الفقرة الثانية : الاستثناءات التي ترد على منع استخدام القوة في العلاقات الدولية

بالنظر لحالة المنع التام لاستخدام القوة في العلاقات الدولية على الوجه المحدد في ميثاق الأمم المتحدة كما سبق بيانه في المطلب السابق، كأن الاستثناءات التي ترد على المبدأ جميعها تأتي كرد على استخدام غير المشروع للقوة، غير أنها تختلف من حيث المصدر وهدفها وشروط قيامها، فعندما تتعرض الدولة لهجوم مسلح، فإن الميثاق لا يمنع شك الدولة من استخدام القوة في شكل دفاعي فردي أو جماعي عن النفس، غير أن هذا الاستخدام ينحصر فقط في الحدود الدفاعية وذلك إلى أن يصل محل الدولة المدافعة مجلس الأمن. وأن فعل مجلس الأمن على هذا النحو لا يعتبر من قبيل الأعمال الدفاعية بل هو دو طبيعة قسرية، وهدفه المحافظة على السلم والأمن الدوليين وإعادتهما إلى نصابهما غير أن معيار التمييز الأساسي بين الفعلين هو أن مجلس الأمن يجب أن يستند إلى التفويض ويجب أن يكون صريحا وواضح وفق ما تقتضيه قواعد الفصل السابع أو قواعد الفصل الثامن من الميثاق، عندما يتعلق الأمر بفعل إقليمي، أما بخصوص فعل الدفاع عن النفس سواء معه الفردى أو الجماعي، أو الفعل ضد دولة عدو سابق، فإن الأمر لا يحتاج إلى تفويض من مجلس الأمن، حيث يقوم الحق بمجرد تعرض الدولة الضحية لحالة عدوان مسلحك وسوف نتناول هنا مسألة الدفاع الشرعي عن النفس أو الدفاع عن النفس.
1- الدفاع عن النفس :
إن الاستثناء المهم الذي ورد به نص صريح في ميثاق الأمم المتحدة خروجا على مبدأ تحريم استعمال القوة في العلاقات الدولية، هو الدفاع الفردى والجماعي عن النفس.[33]
بحيث تعترف كافة النظم القانونية بحق الدفاع النفسي، وهو حق معترف به مادام القدم ومازال كذلك في ظل ميثاق الأمم المتحدة، ويرى بورت أن هذا الحق في المجتمعات البدائية يكون بيد الأفراد والدول لاستخدامه كما يرونه مناسبا. أما في المجتمعات الناضجة والمتقدمة، فإن استخدام هذا الحق يكون من صلاحية منظمة مركزية عالمية كعصبة الأمم أو هيئة الأمم المتحدة، ومع هذا فإن استخدام القوة للدفاع عن النفس يعتبر حقا استثنائيا بالنسبة للمنع العام لاستخدام القوة الوارد في الميثاق، وفي بعض الأحيان يكون من المناسب تحويل الدول استخدام هذا الحق، بعض النظر عن الصلاحيات المعطاة إلى المنظمة المركزية العالمية وذلك لوجود بعض الظروف القسرية والتي تؤثر بشكل مباشر على الدول المعنية، وعليها حماية نفسها بنفسها ولم يوضع لحد الآن أي تعريف مقبول بشكل عام لحق الدفاع عن النفس وإن كانت هناك محاولات في هذا السبيل.

ويرى مؤيدو القانون الطبيعي مثل كروشيوش وبيلي وجنتلي وفيتوريا أن حق الدفاع عن النفس هو أحد الأسباب عن الحرب العادلة أو أنه أحد الأسباب العادلة للحرب، وأن القانون الطبيعي لا يؤيد هذا الحق فقط بل إنه يأمر الدول لممارسته، وفي هذا يقول وولف على أي شعب أن يحمي نفسه وأن الجموع يعتمد على الأفراد في تأمين متطلبات الأمن والسلام ولكن بورت يرى أن الطريقة الأسلم لتعريف الدفاع عن النفس هي في تعداد أو تعريف الحقوق أو الأمور التي تلجأ الدول لحمايتها بواسطة حق الدفاع عن النفس وهو يرى أن هذه الأمور هي حق السلامة الإقليمية وحق الاستقلال السياسي وحق جماعة المواطنين وحق جماعة المصالح الاقتصادية ومهما كان فإن الأمر جوهر حق الدفاع عن النفس، هو وقوع خطأ ما بحق الدولة المعنية تحقق بموجبه مسؤولية الدولة المخطئة.[34]

2- طبيعة حق الدفاع عن النفس :
إن كافة الشرائع الداخلية للدول تنظم حق دفاع الأفراد عن أنفسهم ويختلف نطاق ومجال استخدام ذلك الحق حسب درجة نضج النظام القانوني الذي ينظمه، إذ عمد في الأنظمة القانونية التي لم تبلغ درجة كبيرة من النضج وتركت هذا الحق دون قيود بينما من الشرائع التي بلغت رقيا وتقدما نجد أن هذا الحق مقيد بقيود كثيرة وهذا الأمر قد يضعف من شأنه ويقلل من أهميته.

ومن المستقر عليه أن سلطات المجتمع الرسمية هي المسؤولة الوحيدة عن حماية حقوق الأفراد داخل المجتمع وصاحبة الحق الأصيل في استخدام القوة وفق أحكام القانون، وتأسيسا على ذلك يمتنع على الأفراد استخدام القوة إلا خضعوا لأحكام القانون وفرضت عليهم عقوبات التي ينص عليها القانون لما كان ذلك فإن حق الدفاع عن النفس يعتبر حقا استثنائيا وأراد على الأصل العام الذي يقضي بتحريم ممارسة القوة داخل المجتمع ويستند الحق في الدفاع عن النفس في قيامه إلى وجود ظروف حتمية تتطلب إجراء الخطوات الأولى لحماية الحق والنفس بمعرفة الأفراد، وذلك إلى حين تدخل سلطات الدولة، وعلى ذلك فهناك شبه إجماع بين الأنظمة القانونية على تنظيم هذا الحق.

وإذا ما نظرنا إلى المجتمع الدولي كحدة يتميز بضعف ونقص في هيئاته التي تفضل ضمان تنفيذ القانون عن طريق الإجبار والتي تضمن الحقوق الدولية المعترف بها قانونا أما ذلك نجد الدول ذات السيادة تقوم بما يجب أن تقوم به تلك الهيئات، وذلك وفق نظرية ازدواج الوظيفة لذلك فإن الحق في الدفاع عن النفس يعد حقا هاما لكل عضو في المجتمع الدولي.

وفي تطور المجتمع الدولي المستمر نجده يتجه شطر إقامة هيئات دولية تتعاون الدول من خلالها من أجل حفظ السلام والأمن الدوليين وفي سبيل ذلك تتنازل الدول عن بعض مظاهر سيادتها، وقد صاحب ذلك التهديد بها في ميثاق الأمم المتحدة.
يضاف إلى ذلك أن المناقشات التي دارت أثناء وضع الميثاق منها الرغبة في هيمنة المنظمة على جميع صور استخدام القوة، لذلك أصبح ضروريا النص على الحق في الدفاع عن النفس وتنظيم مباشرته وهو ما حدث بالفعل إذ نظم الميثاق الحق في الدفاع عن النفس في مادته 51، وترجع الحاجة إلى تنظيم مباشرة ذلك الحق وتحديد نطاقه إلى أن عدم القيام بذلك سيجعل مبدأ الامتناع عن استخدام القوة المسلحة لغوا.
ولما كان ما تقدم فإن الحق في الدفاع عن النفس الذي ينظمه ميثاق الأمم المتحدة بعد استثناء من مبدأ الامتناع عن استخدام القوة المادة 2 فقرة 17 من ميثاق الأمم المتحدة.[35]

3- الدفاع الجماعي عن النفس :
بين ميثاق الأمم المتحدة في المادة 51 إن للدولة الحق في الدفاع الجماعي عن نفسها وإن للدول المعتدى عليها. أن تطلب معونة الدول الأخرى لصد العدوان ولقد أثار ذلك سؤالين الأول هل يشترط وجود معاهدة بين الدول لطلب المعونة ؟ والثاني هل يجوز لدولة أن تتقدم بالمعونة العسكرية دون طلب من الدولة الأخرى ؟
وبالنسبة للسؤال الأول فقد أثير خلاف حول حق الدولة في طلب المساعدة دون معاهدة فيرى البعض استبعاد فكرة حق الدول في مساعدة بعضها البعض دون الرجوع إلى مجلس الأمن لأن ذلك يجعله في المرتبة الثانية من حيث المحافظة على السلم والأمن الدوليين ويرى آخرون أن لا قيود على هذا الحق حيث أنه ورد مطلق في الميثاق، لذا ينبغي إبقاء المطلق على إطلاقه ما لم يتم تحديده.
إلى أنه هناك فرق بين الإجراءات الجماعية التي يتخذها مجلس الأمن الدولي وبين الدفاع الجماعي، إن هذا الأخير تلجأ إليه الدول. وهو إجراء تتخذه الدول للدفاع عن نفسها بموجب مسؤولياتها الخاصة ضمن تحديدات المادة 51 من الميثاق.

أما الإجراءات الجماعية التي يتخذها مجلس الأمن فتكون تحت مسؤولية الأمم المتحدة وتتم إما بشكل العقوبات أو الأعمال القسرية وهي موضحة في المادة 1، الفقرة الأولى و24، 39-41-42 من ميثاق الأمم المتحدة.[36]
المادة 58 من ميثاق الأمم المتحدة.
والمادة 53 من ميثاق الأمم المتحدة.

4- الشروط الخاصة بالدفاع عن النفس الجماعي :
من المعلوم أن استخدام القوة لأغراض الدفاع عن النفس الجماعي ليس شائعا في الحياة الدولية، فالدول تنأى عادة عن المشاركة في النزاعات المسلحة ليست طرفا فيها، وبالرغم من أن الحياة الدولية المعاصرة شهدت إبرام عدد كبير من معاهدات الدفاع المشترك والتحالف العسكري، إلا أن ممارسات الدول وسلوكها الحقيقي لا ينمان عن الرغبة في استخدام القوة ضمن إطار الدفاع عن النفس الجماعي، فحالات كهذه كانت محدودة نسبيا ومعدومة ومن المسائل المثيرة للاشتباه أن الدفاع عن النفس الجماعي في حالات عديدة كغطاء لدعوى قوات أجنبية قبل أن يكون هناك هجوم مسلح، وذلك على أمل أن يكون الدفاع عن النفس الجماعي ضروريا في المستقبل، وبمعنى آخر يستفاد من رصد واستقراء أغلب حالات الدفاع عن النفس الجماعي أن هذه الصورة من صور الدفاع عن النفس كانت وسيلة للحيلولة دون وقوع هجوم مسلح أو من باب الاحتياط، وكان استخدام القوة العسكرية من حالات نادرة واستثنائية من حالات الدفاع عن النفس الجماعي يقع خارج الحدود الإقليمية للدولة “الضحية”.

يحاط الدفاع عن النفس الجماعي بعدد من الصعوبات والتساؤلات المعقدة، فإذا كان من اليسر التمييز نظريا بين الدفاع عن النفس الجماعي وبين المساعدة العسكرية التي قد تقدمها دولة إلى دولة أخرى نتيجة طلب من هذه الأخيرة للرد على تدخل خارجي تعرضت له، فإنه يصعب من الناحية العملية الفصل أو التمييز بينهما فالخط الفاصل بينهما قد يدق أحيانا إلى درجة كبيرة، ولا تغدو الشواهد المعدودة على الدفاع عن النفس الجماعي من خلاف وجدل واسع حول قانونيتها، ولا يرجع هذا الخلاف إلى جواز استخدام القوة في إطار الدفاع عن النفس الجماعي فض السواد الأعظم في هذه الحالات أثيرت تساؤلات حول توافر شرط الهجوم المسلح وحول توافر طلب فعلي أو حقيقي بالمساعدة من جانب الدولة الضحية كما أثير تساؤل حول جدة وأصالة نظرية الدفاع عن النفس الجماعي فقد أدخلت النظرية ضمن ثنايا ميثاق الأمم المتحدة في إطار الفصل السابع منه، وهو ما دفع بعض الكتاب إلى اعتبارها نظرية جديدة وليست سابقة الوجود على الميثاق. ومن الصعوبات الأخرى التي تثار بشأن الدفاع عن النفس الجماعي مسألة تحديد طبيعة هذا الحق فهل هو حق مستقل يخول دولة ثالثة استعمال القوة دفاعا عن دولة ضحية لهجوم مسلح أو أنه ينطوي على جملة من الحقوق الخاصة بدفاع عن النفس فردى لا يجوز إهماله أو ممارسته إلا إذا كانت الدولة الثالثة هي ذاتها ضحية للهجوم المسلح وما هي الشروط الإضافية الواجب تحققها لممارسته وهل يشترط لذلك وجود معاهدة سابقة ؟

إن ممارسة الدفاع عن النفس الجماعي مرهونة بتوافر الشروط والمتطلبات ذاتها الواجب توافرها للدفاع عن النفس الفردى لكنه يتطلب إضافة لهذه الشروط عددا من الشروط الأخرى من صدور إعلان من الدولة الضحية يقضي بتعرضها لهجوم مسلح طلب الدولة الضحية المساعدة من دولة ثالثة وشرط المصلحة أو وجود اتفاق مسبق بين الدول الضحية والدولة الثالثة للدفاع المشترك.[37]

5- ممارسة الدول لحق الدفاع عن النفس ضد دولة أخرى لحماية حقها في الاستقلال السياسي :
تلجأ الدولة إلى هذه الممارسات إذا ما قامت الدول الأخرى بتجاهل واجب عدم التداخل المشار إليه، وتدخلت بشؤون الدولة الأولى، وحيث أن حق الاستقلال السياسي وواجب عدم التدخل ليس حقان مطلقان، لذا فإن مشروعية اللجوء إلى الدفاع عن النفس لجماعة حق الاستقلال السياسي تكون نسبية. إذا ما وجدت مبررات مشروعة لتدخل الدولة الأخرى وهناك بعض التحديات المفروضة في حق الدفاع عن النفس لحماية حق الاستقلال السياسي، ولعل أهمها هو الحق المعطى إلى مجلس الأمن للتدخل في سبيل الصالح العام للمجتمع الدولي.

صحيح أن الفقرة السابعة في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، تمنع الأمم المتحدة من التدخل في الشؤون الداخلية للدول، لكنها تعود وتشير إلى أن هذا المنع لا يسري على تطبيق الإجراءات القسرية بموجب الفصل السابع من الميثاق أما التحديد الثاني فهو حق الدفاع عن النفس المعطى للدول الأخرى الأمر الذي يجعل ممارسة الدفاع عن حق الاستقلال السياسي مشروطا بأن يكون الخطر الذي يهدده حالا. وعدم تسير وسيلة بديلة أخرى لتجنبه، وإن الإجراءات المتخذة من قبل الدول يجب أن تكون متناسبة مع الخطر الناتج عن تصرفات الدول الأخرى ويعتبر الشرط الأخير أهم الشروط الواجب ملاحظتها إن هذا يعني أنه إذا كان الخطر قد نتج عن جراء قيام الدولة الأولى باستعمال القوة أو التهديد بها ضد الاستقلال السياسي للدولة فإن استخدام الدولة الثانية للقوة أو التهديد بها، وبشكل متناسب مع الخطر للدفاع عنها وعن نفسها يكون دفاعا مشروعا عن النفس.

6- ممارسة حق الدفاع عن النفس من قبل الدول ضد الأفراد :
قد تحدث بعض المواقف التي ينشأ عنها التهديد ضد الاستقلال السياسي للدولة جراء تصرف أفراد أو مجموعات لا تكون لأية دولة مسؤولة عنهم وأحسن مثال على ذلك يظهر عند قيام الدولة المعنية باتخاذ إجراءات المحكمة لتنفيذ التزاماتها بموجب القانون الدولي، لكنها غير كافية لمنع هؤلاء الأفراد من تنظيم أو القيام بحملة أو عند قيام مجموعة من الأفراد موجودة في إقليم دولة ما، بتنظيم أو تنفيذ حملة أو أعمال أخرى من شأنها المساس مباشرة بالاستقلال السياسي لدولة أخرى على الرغم من قيام الدولة الأولى باتخاذ كل من يمكنها من إجراءات لمنعهم، أو لتنفيذ التزامات بموجب القانون الدولي لمنع انطلاق مثل هذه الأعمال من إقليمها أي بمعنى آخر إن الإجراءات المتخذة من قبل الدولة الأولى تكون غير كافية لمنع هذه الجماعات من تنفيذ مقاصدها في مثل هذه الحالات، لا تكون الدولة التي تجري مثل هذه الفعاليات على إقليمها، قد خالفت القانون الدولي، أو خرقت أي من التزاماتها الدولية، لذا لا يجوز توجيه أي عمل من أعمال الدفاع عن النفس ضدها من قبل الدولة الأخرى التي تعرض استقلالها السياسي للخطر إن هذا لا يعني أن الدولة الضحية يجب أن تبقى مكتوفة الأيادي أو عاجزة عن اتخاذ أي إجراء لحماية نفسها قد تلجأ لاتخاذ أعمال أو إجراءات للدفاع عن النفس إلا أن هذه الإجراءات يجب أن توجه ضد الأفراد والمجموعات المسؤولة عن الأفعال المشار إليها وليس ضد الدولة الأولى وفي هذه الحالة تكون حالة الضرورة هي المبرر لاتحاد هذه الإجراءات وليس حق الدفاع عن النفس على أن تكون الضرورة ملحة، وأن لا يتوفر وقت للتفكير والتدبير وإجراءات أخرى.[38]

7- الدفاع الجماعي العربي :
عالج ميثاق الجامعة العربية هذا الموضوعة في المادة 6 منه : “إذ نصت إذ وقع اعتداء من دولة على دولة من أعطى الجامعة أو خشى وقوعه فالدولة المعتدى عليها، أو المهددة بالاعتداء أن تطلب دعوة المجلس للانعقاد فورا”.[39]
ولكن بعد إنشاء الكيان الصهيوني، وشعور الدول العربية بالخطر، عقدت معاهدة الدفاع المشترك، التي نظمت بشكل مفصل إجراءات الدفاع الجماعي للدولة العربية. وإن كان ذلك بحاجة لإعادة نظر الآن، وقد جاء في ديباجتها، أن الغاية الأساسية هي صياغة الأمن والسلام، وفق مبادئ الجامعة العربية، وميثاق الأمم المتحدة وأهدافها.

لقد بينت المادة الثانية من المعاهدة، أن كل اعتداء مسلح على أي دولة أو أكثر أو على قواتها يعتبر اعتداء على الجميع، لذا التزم الدول عملا بحق الدفاع الشرعي –الفردي والجماعي- عن كيانها أن تبادر بمعونة الدول المعتدى عليها بكافة الوسائل الممكنة بما في ذلك القوة المسلحة، لرد العدوان وإعادة الأمن والسلم إلى نصابه على أن تخبر مجلس الجامعة ومجلس الأمن بوقوع الاعتداء والإجراءات المتخذة.[40]

ويبدو أن الدول العربية كما ظهر من التطبيق لم تهتم أو لم تعتقد بأهمية هذه المعاهدة وأن نظام الدفاع العربي الجماعي، لم يوضع موضع التطبيق الجدي، على الرغم من الاعتداءات المتكررة للكيان الصهيوني وغيره، على الدول العربية لذلك فالحاجة ملحة لإعادة أنظر في المعاهدة وبمفهوم الدفاع العربي المشترك ككل.[41]

المبحث الثاني : واقع استعمال القوة في العلاقات الدولية
منذ سقوط الاتحاد السوفيتي سقوطا مفاجئا ومدويا وفي نهاية الثمانينات ومنذ أن أسقطت معه فجأة كذلك الدول والأنظمة التي يطلق عليها المعسكر الاشتراكي، منذ ذلك التاريخ أدرك المفكرون والسياسة بل أدرك جميع الناس أن العلاقات بين الدول والشعوب تدخل مرحلة جديدة، لم تتشكل معالمها بعد على نحو محدد.
ولكن المؤكد في شأنها أنها فقدت عنصرا أساسيا كان أحد عناصر المرحلة السابقة على الانهيار الدولي الكبير في النظام الدولي. وهو عنصر التعددية التي تخلق حالة من حالات التوازن بين القوى صاحبة التأثير الأكبر داخل النظام الدولي.

ذلك أن الاتحاد السوفييتي بقوته ووزنه الذاتي، وبمن يقفون معه وداخله في معسكر واحد كان أحد قطبين كبيرين، أو قوتين عظيمتين وكان القطب الآخر يتبين الحرية السياسية والاقتصادية، ويطلق عليه في الاصطلاح السائد، المعسكر الحر أو المعسكر الغربي فلما اختفى المعسكر الاشتراكي كقوة عظمى ومؤثرة. وانفراد المعسكر الغربي بوصف القوة العظمى صار القول الفصل في جميع القضايا الدولية لهذا القطب الواحد. وطرأ تقييم جوهري على دور الأمم المتحدة في إدارة العلاقات بين الدول والشعوب، فصارت قراراتها في واقع الأمر تابعة إلى حد كبير للقرارات الأمريكية وللروية الأمريكية.[42]
فما هي مظاهر القوة وتأثيرها في المشهد الدولي وما هي انعكاساتها على الواقع الدولي بصفة عامة ؟ كل ذلك سوف يتم مناقشته من خلال مطلبين المطلب الأول الواقع الدولي لاستعمال حق القوة، ثم الواقع الإقليمي لاستعمال حق القوة المطلب الثاني.

المطلب الأول : الواقع الدولي لاستعمال حق القوة
تجسدت حرية الحركة والقوة والتي أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تمتلكها والتي وصفها بأنها من أكبر كل إطار قانوني في عدة مظاهر وعلى أصعدة مختلفة أبرزها تجاوز الأمم المتحدة، وخرق القانون الدولي والمعاهدات الدولية بالإضافة إلى التغيير القسري للأنظمة زيادة على خرق سيادة الدول واستباحتها.
كل هذه المظاهر وغيرها أدت إلى جدل كبير في الولايات المتحدة الأمريكية وبين دول العالم حول جدوائية القانون الدولي في ظل الاستكبار الأمريكي ناهيك عن فعاليته وتفعيله فبينما ترى أوربا أن المؤسسات فوق القومية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي هي مصدر التشريع ترى الولايات المتحدة أن الدولة القومية هي مصدر التشريع وهي بهذا ترفعها الاحتكام إلى المؤسسات المشار إليها معتبرة أن الواقع الدولي قد تغير كثيرا مما يفرض تغيير في القانون والقواعد القانونية حتى تكون عاكسة لحقائق الواقع الجديد.[43]

واستنادا إلى هذه الرؤية ابتدعت الولايات المتحدة الأمريكية شرعية جديدة موازية لشرعية الأمم المتحدة على استفراد الولايات المتحدة بالقرار الدولي، ولكن هذا القرار قد تأثر بعدم التجاوزات بحيث عايش المجتمع الدولي عدة مشاهد على مستوى العلاقات الدولية ومنها احتكار استعمال القوة الفقرة الأولى، ثم التعسف في استعمال حق القوة الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى : احتكار استعمال القوة
يكمن ذلك من خلال استفراد الولايات المتحدة بالقرار الدولي وتهميش الأمم المتحدة والقانون الدولي :
1- احتكار الولايات المتحدة بالقرار الدولي :
تقف الولايات المتحدة الأمريكية في العالم اليوم لكافة مقاييس القوة التقليدية متفرجة ومنفرجة الساقين عبر الكرة الأرضية كما يلاحظ بروكس وولفورت لا توجد قوة أو كتلة في الكفة الأخرى من الميزان يمكنها أن تجبر الولايات المتحدة أن تفعل ما تريد أن تفعله في المضمار الدولي.[44]
وتستمد الولايات المتحدة أسباب قوتها وهيمنتها على عالم اليوم من مكونات عدة :
فعلى الصعيد العسكري : نجد أن من المتوقع أن تنفق الولايات المتحدة على الدفاع في العام 2003 أكثر من إنفاق الدول الخمس عشر إلى العشرين التالية لها الأكثر إنفاقا على الدفاع مجتمعة والولايات المتحدة تتمتع بتفوق مذهل، ولديها أقوى سلاح جوي في العالم، وأقوى قوات بحرية، وقدرة فائقة على ممارسة النفوذ العسكري حول العالم.

ويمكننا القول كذلك إن تفوقها العسكري سيظهر بشكل أوضح إذا نظرنا إليه بمعايير كيفية، وليست كمية فحسب. فالولايات المتحدة تتطوق في هذا الإطار على العالم أجمع في استغلال التطبيقات العسكرية للتقنيات المتقدمة في مجال الاتصالات والمعلومات كما أنها أظهرت قدرة لا مثيل لها على التنسيق ومعالجة المعلومات المتاحة عن ساحة المعركة، وعلى تدمير أهداف محددة بدرجة فائقة من الدقة واشنطن تعمل كذلك على تصعيب مهمة الآخرين باللحاق بها، الأمر الذي يتضح بالنظر إلى الفجوة الهائلة بين ما تنفقه هي على أنشطة البحث والتطوير. وبين ما ينفقه الآخرون عليها حيث إنها تنفق في هذا الصدد ثلاثة أضعاف ما تنفقه عليها القوى الكبرى الست التالية لها مجتمعة.

والغريب في الأمر أن الولايات المتحدة تحقق هذا التفوق العسكري بنحو 3,5 فقط من دخلها المحلي.
ويقول المؤرخ Paul Kenndy “إن احتلال القمة بتكاليف باهظة هو أمر معقول، ولكن أن تكون القوة العظمى الوحيدة في العالم بتكاليف زهيدة فهو أمر مذهل”.[45]
وفي الوقت ذاته نجد أن التفوق الاقتصادي الأمريكي سواء بالنسبة إلى الدول التالية لها الأكثر ثراء، أو بالنسبة إلى العالم ككل يفوق أي مثيل له حققته أية قوة عظمى في التاريخ الحديث.
كالاقتصاد الأمريكي اليوم ضعف حجم منافسه الأقرب أي الاقتصاد الياباني، بل عن اقتصاد كاليفورنيا فحسب قد حقق نموا مذهلا جعله الخامس في العالم، متفوق في ذلك على الاقتصاد الفرنسي، وثانيا مباشرة الاقتصاد المملكة المتحدة.

وأخيرا، فإن تفوق الولايات المتحدة في المجالين العسكري والاقتصادي له حدود مؤكدة تتمثل في موقعها كأكبر قوة تقنية على مستوى العالم.[46]

بناء على ما سبق، فإن الولايات المتحدة اليوم تتبوأ مكانة القوة الإمبراطورية الأقوى في العالم دون أي منافس حقيقي لها في أي بعد رئيسي من أبعاد القوة المشار إليها، وهو موقع فريد حيث لم يسبق أبدا أن كان هناك نظام دولي يحتوي على دولة واحدة تتمتع بكل هذه الدرجة من الهيمنة، إن حيازة أمريكا وبجدارة لمكانة القطب الأوحد في العالم يترتب عليها وبحسب الباحثين العديد من النتائج ومن ضمن هذه النتائج المترتبة على الأحادية القطبية ذلك أن الكثير من متخذي القرارات حول العالم يعملون في ظل مشاعر من التقيد، حيث إن جميع المشاركين في المناظرات الجدلية حول السياسات يدافعون عن خياراتهم المفصلة بالإشارة إلى العواقب المأساوية التي يمكن أن تترتب على عدم العمل بنصائحهم ولكن مصادر القوة الأمريكية هي مصادر متنوعة وممتدة الأثر للغاية لدرجة أن السياسة الخارجية الأمريكية أصبحت تعمل اليوم في مجال الاختيار وليس الإجبار، أو الضرورة أكثر من أي قوة عظمى في التاريخ الحديث.

وسواء اعترف المشاركون في المناظرات بهذه الحقيقة أم لا، فإن حرية الاختيار الجديد هذه غيرت بشدة من طبيعة الجدل حول ما يجب أن يكون الدور الأمريكي عليه.[47]
بناء على ذلك يدخل التعاطي الأمريكي مع المنظومة الدولية لما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تبدو الولايات المتحدة اليوم غير مهتمة بالأمم المتحدة ولا بالعمل الجماعي إلا بقدر ما يخدم مصالحها وحسب.
أما إذا تعارضت مصالحها مع الأشياء، فإنها تعمل منفردة دون الإحساس بأي حرج أو خشية من العواقب.

2- تهميش الأمم المتحدة والقانون الدولي :
يسعى تيار المحافظين الجدد ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي إلى التأكيد على هيمنة الولايات المتحدة في السياسة العالمية، باعتبارها القطب الوحيد، وللقيام بهذه المهمة يجب أن لا تقيد الولايات المتحدة أو تجدها المؤسسات والأعراف الدولية، بل هناك من يرى أن أمريكا تفعل بناء ما بدأت به عند نهاية الحرب العالمية الثانية حيث شغلها عن هذه المهمة الصراع مع الشيوعية العالمية.
وقد جاء عدم الاهتمام بالأمم المتحدة واضحا في كتابات وتصريحات كل من ريتشارد وجون بولتون الذي يعتبر الرجل الثاني في وزارة الخارجية، أيام كولن باول يقول بولتون “لا يوجد شيء مثل الأمم المتحدة هناك الجماعة العالمية التي تقودها القوة الوحيدة في العالم وهي الولايات المتحدة وذلك عندما تتوافق الحاجة إليها مع مصالحنا، وعندما نجد أخريين ينخرطون معنا في الركب”.[48]

هذا التوجه المتمثل في عدم الاكتراث بالمؤسسات والأعراف الدولية والتركيز على البعد الأحادي في السياسة الخارجية في عهد بوش الإبن، كان سببا في توترات في العلاقات الأمريكية الأوروبية ففيما نرى أن الولايات المتحدة قوية وتركز في الوقت نفسه على مجموعة متميزة من التهديدات الأمنية، مما جعلها تسعى في السنوات الأخيرة إلى زيادة حريتها في العمل إلى الحد الأقصى وتقليل القيود على تصرفها، من أجل احتواء هذه التهديدات ودحرها، وحدها عند الضرورة.

ونرى أنها تميل إلى الانعزال والتصرف الأحادي الجانب، ذلك أن ذوي النزعة الأحادية الجانب يحتلون الآن مناصب مرموقة في الإدارة. وخاصة في كونغرس، وهم يركزون على تعزيز القوة الأمريكية والحفاظ على السيادة الأمريكية. فهم يفضلون الاعتماد على الذات، ويرفضون النزوع إلى العمل الجماعي، والمعاهدات الدولية باعتبارها قيودا غير ملائمة على قدرة أمريكا على تنفيذ إرادتها، فهم يفضلون القوة الصلبة والجبروت العسكري والعضلات الاقتصادية والزعامة الدبلوماسية على القوة اللينة[49] للمعاهدات والأعراف الدولية، ومنابر التفاوض.

وعند الكثير منهم لا يمكن أن ترفع نفقات الدفاع الأمريكية على نحو كاف أبدا. كما أن المساعدة والدعم الخارجيين اللذين تقدمهما الولايات المتحدة للمنظمات الدولية لا يمكن إنقاصها بما فيه الكفاية على الإطلاق.
أما المشاورات فهي من أجل التحدث، وليس الاستماع، والمساواة تنطوي على أخذ لأعلى عطاء، إنها السياسة الخارجية الواقعية العنيدة القائمة على فكرة قديمة وهي الفكرة القائلة إن القوي يفعل ما يشاء، أما الضعيف فيفعل ما هو مضطر إليه، وليست هذه الطريقة الأوروبية في القرن الحادي والعشرين على الأقل، فالأوروبيون يتبعون تقاليد الاندماج الأوروبي المتعدد الأطراف، ومرغمون بسبب نقص القوة على التحرك على أساس التعاون، هكذا يرون أن السياسة الخارجية ينبغي أن تهدف وبشكل رئيسي إلى بناء أنظمة دولية. وصياغة تعاون موسع، ويتبع جراء من الإيمان بالحلول التعددية عند الأوروبيين من الاعتقاد بأن كثيرا من التحديات العالمية من الاحتباس الحراري، والهجرة إلى موقف انتشار الأسلحة والتدخل في الدول ومصالحها ليست قابلة لحلول أحادية الجانب حتى لو اضطلع بها بلد مثل الولايات المتحدة.

ورغم أن التركيز على الأحادية الأمريكية لم يبدأ بشكل كبير إلا منذ مجيء جورج بوش، فإن الفوارق بشأن كيفية معالجة القضايا الكبرى بين الولايات المتحدة وبقية العالم لم تكن ظاهرة حديثة. فإدارة كلينتون بعد فترة رئاسته الأولى كثيرا ما كانت تهتم بإتباع طريق أحادي الجانب، وقائمة الشكاوى طويلة رفض أمريكا التوقيع على حظر الألغام الأرضية، ورفضها أن تكون طرفا في محكمة الجرائم الدولية.[50]

لقد طرح بعض المحللين سؤالا يفرض نفسه وهو لماذا تغشى الولايات المتحدة أن يطول قضاء المحكمة رعاياها ؟ ولماذا التخوف على أفراد جيشها من الذين قاموا بمهمات التدخل العسكري في أقطار أجنبية إذا لم يكن لهم ما يؤاخذون عليه ؟ لاشك أن خوف الولايات المتحدة من المحكمة ما يبرره لذلك فإن معارضة الولايات المتحدة لهذه المحكمة لازالت مستشرية وقوية حيث ظهر من تدخلاتها المتعاقبة رفض مبدأ خلق المحكمة وعدم قبول الاحتكام إلى العدالة الدولية.

ورفضها تسديد ديونها بالكامل للأمم المتحدة ورفض مجلس الشيوخ الأمريكي لمعاهدة منع التجارب النووية، وطريقة إدارتها الدبلوماسية والعسكرية لأزمة كوسوفو وحربها.[51]
ثم رفضها إيجاد حل وسط بشأن تطبيق بروتوكول كيوتو حول التغيير العالمي في المناخ، ومتابعتها لنشر دفاعات ضرورية صاروخية محظورة بموجب معاهدة عام 1972 التي تحظر القدائف الصاروخية ذاتية الدفع.

وقد اكتسب هذه القضايا أهمية بارزة في عهد كلينتون ومعظمها باق كمصدر للنزاع اليوم، ومع ذلك فإن رد الفعل الأوروبي إلى الأحادية الأمريكية كان خافت الصوت، طيلة سنوات حكم كلينتون أكثر مما هو عليه اليوم في الأشهر التي تلت مجيء بوش للسلطة.

ويعود جزء من سبب هذا التغير في اللهجة إلى أن الرئيس كلينتون كان كثيرا ما يعطى لنفسه مظهر شخص مرغم على اتخاذ مواقف أحادية ضد رغبته الذاتية الصريحة، فقد كان كرئيس يتحدث بلغة التعددية، حتى ولو لم يغشى مشية التعددية.[52]
وعلى العكس من ذلك فقد أعطت إدارة بوش كل إشارة إلى أنها صالحة تماما في كثير من هذه السياسات الأحادية الجانب. فالرئيس الأمريكي ومستشاروه يعتبرون وبشكل صريح، أن الاتفاقيات الدولية أداة متجاوزة لهذا قررت الإدارة الأمريكية مراجعة اتفاقاتها الدولية. مما يعكس حالة من العداء الإيديولوجي من طرف الأمريكيين للقانون الدولي، وهو شعور بدأ يتنامى منذ مدة بين ما يعرف باليمين المتطرف وأصبح عاما في الحزب الجمهوري، تحت إدارة بوش.

ويرجع هذا إلى قناعة راسخة، بأن المعاهدات الدولية والقانون الدولي يشكلان خطرا على الولايات المتحدة الأمريكية لأنهما يحدان من حريتهما وسيادتهما.[53]
هذا التوجه الأحادي النزوع، كان سببا في الكثير من الاحتجاجات الصارمة، والتي لم تقتصر على قرار بوش بإعلان وفاة الاتفاق المتعددة الأطراف حول التغير المناخي الذي وقعه أكثر من مائة بلد، ومن ضمنها الولايات المتحدة برئاسة كلينتون بل شملت التعليل الذي برر هذا القرار أيضا، فمعارضة بوش لكيوتو لم تقم أساس التدرع بأن الاتفاقية غير فعالة. أو حتى على أساس أن المشكلة التي تسعى الاتفاقية لمعالجتها قد بولغ فيها. ولكن على عدم الاستعداد لدفع شحن معالجة مشكلة عالمية تتحمل الولايات المتحدة عنها مسؤولية غير متناسبة.

وأوضح بوش أنه نظرا لكون الولايات المتحدة تواجه أزمة طاقة، ولأن اقتصادها قد تباطأ فإن تقليص انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون ليست واردا في جدول الأعمال، وهكذا فإن ما أزعج أوروبا وبقية العالم هو تدرع بوش بحجة أمريكا أولا وعدم اهتمامه الظاهر بالكيفية التي تؤثر بها أعمال أمريكا على الآخرين.
وبالمثل فيما يخص الدفاع الصاروخي، لم يكن الموضوع هو رغبة إدارة بوش في الدفاع ضد تهديدات جديدة في عالم ما بعد الحرب الباردة، بقدر ما هو عزم أمريكا الواضح على متابعة هذا الطريق مع العلم الكامل بأن ذلك ينطوي على خرق معاهدة حظر القذائف ذاتية الدفع أو الانسحاب منها وهي تحظر تطوير وتجربة، ونشر هذه الدفاعات نفسها التي تسعى الإدارة لنشرها.[54]

هذا البعد الأحادي في السياسة الخارجية الأمريكية في عهد بوش الابن قاد بعض الدارسين إلى الاهتمام بالنزعة الإمبريالية للإدارة، وقد جاء أشمل توصيف لهذه النزعة فيما أورده إيكنبيري في تقييمه للسياسة الخارجية لإدارة بوش، فهو يرى أن لأمريكا طموحات إمبراطورية، فقد تخلت الإدارة عن مرتكزات السياسة الخارجية في إطارها العام. التي تقوم على الواقعية والتوجه الليبرالي ويعتقد أن إدارة بوش رسمت إستراتيجية جديدة تقوم على ستة مقومات وهي باختصار :

1- المحافظة على نظام القطب الواحد.
2- تحليل جديد للأخطار العالمية.
3- زوال إستراتيجية الردع، وظهور إستراتيجية الهجوم الوقائي.
4- إعادة تعريف مفهوم السيادة، بملاحقة الإرهابيين.
5- التقليل من أهمية القواعد والمعاهدات الدولية.[55]

الفقرة الثانية : التعسف في استعمال حق القوة
1- التغير القسري للأنظمة وخرق سيادة الدول :
يعتبر مبدأ الوطنية مبدأ قديما، قدم فكرة الدولة ذاتها أما السيادة فهي وضع قانوني ينسب للدولة عند توافرها على مقومات مادية من مجموع أفراد وإقليم وهيئة منظمة وحاكمة.
وتمثل السيادة في لغة القانون الدولي، ما للدولة من سلطان على الإقليم الذي تختص به بما يوجد فيه من أشخاص وأموال.

ومن مقتضيات هذا السلطان : أن يكون مرجع تصرفات الدولة في مختلف شؤونها إرادتها وحدها.
إلا أنه مع وجود القانون الدولي وكون الدول تربطها مصالح مشتركة مع بعضها، فإن ذلك فرض عليها نوعا من التعاون، بحيث ليس لدولة في سبيل تحقيق مطالبها الخاصة أن لا تكترث بمصالح الدول الأخرى بل يجب أن تكون ممارستها في حدود القانون الدولي وحدود تعهداتها والتزاماتها الدولية، لأن هذا لا يعني الانتقاص من سيادتها وفي هذا الإطار يتجه تطور الحياة الجماعية في المحيط الدولي، نحو التخفيف من حدة فكرة السيادة شيئا فشيئا، حتى يسهل التعاون اللازم بين الدول لنهوضها بالمهام الإنسانية الملقاة على عاتقها وفي مقدمتها صياغة السلم والأمن العام.

لقد كان مفهوم السيادة مبالغا فيه فمكيافلي مثلا جعلها في دورة القداسة إضافة إلى أراء أخرى في هذا المجال، كثيرة ومتعددة، كلها تقدس الدولة وتبرز ما لسياستها من أهمية وأولوية.
وعند نشأة عصبة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى، خطى العالم خطوة واسعة نحو تعاون الدول والحد من القداسة المفرطة لسيادتها بما قررته العصبة عن قيود التزمت بها الدول التي دخلت كأعضاء فيها كذلك فرض ميثاق الأمم المتحدة عدد من القيود المماثلة تهدد الدول الأعضاء في الهيئة بمراعاتها في تصرفها، وكلها قيود ليست فيها انتقاص من سيادة الدول الأعضاء أولا لأنها عامة، ثانيا لأن هذه الدول قبلتها عن طواعية واختيار.[56]

لكن السيادة في هذا العهد الجديد اهتزت إلى حد القول بأن فكرة السيادة في طريقها إلى النزول تحت تأثير المتغيرات الجديدة لتصل محلها فكرة المصلحة العامة، والدعوى إلى وجوب إخضاع مصلحة الدولة الخاصة للمصلحة العامة للمجتمع الدولي.
وهو ما حدا بالبعض إلى القول بأن دولة التنظيم المعاصر بالمفهوم الجديد للسيادة، قد باتت عضوا في المجتمع الدولي تتحرك ضمن حدود القانون وتلتزم بأوامره وتتعرض مثلما يتعرض الأفراد للزجر والتنبيه والعقوبات الأخرى عند الإخلال بالالتزامات الدولية.

بيد أن أحد لم يتصور قط أن يأتي يوم يصدر فيه هذا الزجر والتنبيه عن دولة من الدول، يفترض نظريا أنها متساوية قانونا مع الدولة التي قد يوجه إليها هذا الزجر والتنبيه أو العقاب.
وهذا تماما هو ما أقدمت وتقدم عليه الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، ضاربة عرض الحائط بمبدأ السيادة الوطنية، وبالمساواة في السيادة بين الدول وعدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول ولاشك أن انتهاء الحرب الباردة نتيجة لانهيار الاتحاد السوفيتي السابق وبوادر الخلاف المتعاقد بين الولايات الأمريكية وأوربا. قد أدى إلى محاولات أمريكية متواترة لتجاوز مبدأ السيادة في عدد لا يخص من الحالات واقترن ذلك بمحاولات تقنين هذا التجاوز.

ويمكن لنا في هذا السياق رصد الجهود الأمريكية لتعزيز مبدأ التدخل الإنساني واتخاذ حقوق الإنسان كذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى باعتبارهما محورين رئيسيين للعمل على تقويض ما تبقى من مبدأ السيادة الوطنية، وذلك على الأقل بالنسبة لشريحة لا يستهان بها من دول العالم الثالث، ويحدث هذا التدخل والتجاوز إما من خلال قرارات تصدرها الولايات الأمريكية المتحدة عن طريق مجلس الأمن، أو عن طريق الفصل المباشر من جانب الولايات المتحدة بل والتهديد العلني والمباشر لهذه الدول والمواقف الأمريكية الأخيرة من سوريا وإيران وكوريا الشمالية في غنى عن أي تعليق.[57]

وعندما يقف الرئيس الأمريكي بوش، ويطلب من رؤساء بعض الدول أو الحكومات ترك مناصبهم، أو عندما يدعو المسؤولون الأمريكيون إلى الأخذ بالنظم الديمقراطية في بعض الدول، هنا وهناك دون حل ودون أن ترتفع صيحات الإدانة قوية بالاعتراض على هذا التدخل السافر في أخص الشؤون الداخلية، فإن علينا أن نتساءل عما بقي حقا من مبدأ السيادة الوطنية في ظل الهيمنة الأمريكية.[58]

إن الأمر يبدو على أكبر درجات الخطورة، عندما يتعلق بإرساء السوابق الدولية التي يمكن تكرارها في العمل الدولي، بما قد يمهد السبيل لإرساء قواعد عرفية جديدة قد تنسخ القواعد القانونية المستقرة.
إن المجتمع الدولي الذي اعتاد أن ينصت اليوم لخطاب التهديد والوعيد الأمريكي الموجه إلى دول يعينها إذ لم تتمثل لأمور معينة، قد يعتاد مثل هذا الخطاب وقد ينظر إليه بعد بين طال أم قصر. على أنه أمر طبيعي معتاد ولا يجد عصاصة في تقبله كقاعدة من قواعد القانون.

وهنا تكمن الخطورة ويكمن التركيز الأمريكي على هذه الثغرة التي يحاول من خلالها أن يفترق ما بقي من السيادة الوطنية على اعتبار أن السيطرة الأمريكية على مقدرات العالم الراهن وإمساكها بزمام الأمور يفترض بالضرورة إضعاف مبدأ السيادة الوطنية إلى أبعد مدى بحيث لا يكون هذا المبدأ أمام انسياب قانون أمريكي جديد، يختلف في أسسه ومخالفته للقانون الذي وضعه المجتمع الدولي والعمل بموجبه والانصياع لأحكامه.
هذا القانون لا يتوقف طويلا أمام مبادئ السيادة الوطنية لا يلقى بالا للمساواة بين الدول، أو لوجوب الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية، ولكنه يكثر الحديث عن حقوق الإنسان وعن الدول التي لا تلتزم بتطبيق أحكام ومعايير حقوق الإنسان حسب التعريف الأمريكي ووجوب إنزال العقاب بها.[59]

2- الحرب على العراق كجريمة دولية وتكريس فعلي لواقع القوة في العلاقات الدولية :
لقد أطلقت عملية العدوان الأمريكي على العراق رصاصة الرحمة على منظومة الأمم المتحدة والتي بدأت احتضارها منذ عاصفة الصحراء، والتي ترجحت ميزان قوى دولية جديدة أفرزته نهاية الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي المندثر وأيلولة النظام الدولي إلى قطب واحد ووحيد هو الولايات المتحدة الأمريكية.
ولقد بدأت الأمم المتحدة تتلمس هذه الحقيقة في مطلع التسعينات من القرن الماضي وابتدأت تتلاءم مع الكثير من القضايا التي عرضت على مجلس الأمن.

لكن الولايات المتحدة سرعان ما انتقلت من طور استدراج الأمم المتحدة للبصم على قراراتها إلى طور تجاوز الأمم المتحدة ذاتها في تلك الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية تحت مظلة الأطلسي بعيدا عن أي إجازة قانونية دولية من الأمم المتحدة بالإضافة إلى حرب تدمير العراق الذي تعيش فيه اليوم.[60]
حيث عكست هذه الحرب أكثر من غيرها التطبيق الفعلي لعدم الاهتمام بالأمم المتحدة، عندما شنتها الولايات المتحدة على الرغم من فشلها في الحصول على قرار مجلس الأمن بهذا الصدد، مستهدفة بذلك الشرعية الدولية وإرادة المجتمع الدولي، مما وضع الأمم المتحدة أمام تحد خطير يمس اختصاصاتها ودورها بل ويرهن مصيرها ومستقبلها.[61]

3- تهميش مجلس الأمن في الحرب على العراق :
تعيش الأمم المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة كما سبقت الإشارة تهديدا عاصفا بما يشبه انقلابا عميقا في المركز والدور ومجال التدخل، ومن المؤكد أن جوهر هذه الأزمة التي تعاني منها الأمم المتحدة ومن خلالها القانون الدولي والشرعية الحربية يكمن بالأساس في طبيعة العلاقات التي شرعت الولايات المتحدة في تشكيلها غداة انفرادها بقيادة العالم دون منافس، أو رادع مما يؤشر لبداية تاريخ جديد للإنسانية إحدى مقوماته سيادة قانون الأقوى واستبعاد القانون الدولي التقليدي، وفرض الهيمنة المطلقة على الأسرة الدولية، كالولايات المتحدة الأمريكية بعد أن بزغت كدولة ذات نزعة إمبراطورية تتجه نحو تحويل مجلس الأمن الأداة التنفيذية للأمم المتحدة إلى هيئة أشبه بحكومة ديكتاتورية غير مسؤولة وغير شرعية أيضا معرضة لإصدار قرارات غير دستورية دون أن يكون في مقدور أي جهاز آخر أن يحرك أي نوع من أنواع الرقابة السياسية أو القضائية اتجاهه واتجاه الأعمال التي تمارس، سواء تحت عطائه أو بدونه والتي يكون سببها الرئيسي مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى إلى رسم سياسة تهدف في آخر المطاف إلى تهميش وإضعاف دور الأمم المتحدة، إن هي لم تساير توجهاتها التوسعية الإمبراطورية.

وقد تجلت معالم هذه السياسة في الحرب الأخيرة المعلنة على العراق بعد أن شنتها دون موافقة مجلس الأمن وفرضت احتلالا غير مبرر على دولة ذات سيادة وعضو بهيئة الأمم المتحدة، مما جعل دور مجلس الأمن يبدو باهتا ومتحاورا لم يتعد وظيفة تزكية وتوجهات القوى الكبرى كما كان عليه الحال إبان مرحلة الثنائية القطبية التي عان فيها المجلس، وهي مرحلة من الشلل في حركته وقدرته على التدخل بفاعلية لحل الأزمات الدولية، وهي مرحلة رأي بعض الباحثين أن انتهائها سيؤدي إلى تفعيل دور المجلس على عكس ما هو عليه اليوم خاصة أن غياب الفيتو السوفييتي سوف يعطى مجلس الأمن القدرة على التدخل في النزاعات الدولية، واتخاذ القرارات فاعلة بشأنها، وأنه سيكون قادرا على تنفيذ هذه القرارات، مدللا على ذلك بدوره في حرب الخليج الثانية.

لكن خبرة التسعينات أثبتت انحسار هذه الآمال فبعد أن كان المجلس خاضعا محكوما بالفيتو السوفييتي والأمريكي، فإنه خضع للقوة الأمريكية المنفردة، وغلبت عليه سمة الازدواجية بحيث أنه كان فاعلا فقط في النزاعات التي لا تتعارض مع المصالح الأمريكية.

أما في العديد من النزاعات التي تتعارض مع المصالح الأمريكية، فلم يتم بالدور الفاعل اتجاهها. وخاصة اتجاه النزاع العربي الإسرائيلي، حيث استخدمت أمريكا حق الفيتو اتجاه العديد من القرارات التي تدين العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين أو الشوكة التي قصدت ظهر البعير. فقد كان العدوان الأخير على العراق والذي كرس النظام الدولي أحادي القطبية، وأكد بأن لا معارضة دولية حقيقية تشكل تحديا للقوة الأمريكية، فالمعارضة الدولية التي تجسدت في موقف بعض الدول الكبرى فرنسا روسيا ألمانيا لم تتجاوز كونها معارضة سياسية ارتبطت بمصالح هذه الدول، ومدى تأثير هذه الحرب.
ما من شأنه أن يزيد من فعالية مجلس الأمن لأنه سوف يكون قادرا على التدخل في النزاعات الدولية واتخاذ القرارات بشأنها، وقادرا على تنفيذها.
لكن هذه الفعالية تتسم بغياب العدالة في كثير من النزاعات التي تكون الولايات المتحدة طرفا فيها أو ترتبط معها بمصالح.[62]

نخلص من كل ذلك إلى أن الأزمات الخطيرة التي مرت بها الأمم المتحدة تكاد كل مرة أن تعصف بمصداقيتها، وبدورها في حفظ التماسك الدولي والسلام العالمي تعرض التفكير من قبل متخذي القرار الدولي في إعادة النظر في هذه الهيئة وجهازها التنفيذي مجلس الأمن.
فطبيعة تشكيل المجلس حسب البعض تعكس الصبغة التي اصطبغت بها العلاقات الدولية غداة الحرب العالمية الثانية، والتي قسمت العالم إلى دول منتصرة وأخرى منهزمة، فترجم شكل هيئة دائرة الأقوياء بالمجلس، هذه الحقيقة التي تعززت بانشطار الدول إلى معسكرين معسكر اشتراكي ومعسكر رأسمالي.
لكن ومع تغيير الظروف الدولية بات إصلاح مجلس الأمن ليقوم بدوره في حفظ الأمن الجماعي مطلبا ملحا، وذلك من خلال مراجعة حق النقض الذي تنفرد به الدول الدائمة العضوية والذي يعد عقبة حقيقية أمام عمل المجلس وفتح المجال لدول أخرى كاليابان وألمانيا لتعطى بدور أكبر في المنظومة الدولية وبعض دول العالم النامي التي حققت نموا مهما في العقود الأخيرة.

ومن جهة أخرى، وعلى مستوى السلطة القرارية لمجلس الأمن تقتضي تحولات المشهد السياسي الدولي وإعطاء فعالية أكبر لقرارات المجلس بإسباغ الديمقراطية عليها وإيجاد آليات لتفعيلها بدل تركها رهينة مصالح الدول الكبرى التي تكيل بمكاييل متعددة إزاء القرارات الأممية حسب التوجهات الإيديولوجية والمصالح المتضاربة في عالم أصبحت فيه القوة العنصر المتحكم في العلاقات الدولية.
إن مثل هذه الحلول من شأن تطبيقها أن يساهم في عودة الأمن العالمي إلى نصابه لكنها فيما يبدو حلولا أقرب إلى الخيال منها للواقع. فالدول الخمس الكبار ستتخلى عن امتيازاتها التي يحققها الفيتو بسهولة ولا القطب الأكبر الولايات المتحدة سيقبل بإسباغ الديمقراطية على قرارات مجلس الأمن خاصة وأنه محكوم الآن أكثر من أي وقت مضى بمنطلقات المصلحة الخاصة والأنانية وفكرة التوسع الإمبراطوري.
فالقاعدة الثابتة في عمل الأمم المتحدة هي “إذا أردت استطعت” بمعنى أن الإرادة تسبق القدر.[63]
أي أن إصلاح الأمم المتحدة بخاصة محكوم بتوجه إرادة الطرف الأقوى نحو هذا الإصلاح لكن المؤكد أن هذه الإرادة لا توجد إلى حد الآن.

4- الاستخدام المفرط للقوة العسكرية وانتهاكات حقوق الإنسان :
لقد عرفت الحرب على العراق مظهر من مظاهر الاستخدام المفرط للقوة العسكرية وعدم مراعاتها للأوضاع الأمنية والإنسانية للشعب العراقي. فقد أرادت القوات الأمريكية في هذه الحرب إثبات نظرية الصدمة والرعب التي هيمنت على تفكير سلاح الجو الأمريكي منذ عقود، تقوم هذه النظرية على توجيه ضربات قوية للخصم منذ البداية بهدف القضاء على أنظمة القيادة والسيطرة لديه، وتدمير الدفاعات الجوية وإيقاع أكبر قدر من الخسائر لشل حركته والقضاء عليه من الضربة الأولى وبالفعل قامت القوات الأمريكية في اليوم الأول للحرب بإسقاط أكثر من 1300 قنبلة وقديفة صاروخية على بغداد ومدن عراقية أخرى، اشتملت الضربات أيضا 320 صاروخ من طراز توماهوك،[64]

وبالرغم من صعوبة تواجد المنظمات المهتمة بحقوق الإنسان بسبب الأوضاع الأمنية السيئة أثناء وبعد الحرب على العراق إلا أنه كانت هناك بعض الزيارات التي قامت بها هذه المنظمات، حيث عبر تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية في 18 أبريل 2003 عن قلق المنظمة العميق إزاء تزايد عدد الإصابات في صفوف المدنيين في العراق نتيجة استخدام القوات الأمريكية للقنابل العنقودية في المناطق ذات الكثافة السكانية.[65]

هذا ما أكدته منظمة هيومن رايتش روتش التي قالت في تقرير لها إن القيادة الوسطى للجيش الأمريكي استخدمت 10782 من القذائف العنقودية التي قد تحتوي على 1,8 مليون قنبلة على الأقل كما استخدمت القوات البريطانية 70 قذيفة عنقودية أطلقت من الجو و2100 أطلقت من الأرض وتحتوي على 113190 قنبلة، ورغم أن شن الهجمات بالذخائر العنقودية محفوف بأخطار بالغة من المناطق الآهلة بالسكان، فقد عمدت القوات البرية الأمريكية والبريطانية إلى استخدام هذه الأسلحة مرارا في هجمات على المواقع العراقية في الأحياء السكنية.

في تقرير آخر، عبرت منظمة العفو الدولية عن قلقها بشأن بيان صادر من بول بريمر رئيس الإدارة المؤقتة في العراق 27 يونيو 2003 قال فيه “بأن اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 من المعيار الوحيد دو العلة المعمول به في سياق ممارسات الاحتجاز من جانب قوات التحالف، وإن هذه الاتفاقية تتقدم على سواها من اتفاقيات حقوق الإنسان شددت المنظمة على أنه يجب الالتزام أيضا بأحكام معاهدات حقوق الإنسان الأخرى التي يعتبر العراق طرفا فيها، وليس حوادث تم خلالها إطلاق النار على متظاهرين، مدنيين عراقيين على أيدي جنود أمريكيين مما تسبب في مقتل عدد من هؤلاء المتظاهرين كما أشارت المنظمة إلى أنها تلقت عددا من التقارير حول وقوع حوادث تعذيب أو سوء معاملة للمعتقلين العراقيين على أيدي القوات الأمريكية مثل الحرمان من النوم ووضع القناع على الرأس والوجه لفترات طويلة وتعريض المعتقل لأضواء ساطعة بالإضافة إلى وقوع حالات وفاة في الحجز تنتج معظمها عن حوادث إطلاق نار على أيدي قوات التحالف أو بسبب سوء المعاملة.[66]

ومن بين مظاهر انتهاكات حقوق الإنسان في العراق أيضا الغطرسة والتعالي التي يتعامل بها الجندي الأمريكي مع المواطن العراقي، مثل وضع الجنود أرجلهم على رؤوس العراقيين، وتفتيش المجندين الذكور لمواطنات عراقيات ولمس أجسادهن بطريقة مهينة.
لم تقتصر هذه الانتهاكات على الشعب العراقي فحسب فقط بل شملت أيضا الصحفيين العاملين في العراق، حيث تعرضوا للأذى من قبل القوات الأمريكية بدءا بالتوقيف والتفتيش مرورا بالاعتقال وانتهاء بالقتل. وقد أحصت منظمة صحفيون بلا حدود أعداد من قتلوا من الصحفيين في العراق خلال عام 12 صحفيا.[67]
إن هذه الممارسات تزيد من موجهة العداء المتصاعدة أصلا ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وتجعل الآخرين ينظرون إليها بأنها دولة متغطرسة لا تأبه بالأنظمة والقوانين الدولية، والسؤال المطروح لماذا تتصرف الولايات المتحدة على هذا النحو ؟

المطلب الثاني : الواقع الإقليمي لاستعمال حق القوة
التغيرات الإقليمية هي تصرف أو مجموعة من التصرفات أو الأفعال تتخذها دولة أو أكثر حيال دولة أو أكثر أو حيال شعب أو أكثر من شأنها انتهاك قاعدة دولية آمرة أو ملزمة تنظم مركزا قانونيا أو تنشئ حقا دوليا معترفا به.
وتتعدى صور التغيرات الإقليمية غير المشروعة فقد تأخذ شكل حرمان شعب من الشعوب من ممارسة حقوقه المشروعة المقررة له وفق مواثيق والإعلانات الدولية كحقه في تقرير المصير أو منعه من ممارسة حقه في أن يعيش في مجتمعه دون تمييز أو تفرقة بسبب عونه أو جنسيته أو معتقده، على أن أهم صورة من صور التغيرات الإقليمية غير المشروعة هي سعي دولة ما نحو تحقيق مكاسب إقليمية أو ترابية عن طريق احتلال أراضي الغير أو الاستيلاء عليها باستخدام القوة العسكرية.[68]
وبذلك أصبحت القوة العسكرية تستخدم بهدف الاستعمار الفقرة الأولى، ثم تستعمل بهدف التحرير الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى : استعمال القوة بهدف الاستعمار
1- الاحتلال الحربي للعراق :
بدأت الحرب الأمريكية على العراق عارية من أي عطاء شرعي مقبول. خصوصا بعد سقوط المبررات التي ساقتها الولايات المتحدة الأمريكية والمتعلقة على وجه الخصوص بنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، الأمر الذي ضاعف من المعارضة الدولية للحرب وصار الحديث يتركز أكثر على الأهداف الحقيقية للحرب والقوى التي تقف وراء تأجج نارها، وعلى الرغم من اتسام هذه الحرب بعدم المشروعية، كونها تقررت ونفذت خارج سلطة الأمم المتحدة وتحديد مجلس الأمن، فقد سعت الولايات المتحدة الأمريكية منذ البداية لحشد الدعم العسكري الدولي، قصد إظهار الطابع الجماعي للفعل غير المفوض من مجلس الأمن، وقد نجحت الولايات المتحدة عقب احتلال العراق في الحصول على هذا الدعم من دول أوروبية وغير أوروبية ساهمت بقوات أرسلتها إلى العراق تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن كان المجهود الحربي قبل احتلال العراق ينحصر في قوات الولايات المتحدة تساعدها قوات من إنجلترا.

غير أنه وبالنظر لنجاح المقاومة العراقية التي أربكت المخططين العسكريين الأمريكيين، وحجم الخسائر التي لحقت بقوات الولايات المتحدة في العراق والمتطلبات والاحتياجات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي يصعب النهوض بها من قبل دولة واحدة عادت الولايات المتحدة من جديد تطلب الدعم الدولي ولما كانت أغلب دول العالم قد ربطت مشاركتها في القوات الدولية العاملة في العراق بضرورة تفويض هذا العمل من مجلس الأمن، فقد اتجهت الجهود الأمريكية والدولية المشاركة في الحرب للضغط على الدول خصوصا منها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن أو تلك الدول المؤثرة والتي أعلنت جهارا معارضتها للتدخل العسكري ضد العراق دون إذن مسبق من مجلس الأمن ألمانيا وذلك كله بقصد تحرير مشاريع قرارات تضفي المشروعية أو تعطي نوعان من الدعم العسكري أو المالي للمجهود الحربي الأمريكي في العراق.[69]

2- الذرائع المستخدمة لتبرير الحرب على العراق :
الحرب على العراق جاءت تتويجا للسياسة العدائية الأمريكية التي بدأها الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب وتابعها الرئيس كلينتون خلال فترة الرئاسة.
وقد بررت الولايات المتحدة حربها على العراق بأربع مبررات :
– المبرر الأول : هو منع العراق من امتلاك وتطوير أسلحة الدمار الشامل من نووية وكيمانية وجرثومية لما في ذلك من تهديد لأمن العالم ولأمن الولايات المتحدة الأمريكية سواء كان هذا التهديد بواسطة العراق لكي تستخدم ضد الولايات المتحدة أو ضد حلفائها.

– المبرر الثاني : هو الحيلولة دون أن يصبح العراق مركزا جديا إيواء المنظمات والعناصر الإرهابية، ولذلك حاولت الولايات المتحدة دون جدوى إثبات وجود علاقة بين العراق وتنظيم القاعدة.
– والمبرر الثالث : هو الإحاطة بالرئيس صدام حسين لأن الولايات المتحدة على حد تعبير بوش لا يمكنها أن تسمح لأسوأ القادة في العالم بابتزاز الولايات المتحدة وحلفائها وأصدقائها بأسلوب الأسلحة في العالم وباسم الدفاع عن الحرية أعطت لنفسها الحق في إحاطة حكومة الرئيس صدام حسين وتعويضها بحكومة ديمقراطية تلتزم بقرار الشرعية الدولية وتحسن معاملة شعبها وجيرانها.[70]

– والمبرر الأخير : يعنى أن مشاريع دمقرطة المجتمعات والدول الإسلامية تتعدى مرحلة الضغوط السياسية والدبلوماسية لتصل إلى مرحلة شن حروب التدخل ولذلك فإن مشاريع الدمقرطة العشرية وفقا للشروط الأمريكية والغربية هي مولد آخر من مولدات الانقسام الإيديولوجي الجديد في عالم ما بعد الحرب الباردة.
ولقد قسم الدكتور عبد الواحد الناصر الذرائع لتبرير الحرب على العراق إلى ذرائع قانونية وسياسية.
أولا : الذرائع القانونية لتبرير الحرب على العراق
الذرائع القانونية هي ثلاث ذرائع : اثنتان استخدمتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ إدارة بوش الأب إلى الابن، أولهما الادعاء بحالة الدفاع الشرعي في استخدام للقوة العسكرية ضد العراق منذ 1991 وإلى الآن. وثانيهما هو الادعاء العمل باسم المجتمع الدولي من أجل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وفي مقدمتها القرارات ومنها قرار 678 عام 1990 وقرار 687 عام 1991 و1441 وعام 2002 ولاسيما ما يتعلق بنزع الأسلحة العراقية “أسلحة الدمار الشامل”.

أما الذريعة الثالثة فهي مرتبطة بمنطق الحرب على الإرهاب وتكمن في اعتبار الحرب على العراق جزءا في الحرب على الإرهاب والهدف من هذه الحرب هو منع النظام العراقي من تسريب أسلحة إلى الإرهابيين والحيلولة دون أن يصبح العراق كأفغانستان على عهد الطالبان. وهذا ما يفسر المحاولات المتكررة الأمريكية والبريطانية لإثبات وجود علاقة بين النظام العراقي وتنظيم القاعدة.

ثانيا : الذرائع السياسية لتبرير الحرب على العراق
هذه الذرائع القانونية هي مجرد غطاء أو ستار لأنك حرب الخليج الثالثة لها ذرائع سياسية تتناقض مع الذرائع القانونية لهذه الحرب، هذه الذرائع السياسية لحرب الخليج الثالثة تشمل :
1- تحرير العراق من الحكم الديكتاتوري الدموي لصدام حسين.
2- دمقرطة العراق عن طريق إقامة حكومة ديمقراطية بديلة.
3- استخدام الموارد البترولية العراقية في إعادة إعمار العراق ورفاهية الشعب العراقي.
4- القضاء على التهديد العسكري الذي يمثله النظام العراقي بالنسبة لجيرانه وبالنسبة للأمن القومي الأمريكي الذي مجموع المصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة بما في ذلك أمن إسرائيل بيد أن هذه الذرائع السياسية تكشف زيف الذرائع القانونية المدعى بها وتكشف من جهة أخرى عن الأسباب الحقيقية لحرب الخليج الثالثة.[71]

ثالثا : ضعف مصداقية مبررات الحرب على العراق
قد مر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن تقريرا إلى مجلس الأمن في سبتمبر 2002 ذكر في التقرير سبع مبررات تستند عليها الإدارة الأمريكية لشن حربها على العراق وهي عدم احترام بغداد لستة عشر قرار صادر عن الأمم المتحدة وأن العراق يمتلك أسلحة الدمار الشامل وهو مسؤول عن انتهاكات لحقوق الإنسان من تعذيب واغتصاب وإعدامات فورية، وله ارتباط بالإرهاب ويحتجز لديه أسرى حرب من ضمنهم طيار أمريكي، وأنه لازال يحتفظ بثروات نهبها عند اجتياحه للكويت.
والولايات المتحدة استندت على ثلاث مبررات أساسية وذلك من أجل الوقوف على مصداقيتها وصحتها بعد انتهاء الحرب على العراق.

1- امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل :
من أكثر المبررات التي ركزت عليها الإدارة الأمريكية امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، هذا ما أكده بوولفووتيز نائب وزير الدفاع الأمريكي عندما قال “لقد تفاهمنا على نقطة واحدة هي أسلحة الدمار الشامل، ذلك لأنها تشكل الحجة الوحيدة التي يمكن أن يتوافق عليها الجميع”.[72]
وبالفعل فقد طرح رئيس الولايات المتحدة وإعطاء إرادته هذه الحجة وفي أكثر من مناسبة، ففي اجتماع مع أعضاء الكونجرس في 26 سبتمبر 2002 قال الرئيس الأمريكي “إن الخطر على بلدنا فادح الخطر يتعاظم فنظام الحكم في العراق يملك أسلحة بيولوجية وكيميائية ويسعى إلى امتلاك قنبلة نووية وبما لديه من مواد انشطارية يستطيع أن يصنع واحدة في غضون عام واحد”.

وفي خطابه عن حالة الاتحاد في 28 يناير 2003 قال أيضا : “فقد عملت الحكومة البريطانية أن صدام حسين سعى مؤخرا للحصول على كميات ضخمة من اليورانيوم وفي 5 فبراير قال وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أمام مجلس الأمن الدولي بأن تقديرنا المحتفظ هو أن العراق يملك اليوم مخزونا بين 100 و500 طن من الأسلحة الكيميائية.[73]

بالرغم من كل هذه التأكيدات وبعد عام من نهاية الحرب الأمريكية على العراق لم تستطع الولايات المتحدة تأكيد هذه الحجة، كما عجز الفريق الأمريكي الذي كلف بمهمة التفتيش عن الأسلحة المحظورة بعد احتلال العراق من العثور على أي منها. بل الأكثر من ذلك قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع حليفتها بريطانيا بتلفيق بعض الأدلة عندما قالت بأن العراق سعى إلى شراء خمسمائة طن من أوكسيد اليورانيوم من نيجر يستخدم في صناعة الأسلحة الذرية، وفي مارس 2003 أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البردعي أن الوثائق التي قدمت بهذا الخصوص تشتمل على تلفيقات لا أساس لها من الصحة.[74]

2- علاقة النظام العراقي بالإرهاب تنظيم القاعدة :
سعت الإدارة الأمريكية إلى الربط بين أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحكومة العراقية، واتهمتها بدعم الإرهاب وعلاقتها بتنظيم القاعدة يؤكد على ذلك ما كان يدور في الاجتماعات التي عقدتها الإدارة الأمريكية بعد الأحداث وتصريحات كبار المسؤولين فيها في 15 سبتمبر 2001 دعي مجلس الأمن القومي الأمريكي إلى اجتماع قدمت فيه عدة مداخلات كان من ضمنها مداخلة لنائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني قال فيها “إنني أريد أن أركز أكثر على قضية الدول التي ترعى الإرهاب وأريد أن ألفت النظر إلى التركيز على دول لها كيان واضح أسهل من التركيز على جماعات ليس لها ملامح الدول التي ترعى الإرهاب متجسدة والجماعات الإرهابية مجرد أشباح وأظن أننا سوف ننجح أكثر في العمل ضد جسد ولا ننجح بالقدر الكافي ضد أشباح”، في نفس اليوم دعا الرئيس أركان إدارته إلى اجتماع غير رسمي خاطب فيه جوش الحضور قائلا :

الشعب الأمريكي يريد عملا كبيرا مهولا فرقعة عظيمة لا أريد معركة واحدة، ولكن أريد حربا ممتدة يشعر بها الشعب الأمريكي، ويتأكد أننا نواصل الدفاع عنه حتى أقاصي الأرض ضمن الردود التي جاءت على كلام الرئيس قال بولار لفويتز نائب وزير الدفاع “إن ما يطلبه الرئيس يمكن أن يتحقق في حالة واحدة، هي حالة أن نوجه ضربتنا إلى الدول الراعية للإرهاب أو الدول الإرهابية والعراق أول القائمة بوجود صدام حسين على رأسه، في مقابلة جمعت بين كارل روفي كبير مستشاري الرئيس للشؤون الداخلية مع وزير الدفاع رامسفيلد للحديث معه عن سر الفتور الذي يسيطر على الحرب الأمريكية ضد أفغانستان لابد أن نوجه ضربتنا بعد الآن إلى الدول الراعية للإرهاب، الدول الإرهابية العراق أولها، صدام حسين ليس له صديق في العالم يدافع عنه حتى في روسيا وفي الصين وهو رجل يصعب على أحد أن يقول فيه كلمة طيبة في حقه.[75]

يتضح مما سبق أن هناك نية مبيتة لدى بعض أعضاء الإدارة الأمريكية على مهاجمة العراق من خلال ربطة الإرهاب، وكانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر فرصة مناسبة لتحقيق ذلك، لذا بدأ الحديث في العلن عن علاقة النظام العراقي بالإرهاب وبتنظيم القاعدة بالتحديد. جاء ذلك واضحا في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي عن حالة الاتحاد 28 يناير 2003 عندما قال “تخيلوا مختطفي الطائرات التسعة عشر أولئك ومعهم أسلحة أخرى وخطط أخرى هذه المرة وقد سلحهم صدام حسين لن يحتاج الأمر إلا لتسلل قارورة واحدة، علبة معدنية واحدة قفص واحد إلى داخل هذا البلد ليجلب علينا يوم دعر لم نعرف مثيلا له”، وكان الرئيس الأمريكي قد أعلن قبل ذلك أمام مجلس الشيوخ “إننا نعرف أن العراق وشبكة القاعدة الإرهابية يتشاركان في عدو واحد الولايات المتحدة الأمريكية ونحن نعرف أن العراق والقاعدة تربطهما صلات على مستوى عال ترجع إلى عقد مضى”.[76]

كما روجت الإدارة الأمريكية بأن محمد عطا الذي يعتقد بأنه الرأس المدبر لهجمات الحادي عشر من سبتمبر وقائد طائرة البوينغ التي ارتطمت بالبرج الشمالي من مركز التجارة العالمي اجتمع مع أحمد خليل العاني، القنصل السابق في السفارة العراقية في براغ في يونيو 2000، وقد طرد العاني بعد ذلك من الجمهورية التشيكية بتهمة التجسس، وبالتالي يمكن اعتبار ذلك دليلا على علاقة العراق بالقاعدة.[77]
إن من يقف وراء هذه الحجة قد نسى بأن النظام العراقي بقيادة صدام وتنظيم القاعدة بزعامة أسامة ابن لادن يمكن أن يتفقا على عدو مشترك ولكنهما من الصعب أن يتعاونا معا، حيث أن الحزب الحاكم في العراق حزب بعثي دو توجه علماني، مناهض لتنظيم القاعدة الذي يعترف بمعاداته للأنظمة العلمانية.[78]

كما أن حجة محمد عطا لم تصمد طويلا حيث أكد الرئيس فكلاف هافيل في تقرير سلمه إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش بأنه لم يحدث أي اتصال بين محمد عطا وبين عملاء المخابرات العراقية والأكثر من ذلك فمروره في براغ أمر مشكوك فيه كليا.[79]

لذا اضطرت الإدارة الأمريكية إلى التراجع عن هذه الحجة وقال الرئيس الأمريكي في سبتمبر 2003 بأن الولايات المتحدة ليست لديها براهين على مشاركة صدام في هجمات 11 سبتمبر.

3- انتهاك النظام العراقي لحقوق الإنسان :
الحجة الثالثة التي روجتها واشنطن لتبرير حربها على العراق هي انتهاك النظام العراقي لحقوق الإنسان وبأنه نظام دكتاتوري يمثل تهديدا لجيرانه وكارثة لشعبه.[80]
هذه الحجة تعتبر من الحجج التي يسهل طرحها ويصعب تحديدها أو الحكم عليها، ولنفترض بأن النظام العراقي السابق كان بالفعل نظاما دكتاتوريا وقام بانتهاكات لحقوق الإنسان هل يمكن اعتبار الحرب هي طوق النجاة لحقوق الإنسان ؟ أليس الحرب هي التهديد الأكبر لهذه الحقوق، وأن معظم جرائم إبادة الجنس البشري والتطهير العرقي في القرن العشرين قد جرت أثناء الحروب أو بعدها مباشرة وذلك بسبب الفوضى والخراب وتفجر الأحقاد والسرية المصاحبة للحرب.[81]

ثم ماذا عن الأنظمة الأخرى الحليفة لواشنطن لما قررت الولايات المتحدة معاقبة العراق بالتحديد على انتهاكاته لحقوق الإنسان بينما تدعم إسرائيل في الوقت الذي تنتهك فيه إسرائيل قرارات الأمم المتحدة وحقوق الإنسان الفلسطيني.[82]
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كيف تريد الولايات المتحدة من العالم أن يصدق أنها ذهبت للعراق لتحرير الشعب العراقي من حاكم مستبد حسبما تدعى، بينما تسارع في تطبيع علاقاتها مع ليبيا بمجرد أن وافق الرئيس الليبي معمر القذافي على فتح المنشآت العسكرية الليبية لفرق التفتيش الدولية ألم تكن الولايات المتحدة تصف النظام الليبي بأنه نظام مستبد ولا يحترم حقوق الإنسان ويدعم الإرهاب الدولي هل تغير كل شيء وأصبح الرئيس الليبي بمجرد استجابته للضغوط الأمريكية رجلا ديمقراطيا يحترم حقوق الإنسان وليس له علاقة بالإرهاب.

4- الحرب على العراق انتهاك للشرعية الدولية :
انتهينا إلى أن غزو العراق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا كان حرب عدوانية لتحقيق مصالح وأهداف إستراتيجية في منطقة الخليج، وسوف نبرز هنا تلك القواعد التي انتهكتها الدولتان الغازيتان أمريكا وبريطانيا عندما غزت قواتهما دولة عضو في الأمم المتحدة منتهكة سيادتها الإقليمية، فقد تمثلت هذه الانتهاكات للشرعية الدولية في الآتي[83] :

أولا : انتهكت الولايات المتحدة وبريطانيا الفقرتان الثالثة والرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة اللتان أوجبتا على جميع أعضاء الهيئة الدولية بفض منازعاتهم بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر، وأن يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن أن يهددوا بالقوة أو يستخدمونها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة.

ثانيا : انتهكت الولايات المتحدة وبريطانيا المادتان الأولى والثانية من ميثاق الأمم المتحدة اللتين تنصان على عدم استخدام القوة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
ثالثا : انتهكت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا المادة 24 وأحكام الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة في تخويل مجلس الأمن وحدة حق التدخل في أي نزاع يخشى منه قيام الحرب.
رابعا : انتهكت قوات الغزو الأمريكي والبريطاني المادة 25 من اتفاقيات لاهاي سنة 1908 بشأن العمليات الحربية التي توجب تحديد ساحة القتال ضمانا لحسن سير العمليات العسكرية، مما يعني تحييد المناطق السكنية والمنشآت المدنية عند بداية الحرب إلا أن قوات الغزو الأمريكي والبريطاني استباحت كل الأراضي العراقية وجعلتها ساحة قتال فلم تفرق بين منشآت مدنية أو عسكرية، فطال القصف الوحشي المستشفيات والمدارس ودور العبادة وأماكن التسوق وجميع مرافق الدولة والبنية التحتية لها فحولت جميع مدن العراق إلى خراب ودمرا وهي تدعوا الآن المجتمع الدولي لإعادة إعمار العراق.[84]

خامسا : انتهكت قوات الغزو الأمريكية والبريطانية المادة 22 من اتفاقية لاهاي لسنة 1907 بشأن حظر استخدام الوسائل الهمجية في الحرب إذا كانت تلك المادة تتحدث عن أسلحة فتاكة صنعت عام 1908 وهي الرصاص المتفجر والإشعاعي فإن قوات الغزو الأمريكي والبريطاني على العراق استعملت أحدث ما توصل إليه العلم والتكنولوجيا في مجال صنع الأسلحة التدميرية والتجريبية في القرن الحادي والعشرين.
سادسا : انتهكت قوات الغزو الأمريكية اتفاقية لاهاي سنة 1908 بشأن التمييز بين المحاربين وغير المحاربين فقد طال القصف الوحش جميع أفراد الشعب العراقي من أطفال ونساء وشيوخ في مشاهد نقلتها جميع الفضائيات العربية والعالمية ولا تحتاج إلى دليل أكثر من ذلك.

سابعا : انتهكت قوات الغزو الأمريكية والبريطانية المادة 114 من اتفاقية جنيف الثانية في 12 أغسطس سنة 1949 المتعلقة بأسرى الحرب في وجوب معاملة أعضاء حركة للمقاومة العراقية، معاملة الأسرى وليس كإرهابيين كما تفعل قوات التحالف الأمريكي والبريطاني. وتسعى لحشد الجهود الدولية من خلال الأمم المتحدة لهذا الغرض وقد كانت أحداث سجن أبو غريب للمعتقلين العراقيين والتي تفجرت فيما بعد من أقوى الأدلة على هذه الانتهاكات.

ثامنا : انتهكت قوات الغزو الأمريكي والبريطاني المادة 117 من اتفاقية جنيف لسنة 1941 بشأن معاملة أسرى الحرب.[85]
تاسعا : انتهكت قوات الغزو الأمريكية والبريطانية المواد 12 حتى 59 من اتفاقيات لاهاي سنة 1908 بشأن تحديد الأطر القانونية للسلطة العسكرية على أراضي الدولة المحتلة.[86]

والتي تقتضي بأن الاحتلال لا يؤدي إلى تعديل الهيكل السياسي للدولة الواقعة تحت الاحتلال ويظل رئيس الدولة الشرعي محتفظا بممارسة اختصاصاته.

عاشرا : انتهكت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا مبادئ الأمم المتحدة ومختلف القرارات الصادرة عن المنظمة الدولية بشان نظام الأمن الجماعي حيث جاء الغزو كعمل انفرادي متخطيا لمجلس الأمن المختص أصلا بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين الأمر الذي دفع بالأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إلى سرعة تقديم تقرير إلى الجمعية العامة تحت رقم 323 في 22 سبتمبر 2003 يتساءل فيه عن شرعية استخدام القوة في العلاقات الدولية بمناسبة غزو العراق بدون تفويض من مجلس الأمن كما طرح سؤال آخر عن شرعية الحروب الوقائية لمنع اعتداء وشيك وهي النظرية التي أطلقها الرئيس الأمريكي كذريعة لغزو العراق.[87]
ومما لاشك فيه أن غزو العراق أصبح يشكل كابوسا للإدارة الأمريكية ولم تعد تملك سوى الاستمرار في هذا الكابوس إلى أن تستيقظ، وقد وجدت نفسها خارج البيت الأبيض بعد أن تكون قد سجلت نفسها على أكثر صفحات التاريخ دموية وعطشا للنفط.
*****
يتبع…