تمر الولايات المتحدة بلحظة حرجة تصاعدت في إطارها الدعوات لإعادة هيكلة السياسة الخارجية الأمريكية، للخروج من أسر المنظورات المتصارعة على توجيه صنع القرار الخارجي في واشنطن، وهي الليبرالية الدولية وأمريكا أولاً. وفي هذا الإطار تطرح “إيما آشفورد”، الزميل الأول بمبادرة الانخراط الأمريكي الجديد في مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن، رؤيتها في مقال بمجلة “فورين أفيرز” حول استراتيجية “ضبط النفس” كبديل وسطي يتمتع بشعبية في أوساط الخبراء والنخب المهتمة بالسياسة الخارجية الأمريكية رغم الانقسامات الغالبة على الخبراء المهتمين بها.

الجدل حول إعادة هيكلة السياسة الأمريكية

أوضح المقال أنه على مدار الثلاثين عاماً الماضية، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي مباشرة، حاولت الولايات المتحدة تشكيل العالم وفقاً لرؤيتها الخاصة، بدايةً من التدخل الإنساني، وتعزيز الديمقراطية، وصولاً إلى مكافحة الإرهاب. وأشار المقال إلى أن لحظة الأحادية القطبية فشلت -إلى حد كبير- في الارتقاء إلى مستوى التوقعات. ووفقاً للكاتبة، أصبحت الديمقراطية اليوم في انحدار، كما فشلت الحرب على الإرهاب إلى حد كبير، وأدى صعود الصين إلى دحض فكرة مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على منع ظهور منافسين جدد لها. وبحسب التقرير، يبدو أن مجتمع السياسة الخارجية في واشنطن يتقبل الآن الحاجة إلى تصحيح المسار، على الرغم من أنه يظل منقسماً. وطبقاً للمقال، يوجد اليوم في الولايات المتحدة ثلاثة منظورات مختلفة بشأن السياسة الخارجية.

1- دعوة “الليبرالية الدولية” لبناء نظام دولي موحد: نوه المقال إلى أن المنظور الأول هو المنظور الفكري الذي يعتقد أن قيادة الولايات المتحدة هي عامل أساسي لتحقيق الاستقرار العالمي. ويشدد على الردع العسكري، ويؤمن بنظام دولي ليبرالي قائم على القواعد. وأضاف المقال أنه غالباً ما ينظر أنصار هذا المنظور إلى التهديدات القادمة من الصين وروسيا باعتبارها تهديدات لهذا النظام. ونوه المقال إلى أنه نتيجة لأن أنصار هذا الرأي أكثر إدراكاً لحدود القوة الأمريكية من سابقيهم، فمن الأفضل أن يُوصف أنصار هذا الرأي بأنهم الليبراليون الدوليون أو الأمميون.

وأكد المقال أن كلاً من “ميرا راب” و”هوبر وريبيكا ليسنر”، اللذين يعملان الآن في مجلس الأمن القومي، ينتميان إلى هذا المنظور. وشدد المقال على أن كلاً من “راب” و”ليسنر” أكدا، في مقال لهما في عام 2019، أنه “بدلاً من إهدار الولايات المتحدة لقوتها لاستعادة النظام الليبرالي أو إعادة صياغة العالم؛ ينبغي للولايات المتحدة أن تركز على ما يمكن أن تحققه واقعياً”. وأضاف المقال أنه من غير المرجح أن ينجح هذا المنظور في فرض رؤيته على السياسة الخارجية الأمريكية، خاصةً وأنه لا يمكن بناء نظام ليبرالي موحد مع تغير موازين القوة.

2- إيمان منظور “أمريكا أولاً” بأهمية الأداة العسكرية: أشار المقال إلى أن هناك منظوراً آخر يقترب من توليفة مؤسسة السياسة الخارجية الجمهورية وإدارة” ترامب”، التي تقترب كثيراً من الأحادية العدائية التي تعطي الأولوية للحفاظ على الأداة العسكرية للولايات المتحدة. وأضاف المقال أن نهج هذا المنظور قريب من نظرة الهيمنة القديمة للولايات المتحدة، كما أنه يهمش الدبلوماسية، بالإضافة إلى تفضيل مصالح الولايات المتحدة على السعي لإقامة نظام ليبرالي.

يُضاف لذلك، بحسب التقرير، التحول من تعزيز الديمقراطية وبناء الدولة إلى بناء وجود عالمي عسكري أقرب إلى الأنشطة والأعمال الشرطية للإمبراطوريات التقليدية. ووفقاً للتقرير، يرفض هذا المنظور بعض العناصر الليبرالية الأساسية في النهج التوافقي القديم. وطبقاً للتقرير، تتمثل الأزمة الكبرى لدى هذا المنظور في أنها تُخطئ في تقدير حجم الضرر الذي لحق بعلاقات واشنطن مع حلفائها عقب تغليب فكرة “أمريكا أولاً”، حتى وإن كان يعني هذا بالمقابل الإضرار بمصالح كبار حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية.

ونوه المقال إلى أنه على الرغم من أن “ترامب” نجح في إجبار العديد من الحلفاء على الالتزام بالعقوبات التي فُرضت على إيران، عقب الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني؛ إلا أنه بممارسة واشنطن المزيد من الضغوط على الحلفاء، فإن هذه الدول سوف تسعى بكل جهودها لخلق أدوات بديلة من أجل الهيمنة الأمريكية. وأكد المقال على أن الأزمة لدى كل من الليبراليين الدوليين و”الترامبيين” تتمثل في أنهم يركزون بصورة كبيرة على السياسة الخارجية التي تعتمد على القوة العسكرية، وهي النمط من السياسة الذي يمكن أن يؤدي -في النهاية- إلى نتائج غير محسوبة وخطيرة.

3- تنوع أيديولوجي كبير داخل منظور “ضبط النفس“: شدد المقال على أن البديل المتبقي هو منظور ضبط النفس، وهو المنظور الذي يأتي من خارج عالم صنع السياسات في واشنطن، ولذا فهو يتلافى الأخطاء والعيوب التي تقع فيها المنظورات الأخرى. وأوضح المقال أن هذا المنظور يُعد أكثر تنوعاً من الناحية الأيديولوجية من المدرستين الأخريين؛ إلا أن معظم مناصري نهج ضبط النفس يتفقون على عدة مبادئ أساسية.

وبحسب التقرير، من تلك المبادئ الإيمان بأن الولايات المتحدة دولة آمنة بشكل ملحوظ، وأنها خلافاً للعديد من القوى العظمى في التاريخ، لا تواجه تهديداً حقيقياً بالغزو، بفضل الجغرافيا والأسلحة النووية. وأشار المقال إلى أن أنصار هذا المنظور يرون أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة اتسمت في السنوات الأخيرة بالمبالغة والغطرسة. وأضاف المقال أن أنصار هذا المنظور يعتقدون أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة مفرطة في الاعتماد على الأداة العسكرية.

أبعاد تصدُّر استراتيجية “ضبط النفس”

يرتبط الاهتمام الواسع باستراتيجية “ضبط النفس” في الأوساط الأمريكية بعدة أبعاد يتمثل أبرزها فيما يلي:

1- مطالبة منظور “ضبط النفس” بتقليص الدور العسكري: نوّه المقال إلى أن منظور ضبط النفس يتضمن العديد من الأفكار المتداخلة المستمدة من النظرية الأكاديمية للاستراتيجية الكبرى التي صاغها العالم السياسي “باري بوزان” في كتابه “ضبط النفس” عام 2014، الذي يدعو الولايات المتحدة إلى الانشغال فقط بالحدود الداخلية. وأكد المقال على أن منظرين آخرين في منظور ضبط النفس، مثل “جون ميرشايمر” و”ستيفن والت”، يدافعون عن استراتيجية كبرى لتحقيق التوازن بين الشواطئ والبحار الدولية.

وأوضح المقال أن هذا النهج متميز ومترابط ولكنه يطالب أيضاً بتقليص الدور العسكري العالمي للولايات المتحدة. وشدد المقال على أن هذا الأمر يعني أن “بوزان” يدعم الوجود العسكري الشاطئي على الحدود الأمريكية فقط، في حين يعترف كل من “ميرشايمر” و”والت” بأن الولايات المتحدة قد تحتاج في بعض الأحيان إلى التدخل لمنع دولة معادية من الهيمنة على منطقة رئيسية.

2- شعبية كبيرة لمنظور “ضبط النفس” بالداخل الأمريكي: أوضح المقال أنه يوجد في الوقت الحالي الكثير من الفاعلين في واشنطن، بدايةً من الديمقراطيين التقدميين والجمهوريين المحافظين في الكونجرس، فضلاً عن مختلف الجماعات المناهضة للحرب، مثل “كودي بينك” ولجنة الأصدقاء المعنية بالتشريعات الوطنية، الذين يؤمنون بالأفكار ذاتها التي يطرحها منظّرو منظور ضبط النفس. ووفقاً للتقرير، يُستخدم مصطلح “ضبط النفس” الآن في كثير من الأحيان للدلالة على هذه الحركة السياسية الأوسع نطاقاً، كما يُستخدم لوصف استراتيجية كبرى.

وطبقاً للتقرير، هناك العديد من الدوافع التي تعزز من شعبية نظرية ضبط النفس في الأوساط الأمريكية الأكاديمية والسياسية في واشنطن. ونوّه المقال إلى أنه بالنسبة للبعض قد يكون هناك اعتبار أخلاقي لتبني توجهات هذا المنظور؛ فالعديد من الليبراليين يعتقدون أن الحرب تنمو في الدولة، ويريد المناهضون للإمبريالية كبح جماح ما يعتبرونه مجمعاً عسكرياً صناعياً متغلباً.

3- تحول “ضبط النفس” إلى شراكة بين اليسار واليمين: أكد المقال على أن منظور ضبط النفس تحول إلى تكتل كبير، وشراكة بين اليسار واليمين، حيث لا يتفق الجانبان مع بعضهما بعضاً على شيء سوى نقد النهج التدخلي العسكري الذي تطرحه المنظورات الأخرى. وشدد المقال على أن تطبيقات هذا التوجه ظهرت في نشاط الكونجرس بالعديد من الحالات، خاصة محاولته لإنهاء دعم الولايات المتحدة للحرب التي تقودها السعودية في اليمن.

ووفقاً للتقرير، قاد هذا التوجه كل من السيناتور الليبرالي “بيرني ساندرز” من فيرمونت، والسيناتور “كريس ميرفي”، وهو ديمقراطي من كنيتيكت، واثنان من الجمهوريين، هما عضو مجلس الشيوخ “راند بول” من كنتاكي، و”مايك لي” من يوتا. وبحسب التقرير، كان من بين المدافعين عن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في مجلس النواب النائبة الديمقراطية ذات التوجه اليساري “أوكاسيو كورتيز” من نيويورك، و”مات غايتز” من فلوريدا، وهو جمهوري متعصب لـ”ترامب”.

4- بحث منظور “ضبط النفس” عن حلول بديلة: ووفقاً للتقرير، فالأهم من ذلك أن أنصار ضبط النفس لا يؤمنون بفكرة أن الولايات المتحدة هي الدولة التي لا غنى عنها، ويعتبرونها بدلاً من ذلك مجرد قوة واحدة بين العديد من القوى العالمية. وبحسب التقرير، من هنا تكمن أزمة منظور ضبط النفس، فهو يتفنن في نقد جميع السياسات التي تدعو إليها المنظورات الأخرى، إلا أنها في النهاية لا تقدم بدائل وسياسات حقيقية يمكن الاعتماد عليها من قبل صانع القرار الأمريكي.

وطبقاً للتقرير، لا يُجمع أنصار منظور ضبط النفس على بديل واحد ومتماسك للسياسة الخارجية على مدار اليوم الواحد لأنهم أنفسهم لا يتفقون على بديل واحد. ونوه المقال إلى أن المناقشات الدائرة بين أنصار هذا المنظور، المنتمين إلى تيارات واتجاهات مختلفة، تتسم بنفس القدر من الأهمية التي كانت تتمتع بها المناقشات بين الواقعيين والليبراليين الدوليين.

ووفقاً للتقرير، وكما لا يوجد إجماع بين الدوليين الديمقراطيين والجمهوريين الليبراليين على مسائل التجارة، فليس هناك إجماع عليها بين أنصار منظور ضبط النفس. وبحسب التقرير، يميل العديد من الواقعيين إلى الليبرالية الكلاسيكية في التجارة، مع قيام عدد من منظري منظور ضبط النفس الأكاديميين بنشر استراتيجيات كبيرة لضبط النفس، وتعتبر تلك الاستراتيجيات أن الحفاظ على التجارة الحرة بمثابة مصلحة أساسية للولايات المتحدة. وطبقاً للتقرير، على النقيض من ذلك، فإن الساسة التقدميين الذين يدعمون منظور ضبط النفس يحملون مواقف أكثر تقليدية ومؤيدة للعمل.

ونوّه المقال إلى أن الافتقار إلى وجود رؤية موحدة داخل منظور ضبط النفس يعني أنه قد تكون هناك بعض التوترات المتأصلة في سياسة خارجية أمريكية أكثر تقييداً. وأكد المقال على أن الحروب التجارية، على سبيل المثال، قد تؤدي إلى تعقيد قدرة الولايات المتحدة على تحويل عبء الدفاع العسكري إلى بلدان أوروبية أو آسيوية، وهو ما قد يضعف قدرة الولايات المتحدة على المواجهة والتصعيد مع الصين، خاصة وأن أغلبية أنصار المنظور يميلون إلى تقليص ميزانية الدفاع.

مستقبل الدور العالمي لأمريكا

شدد المقال على أن السؤالين المحوريين اللذين يقسمان معسكر ضبط النفس هما نفسهما اللذان يسيطران على بقية مناقشات السياسة الخارجية الأمريكية في الوقت الحالي، أي السؤال عن مستقبل التحالفات الأمريكية، وما الذي ينبغي عمله بشأن الصين؟ ويمكن تفنيد ذلك عبر ما يلي:

1- التجاذب بشأن أهمية التحالفات الأمريكية: أوضح المقال أن معظم القائمين على منظور ضبط النفس يسلطون الضوء على سلبيات التحالفات، خاصة تحمل الولايات المتحدة لتكلفة الدفاع بصورة كلية ومنفردة. ووفقاً للتقرير، وعلى الرغم من ذلك، لا تزال تحظى التحالفات بشعبية واسعة النطاق، فالقليل من الأمريكيين يرغبون في إنهاء وجود حلف الناتو. وبحسب التقرير، فقد دعا “ساندرز” الحلفاء الأوروبيين إلى إنفاق المزيد على الدفاع، ولكنه جادل أيضاً بأن التحالفات لا تزال قيّمة، ويجب الحفاظ عليها.

وطبقاً للتقرير، في آسيا سوف تكون الشراكات بلا شك ضرورية للتعامل مع الصين حتى في ظل استراتيجية كبرى لتحقيق التوازن على الشاطئ. ونوه المقال إلى أن الجميع يتفقون على أن بعض مستويات الإصلاح ضرورية، ولكن في حين يسعى البعض إلى التخفيف من مخاطر وتكاليف التحالفات من خلال تقليص حجم القوات العسكرية للولايات المتحدة أو إجبار بلدان أخرى على تحمل المزيد من العبء، فإن آخرين يجادلون بأن الانسحاب الكامل من التحالفات الدائمة للولايات المتحدة سيؤدي إلى نتائج كارثية في النهاية.

2- الخلافات بشأن المواجهة مع الصين: أكد المقال على أن عدداً قليلاً من الأصوات داخل معسكر ضبط النفس يزعم أن صعود بكين ليس بالأمر الجلل، وبدلاً من مواجهته يجب تجاهله فقط. وشدد المقال على أنه بالنسبة لبعض الواقعيين، فإن صعود الصين يشكل القضية الأساسية التي تدفع إلى الدعوة إلى ضبط النفس خارج شرق آسيا. ووفقاً للتقرير، ففي عام 2016، على سبيل المثال، رجح كلٌّ من “ميرشايمر” و”والت” أن تسعى الصين إلى الهيمنة في آسيا، داعين الولايات المتحدة إلى “تبني سياسات كبرى لمنع نجاحها”.

وبحسب التقرير، يدعو أنصار هذا الاتجاه إلى إعادة هيكلة موقف قوة الولايات المتحدة للتركيز على التهديد الوارد من الصين، إلى جانب إعادة النظر في الالتزامات الأمنية للولايات المتحدة، ولا سيما بالنسبة لتايوان. وطبقاً للتقرير، مع ذلك، هناك معسكران رئيسيان آخران للصين ضمن مجتمع ضبط النفس.

وختاماً، أوضح المقال أن المعسكر الأول يرى أن تقليص القوة الدفاعية البرية الأمريكية، والسلاح النووي، يمثل أهمية كبرى للحفاظ على مصالح الولايات المتحدة والأمن في مواجهة الصين الأكثر قوة. وأشار المقال إلى أنه وفقاً لهذا الرأي، قد تشكل الصين تهديداً للأسبقية العسكرية للولايات المتحدة، ولكن ليس لأمنها. وأضاف المقال أنه على العكس من ذلك، تجادل المجموعة الثانية بأن من الأفضل النظر إلى مشكلة الصين لا من حيث الأمن، بل من حيث التحديات المشتركة مثل تغير المناخ.

المصدر:

– Emma Ashford, Strategies of Restraint Remaking America’s Broken Foreign Policy, Foreign Affairs, August 24, 2021. Accessible at: https://www.foreignaffairs.com/articles/united-states/2021-08-24/strategies-restraint