بقلم شوكت سعدون

مدخل تأسيسي

نعيش اليوم في غمرة تفاعلات وتغيرات تشمل الكوكب بأسره، تمسنا في الاردن نتأثر بها ولا نُؤثر، وقد يكون الفعل والتفاعل محكومين بمحددات كثيرةٍ يضيق معها هامش الحركة فتغيم الرؤى وتقل الأدوات ويضيق الوقت وكان فيه متسع. فتضطرب البوصلة ويصبح مع كل ذلك اتخاذ القرارات الاستراتيجية التي تفرضها الحقبة التاريخية التي نعيش محفوفاً بالضغوطات والأزمات مما يؤثر على  صوابيتها.

تفاعلات الكوكب والإقليم والوطن العربي وتغيراتها جميعاً بفعل انتهاء الحرب الباردة ومخرجاتها ومحاولة النظام العالمي الآخذ بالتشكل لطي ملفاتها والانتقال الى حقبة تاريخية جديدة، من إحدى ملامحها محاولات اعاده ترتيب أوضاع المنطقة كآخر اقليم يجب أن تهُب عليه رياح التغيير بعد أن كان محكوماً ولقرابة قرنٍ بمعطيات تجزئة(سايكس بيكو)خصوصاً وأن إحدى أهم الدول فيه هي المفرخة الرئيسية للأصولية ولإحساسها بالخطر القادم تبادر للهجوم بوصفه أفضل وسيله للدفاع.

هناك تغيرات وتحولات في شكل ومضمون وميكانيزمات النظام العالمي القادم الآخذ بالتشكل، هناك قطب في حالة تراجع ربما بسبب الضعف الذي ألم به بفعل سياسات واستراتيجيات وتحالفات الحرب الباردة واقطابٍ أُخرى في حال أقرب إلى الكمون بفعل تلك الحرب أيضاً، فتترقب وتتحرك بحذر وتبحث عن مصالح آخذة بالاهتزاز بفعل انتقال التحالفات، وهناك (قطبٌ عائد) وأقطابٌ أخرى تُصعّد وهذا يفرضُ حواراً وصراع إرادات بينها جميعها، تتفاوت شدتها وتتراوح بين الردع والتقرب الغير المباشر والاحتواء وذلك لتبقى في اطار الصراع الدولي والاقليمي والحروب المحدودة، وكل ذلك ينعكس على بيئة الأمن الدولي والإقليمي.

نرى تغيراً في نمط العلاقات الدولية تتغير معها علاقات القوة وموازينها. فمجال الانفراد بالقرار الدولي سواء داخل التنظيم الدولي أو خارجه آخذ بالتضيُق، ورعاية مصالح الكبار القومية أخذت تميل لاستخدام القوة الناعمة وتوظيف الدبلوماسية بسبب الكلف العالية لاستخدام القوة الخشنة واستمرار نقلها ونشرها بعيداً عن المركز، وهذه كلها مؤشراتُ ضعف وهي أيضاً من حقائق الحرب الباردة التي أخذت تُضعف طُروحات (مور غنتاو) المتعلقة بسياسات القوة والواقعية السياسية، وربما هناك بدايات العلاقات الدولية الأكثر ديموقراطية، وكل ذلك ينعكس على بيئة الأمن القومي ومفعولاته.

هناك تغيرات جيوستراتيجية عميقه تتميز بنقلات جيواستراتيجية كُبرى قد تُحدث تغيرات في التاريخ وتراجعاً في السياسة الاقتصادية، والتي ربما يكون من أهمها التحول عن السياسة الليبرالية الجديدة، وإنها بدأت بالفعل نتيجة تعمقا لأزمات الرأسمالية، هذه السياسة التي لازلنا نتمسك بها أردنياً.

وعلى صعيد التغيرات الجيواستراتيجية هنالك الصراع الروسي-الأوروبي على الفضاء الأوراسي، ونحن جزءُ منها عربياً وأردنياً. فهنا كطروحات الروس حول انشاء (الاتحاد الأوراسي الجديد)والذي سبقه محاولات اصبحت واقعاً كمعاهدة شنغهاي ومنظمة الأمن والتعاون ومحور(بركس)، وربما أن الأخير هو محاوله لعكس توجهات (ماكيندر) حول محور حركه التاريخ من شمال الأطلسي غرباً إلى جنوب المحيط الهادي شرقاً ليصبح محور حركه التاريخ من شمال المحيط الهادي إلى شمال المحيط الأطلسي غرباً ليمتلك محور بركس نقاط ارتكاز على طوله المار في المحيط الهندي.

أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد تراجعت عن استراتيجية الجمهوريين والمحافظين الجدد والمجمع الصناعي العسكري (الاستباقية) واستبدالها باستراتيجية (التحول/الانعطاف) من شمال الأطلسي إلى آسيا/المحيط الهادي، التي أُقِرَّت مع بدايات المرحلة الثانية للديمقراطيين في السلطة وما يعكس ذلك من مؤشرات اضطراب وحِدَّة القيادة فيها. وهذا عنصر ضعف، وقد يكون محاولةً لإحداث قطعٍ في استراتيجية محور (بركس) وهذه إحدى تغيرات الصراع الدولي.

أما في منطقتنا العربية، فصوره التحولات نُلاحظها، ولكن هناك متغير مرتبط باستراتيجية (التحول/الانعطاف). وهذا المتغير ربما يشير إلى حالة انكشاف استراتيجي لدى العديد من دول المنطقة التي استكانت واندمجت طيلة الحرب الباردة مع التحالف الأطلسي فعاشت في حالة من الرخاوة. إن (التحول/الانعطاف) يعني الاعتماد على الذات، فالأساطيل الأمريكية ستكون مشغولةً بالمحيط الهادي البعيد، وهناك قوتين إقليميتين من خارج الوطن العربي تسعيان لزعامة الإقليم.

وإدراك ذلك يبدو أنه قاد إلى تنافس دول الإقليم على زعامته شعوراً منها بحالة الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الامريكي فاختلفت الأدوات وتشكلت المحاور. فالبعض يرى حجر الزاوية في ذلك هو إسقاط الأنظمة بقوة سلاح الميليشيات المنذرة بتسربها إلى مختلف دول الإقليم، ومن بينها الأردن، وربما إلى تركيا فأوروبا والعالم مما قد يخلق حالة (أفغنة موسعة) وهذا مهدد للأمن الإقليمي والدولي.

الوطن العربي

إذاً هناك احتمالات لملامح فراغ القوة في الوطن العربي وسعي اقطاب إقليمية وعالمية لملئه، وأُخرى تسعى للانسحاب منه، وهذا شبيه بأوضاع ما بعد عام 1956م والانسحاب البريطاني الفرنسي من المنطقة وملء الفراغ الأمريكي آنذاك، ومحاولات مصر اليوم لتُعيد النظر بأحوالها لتملأ فراغاً حصل سابقاً قد يطول، عدا عن الفراغ الذي خلقه العراق و الوضع السوري الحالي والذي قد يطول، ايضا والدور التركي النشط في هذا السياق وأخذ الدورين الإيراني والسعودي بالاعتبار، ولا ننسى الظلال حول استراتيجيات الطاقة والاكتشافات النفطية الأمريكية وعلاقة ذلك بنفط السعودية والخليج وروسيا.

حوار إرادات القوة

 ما مر له علاقه بمسأله التواجد الأمريكي في المنطقة ومقارنته مع التواجد البريطاني ما بعد عام 1956م، وربما تنطوي التظاهرات الاستراتيجية الأمريكية-الروسية على عناصر تتشابه مع التطلع البريطاني نحو الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية لملء فراغ انسحاباتها الاستراتيجية المُنظمة من العالم وخصوصاً أن الولايات المتحدة تعاني حالياً من مؤشرات عدم القدرة في الاستمرار بنشر القوة وممارسة دور شرطي العالم وقطبه الأوحد. إن انسحاباً أمريكياً من المنطقة يُنذر بفوضى ينبغي منعها أو (احتوائها)عدا عن أنه يحدث فراغ ينبغي ملؤه، وهنالك قطب عائد يركن إليه وله مصالحه الاستراتيجية والجيواستراتيجية في المنطقة لقربه منها عدا عن أنها تقع ضمن الفضاء الأوراسي، إضافةً إلى أن الحلفاء الأطلسيين والإقليميين كوكلاء وفقاً لتجربة (مبدأ غوام)السابقة لم يقدموا أداءً محموداً تجاه أوضاع الاقليم، وعلى سبيل المثال الوضع الليبي وفقدان السيطرة على الوضع السوري وربما قيام بعض القوى الإقليمية بتحويل الوضع السوري إلى أزمه دولية كبرى.

ويتعين عليه الفدرالية الروسية كقطب عائد التنبه إلى إمكانية التورط الطويل الأمد في شؤون المنطقة وقد يضعفها ذلك على المدى الاستراتيجي، ودرس افغانستان/الاتحاد السوفياتي لا يزال ماثلاً في الأذهان وربما بصورةٍ موسعةٍ أكثر هذه المرة.

الحالة الإسرائيلية

وأما اسرائيل فمؤشرات دورها كقوةردع واحتواء وملئ فراغ وظيفية إقليمية تساوقت مع استراتيجيتي ملئ الفراغ والاحتواء سابقاً،أصابها الاهتزاز حالياً، ولهذا سعت لإحاطة بنفسها بجدران عازلة وحصون مستوطنات ومحاولات للاستفادة من طبوغرافية غور الأردن. وهذه كلها مؤشرات على اهتزاز نظرية الأمن الاسرائيلي القائم على الردع النووي وآفاق كسر احتكاره، و(التحول/الانعطاف) يزيد الأوضاع الإسرائيلية تفاقماً وهي المحسوبة على التحالف الأطلسي.

الأردن وفي ظل هذه الأوضاع وبعد أن كان يعيش المرحله السابقة بحالة اطمئنان لأمنه الوطني داهمته رياح التغيير وهو في حالةٍ من تفاقم الفساد والضعف الاقتصادي وتفاقم المديونية وتردي الأحوال المعيشية واضطراب أحوالها الاجتماعية وتنامي الفقر والبطالة، وربما فقدان بوصلة نسج التحالفات وخصوصاً على الصعيد الأوراسي واضطراب معادلات الأمن الإقليمي والدولي، في ظل التحولات الجيوستراتيجيه المُشار اليها.

وربما عدم الإدراك على مستوى الاستراتيجية العليا للموقع الجيوستراتيجي الأردني وإمكاناته الوظيفية في ظل تلك المعادلات وأين موقع الأردن منها. إن موقع الأردن بين سوريا والعراق وأوضاعهما الحالية،والسعودية وآفاق التحولات فيها، والأوضاع الإسرائيلية بصورتها المشار اليها ومحاولات الانتزاع وفرض اتفاقيات كما هو مطروح الآن حول مشروع (كيري).

خطوط الطاقة والرابط السِككي الأوراسي

وعلينا أن ننظر للأردن وموقعه مربوطاً بالاعتبارات والتكهنات المثارة حول المشاريع الإقليمية الكبرى التي قد تشمل الفضاء الفضاء الأوراسي، مثل خطوط نقل الطاقة والربط السككي والطرق الموازية لها وقد تكون هذه مشاريع القرن (21) وبما يطرح بدائل جديدة عن تقسيمات (سايكس_بيكو) مطلع القرن الماضي.

فبدلاً من التقسيم قليل العمق الاستراتيجي الذي حوّله لإقليمٍ مُفتت وما نجم عنه من عوامل عدم الاستقرار إلى إقليم جيواستراتيجي مندمج ومترابط الأوصال وسوق ضخم. ومثل هذه المشاريع الضخمة إن صُممت فهي مشاريع إنفاق رأسمالي ضخم ممولة من مجموعه العشرين ستسهم بنسبة مئوية عالية في حل أزمه البطالة الأردنية هذا على الصعيد الاقتصادي، أما على الصعيد الجغرافي السياسي والجيواستراتيجي فإن ذلك يحمل في طياته تغييرات وظيفيه منها جعل الأردن (دولة ربط) للخطوط المُشار إليها بدلاً أن يكون دولةً عازلة وهذا يكرس استمرار الأردن كدولة مهمه في الفضاء الأوراسي وينعكس ذلك على معطيات الأمن الوطني والاقليمي وفي الأفق الأوسع الدولي فمعادلة الأمن بمستوياتها المُشار إليها تصبح ضروريةً ومهمةً وجزءاً رئيسياً من اهتمامات دول مجموعه العشرين. إذاً هل نحن جاهزون لذلك او قادرون على ممارسة دورٍ في ذلك؟

وأمام المُعادلات المعقدة السابق ذِكرها، فما هو المطلوب أردنياً لتجاوزها ومُجابهتها؟ وكيف، واين نحن منها؟ وهل لازلنا غارقين حتى الآن في اللعب بالتكتيكي على حساب الاستراتيجي الإقليمي وخلفه العالمي الذي أُشير إلى مرتكزاته وفي القلب منه استراتيجي(التحول/الانعطاف) وما تفرضه من ثقل وطأة الاعتماد على الذات في ظل إقليم ينتمي للفضاء الأوراسي والذي نحن جزءٌ منه شئنا أم أبينا. مع التذكير بإمكانية تحول الأردن إلى باكستان جديدةإذا لم يتم القضاءعلى حالة (الأفغنة) المُشار اليها.

فهل يستطيع الأردن تحمل كل ما أُشير اليه عن انعكاسات الوضع الاستراتيجي الإقليمي والعربي عليه؟ وقد يرى البعض أن سياسة (لننتظر ونرى) بتوظيفاتها التكتيكية ستقودنا إلى البر كما كان يحصل مراراً في الحقبة الماضية، مع أن كل المؤشرات تدل على حقبةٍ تاريخيةٍ مختلفة عما سبقها، وقد يرى البعض أن توسيع تلك السياسة باتجاه مسألة التحالفات وما تعنيه من استمرار المراوحة في المكان تتناغم مع وصولنا إلى البر لحين انكشاف الغمة، علماً أن تلك المراوحة قد يكون أحد أسبابها مرده إلى فعل العادة لا أكثر.

وغنيٌ عن القول أن ذلك قد أحدث حالة من الرخاوة والترهل وفقدان إرادة الفعل تجاه نظام عالمي وإقليمي يعيش على عتبات(التحول/الانعطاف).

____________________________________________________

(*) _كُتب في عام  2012 م و لم يجد طريقه للنشر في الصحف المحلية