مع نهاية الثمانينيات، شهد العالم تطورات عميقة أنت على البديهيات قبل المسلمات التي كانت تحتكم إليها وتتحدد تبعا لها طبيعة العلاقات الدولية، والتي بدت بوادرها وتجلت أولى مظاهرها مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار الشيوعية، واستئثار (و.م.أ) التي تزعمت الغرب في صراعه مع الشرق بميزان القوة الذي لم يعد فيه الثنائية القطبية من معنى ولا وجود… وهو التغير الذي لم تقتصر مظاهره على مشاهد الحياة السياسية وطبيعة العلاقات الاقتصادية في المرحلة الجديدة، بل امتد إلى العديد من المواضيع ذات الصلة بتحقيق الاستقرار والارتقاء والتقدم والسلم والعيش في رخاء واطمئنان… وهو ما اختصر التعبير عنه مصطلح الأمن الذي بات من أكثر المصطلحات استقطابا للاهتمام، وما بمواضيع البحث والدراسة في حقل العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

فكان من بين أهم ما لحق موضوع الأمن من تغير ذلك التحول في محدداته، وطبيعة مهددائه، وترتيب مستوياته ،، فانتقل نطاق تحديده من الدولة إلى الفرد، وتجاوزت مهدداته الدول والحروب وغيرهما من المهددات الشمالية إلى مهددات من طبيعة لينة قد لا يلمس ما يجعلها على قدر الموازنة والمقارنة بالدولة كمحدد ومهدد رئيسي للأمن من قبل بظهور جملة من المهددات اللاتصالية ذات القدرة على تهديد الأمن الوطني من دون أن تشارك الدولة في مميزاتها ولا أن تقتسم معها خصائصها ككيان سياسي، وتطورت مستوياته إلى فضاءات “عمر وطنيةTransnationale” سلطت الضوء على مناطق جيوسياسية جديدة لم تكن على قدر كبير من الأهمية والاهتمام بها من قبل.

وجدت الجزائر نفسها وسط هذا الحراك الدولي الذي ما كانت لتستطيع مجانينه ولا آن ترضى لنفسها بالانكفاء على الذات أمامه، فكان أن ساعدها على الاندماج فيه تزامنه مع حركية اجتماعية وسياسية واقتصادية داخلية خطت أولى مشاهدها أحداث أكتوبر 1988، وما أنتجته من ديناميكية سرعت من ركوب الجزائر مسارات التحول متعددة المستويات، بانتهاج توجه طال المؤسسات والممارسات.. وسرعان ما انعكس على يوميات الجزائريين

لما كان الأمن كإطار نظري وتعبير مفاهيمي من صلب المواضيع التي طالها التغير الناتج عن التحولات الدولية الحاصلة، فإن الجزائر بدورها ما كان لها أن تلتفت إلى التحول السياسي والاقتصادي الحاصل من دون إعادة النظر في مقاربات بناء أمنها الوطني خاصة وأن رياح التغيير التي هبت نسائمها لم تكن سالمة وآمنة، بل كانت أقرب إلى العاصفة التي هزت أركان الدولة وهددت بنسفها بعد أن صاحب مسار التحول الديمقراطي موجة من العنف الذي وقفت معه الجزائر على أحد وأعصف أزمة أمنية واجهتها منذ استقلالها، وهو ما انعكس على المعالم الكبرى التوجهات بناء استراتيجية الأمن الوطني في الجزائر التي جعلت من مكافحة الإرهاب” منطلقها ومحددها المحوري.

غير أن تشعب الأزمة الأمنية في الجزائر التي انتقلت من مرحلة الإرهاب” إلى تسيير مخلفات مرحلة ما بعد الإرهاب بعد أن تم دحر الجماعات الإرهابية النشطة في التسعينيات والتي رسمت صفحات دامية في تاريخ الجزائر ويوميات الجزائريين، قد أبان عن وجود جملة من الأخطار والمهددات متعددة الصفات والتصنيفات التي باتت تشكل تهديدا حقيقيا للأمن الوطني في الجزائر، ما يستلزم ضرورة أخذها بعين الاعتبار لاسيما وأن مفهوم الأمن قد تجاوز المحددات التماثلية التقليدية إلى أخرى أوسع وأشمل.

تحميل الرسالة

Print Friendly, PDF & Email