسلم، والخروج حق من حقوق أهل السنة والجماعة، فالجماعة هي التي تدير شأنها العام وقد أُستلب شأنها العام في کثير من الدول العربية والإسلامية منذ عدة عقود، وخرج الناس يريد استعادة إدارة شأنهم العام فهم ليسوا عبيدا ولکنهم أحرار ولا يرثون ولا يورثون. وفي هذه الجمهوريات ارتکبت في حقهم هذه المحرمات الثلاث ليسن الآن فقط بل طوال عقود، وبعد ذلک نقول إن خروجهم صدام وإن خروجهم ليس خروج فئة معينة، بل خروج أکثرية کثرة کاثرة من هذه الشعوب هذه هي الجماعة (عثمان عثمان، 2011).

    فى هذا السياق يمکن تفسير الثورة فى تونس، وفى مصر، وفى ليبيا، وفى اليمن، بأنها عدم رغبة المواطنين فى استمرار حکام هذه الدول السالفة، خاصة وقد أفرطوا فى استخدام القوة ضد مواطنيهم وبالتالى وجب خلعهم.

الخاتمة:

    مما سبق يتضح أن للدين أهمية فى کافة المجتمعات، وبدأ الحديث عن أن القرن الحادى والعشرين قرن ديني بامتياز، في ضوء ظاهرة الانبعاث الديني من جديد، واستخدام الدين من قبل کافة الاطراف، سواء الدولة (السلطة الحاکمة) أو القوى الاجتماعية الأخرى. سواء في تبرير الطاعة للحاکم أو للدفع بالثورة ضده، وأن کافة الأنظمة العربية تحرص على استخدام الدين الإسلامي- على أساس کونه الدين الرسمي للدولة- من أجل الحفاظ على بقاءها.

     من هنا يبدو أن ثمة حاجة إلى آليات لضبط استخدام الدين فى الحياة السياسية، وفى هذا الإطار نعرض لرؤيتين مختلفتين: الأولى، رؤية مؤسسة راند الامريکية للابحاث. والثانية، رؤية الدکتور عبد الحميد أبو سليمان.

أولاً: رؤية مؤسسة راند (abd El-Khabeer Atta, 2009) و (Cheryl Benard, 2001):

    تنطلق رؤية مؤسسة راند من أن الإسلام يعاني من أزمة نابعة من وجود أکثر من رأى قد تتعارض فى کثير من الاحيان. ومن أن الولايات المتحدة والعالم المتمدن بحاجة إلى عالم اسلامى يتسم بالديمقراطية، والقابلية للنمو، وبالاستقرار السياسي، والتقدم الاجتماعى، وباحترام القوانين ومعايير السلوک الدولى.

    وعلى هذا الأساس قسم Cheryl Benard المسلمين إلى أربعة أقسام:

1-   الأصوليون: يرفضون الديمقراطية والثقافة الغربية، ويريدون تطبيق رؤيتهم للقانون الإسلامي.

2-   التقليديون: يسعون لتأسيس مجتمع محافظ، بعيد عن الحداثة، والتجديد.

3-   الحداثيون: يسعون إلى تأسيس عالم اسلامي مندمج داخل الحداثة العالمية، بما يتماشي مع ظروف العصر.

4-   العلمانيون: يرون أن الدين يقتصر على المجال الخاص بين المواطنين وربهم، ولا يتعدى ذلک للمجال العام، على غرار الدول الغربية التى فصلت بين الدين والدولة.

    وهکذا يبدو الاصوليون والتقليديون أبعد عن التوجه الغربي، ومصالحه. فيما يبدو الحداثيون، والعلمانيون أقرب إلى الغرب من حيث قيمه وسياساته.

    ومن ثم يتم التعامل الغربي مع الاسلاميين حسب تصنيفهم السابق. ويترکز حول تأييد الحداثيين، ودعم التقليديين ضد الاصوليين، ومواجهة ومعارضة الاصوليين، واخيرا التأييد الانتقالى للعلمانيين.

أ‌- تأييد الحداثيين: عبر الترکيز على العديد من الآليات، لعل أبرزها:

–  القيام بنشر وتوزيع اعمالهم باسعار مدعمة.

أ‌-  تشجيعهم على مخاطبة الجماهير والشباب والکتابة إليهم.

ب‌-  تقديم آرائهم في مناهج التعليم الإسلامي.

ت‌-  منحهم منبرا جماهيريا يعبرون من خلاله عن وجهات نظرهم.

ث‌-  وضع العلمانية فى اتجاه معاکس للحداثة حتى لا يؤثر بالسلب على الشباب المسلم.

ج‌-    المساعدة فى تنمية المنظمات المدنية المستقلة؛ من اجل الترويج للثقافة المدنية، وتوفير مساحة للمواطنين العاديين لتثقيف أنفسهم فيما يخص العملية السياسية، وتدريبهم على التعبير عن آرائهم.

ب-دعم التقليديين ضد الاصوليين: عبر العديد من الآليات لعل اهمها:

– نشر وترويج النقد التقليدي للعنف والتشدد الإسلامي، وتغذية نقاط الاختلاف بين التقليديين والاصوليين.

–  العمل على عدم انجاح أى فرصة للتقارب بين التقليديين والاصوليين.

– تعزيز التقارب بين الحداثيين والتقليديين القريبين من الفکر الحداثى.

– تعزيز التواجد الحداثى فى المؤسسات التقليدية.

– تدريب وتثقيف الحداثيين لجعلهم أکثر دراية فى مجادلة الاصوليين.

– العمل على تقسيم التقليديين والتمييز فيما بينهم من خلال دفع فئة لتبنى افکار المدرسة الحنفية، والعمل على اضعاف التوجه الوهابي.

– تأييد الاتجاه الصوفى والعمل على نشر منهجه، والدعوة إليه.

ج- مواجهة ومعارضة الاصوليين: تتم هذه العملية عبر الآليات الآتية:

– العمل على دحض نظريتهم حول الاسلام، واظهار عدم دقتها وصحتها.

– اظهار اتصالهم وعلاقتهم بالجماعات غير القانونية.

– إذاعة عواقب اعمالهم.

– الإلحاح المستمر على عدم قدرتهم على الحکم، وعدم وجود رؤية لتنمية حقيقية للمجتمع.

– تجنب اى احترام او تقدير لاعمالهم العنيفة، ووصفهم بالجبناء والمخبولين.

– دفع الصحفيين لتعقبهم فيما يخصهم عبر الترکيز على قضايا فسادهم، ونفاقهم، وسوء ادبهم؛ من اجل تشويههم.

د- التأييد الانتقالى للعلمانيين: عبر ما يلي من آليات:

– تأييد العلمانيين ضد الاصوليين، والعمل على عدم انجاح اى تحالف علمانى مع القوى المعارضة للولايات المتحدة سواء على الارضية الوطنية أو اليسارية.

– العمل على تعزيز فکرة فصل الدين عن الدولة فى الاسلام، والتأکيد على عدم تضرر الاسلام من هذا الفصل.

    وفى کافة المسارات الأربعة السابقة يجب عدم اغفال الوعي الکامل بالثقل النسبي لقضايا بعينها، وأدراک الآثار المترتبة على التنسيق بين الولايات المتحدة والنشطاء الاسلاميين سواء الحاليين أو المرتقبين.

    ومن الملاحظ ان هذه الرؤية صراعية ترکز على تفتيت الاسلاميين والعمل على تثبيط أى تنسيق او تحالف فيما بينهم؛ وصولا فى النهاية لدعم العلمانيين المؤيدين لوجهة النظر الغربية، ورفض العلمانيين الوطنيين او اليساريين. وبالتالى الترکيز على التيار او الفئة المؤيدة للمصالح الامريکية فى الاساس.

ثانياً: رؤية الدکتور عبد الحميد أبو سليمان:

    تنطلق رؤية الدکتور عبد الحميد أبو سليمان من التلازم بين الفساد والاستبداد، وأن الاستبداد يوظف الدين والقداسة السياسية فى خدمة المصالح الخاصة، وانتهاک المصالح العامة وحرماتها.

    ويري أن الخروج من هذا التلازم يتم عبر الآليات التالية (عبد الحميد أبو سليمان،2011: 11- 105):

ح‌- استقلال دور التربية والتعليم والدعوة، واقامة مؤسسة أو مؤسسات مستقلة خاصة بها، واسناد امرها إلى الامة، وتمکين هذه المؤسسة أو المؤسسات لبناء شخصية المسلم ووجدانه، وتنقية ثقافته.

خ‌- تفعيل دور الاسرة والوالدين فى بناء وعى کوادر الامة وسلامة وجدانها.

د‌- تفعيل رؤي الاسلام الاقتصادى فى الحفاظ على موارد الامة وثرواتها، وعدم ترکها غنيمة لاصحاب السطوة والسلطة؛ حتى لا يستعبدوا ارادة الامة بها.

ذ‌- فصل الدين عن مؤسسات الحکم وخاصة السلطات التنفيذية، بمعنى آخر فصل رجال السلطة التنفيذية عن الاساءة للدين والقيم المقدسة، تهميشا أو توظيفا وتشويها له.

ر‌- العمل على توعية الامة باهمية المؤسسات فى التشريع والتنفيذ والمحاسبة والمراقبة، وفى التربية، وفى شئون الثروة والموارد والمال، وفى شئون الاعلام.

ز‌- تحديد السن الذي يؤهل المواطن للاسهام فى صنع القرارات السياسية والتشريعية، واختيار القيادات، ولا سيما حق التصويت والترشيح. وهذا التحديد حسب کل شعب ودولة مسلمة. ولکنه يرى أن خفض سن التصويت السياسي إلى الواحد والعشرين عاما، ليس فى صالح الأمة ولا مصالح المجتمع ککل. 

وبعد عرض الرؤيتان السابقتان، وما قدم فيهما من أفکار، فإن هذه الدراسة توصي بضرورة استقلالية المؤسسات الدينية الرسمية بعيداً عن هيمنة السلطات الحاکمة، وبما يمکنها من القيام بواجباتها تجاه المجتمعات والشعوب- وکما کان عهد الخلفاء الراشدين- وأن توضع شروط الحياد والاستقلال وعدم الانتماء لأي فصيل سياسي وعدم تقاضي أي رواتب أو مزايا من السلطات الحاکمة للمنتمين لهذه المؤسسات. 

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14306

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *