دراسات استراتيجيةنظرية العلاقات الدولية

استراتيجية القوة الذكية في ادارة الأزمة الدولية: أزمة واشنطن – طهران خلال عام 2019 أنموذجا

د.محمد وائل القیسی

قسم القانون/ کلیة النور الجامعة

[email protected]

مجلة دراسات اقلیمیة, السنة ١٣, العدد ٤١, الصفحة ٩٧-١٤٣

مستخلص البحث

شکلت الازمة الدولیة ظاهرة سیاسیة متجددة بصورة مستمرة فی عالم السیاسة المُتغیر بمدخلات سریعة التدفُق، طبقاً لتقاطع المصالح و النفوذ وحرکة الأداء، ونطاق الفعل للقوى الدولیة وسواها من الإقلیمیة، الأمر الذی یتطلب معها اعتماد استراتیجیة مُحکمة التطبیق لمواجهتها، وادارتها أحیاناً، أو الإدارة بها فی احیان أخرى، وهذا ما یتوائم مع أنموذج الدراسة المعتمد “استراتیجیة القوة الذکیة”، وأنموذج الأزمة الحالیة بین واشنطن وطهران، إذ تمثل هذه الاستراتیجیة الأنموذج الأمثل لمثل هکذا أزمات، کونها تؤجج فتیل الأزمة الى حد معین من التصاعد المُسیطر علیه بأدوات صلبة، من جهة، وتناور بشق دبلوماسی تساومی ناعم من جهة اخرى، لتُشکل بمجملها أدوات مُتناغمة فی التطبیق، ومثالیة فی نیل الهدف المنشود، ذلک ان استمراریة الضغط الأمریکی بالعقوبات المُشددة على طهران، فی الأزمة الحالیة، مع ارسال تعزیزات عسکریة وتقنیة ولوجستیة، بالاقتران مع جانب اخر من الرغبة لدى الإدارة الامریکیة فی التعامل معها طبقاً لأسلوب الضغط الدبلوماسی_التساومی، یعنی ان ادارة الرئیس الأمریکی دونالد ترامب تعول على منهج القوة الذکیة فی التعامل، لأسباب وضرورات لها علاقة بالمکاسب الاستراتیجیة العلیا لواشنطن فی منطقة الخلیج، وامتداها نحو منظومة الشرق الأوسط.

المقدمة :

      تصاغ السیاسة الخارجیة على مستوى القرارات والسلوکیات على الأقل، للتعامل مع موقف دولی معین. ویقصد بالموقف الدولی الحافز المباشر الناشئ من البیئة الخارجیة فی فترة زمنیة معینة، والذی یتطلب من صانع السیاسة الخارجیة التصرف بشکل معین للتعامل معه. وهنا یحدد هیرمان ثلاثة أبعاد رئیسة للأزمة الدولیة هی المفاجأة والتهدید وضیق الوقت المتاح .فإذا کان الموقف الدولی الناشئ عن البیئة الخارجیة یتمیز بتوافر عناصر المفاجأة ، والتهدید، ومحدودیة الوقت نشأ ما یسمى بـ”الأزمة الدولیة International Crisis” إذ یتمیز هذا الموقف بأن الحافز الذی أنشأ الموقف لم یکن متوقعاً بالنسبة لصانع السیاسة الخارجیة، کما أنه یشکل تهدیداً کبیراً لأهدافه الأساسیة، فضلا عن أنه لا یتیح لصانع السیاسة الخارجیة إلا وقتاً محدوداً للتعامل مع الحافز قبل أن تدخل عناصر جدیدة على الموقف تجعل من الصعب التأثیر علیه([i]). لذا فالأزمة الدولیة فی ظل التعریف المتفق علیه هی نقطة تحول مفاجئ فی العلاقات بین دولتین أو أکثر تتجه نحو التغییر والذی قد یکون نحو الأفضل أو الأسوأ ([ii]). ولما کان لنشوء الأزمات أثار سلبیة قد تؤثر بشکل عمیق فی أطراف الأزمة الدولیة فقد کان لزاماً على أطرافها السعی إلى إدارة هذه الأزمة للعمل على احتواءها وجعلها بمنأى عن التفاقم والتفجر وهذا یقودنا إلى التعریف بإدارة الأزمة الدولیة والخوض فی حیثیاتها من استراتیجیة وتکتیک نظریاً، للانتقال بعدها الى الجانب التطبیقی المیدانی ضمن أنموذج حدیث لها، ألا وهو ازمة واشنطن-طهران ٢٠١٩ انموذجاً. ذلک أن استراتیجیات عدیدة تتبع فی إدارة الازمة الدولیة، طبقاً لکل ازمة ومضمونها، وبما یتماشى مع الرؤیة الادراکیة لفریق ادارة الازمة، ومدى تأثیر نتائج الادارة فیها على مخرجات الأداء الاستراتیجی للدولة، ومصالحها الاستراتیجیة العلیا، ولهذه الأمور المهمة، تمیل إدارة دونالد ترامب الى ذلک الاداء الخارجی الذی یوظف معه استراتیجیة القوة الذکیة فی أدارة الازمة مع طهران، وفقاً لحسابات المصالح والکلف الاستراتیجیة، وطبقا للهیکلیة العلمیة أدناه.

أهمیة الدراسة : تنبع أهمیة الدراسة من اهمیة قوى الدراسة فی العالم على  المستویین العالمی والاقلیمی، ذلک ان الموضوع یمس دولة عظمى هی الولایات المتحدة الامریکیة، بمدیات قوتها الاستراتیجیة المعروفة لدى الجمیع اقتصادیا، وتقنیاً وعسکریا، فضلاً عن قوة اقلیمیة لا یستهان بها، هی أیران، وما تحوزه من مُقومات قوى اقلیمیة لا یمکن التغاضی عنها او التقلیل من شأنها موضوعیاً، ناهیک عن وجود احتمالیة وبنسب عالیة حول تأثر قدر کبیر من الاقتصاد العالمی فی حال انتاب الازمة بینهما شیء من قبیل التصعید او الذهاب الى الاشتباک المحدود، او اتساع رقعة ردود الافعال الایرانیة بالضد من مصالح مهمة للولایات المتحدة فی عموم منطقة الشرق الاوسط، والخلیج العربی تحدیداً، اذا ما أستمر الحصار الاقتصادی الخانق علیها، وتأثیر ذلک بالضرورة على الامن العالمی اقتصادیاً وسواها من مدیات التأثیر الأخرى .

إشکالیة الدراسة : تتمرکز إشکالیة الدراسة حول نقطة جوهریة هی أن احتمالیة تصاعد الازمة بین الطرفین والانتقال بها الى مدیات سلبیة، لن تکون أثارها مقتصرة على کلا الدولتین او مصالحهما الممتدة فی جیوب دول الشرق الاوسط، بل ان الامر سیعکس أزمة حقیقیة عندما یتعرض الاقتصاد الدولی للخطر، فی ظل تشابک المصالح بین دول المنظومة العالمیة، فضلاً عن أن کلا الطرفین یحاول قدر الإمکان تجنب الذهاب الى مواجهة مباشرة، رغم وصول واشنطن إلى اعتاب مرحلة الضغط بالعقوبات المشددة او القصوى، والتعزیزات العسکریة، لما تمثله من ضغط سیکولوجی، وهو أحد اهم ارکان الحروب الحدیثة ، ضمن مراحل الترویج او التمهید لها.

فرضیة الدراسة : تنطلق فرضیة الدراسة من الاتی : إن إدراک ادارة  دونالد ترامب لفاعلیة توظیف استراتیجیة القوة الذکیة، بوصفها الألیة الأنسب لإدارة الأزمة الحالیة مع طهران، ستفضی إلى ضبط الأداء الاستراتیجی الأمریکی فی أدارة هذه الأزمة لصالح واشنطن، سبیلاً لتحقیق اهداف الولایات المتحدة ، ومن ثم إجبار طهران على الجلوس الى طاولة التفاوض، وبالتالی المساومة الدبلوماسیة على شروط ترتضیها واشنطن، لحمایة مصالحها، ووجودها فی الخلیج، وکذلک مصالح حلفائها، وأمنهم القومی هناک .

منهجیة الدراسة : تقتضی الدراسة العلمیة هنا الاعتماد على اکثر من منهج ، بغیة الوصول الى فهم اکثر شمولاً، واتساعاً لواقع الدراسة قید البحث، الامر الذی یدفع بنا الى الاعتماد على المنهج الوصفی التحلیلی، للظفر برؤیة تحلیلیة معمقة عن ماهیة الازمة الدولیة، وکیفیة أدارتها عبر استراتیجیة وتکتیک مناسبین لها ، تحول دون تصاعد مُنحناها الى مدیات خطیرة یصعب السیطرة علیها بعد حد معین.

فضلاً عن أتباع المنهج الاستشرافی، والذی تم اعتماده فی المطلب الثالث فی صیغ مشاهد مستقبلیة لتحدید مُستقبل الأزمة ما بین واشنطن وطهران، ضمن فرضیات علمیة تستند علیها هذه المشاهد، مع ترجیح احداها، تبعاً لقرب مُتغیراته العلمیة من الواقع المیدانی الذی تمر به مجریات الامور بین واشنطن وطهران.

هیکلیة الدراسة :

   إن الدراسة فی ضوء اشکالیتها، وفرضیتها العلمیة ، توزعت على مبحثین، لکل منهما ثلاث مطالب  هی الآتی :

المبحث الاول: ادارة الازمة الدولیة : المفهوم ، الخطوات، فریق الادارة.  

المطلب الاول : مفهوم ادارة الازمة الدولیة.

المطلب الثانی: خطوات التعامل مع الازمة الدولیة.

المطلب الثالث: فریق إدارة الازمة الدولیة.

المبحث الثانی: استراتیجیة القوة الذکیة لدونالد ترامب فی ادارة أزمة واشنطن-طهران خلال العام ٢٠١٩.

المطلب الأول:  ماهیة استراتیجیة القوة الذکیة .

المطلب الثانی : دوافع إدارة الأزمة مع ایران عبر استراتیجیة القوة الذکیة الأمریکیة.

المطلب الثالث : مستقبل ادارة الازمة الحالیة بین واشنطن-طهران: ثلاث مشاهد .

الخاتمة والاستنتاجات

 

المبحث الاول:ادارة الازمة الدولیة : المفهوم، الخطوات، فریق الادارة

  لاشک ان موضوع الأزمة الدولیة وإدارتها من المواضیع الحساسة على مستوى العلاقات الدولیة، لأنها ترتبط بمصالح دول بعینها، وکذلک أمنها القومی، وبذا فأن الوصول الى عملیة فهم أکثر عمقاً لمفهومها ومدلولاتها ومضمونها نظریاً، یعد مدخلاً مهماً، لفهم أکثر أتساعاً لمخرجاتها العملیة بصیغتها المیدانیة، ولهذا افرد الباحث مبحثاً خاصاً بالجانب النظری لها، یمهد لفهم دلالتها العملیة فی الجانب الثانی التطبیقی، وفق ثلاث مطالب، وکالآتی :

المطلب الاول : مفهوم ادارة الازمة الدولیة.

المطلب الثانی: خطوات التعامل مع الازمة الدولیة.

المطلب الثالث: فریق إدارة الازمة الدولیة.

 

المطلب الأول: مفهوم إدارة الأزمة الدولیة:

    کان أول استخدام لمصطلح إدارة “الأزمة الدولیة Crisis Management” فی مجال العلاقات السیاسیة والدولیة فی سنة ١٩٦٢ من القرن الماضی عندما نشبت أزمة الصواریخ السوفیتیة فی کوبا ([iii]) حیث کان الخوف من احتمال تصاعد المواجهة بین الدول العظمى إلى حرب نوویة وراء نمط جدید من الاهتمام العلمی المکثف بإدارة الأزمة حتى أن (روبرت ماکنمارا) وزیر الدفاع الأمریکی الأسبق ، قال بعد انتهاء أزمة کوبا عام ١٩٦٢ (لم یعد هناک بعد الآن مجال للحدیث عن الاستراتیجیة العسکریة وإنما عن إدارة للأزمات فقط)([iv]) .

والواقع فإن مصطلح إدارة الأزمة قد صاحبه الغموض فی استخداماته وأعطى معانی متعددة فی مدلولاته([v]) إذ یعرفها (ویلیام کوانت) بأنها “سلسلة من الإجراءات (القرارات) الهادفة إلى السیطرة على الأزمة ، والحد من تفاقمها حتى لا یفلت زمامها، مؤدیة بذلک إلى نشوب الحرب… وبذلک تکون الإدارة الرشیدة للأزمة هی تلک التی تضمن الحفاظ على المصالح الحیویة للدولة وحمایتها ” ([vi]). أما (جونثان روبرتس) فیذهب إلى أن إدارة الأزمة تعنی (قدرة أحد أطراف النزاع على إقناع خصمه أو خصومه، بصدق عزمه على تصعید النزاع لحمله أو حملهم على التراجع عن تصعید الأزمة تجنباً للمساس بمصالحه)([vii]).وصحیح أنه لیس هناک تعریف متفق علیه فی إدارة الأزمة، إلا أن الصحیح أیضاً، إن هناک قاسماً مشترکاً یلتقی عنده العدید من المعنیین على أن إدارة الأزمة تعنی تلک الخطوات والسیاسات  أو المبادئ والقواعد التی یمکن من خلالها، أو بواسطتها السیطرة على موقف ما بغیة الحد من احتمالات تطوره إلى مستویات خطیرة أملاً فی أن لا تصل بأطرافها إلى حد الاحتکام إلى القوة العسکریة. ولکی نکون أکثر دقة فی تعریفنا هذا نقول إن (السیطرة على أحداث الصراع فی الأزمة ) تقتضی أحیاناً تکثیف عملیات التصعید کما تقتضی فی أحیان أخرى، التخفیف من حدتها. وبذلک تعنی إدارة الأزمة کلا من عملیات التصعید وتکثیف التحرکات الصراعیة، وعملیات تخفیف حدة الأزمة والعمل من أجل تسویتها حتى لا یصل تطورها إلى حد استخدام القوة العسکریة الشاملة. هذا یعنی أن صناع القرار یسعون إلى المزاوجة بین أدوات الضغط وأدوات التوفیق (المساومة) معاً، وهو الأسلوب الأکثر اقترابا من الواقع عند معالجة أزمة ما ([viii]) أی یتم الضغط على الخصم من أجل تقدیم تنازلات لصالح الطرف الضاغط وفی نفس الوقت یجب أن یترک الباب مفتوحاً له لتقدیم التنازلات بشکل یضمن “حفظ ماء الوجه ” لدى الخصم، لذا نلاحظ بأن هناک من أطلق اصطلاح هزهزة القارب على إدارة الأزمة الدولیة ، تلک الهزهزة التی تؤدی إلى سقوط أحد طرفی الأزمة (الخصم) ، أو الدخول فی الحرب([ix]) . من هنا ینبغی علینا أن نفرق ما بین إدارة الأزمة و الإدارة بالأزمة ، فالإدارة بالأزمات تختلف عن إدارة الأزمات لأنه یستند على افتعال أزمة ما للتخلص من أزمة أخرى، وإن افتعال أزمة ما هو إلا وسیلة للتغطیة والتمویه على المشاکل القائمة بالفعل، مثلاً لجوء بعض الحکومات التی تواجه أزمة داخلیة تهدد النظام إلى افتعال أزمة خارجیة لإخراج الحکومة من مشکلة الضغط الداخلی الذی تواجهه([x]).

لذا فإن الإدارة بالأزمات هی فعل یهدف إلى توقف نشاط من الأنشطة أو انقطاعه، أو زعزعة استقرار وضع من الأوضاع بحیث یؤدی إلى إحداث تغییر فی هذا النشاط أو الوضع لصالح مدبره. کأن تفتعل دولةٍ ما مشکلة ما على الحدود مع إحدى جاراتها لإحداث أزمة تهدف من ورائها إلى ترسیم الحدود أو الحصول على مکاسب مُعینة على المستوى السیاسی([xi]).

 والواقع إن الإدارة بالأزمات یقابلها أسلوب أخر من قبل الطرف المقابل وهو إدارة الأزمات. إذ أن هذا الموقف المتأزم الذی خلقه الطرف الأول یستدعی قیام الخصم بتکثیف جمیع إمکاناته، وتسخیر کامل قواه للخروج من الأزمة بمکاسب أو بأقل خسائر. والواقع إن النتائج لیست دائماً مرضیة لمن خلق الأزمة. فقد یصاب بخیبة أمل أحیاناً لأنها قد تجلب له الخسائر. إذاً الإدارة بالأزمات یقابلها إدارة الأزمات، وقد تنجح الأولى وتخفق الثانیة، وقد یحدث العکس بل وقد یخسر الطرفان وأحیاناً قد یکسب الجمیع ([xii])

  

المطلب الثانی: خطوات التعامل مع الأزمة:

یتم التعامل مع الأزمات، وإدارتها إدارة عملیة رشیدة بسلسلة مُتکاملة ومترابطة من الخطوات المتتابعة وکالاتی ([xiii]):

أولا:تقدیرالموقف الازموی:  یقصد بتقدیر الموقف تحدید جملة التصرفات التی قامت بها قوى صنع الأزمة، وقوى کبحها، شاملة تقدیر مکونات هذه التصرفات وما وصلت إلیه الأزمة من نتائج، وردود أفعال، وآراء ومواقف محیطة مؤثرة أو متأثرة بها، ویشمل تقدیر الموقف تحلیلات لمضمون العلاقات، ومکونات القوة للطرفین، ومصادر الوصول إلى النتائج الحالیة، وأسباب نشوء الموقف الراهن، وروافد تطوره، وعلاقات المصالح، والصراع، والتنافس والتکامل، التی ارتبطت به أو بعدت عنه.

ثانیا:تحلیلالموقفالأزموی:  بعد تقدیر الموقف وتحدیده تحدیاً دقیقاً، یقوم مدیر الأزمة بمساعدة معاونیه بتحلیل الموقف للأزمة، ویتم التحلیل بهدف الاستدلال وصولاً إلى الیقین، عن طریق التمییز الواضح بین عناصر الموقف للأزمة، لتوضیح عناصر الأزمة، ومما تترکب، وتقسیمها إلى أکبر عدد ممکن من الأجزاء لیتسنى لنا إدراکها بأقصى وضوح ممکن، ومن هنا یتم تحلیل الموقف المرکب للأزمة إلى أجزائه البسیطة، ثم إعادة ترکیبه بشکل منتظم، بحیث یتم التوصل إلى معلومات جدیدة عن صنع الموقف للأزمة، وکیفیة معالجته، ومن هنا یتم تحلیل الموقف إلى ما یترکب منه من عناصر مبسطة بهدف الإحاطة بها على وجه سلیم([xiv]).

وقد تستخدم النماذج الریاضیة لتحلیل الموقف الازموی وأهمها([xv]):

١-  تحلیل علاقات الارتباط والانحدار للمتغیرات.

٢- تحلیل أسباب التوتر على أساس المعلومات التی تحصل علیها.

٣- تحلیل مواطن القوة لدى کل من الطرف الصانع للازمة.

٤- تحلیل طبیعة الخطر الذی تشکله الأزمة.

ثالثا:التخطیطالعلمیللتدخلفیالأزمة:  وهی مرحلة رسم السیناریوهات ووضع الخطط والبرامج، وحشد القوى لمواجهة الأزمة والتصدی لها، وقبل أن یتم هذا بکامله یتم رسم الخریطة العامة لمسرح عملیات الأزمات بوضعه الحالی، مع إجراء کافة التغیرات التی تتم علیه أولاً بأول، وعلى هذا المسح یتم وضع کافة الأطراف والقوى التی تم حشدها من قبل صانعی الأزمة ومن جانب مقاومی الأزمة، وتحدید بؤر التوتر وأماکن الصراع، ومناطق الغلیان، بوصفها جمیعاً مناطق ساخنة ومن خلال هذه الرؤیة العلمیة الشاملة المحیطة بأبعاد مسرح الأزمة، وزوایا الرؤیة المتعددة للأطراف المتعلقة المرتبطة بالأزمة، یتم رسم خریطة التحرک على النحو الآتی([xvi]):

١ – تحدید الأماکن الأکثر تحصناً وأمناً لاتخاذها کقواعد للانطلاق.

٢ – تحدید الأماکن الآمنة لتکون بمثابة سیاج آمن للقواعد الخاصة بالانطلاق، فضلاً عن حاجز امتصاص للصدمات إذا ما تدهور الموقف، فضلاً عن مناطق إنذار وتصفیة وتحطیم الأمواج، أو مناطق تفریغ وتهدئة لتخفیف ضغط الأزمة.

٣ – تحدید أسباب الأزمة المتصلة بالنظام، وأی من رموز النظام أو رموز القیادة فی کیان الدولة یمکن التضحیة به، وإعداده لهذه التضحیة، وتوجیه السخط له، والتمهید لدخول رمز جدید له شعبیة ترتاح إلیه قوى الصنع.

٤ – تحدید خطة امتصاص ضغط الأزمة الحالیة عن طریق الاستجابة لبعض المطالب والتوافق مرحلیاً مع قوى صنع الأزمة من خلال المراحل العلمیة الآتیة([xvii]):

أولاً: مرحلة الاعتراف بالأزمة.

ثانیاً: مرحلة التوافق والاستجابة المرحلیة لمطالب الأزمة.

ثالثاً: مرحلة التحقیق والتثبت من أسباب الأزمة.

رابعاً: مرحلة تشکیل لجان المناقشة والاشتراک فی حل الأزمة.

خامساً: مرحلة المشارکة فی الحل المقترح ونقل عبء حل الأزمة للقوى الصانعة لها.

سادساً: مرحلة رکوب الأزمة والابتعاد بها عن المکان التی حدثت به، وحمایة کیان الدولة من تأثیرها والاحتفاظ بحیویته وأدائه.

٥- توزیع الأدوار على قوى الأزمة وبصفة خاصة على أعضاء فریق المهام الذی تم تکلیفه بمهمة التدخل المباشر لمعالجة الأزمة.

٦ – التأکد من استیعاب کل فرد للخطة العامة الموضوعة، وکذا من التتابع الزمنی للمهام وفقاً للسیناریو الموضوع لمعالجة کل من إفرازات الأزمة، والقوى الصانعة لها، وکذا للتضامن مع بعض عناصرها، وکذا للسیطرة على مسرح الأزمة بشکل فعال.

٧ – حشد کل ما تحتاجه عملیة التعامل مع الأزمة، وتزوید فریق المهام باحتیاجاته من الأدوات والمعدات التی یتطلبها ویحتاجها الموقف من الأزمة. من تحدید للأهداف والوسائل المناسبة لها ([xviii]).

٨ – تحدید ساعة الصفر أو التوقیت المحدد لبدء العملیة وتنفیذ المهمة المحددة بشکل فعال وحاسم، على أن یتم متابعة ما یحدث أولاً بأول، والوقوف على رد فعل الأطراف الأخرى. وأیا ما کانت العملیة التخطیطیة، فإنه نتیجة ضغط الأزمة وما تتسم به عملیة الأزمة من عدم وفرة الوقت الکافی للتخطیط، یلجأ مُتخذ القرار إلى مجموعة السیناریوهات الجاهزة التی أعدت من قبل لمواجهة مواقف الأزمة الصعبة واستخدامها، أو إجراء تعدیل طفیف علیها لتکون صالحة للاستخدام الفعلی، تلافیاً لسوء التقدیر فی الازمة ([xix]).

رابعا:التدخللمعالجةالأزمة: من خلال المعرفة والإحاطة الشاملة والکاملة والعالمة بالسیناریوهات البدیلة، والسیناریو المعتمد والمجاز للتدخل فی الأزمة، وإسناد المهام، وتوزیع الأدوار على فریق مهام الأزمة یکون متخذ القرار فی إدارة الأزمات قد حدد کل شیء، ووضع لکل عنصر احتمالاته، وحسب اتجاهاته، ثم اتخذ القرار، وتتم معالجة الأزمة بمجموعة مهام أساسیة ومهام ثانویة ومهام تکمیلیة ، فالمهام الأساسیة تقوم على الصدام والدحر، والمواجهة السریعة العنیفة، والامتصاص، والاستیعاب، والاستنزاف، وتحویل المسار الخاص بقوى صنع الأزمة، فی حین أن المهمات الثانویة تنصرف إلى عملیات تهیئة المسارات وتأمین الإمدادات وحمایة قوى مواجهة الأزمات وتوفیر المساندة والمؤازرة لها، أما المهام التکمیلیة التجمیلیة فتنصرف أساساً إلى معالجة الآثار الجانبیة السلبیة المترتبة عن الصدام مع قوى صنع الأزمة، وامتصاص کل ما من شأنه أن یوجد غضباً أو خوفاً أو رعباً فی المجتمع الذی حدثت فیه مواجهة الأزمة.([xx])

المطلب الثالث: فریق إدارة الأزمة:Crisi Team

   إن فریق إدارة الأزمة هو ذلک الفریق الذی یجری تکلیفه من إدارة الأزمات بالتعامل مع الأزمة وقوى الأزمة والعمل على معالجتها والحد من خطورتها وأثارها السلبیة، وهذا الفریق هو فریق یکلف بمهام وظیفیة محددة للتعامل مع أزمة بحد ذاتها، وقد یتطلب الأمر أن یجری تکلیف هذا الفریق بالاستمرار بعد ذلک، وقد یجری حل هذا الفریق بعد انتهائه من معالجة هذه الأزمة. ومن الضروری أن یتم تکوین فریق أزمة للتعامل مع کل أزمة، ولیس بالضرورة أن یتعامل ذات الفریق مع الأزمات الأخرى، إذ أنه لا توجد أزمتان مُتماثلتان تماماً، فکل أزمة لها خصائصها وعناصرها وأسبابها ونتائجها التی تمیزها عن أیة أزمة أخرى، وإذا لوحظ أن أزمة ما تشبه أزمة أخرى فإن هذا التشابه یکون فی بعض العناصر والمُتغیرات فقط، ویکون هناک اختلاف وتباین فی العناصر والمتغیرات الأخرى([xxi]) 

 وهناک بعض القواعد والمبادئ الأساسیة التی یجب توفرها فی فریق الأزمة وکالآتی ([xxii]):

  • إتباع أخلاقیات ومعاییر الفریق.
  • الوفاء بالمهام والواجبات المناطة بکل عضو من أعضاء الفریق .
  • أخذ زمام المبادرة وتنفیذ المطلوب.
  • تقدیم أهداف الفریق على الأهداف الشخصیة.
  • مساعدة أعضاء الفریق الآخرین على اکتساب المهارات الجدیدة اللازمة لعمل الفریق.
  • تنفیذ المهام المطلوبة دون تباطؤ، وتنسیق العمل مع أعضاء الفریق .وإطراء کل من یجید عمله.
  • الالتزام بالوقت المحدد وحضور جمیع الاجتماعات.
  • مشارکة الآخرین فی البیانات والمعلومات والمعرفة عن الأزمة المطروحة.
  • الاستعداد لتغییر الرأی إذا تبین عدم صحته، وإظهار عدم الموافقة على أراء الآخرین بأسلوب لبق ومؤدب یراعی مشاعر الآخرین. وإبداء الرأی بوضوح عند عدم الاقتناع بآراء وأفکار الآخرین. وإبداء الملاحظات الموضوعیة والبناءة فی کل ما یجری طرحه من أراء وأفکار .

فضلاً عن شروط أخرى تتعلق بعمر أعضاء الفریق وجنسهم، والطباع والصفات الشخصیة التی تعتبر ضروریة لهذا الفریق المکلف بمهمة حساسة، ومن هذه الصفات: القدرة على التحکم بالأعصاب وعدم الانفعال وعدم التأثر العاطفی بمجریات الأزمة. والحرص الشدید والانتباه والوعی الکبیر لکل ما یدور فی ظل الأزمة. وامتلاک المهارات والقدرات الجسمانیة والعقلیة التی تمکن أعضاء الفریق من التعامل مع الأزمة بنجاح. والقدرة على رصد أحداث الأزمة وتتبعها وتحلیلها والعمل على تخطیط وتنفیذ السیناریوهات التی تناسب ظروف الأزمة، فضلاً عن القدرة على اتخاذ القرار فی الوقت المناسب، والتنبؤ بالحوادث وتنبؤ المسار المستقبلی للأحداث، والقدرة على شرح الأفکار وإیصالها إلى الجهات ذات العلاقة بسرعة وسهولة([xxiii]).

والجدیر بالذکر إن فریق الأزمة یجب أن یتضمن أشخاص ذوی خبرة فی مجالات واختصاصات مختلفة لکی تکون الرؤیة شاملة ومُلمة بکل جوانب الأزمة وتطوراتها، فضلاً عن أهمیة امتلاک فریق الأزمة لروح الفریق والعمل الجماعی لتقدیم المصلحة العامة على الخاصة، وأهمیة التفکیر الإبداعی لمجموع أعضاء الفریق ، والانتباه لضغط عنصر الوقت المتاح والذی قد یؤثر بشکل سلبی إذا لم یتم استثماره بشکل جید([xxiv]).

فضلا عن کل ما تقدم یمکن تحدید بعض المراحل الضروریة فی عملیة إدارة الأزمة لاتخاذ القرار السلیم فی مواجهتها:

أولاً :إدراک صانع القرار: لا شک أن مدرک صانع القرار هو أمر فی غایة الأهمیة للتعامل مع أی أزمة، لأنه هناک مدرک یفهم الأزمة بدلالة تهدید وبالتالی قد تثیر إشکالیة أکبر فی فهم الأزمة وإدارتها، فی حین أن هناک مدرک لا یفهمها بصفة تهدید کبیر ومن ثم قد لا یثیر الموقف إلى درجة عظمى أو تهدید أکبر، وفی کلا الحالتین یکون لإدراک صانع القرار أهمیة کبیرة فی التأثیر على إدارة الأزمة ومجریاتها([xxv]).

ثانیاً: جمع المعلومات عن الأزمة :عندما تنشأ أزمة ما، تبدأ عملیة البحث عن المعلومات المتعلقة بهذه الأزمة أو الموقف المُنشیء لها، والهدف من هذه العملیة هو استیضاح أو استکشاف أبعاد الفرص أو التهدیدات التی خلفها الموقف الأزموی. والأهم من ذلک هی عملیة تنقیة المعلومات وتصفیتها إذ أحیاناً یواجه صانع القرار فیض من المعلومات المُضللة حول الأزمة وهو ما یسمى أحیاناً “بحرب المعلومات” الأمر الذی یتطلب کفاءة وفعالیة نظم الاتصال ونظام الاستخبارات لطالما یعتمد علیهما صانع القرار فی تدفق المعلومات الیقینیة نسبیاً ، وهنا تبرز أهمیة فریق الأزمة فی مساعدة صانع القرار لفلترة المعلومات وتصفیتها للحول دون بناء قرار یستند على معلومات مُظللة ([xxvi]).

ثالثاً: تحلیل المعلومات وتفسیرها : هنا یتم إتباع أسلوب علمی رشید فی تحلیل المعلومات الواردة والمتعلقة بالموقف الأزموی وتفسیرها بمساعدة فریق الأزمة للإحاطة الشاملة بکل حیثیاتها ومکنوناتها التی تدخل فی عملیة إدراک سلیم لمجمل موقف الأزمة والذی یمهد الأمور لاتخاذ القرار بشأن الأزمة .

رابعاً : مرحلة البحث عن البدائل واتخاذ القرار: والتی یتم فیها ترشیح مجموعة من القرارات والبدائل المتاحة واختیار البدیل أو القرار الأنسب وتفضیله على باقی البدائل، بناءً على رؤیة التعظیم الاستراتیجی للمصلحة والمتمثلة بتحقیق الهدف الأمثل بأقل کلفة وبأسرع وقت ممکن، وبناءً علیه یتم اتخاذ القرار لمعالجة الأزمة([xxvii]).

      مما تقدم یمکن القول، أن الأزمة الدولیة تمثل نقطة تحول مفاجئ فی العلاقات بین دولتین أو أکثر، وقد تنجم عنها أثار خطیرة الأمر الذی تدفع معه طرفی الأزمة إلى اللجوء إلى مرحلة مُهمة هی مرحلة إدارة الأزمة الدولیة، والتی تتطلب بدورها رؤیة سلیمة لاتخاذ قرار یکون من الصعب على صانع القرار بلوغه دون اللجوء إلى هیئة أو فریق یساعده على تنقیة الرؤیة وإیضاحها الأمر الذی یستلزم وجود فریق متخصص ودقیق یعهد إلیه مهمة إدارة الأزمة معتمداً على معطیات علمیة رصینة من قبیل تقدیر الموقف الأزموی وتحلیله والتخطیط العلمی للتدخل فی الأزمة ومعالجتها، فضلا عن عملیة جمع المعلومات وتحلیلها وتوفیر البدائل وتفضیل بعض الخیارات ومن ثم الرکون إلى الخیار الأنسب المُستند إلى رؤیة التعظیم الاستراتیجی آلا وهو ذلک القرار الذی یحسم الأزمة لصالح احد طرفی الازمة، وبالضد من الطرف الاخر الخصم، وبأقل کلفة ممکنة وأقصر وقت.

المبحث الثانی: استراتیجیة القوة الذکیة لدونالد ترامب فی أدارة أزمة واشنطن – طهران خلال العام ٢٠١٩ :

    تعد الاستراتیجیة والتکتیک، الأسلوب الأکثر عقلانیة فی التعامل مع ایة ازمة دولیة، وذلک عبر مراحل تستند الى حکمة استراتیجیة تنشط برؤیة شاملة، مُتسلحة بعبر وتجارب الماضی، وملامسة الواقع المیدانی، وهی فی طریقها لنیل الأهداف الاستراتیجیة العلیا المرصودة .

    تعد الولایات المتحدة الأمریکیة الدولة الأکثر انتهاجا لاستراتیجیات وتکتیکات محکمة فی نیل الأهداف والمصالح العلیا لها فی السیاسة الدولیة المعاصرة، وذلک لما تمتلکه من مدخلات التفکیر الاستراتیجی، ومخرجاته من أداء استراتیجی منضبط، والمرتکن الى تکنیک فاعل فی مواجهة وادارة ایة ازمة دولیة مجابهة لها، او لأمنها القومی الممتد عالمیا، ومصالحها الاستراتیجیة فی عالم الیوم السریع بتدفق متغیراته المتجددة، والتی تستوجب تولیفة من التکتیکات التی تجمع قوى الدولة باتجاه واحد، یضمن الوصول السریع للأهداف المرسومة مُسبقاً.

    وتبعاً لذلک، ترى واشنطن أن “استراتیجیة القوى الذکیة Smart Power Strategy” هی الأسلوب الأمثل وربما الأفضل فی التعامل مع طهران فی ظل إدارة دونالد ترامب الحالیة، الأمر الذی یدفع بنا الى تقسیم هذا المبحث الى مطالب ثلاث تفسر حیثیات الموضوع بشکل أکثر عمقاً وأتساعاً، وکالاتی:

المطلب الأول: ماهیة استراتیجیة القوة الذکیة .

المطلب الثانی: دوافع إدارة الأزمة مع ایران عبر استراتیجیة القوة الذکیة الأمریکیة.

المطلب الثالث: مستقبل ادارة الازمة الحالیة بین واشنطن-طهران: ثلاث مشاهد .

المطلب الأول: ماهیة استراتیجیة القوة الذکیة :

لم یعد امتلاک عناصر القوة، وأشکالها المختلفة، کافیاً لنجاح الدولة فی تحقیق أهداف سیاستها الخارجیة، وفی التأثیر فی الآخرین، إذ أصبحت هناک أهمیة متزایدة لکیفیة توظیف الدولة لما تمتلکه من أشکال القوة، عبر القیادة الناجحة التی یکون لدیها الذکاء أو “فطنة السیاق Contextual Intelligence” من أجل تحدید أی أنماط أو مهارات من القوة یمکن توظیفها فی المواقف المختلفة([xxviii]). من هنا وبعد ارتکان إدارة باراک اوباما إلى محیط القوة الذکیة· فی التعامل الدولی، نرى ان اداء ادارة دونالد ترامب فی ظل ولایته الحالیة شکل امتداداً لتلک الالیة على الأقل الى الوقت الحاضر فی التعامل السیاسی الخارجی.

وطبقاً لـــــــ  Chester A Crockerفإن القوة الذکیة تشتمل على استراتیجیة تستخدم الدبلوماسیة، والجذب أو الإقناع، وبناء القدرات، وتسویق القوة، والتأثیر فی الطرق ذات التکلفة الفعالة والتی لها شرعیة سیاسیة واجتماعیة، وبشکل أساسی ارتباط کل من القوة العسکریة و أشکال الدبلوماسیة کافة([xxix]). وکانت الولایات المتحدة قد نجحت فی الدمج بین القوة الناعمة والصلبة، منذ الحرب العالمیة الثانیة، حین استخدمت قوتها العسکریة للقضاء على أعدائها، وفی الوقت ذاته استخدمت قوتها الناعمة لإعادة إعمار الدول الأوربیة والیابان، من خلال تبنی خطة مارشال، ونظام بریتون وودز، ونشر الثقافة والقیم والدیمقراطیة([xxx]). وبالمحصلة فإن القوة الذکیة هی توظیف شامل لمجمل الأدوات الاستراتیجیة المتاحة للقوة الامریکیة ، وکما مُبین فی المخطط رقم (١) أدناه .

مخطط افتراضی من تصمیم الباحث یوضح فیه مقومات استراتیجیة القوة الذکیة

 لذا یراد بآلیة القوة الذکیة، استعادة القدرة القیادیة العالمیة لدى الولایات المتحدة من خلال الاستخدام المرن لجمیع الآلیات بما فیها الدبلوماسیة والاقتصادیة والعسکریة والسیاسیة والقانونیة والثقافیة، ضمن إطار تکتیکی یشکل مرتکزاً للاستراتیجیة الأمریکیة بصیغتها الجدیدة([xxxi]). کونها تنتهج نهجاً یجمع ما بین الآلیة الناعمة والصلبة لتحقیق هدف التغییر کإحدى مرتکزات الاستراتیجیة الأمریکیة فی الهیمنة الدولیة، وکما مبین فی الجدول رقم (١) أدناه :

آلیات القوة للتغییر على النمط الأمریکی

القوة الصلبة

القوة الناعمة

القوة الذکیة

تقوم على الإکراه وهی قوة صلبة مادیة أو خشنة ، تتضمن استخدام الوسائل العسکریة، والوسائل الاقتصادیة ذات الطبیعة الزجریة کالعقوبات الاقتصادیة ولهذا یطلق علیها أحیاناً بسیاسة “العصا والجزرة”

وتقوم على توظیف الوسائل الإعلامیة والمعلوماتیة والثقافیة لتشکل آلیة ناعمة تمثل فی القدرة على التأثیر فی الآخرین بالإقناع والاستقطاب والجاذبیة دون استخدام الإکراه أو أعطاء مکانة لفعل معین بمعنى أنها کما یصفها جوزیف نای لا تمثل سیاسة العصا والجزرة .

وهی تلک القوة التی تجمع ما بین النمطین السابقین ” الصلبة والناعمة” لتحقیق الاستخدام الأمثل لعملیة التغییر ضمن التکتیک الإستراتیجی لـ USA فی الشرق الأوسط ، کما حصل فی لیبیا وفی سوریا.

الجدول من أعداد الباحث بالاعتماد على:

–        Joseph S. Nye, Soft Power: The Means To Success In World Politics, New York,  PublicAffairs, ٢٠٠٤.

وتأسیساً على ما تقدم، وباختصار موضوعی، یمکن القول بأن استراتیجیة القوة الذکیة هی محصلة لتولیفة من الوسائل والألیات الصلبة والناعمة فی ان واحد ، والتی تشکل فی النهایة توظیفاً لاستراتیجیة القوة الذکیة فی الوصول الى الاهداف المبتغاة ، ولعل خیر مثال معاصر لذلک هو أتباع هذه الاستراتیجیة من قبل ادارة دونالد ترامب فی التعامل مع ازمة طهران للعام الحالی ٢٠١٩، وکما فی المطلب الآتی .

المطلب الثانی: دوافع إدارة الأزمة مع ایران عبر استراتیجیة القوة الذکیة الأمریکیة :

إن أیة عودة للماضی القریب بحثاً عن مجریات العلاقات الاستراتیجیة الأمریکیة- الإیرانیة تؤشر فتوراً حاداً اعترى مسرى تلک العلاقات، لاسیما فی ظل إدارة جورج بوش الابن، إذ لم تکن صیاغة سیاسة الولایات المتحدة الخارجیة تجاه طهران ببسیطة أو مباشرة أبداً، فهی تتراوح ما بین مد وجزر شهدتها علاقات البلدین، ولعل أکثر التطورات الدراماتیکیة فی العلاقات الأمریکیة- الإیرانیة خلال فترة الرئیس جورج بوش الابن قراره بشمول إیران جنباً إلى جنب مع العراق وکوریا الشمالیة “دول محور الشر” فی ینایر٢٠٠٢([xxxii]). لاسیما بعد اکتشاف وجود مواقع ومنشآت نوویة سریة فی منطقة ناتانز وأراک وسط وغرب إیران فی ذات العام([xxxiii]).

إلا أنه مع بدایة العام ٢٠٠٣، وبالتحدید منذ الغزو الأمریکی للعراق أصبحت إیران قوة إقلیمیة تستحضر بقوة فی حسابات الولایات المتحدة الأمریکیة، لاسیما عندما یتعلق الأمر بالعراق، وذلک انطلاقا من إمکانیة التأثیر الذی یمکن أن تلعبه هذه القوة فیما یخص الداخل العراقی([xxxiv]).فی ظل اعتراف غربی – أمریکی بالأساس- بدور إقلیمی فاعل لها، خاصةً مع امتلاک إیران أوراق مناورة عدیدة فی العراق ، ولبنان ، وسوریا([xxxv]).

     وعلى الرغم من أن الولایات المتحدة، وبسبب انشغالاتها المتعددة فی العراق، فرضت علیها تهدئة خیاراتها حیال إیران، إلا أنها مازالت فیما یبدو تحاول ترویضها مؤقتاً سبیلاً لتطویقها ومن ثم التعامل معها بآلیات ذکیة([xxxvi]). لاسیما بعد وصول باراک أوباما إلى سدة الحکم فی الولایات المتحدة عام ٢٠٠٩.

فقد ورث الرئیس أوباما عن سلفه علاقات متأزمة بین واشنطن وعدد من الدول، منها الکبرى والمنافسة التاریخیة للولایات المتحدة “روسیا والصین”، ومنها البارزة إقلیمیاً والطامحة إلى المزید من النفوذ “إیران”، وإذا استطاع “تعلم” الدروس بسرعة وتصویب طریقته بالتعامل مع الغالبیة العظمى من هؤلاء (الأعداء)، فإن الطریق ما یزال طویلاً أمامه قبل أن ینجح فی إقناع منتقدیه فی الداخل والخارج بجدوى الحوار([xxxvii]). فی ظل طرحه لاستراتیجیة القوة الذکیة بوصفها آلیة لأداء أمریکی جدید، یحبذ اللجوء إلى تفضیل الخیار الدبلوماسی على العسکری([xxxviii]). لاسیما فی ظل التحدیات الکبرى التی تفرضها إیران فی تعنتها بالمضی قدماً فی برنامجها النووی([xxxix]).

ومن هذا المنطلق فإن أوباما حریص على تحاشی القیام بعمل عسکری فی إیران بأی حال من الأحوال، وإتباع استراتیجیة تتلخص بعقد صفقة دبلوماسیة تقضی بإیقاف البرنامج النووی الإیرانی، وربما بدعم من روسیا([xl]). فی ظل مساوئ أی عمل عسکری قد یتخذ ضد إیران، من هنا یسعى أوباما للتعامل مع إیران وفق مبدأ ذکی قوامه الحوار والتفاوض بمد الید لإیران، بعد تقدیم تنازلات معینة، وهو ما أکده بقوله “إذا کانت هنالک دول مثل إیران راغبة فی إرخاء قبضتها، فإنها ستجد یداً ممدودة من جانبنا” والذی جوبه برد المرشد علی خامنئی بالقول ” تغیروا أنتم وسیتغیر سلوکنا”([xli]).

وبذا فإن أهمیة القضایا المصلحیة ما بین الولایات المتحدة وإیران تحتم علیهما الرکون إلى المساومات بین الحین والأخر، وذلک بالنظر إلى أهمیة تلک القضایا من قبیل(الملف النووی الإیرانی، دور إیران الإقلیمی، ترتیبات الأمن فی الخلیج وعلاقة إیران بها. الدور الإیرانی فی العراق، علاقة إیران بالدول والنظم الصدیقة للولایات المتحدة، تجاریا واقتصادیا، فضلاً عن مسألة العقوبات)([xlii]). ویبدو ان عقد اتفاق البرنامج النووی مع ایران (٥+١) جاء ضمن هذا السیاق .

تکاد تکون إیران الدولة الأکثر وضوحاً فی موقف العداء الأمریکی منها عالمیاً، لاسیما فی ظل إدارة ترامب بدءاً من ٢٠ ینایر ٢٠١٧، وتصریحاته مع فریق واسع من إدارته بأن إیران تمثل الدولة الأکثر تدخلاً سلبیاً فی أغلب قضایا منطقة الشرق الأوسط من جانب، ومن جانب أخر یشکل البرنامج النووی الإیرانی عقدة الخلاف فی العلاقات ما بین الدولتین، فضلا عن تدخلاتها السلبیة فی دول المنطقة، ذلک البرنامج الذی لطالما أعترض علیه ترامب بشدة، مؤکداً أن مثل هکذا أمر کان قد حدث فی ظل إدارة أوباما التی لم تستوعب حجم مدیاته المستقبلیة واتساع دور ونفوذ ایران بعد أن رات فیه نجاحاً لجهودها الدبلوماسیة([xliii]).

    وتوافقاً مع هذه الرؤیة التی یحملها ترامب فی نظرته لإیران ، یذهب وزیر دفاعه السابق ماتیس الى توجه مقارب، لا بل أکثر شدة منه ، إذ أعلن مراراً ، ومنذ رئاسته للقیادة العسکریة الأمریکیة الوسطى أن أعظم ثلاثة تهدیدات تواجه الولایات المتحدة هی : إیران إیران إیران ، ویتبنى ذات الموقف العدید من رجال فریق ترامب الأمنی والاستخباراتی([xliv]) .

    ومع لذلک یرى ترامب ان اضعاف ایران امر لا مناص عنه، کونه احد اهم الوعود التی قطعها للناخب الامریکی، فیما یتعلق بإیران وضرورة تراجع الموقف الامریکی فی ظل ادارته من ذلک التقدم الذی احرزه الإیرانیون مع واشنطن فی ظل ادارة باراک اوباما، وهذا ما سبق وان  اکده وزیر خارجیته السابق ریکس تیلرسون عندما قال إنه أمر ترامب بمراجعة الاتفاق، یعنی ان أمراً ما ینتظر مصیر هذا الاتفاق([xlv]). وهذا ما تأکد فیما بعد بإعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق من طرف واشنطن منذ ایار ٢٠١٨، وفرضه ضغطاً کبیراً على طهران اقتصادیا ، وحتى ضغط امنی مع تحریک قطعات عسکریة امریکیة باتجاه الخلیج العربی، وفی ذات الوقت اعلانه من الیابان انه لا یرید تغییر النظام الإیرانی، ولا یرید الأذى للشعب الإیرانی، الامر الذی یدفع بنا الى تأکید استمرار نهج الادارة الامریکیة لدونالد ترامب فی التعامل مع طهران عبر استراتیجیة القوة الذکیة، لدوافع وضرورات استراتیجیة تتمثل بالآتی :

اولاً: لعل افضل طریقة للتعامل الامریکی مع ایران ضمن حسابات التکلفة الاستراتیجیة هی استراتیجیة القوة الذکیة([xlvi]) ذلک إن ادارة ترامب تفکر ملیاً بحسابات الربح والخسارة قبل أن تقدم على ای فعل، على ان لا یعنی ذلک استبعاد خیار توجیه ضربة انتقائیة محدودة، إذ لعل من المنطقی جداً القول بأن الضربة الأمریکیة لقاعدة الشعیرات السوریة على سبیل المثال کانت قد غیرت کثیراً من قواعد اللعبة باتجاه إعطاء زخم أکثر للنفوذ الأمریکی، وتغییر قواعد الاشتباک هناک، وأرسال رسالة مهمة لکل من روسیا وإیران بأن إدارة دونالد ترامب هی لیست إدارة باراک اوباما تماماً، ذلک أن زمن تفضیل “القوة الناعمة  Soft Power” قد أنتهى، وأن عهداً جدیداً تجسده القوة الذکیة الأمریکیة “Smart Power” بشقیها الصلب والناعم فی التعاطی مع قواعد النفوذ والمصالح والأهداف، والأدوار الجریئة الناتجة عنها قد بدأ بالفعل [xlvii]).

ثانیاً: أن غالبیة قادة الادارة الامریکیة بما فی ذلک، الرئیس ذاته، لا ترید حربًا مع إیران، ذلک أن ترامب وعد بخروج أمیرکی کامل من ساحات الحرب الشرق أوسطیة، التی وصفها بباهظة التکالیف وغیر المجدیة، وبذا فإن حربًا مع إیران قد لا تکون قصیرة ولا دون خسائر مؤلمة، وقد توجه ضربة قاضیة لاحتمالات إعادة انتخاب ترامب رئیسًا([xlviii]). وبالتالی فان اللجوء الى التلویح باستخدام القوة للضغط الدبلوماسی ضمن سیاقات القوة الذکیة یعد امراً مهماً للإدارة الامریکیة فی هذه الازمة .

ثالثاً : تدرک الادارة الامریکیة تماماً خطورة الرکون الى الخیار العسکری بمفرده، کون ذلک یعنی المزید من الخسائر على المستوى المادی والبشری، والاقتصادی بالضرورة، وربما فیما یتعلق بالموقف الدولی تجاه القوى الکبرى، الاتحاد الاوربی، روسیا، الصین. ذلک ان الذهاب للحرب یعنی تعریض نسب عالیة من الامن الطاقوی العالمی للمخاطر، لأن التهدید الأمریکی بخنق ایران اقتصادیاً قد یدفع بها الى دفع الاخرین ایضاً الى الشعور به من خلال تعریض صادراتها النفطیة للتهدید بعد عرقلة او غلق مضیق هرمز امام الملاحة النفطیة العالمیة، وان کل من المملکة العربیة السعودیة والامارات ستکون فی مقدمة هذه الدول، الأمر الذی یدفع بإدارة ترامب الى التفکیر ملیاً بحسابات التکلفة الشاملة من ربح وخسارة قبل الاقدام على فعل ما .

رابعاً: تعول الادارة الامریکیة کثیراً على الازمات الاجتماعیة والموجات الاحتجاجیة ضد النظام، کزیادة معلات الفقر، وانتشار البطالة التی وصلت خلال العام الحالی ٢٠١٩ إلى ١٠,٤% مقارنة بنسبة ١٠.٢% فی العام الذی سبقه، مع توقعات بزیادة کبیرة فی هذه النسب بمرور الایام، والتی ظهرت فی الداخل الایرانی عُقب فرض العقوبات الاقتصادیة على طهران، وتشدیدها بشکل اکبر جعل الاقتصاد الإیرانی یواجه ضغوطًا کبیرة هی الأسوأ منذ فرض عقوبات دولیة على إیران فی فترة ٢٠١١-٢٠١٢، لاسیما اذا ما علمنا انها تعدت الجانب النفطی لتشتمل على الجانب التجاری والخاص بالتعدین والصناعات الایرانیة والتی تشکل ما نسبته ١٠-١٥% من إجمالی ایرادات الاقتصاد الایرانی([xlix]).

اذ تتشکَّل هذه الأزمات ویتشکل الوعی بها نتیجة: اولاً: الاختراق المتزاید لتکنولوجیا المعلومات. وثانیاً: رفع خصوم إیران الدولیین والإقلیمیین على مدار سنوات من جهودهم على صعید صناعة سردیات خاصة بالوضع الاقتصادی والاجتماعی الراهن فی سیاق معاد للنظام الحاکم فی طهران([l]).

      وبالتالی سیکون التحدی الحقیقی أمام طهران فی کیفیة تهدئة الرأی العام مع ازدیاد تأثیر العقوبات خلال العام ٢٠١٩ وهو ما تعول علیه واشنطن بدرجة مقبولة التأثیر، واحتمال دخول طهران فی مفاوضات متوقعة مع واشنطن تستطیع أن تخفف من خلالها الضغوط الاقتصادیة. وقد تستطیع بعض الآلیات المالیة، التی تسعى أکثر من دولة إلى تفعیلها کالاتحاد الأوروبی وترکیا والعراق، تسهیل التجارة غیر النفطیة (نسبیًّا) ودخول سلع أساسیة (کالأدویة) إلى إیران([li]).

 تلک هی ابرز المبررات والدوافع التی تدفع بإدارة دونالد ترامب الى احتمالیة سیر توظیف القوة الذکیة فی إدارة الأزمة مع طهران، ولکن تبقى المُتغیرات السریعة والمتدفقة بشکل کبیر، فضلاً عن الحسابات طویلة الامد للمصالح الاستراتیجیة لکلا الطرفین، وکذلک عنصر المفاجأة، کلها عوامل لها ادوار فی مستقبل التعامل الامریکی مع الازمة ضمن أکثر من خیار او مشهد علمی له افتراضاته واشتراطاته، وکما فی المطلب الثالث.

المطلب الثالث : مستقبل إدارة الازمة الحالیة بین واشنطن-طهران: ثلاث مشاهد

لاشک أن التفکیر المستقبلی هو ذلک التفکیر العلمی الذی یستخدم مناهج متعددة لاستشراف مشاهد المستقبل الممکنة والمحتملة والمرغوب بها.

ویتفق الرأی على اقتران مفهوم استشراف المستقبل ومفهوم المشهد بعلاقة طردیة موجبة. ذلک لأن الأصل فی کل استشراف مُستقبلی ینتهی إلى بلورة ثمة مشاهد لمُستقبل الموضوع الذی ینصرف إلى استقراء تطور اتجاهات آلیة أدائه فی الزمان اللاحق([lii]).

وانطلاقا من قانون الاستمراریة وقانون التغییر الذی تقترن به حرکة التاریخ، وکذلک انطلاقا من أن المستقبل قد یقترن بما لم یفکر به أحد فی الحاضر وبالتالی قد لا یقترن باستمرار دیمومة معطیات الحاضر السلبیة أو الإیجابیة، سننطلق من الفرضیات الآتیة أساساً لبناء مشاهد مستقبل إدارة الازمة الحالیة بین واشنطن-طهران عبر استراتیجیة القوة الذکیة ، وکالآتی :

الفرضیة الأولى: إن اقتران تهدیدات الادارة الامریکیة الحالیة التی یمثلها دونالد ترامب، بثمة ادوات زجریة بطبیعتها الاقتصادیة القصوى، کالحصار الاقتصادی، واثرها على الصعید الداخلی، وامتدادها بتحرکات أمریکیة عسکریة على المستوى الاقلیمی الذی یحیط بطهران، فضلاً عن تأجیج النظرة العالمیة بشأن سلوک طهران السلبی تجاه دول المنطقة، واثرها على الامن العالمی، سیدفع إلى صورة مستقبلیة تؤشر احتمالیة الأخذ بخیار المواجهة العسکریة مع طهران فی ادارة الازمة .

الفرضیة الثانیة: إن التلکؤ فی جدیة توظیف واستخدام القوة العسکریة بالضد من طهران، على نحوٍ فاعل، بالإقران مع امتداد بعض المعطیات الامریکیة الداخلیة والخارجیة، مثل عدم وجود تحشید دولی غربی بقیادة امریکیة ضد طهران، على غرار العراق عام ٢٠٠٣، وقبلها کوسوفا عام ١٩٩٩، فضلاً عن تبلور مواقف امریکیة، رافضة للتحرک العسکری، بما فیها تصریح ترامب ذاته من طوکیو بأن بلاده مستعدة للتفاوض ولیس لدیها نیة تغییر النظام السیاسی فی طهران، سیُفضی، فی العموم، إلى اختلال إدراکی لتلک التصورات التی تؤید ذهاب واشنطن للحرب بالضد من طهران، وبالتالی تفعیل الجانب الدبلوماسی. وهو ما سیقود إلى صورة مستقبلیة تتناقض وتلک الصورة التی تفید بها الفرضیة الأولى.

الفرضیة الثالثة: إن تزامن استمرار ثمة مؤشرات للتصعید العسکری، واحتمالیة المواجهة، من قبیل إعادة هیکلة انتشار القوات العسکریة الامریکیة فی منطقة الخلیج وبالقرب من طهران، مع استمراریة تضییق الخناق علیها اقتصادیاً، مع قدرة واشنطن فی الوقت ذاته على دفع طهران للجلوس على طاولة المفاوضات عبر استراتیجیة القوة الذکیة التی تمثل عنصری الضغط والتفاوض فی ان واحد، وأعادة توظیفها بعناصر مضاعفة الأثر، ستجعل مستقبل ادارة ازمة واشنطن-طهران، مقترنة بصورة تجمع بین مضامین مشهدی المواجهة، والدبلوماسیة السابقین.

وفی ضوء ما تقدم، نرى أن مشاهد مستقبل إدارة الازمة الحالیة بین واشنطن-طهران قد تقترن بالآتی:

أولاً: إما مشهد إدارة الازمة عبر خیار المواجهة.

وأما، ثانیاً، فمشهد ادارة الازمة عبر الوسائل الدبلوماسیة.

وأما، ثالثاً، فمشهد ادارة الازمة عبر استراتیجیة القوة الذکیة.

 و من المفید قبل البدء بتناول هذه المشاهد، الإشارة إلى الآتی:

١-   إن الفرضیات الفرعیة الثلاث لمشاهد مستقبل إدارة الازمة الحالیة بین واشنطن-طهران، هی مشتقة من مضمون الفرضیة المرکزیة التی یتأسس علیها البحث بصورة عامة.

٢-   إن تعددیة مشاهد مستقبل إدارة الازمة الحالیة بین واشنطن-طهران، یتمیز بالانفتاح على ما یعد ممکناً، أو محتملاً، أو مرغوباً به، من الصور المتعددة، وبالتالی لا یقبل، کسواه، الانغلاق على صورة حتمیة واحدة.

أولاً : مشهد إدارة الازمة عبر خیار المواجهة:

     اتساقاً مع الفرضیة الأولى لمستقبل إدارة الازمة الحالیة بین واشنطن-طهران، یتأسس هذا المشهد، على ما یفید أن امتداد ضغوطات الحصار الاقتصادی الشدید الذی فرضته واشنطن على طهران، والذی یشتمل على الصادرات النفطیة، وکذلک صادرات التعدین الإیرانیة التی تمثلها الصناعات الأخرى فی ایران، مقروناً بتحرکات عسکریة امریکیة سواء على صعید اعادة هیکلة الانتشار العسکری الامریکی فی الخلیج تأمیناً لمصالحها الاستراتیجیة فی منطقة الشرق الأوسط فی العموم ، او عبر مجسات الاستخبارات الامریکیة فی دول المنطقة ومنها ایران ذاتها، ستفضی الى المزید من التوترات والتوترات المضادة، ومن ثم أثر ذلک فی تزاید التصعید ما بین الطرفین، واثره فی المنظومة الامنیة للمنطقة، والمصالح الاستراتیجیة العامة.

     ویفترض هذا المشهد، أن عمق الإدراک الأمریکی بضرورة إخضاع ایران، ومن ثم تغییر سلوکها السیاسی السلبی تجاه دول المنطقة التی تمثل خط المصالح الاستراتیجیة الامریکیة، فضلاً عن أیقاف دعمها للتیارات والجهات التی تزعزع الاستقرار فی منطقة الشرق الاوسط، وتدخلاتها فی الشؤون الداخلیة لدول بعینها فی المنطقة، وتعنت الجانب الإیرانی فی التفاوض والتغییر، هو الذی یفضی إلى أناطه إدارة الازمة الحالیة عبر خیار المواجهة العسکریة([liii]).

     وبذا فإن تراکم الأثار السلبیة الناجمة عن السلوک والأدوار التی تقوم بها طهران، وادواتها فی المنطقة، من وجهة نظر واشنطن، ستکون خیر مُسوغ لاحتمالیة رکون الولایات المتحدة الامریکیة الى خیار اجهاض تطلعات طهران فی الهیمنة الاقلیمیة، ذلک ان ما یشیر الیه التصعید الأمریکی ضد إیران، یتجاوز بنظر ترامب الملف النووی، وتطویر قدراتها الصاروخیة، الى تغییر سلوکها السیاسی السلبی تجاه دول المنطقة ومصالح الولایات المتحدة الأمریکیة، وحلفائها هناک، وایقاف دعمها للحرب فی الیمن، وسوریا، وحزب الله ، وفی فلسطین، وکذلک العراق، فمستوى العقوبات التی فرضتها إدارة ترامب على إیران لم تصل إلیه أیة إدارة سابقة لها، ولا حتى عقب احتجاز الرهائن الأمیرکیین فی سنوات الجمهوریة الاسلامیة الأولى عام ١٩٧٩، کما أن مؤشرات واشنطن للتعامل بالمثل مع أی استفزاز إیرانی عسکری لم یعد ثمة مجال للتغاضی عنها([liv]).

    واتساقا مع رؤیة هذا المشهد، تسعى الولایات المتحدة الامریکیة الى أحکام الطوق والسیطرة الاستراتیجیة على ایران من خلال استمرار نهج التضییق الاقتصادی الشدید، عبر منظومة العقوبات التی فرضتها على طهران، والتی تجدها اداة فعالة لإرغام القیادة الإیرانیة على قبول التنازل فی الأزمة الحالیة([lv]).

     وانطلاقا من تراکمات ما سیفضی الیه هذا المشهد، وفق معطیات اقتصادیة خطیرة تمر بها طهران، و تحرکات عسکریة أمریکیة تمهد لأفعال غیر مُستبعدة، وکذلک سیاسیة هادفة الى تغییر سلوکها السیاسی على اقل تقدیر، مقابل رفض الجانب الإیرانی أی مساومة او تنازل، فإن الأخذ باحتمالیة المواجهة بالخیار العسکری المحدود او الشامل یبقى قائماً، وطبقاً لحسابات المصالح والکلف المُعدة مسبقاً.

ثانیاً : مشهد ادارة الازمة عبر الوسائل الدبلوماسیة :

       أتساقاً مع الرؤیة الثانیة للمشاهد المستقبلیة، یتأسس هذا المشهد مع رؤیة تتناقض نسبیاً مع تلک التی یعبر عنها مشهد إدارة الازمة عبر خیار المواجهة، قوامها ان ترک الباب الامریکی مفتوحاً امام التفاوض الدبلوماسی، وافساح مجال فی ذات الوقت لطهران للأقدام على ذلک، من خلال رسائل عدیدة، قسم منها حملت معها مضامین التفاوض بجملتها، وکان ذلک على لسان وزیر خارجیة الولایات المتحدة الامریکیة مایک بومبیو، فی ٢٠ مایو ٢٠١٩، عندما حدد ١٢ شرطاً للتوصل الى “اتفاق جدید” مع طهران ، لتمثل استراتیجیة جدیدة لواشنطن فی التعامل مع ایران، ویمکن اجمالها بالآتی([lvi]):

١-     الإفصاح عن کامل الأبعاد العسکریة لنظامها النووی والسماح لوکالة الطاقة الذریة بتفتیشه بشکل مستمر.

٢-      التوقف عن تخصیب الیورانیوم، والتخلی عن محاولات معالجة البلوتونیوم، وإغلاق مفاعل الماء الثقیل.

٣-      أن تسمح إیران للوکالة الدولیة للطاقة الذریة بالوصول الکامل إلى کافة المحطات النوویة العسکریة وغیر العسکریة.

٤-      أن تضع إیران حدا لانتشار الصواریخ البالیستیة وإطلاق الصواریخ التی یمکن أن تحمل رؤوسا نوویة.

٥-      إطلاق سراح المواطنین الأمیرکیین وکل مواطنی الدول الحلیفة.

٦-       إیقاف دعم إیران لمجموعات إرهابیة فی الشرق الأوسط مثل حزب الله وحرکتی حماس والجهاد الفلسطینیتین.

٧-     احترام الحکومة العراقیة والسماح بنزع سلاح المیلیشیات الشیعیة.

٨-      إیقاف دعم المیلیشیات الحوثیة فی الیمن وأن تعمل على التوصل لحل سیاسی فی الیمن.

٩-      سحب کل القوات التی تخضع لأوامر إیران من سوریا.

١٠-      إیقاف دعم طالبان وجمیع العناصر الإرهابیة وإیواء عناصر القاعدة.

١١-      إیقاف دعم فیلق القدس فی الحرس الثوری الإیرانی شرکاءه من الإرهابیین.

١٢-      یجب على إیران أن توقف سلوکها الذی یهدد جیرانها، وکثیر منهم حلفاء للولایات المتحدة.

والجدیر بالذکر ان واشنطن، اعربت مقابل هذه النقاط عن استعدادها لرفع العقوبات مقابل التزام واضح وصریح من طهران تتعهد من خلاله بالتقید بهذه النقاط.

وفی ذات السیاق، ضمن اطار سعی واشنطن لإدارة الازمة بطرق المساومة الدبلوماسیة، فقد عبر الرئیس الامریکی ترامب فی ٢٧، مایو ٢٠١٩، من طوکیو اثناء زیارته للیابان و لقائه رئیس وزراءها، بوضوح عن أهدافه فیما یتعلق بأزمة طهران، بالقول إن “أمیرکا لا تسعى لتغییر النظام الحاکم فی إیران، أرید أن یکون ذلک واضحا.. ما أریده هو أن لا تملک إیران أسلحة نوویة”.([lvii]) .

وضمن ذات التوجه، أن الرئیس ترامب لا یُدیر بمفرده ملفات السیاسة الخارجیة، وأن احاطته بفریق من الصقور یؤید الضغط الاقتصادی والعسکری على طهران، لا یعنی انه لا یستمع الى التیار العقلانی ایضاً، خاصة من اعضاء مجلس الشیوخ، ومن الحزبین ممن لا یرغبون فی الانزلاق لحرب لا جدوى من ورائها ولا یمکن الانتصار فیها ضد إیران([lviii]).

وفی ضوء ما تقدم، یفترض هذا المشهد أن مخرجات أدارة واشنطن للازمة مع طهران عبر المساومة الدبلوماسیة، ستکون حتماً افضل للولایات المتحدة، کونها تضمن حمایة مصالح الولایات المتحدة وحلفائها فی المنطقة بتکالیف ادنى، وتنأى بها عن أی تحدیات مجابهة فی المرحلة المقبلة.

وغنی عن القول، أن الافتراض الذی تأسس علیه هذا المشهد، لا یلغی احتمالیة السیر باتجاه یجمع ما بین الخیارین، أی خیار التصعید بالمواجهة المحدودة، و خیار الدبلوماسیة فی أن واحد، بمعنى احتمالیة دمج المشهدین بصورة تسمح بالأخذ بکل منهما فی آن واحد، الأمر الذی یضعنا أمام خیار مُستقبلی ثالث، ألا وهو مشهد ادارة الازمة عبر استراتیجیة القوة الذکیة، والتی تجمع ما بین الخیارین الصلب والناعم فی التعامل، وذلک على النحو الآتی :

ثالثاً: مشهد ادارة الازمة عبر استراتیجیة القوة الذکیة :

    أتساقاً مع الفرضیة الثالثة للمشاهد المستقبلیة التی انطلق منها المطلب الثالث، یتأسس هذا المشهد على ما یُفید أن مستقبل إدارة الازمة الحالیة بین واشنطن-طهران سیکون مُحصلة لتوظیف الأدوات الصلبة، والناعمة من قبل الإدارة الأمریکیة فی أن واحد، ذلک إن اللجوء الى لغة التصعید من قبل واشنطن بالضد من طهران، عبر فرض العقوبات الاقتصادیة وتشدیدها، وإدراج الحرس الثوری الإیرانی على قائمة الإرهاب العالمی، وأرسال تعزیزات لحمایة مصالح الولایات المتحدة وحلفائها، تتقدمها حاملات طائرات “إبراهام لینکولن” ، ومنظومة بطاریات الباتریوت، و منظومة طائرة استطلاع “الإنذار المبکر”، وکذلک قوات مشاة من المارینز بعدد (١٥٠٠) جندی أمریکی، الى القواعد العسکریة الامریکیة المنتشرة فی الخلیج العربی، بما تمثلها هذه الإجراءات من قوة صلبة، دون أن ینفی ذلک تجاهل واشنطن للقوة الناعمة، لأنها أبقت على الباب مفتوحاً أمام طهران لأی جهد دبلوماسی تتطلع الیه فی عملیة ادارة الازمة بین الجانبین([lix]).

    وتبعاً لما مر ذکره، یقترن هذا المشهد بحالة افتراضیة تقع فی الوسط بین مشهدی إدارة الازمة عبر خیار المواجهة، ومشهد ادارة الازمة عبر الوسائل الدبلوماسیة، وبذلک فهو یجمع بین افتراضات وخصائص هذین المشهدین المتناقضین نسبیاً، وعلى نحو یفضی الى جعل مستقبل إدارة واشنطن للأزمة مع طهران انعکاسا لهما.

    وطبقاً لفرضیة هذا المشهد، فإن ثمة ضرورات استراتیجیة تفضی الى لجوء واشنطن نحو أدارة الأزمة مع طهران عبر استراتیجیة القوة الذکیة، ولیس خیار المواجهة الشاملة، او المساومة الدبلوماسیة لوحدها، وکالآتی :

١-   تحدی الولایة الانتخابیة الثانیة للرئیس الامریکی دونالد ترامب: لا یخفی ترامب رغبته الجامحة فی التطلع للفوز بولایة انتخابیة ثانیة، وبذا یدرک تماماً أن ذهاب واشنطن للحرب مع ایران یعنی بصورة کبیرة التأثیر على فرصته فی الولایة الثانیة، وبالتالی احتمالیة خسارته لنسبة هائلة من الناخبین فی الداخل الأمریکی، ناهیک عن احتمالیة استغلال الدیمقراطیین لأی عمل عسکری فی تأجیج الداخل الأمریکی بالضد من ترامب، وبالتالی القضاء على تطلعات ترامب للظفر بولایة ثانیة، لاسیما وان الوقت لیس ببعید عن بدء الانتخابات الأمریکیة والمحددة رسمیاً بیوم الثلاثاء الثالث من نوفمبر ٢٠٢٠([lx]).

٢-   تعتمد الاستراتیجیة الأمریکیة فی حالات الازمات مع الخصم، على محاولة اضعافه بحصار اقتصادی خانق، یستمر لفترة لا تقل عن (٥-١٠) سنوات فی المتوسط النسبی، لتوجه بعدها ضربة عسکریة تشل قدرات الخصم المضاد، وبالتطبیق على حالة إدارة الازمة مع طهران، فأن العقوبات الامریکیة المُشددة لم یمضی علیها سوى اشهر، وبالتالی فإن فاعلیتها فی التأثیر على الداخل الإیرانی لم تتبلور بشکل واسع بعد، الأمر الذی یعضد من احتمالیة استمراریتها لفترة اطول، وهذا ما یقلل من احتمالیة تغلیب الخیار العسکری فی إدارة الازمة.

٣-   التحدی الدولی: تجد واشنطن ذاتها فی موقف محرج دولیاً، إذا ما اقدمت على ای عمل عسکری ضد ایران، لان ذلک قد یعرض جزء مهم من الامن الاقتصادی العالمی وتحدیداً الجانب الطاقوی منه الى إشکالیة لیست بالقلیلة، لاسیما اذا ما اقدمت طهران على اغلاق مضیق هرمز الذی یمر عبره ٤٠% من مصادر الطاقة العالمیة، فضلا عن ان کلاً من روسیا والصین وکذلک الاتحاد الاوربی وحتى الهند تضررت بشکل واضح من العقوبات الاقتصادیة المفروضة على طهران نتیجة لتوقف تصدیر النفط الایرانی، هذا من جهة، ومن جهة اخرى أعتدنا من واشنطن على عملیة تحشید عسکری لحلفاء دولیین، لها قبل ذهابها لأی عملیة عسکریة، کما فی تجربتی العراق ١٩٩١، ٢٠٠٣، وقبلها کوسوفا عام ١٩٩٩، خاصة أن احد اهم رکائز استراتیجیة ترامب هی مشارکة الحلفاء فی تحمل الأعباء فی القیادة والمصالح، بینما نرى واشنطن تحشد بمفردها بالضد من طهران دون ای حلیف أخر على المستوى الدولی عسکریاً. وهو ما یدعم الحدیث عن ضعف احتمالیة المواجهة العسکریة.

٤-    البعد الاقتصادی: لعل من المنطقی القول ان مصلحة الولایات المتحدة الأمریکیة عملیاً، تکمن فی الإبقاء على مصدر تهدید لدول المنطقة فی الخلیج العربی، یبرر بیع الأسلحة الأمریکیة لدول الخلیج بصفقات مالیة هائلة، وهو ما یسمى باستراتیجیة تصدیر التهدید وبیع السلاح. وبالتالی من المرجح استمرار واشنطن بفرض العقوبات الاقتصادیة على طهران، لاسیما تصفیر الصادرات النفطیة وحظر التعامل بالدولار الأمیرکی عبر القنوات المصرفیة، ومنع جمیع التعاملات بالذهب والمعادن النفیسة، وإیقاف تجارة المعادن الصناعیة مثل الحدید والألمنیوم، وحظر صفقات الفحم وجمیع أنواع الکربون ومنع بیع وشراء العُملة الإیرانیة (الریال) خارج البلاد، وحظر البرمجیات ذات الاستخدامات الصناعیة ومنع تعاملات السندات وأدوات الدَّین الإیرانی وحظر صفقات الطیران وصناعة السیارات([lxi]).

وبالاتجاه نفسه یذهب وزیر خارجیة الولایات المتحدة مایک بومبیو بالقول أن “الولایات المتحدة ملتزمة بحرمان النظام الإیرانی من کل الطرق المؤدیة إلى سلاح نووی.. سنواصل فرض أقصى قدر من الضغط على النظام حتى یتخلى عن طموحاته المزعزعة للاستقرار.. کما ندعو المجتمع الدولی إلى محاسبة النظام الإیرانی على تهدیده بتوسیع برنامجه النووی، وسنواصل البناء على النجاحات الکبیرة التی حققتها بالفعل حملة الضغط لدینا. کما هو موضح فی المطالب الـ ١٢ فی خطابی بتاریخ ٢١ مایو ٢٠١٨ ، سنستمر فی ممارسة أقصى ضغط على النظام الإیرانی حتى یغیر قادته سلوکهم المدمر، ویحترمون حقوق الشعب الإیرانی، ویعودون إلى طاولة المفاوضات”([lxii]).

      وتبعاً لما مر ذکره، تسعى الولایات المتحدة الامریکیة الى ادارة الازمة عبر استراتیجیة القوة الذکیة، التی تجمع الضغط والمساومة فی ان واحد، وهذا ما یظهر جلیاً فی تعامل الادارة الامریکیة معها، ففی الوقت الذی یعبر فیه کبار مسؤولی إدارة الرئیس دونالد ترامب -ونعنی صانعی السیاسة الخارجیة تجاه إیران- وهما وزیر الخارجیة مایک بومبیو ومستشار الأمن القومی جون بولتون، بلهجة متشددة وتصعیدیة منها اتهام بولتون مباشرة لإیران، من العاصمة الإماراتیة أبو ظبی عندما تحدث عن هجمات میناء الفجیرة، إذ قال “من الواضح أن هذه الهجمات کانت باستخدام ألغام بحریة، ومن شبه المؤکد أن تکون من إیران”. وأضاف “لا أحد فی واشنطن یجهل ذلک، وأعتقد أنه من المُهم أن تعرف القیادة فی إیران أننا نعرف”.، وکذلک الهجوم الذی وقع على میناء ینبع السعودی”([lxiii])، بینما یظل الرئیس ترامب محافظا على عدم رغبته فی التصعید عسکریا ضد إیران، لا بل انه یرسل رسائل دبلوماسیة بین فترة واخرى، لیس ادقها اتصال البیت الابیض بالسویسریین، لتمریر رقم هاتف یمکن للإیرانیین الاتصال من خلاله بالرئیس الامریکی، بعد أن ناشد ترامب علنا الإیرانیین الاتصال به وسط توترات مُتصاعدة مع طهران، وهذا ما یؤکد انتهاج الاسلوب الذکی فی ادارة هذه الازمة، والتی عبر عنها مدیر مؤسسة الدفاع عن الحریات بواشنطن مارک دوبفیتز، بالقول “أن بولتون مفید جدا للرئیس ترامب، لأنه من الصقور الأشداء، لذا تکرهه کوریا الشمالیة وتکرهه إیران، وهذا یرحب به بولتون بشدة والرئیس کذلک”. ویضیف دوبفیتز “هذا یفتح الباب أمام مساحة دبلوماسیة یمکن لترامب استغلالها للمراوحة بین التصعید والرغبة فی التفاوض”([lxiv]).

    وتبعاً لما تقدم ، واتساقاً مع مبررات هذا المشهد، فإنه یفترض ان تدیر الولایات المتحدة الامریکیة الازمة مع طهران عبر استراتیجیة القوة الذکیة، والتی تجمع ما بین المشهدین السابقین فی التوظیف.

    وبعد استعراض ما قد یتبلور من احتمالات مستقبلیة عن أدارة الازمة بین واشنطن وطهران، فی إطار المشاهد المذکورة سابقاً، یبقى السؤال الذی لابد من الاجابة علیه، وهو: ما المشهد الذی یحتمل بأرجحیة عالیة ان تقترن به ادارة واشنطن للأزمة مع طهران، یرى الباحث انه المشهد الذی یعبر عن الاخذ باستراتیجیة القوة الذکیة فی التعامل مع ازمة طهران، کونه الأنسب للولایات المتحدة الامریکیة فی ظل ظروف الواقع الحالی.

    وغنی عن القول، أن لجوء الولایات المتحدة الى خیار القوة الذکیة فی التعامل مع طهران، لا یعنی بالضرورة عدم احتمالیة توجیه ضربة محدودة لأهداف معینة داخل ایران، لاسیما أذا ما نجح ترامب فی الفوز بولایة ثانیة. لان ذلک سیعد قوة مضافة لعناصر الضغط الامریکی اولاً، فضلاً عن ان الداخل الإیرانی سیُضعف اکثر بوجود العقوبات المفروضة علیه الى تلک الفترة، ناهیک عن احتمالیة استمرار استراتیجیة الصمود والتحدی الإیرانی لتلک الفترة، الامر الذی لا ینفی معه احتمالیة توجیه ضربة انتقائیة لأهداف استراتیجیة بعینها.

  الخاتمة والاستنتاجات:

    لعل من نافلة القول، ان الفرضیة الرئیسة التی ارتکزت علیها الدراسة، شکلت بوصلة علمیة، موجهة لحیثیات ومعطیات ومضامین المتغیرات المؤثرة على موضوع الدراسة، لتصل بالنتیجة الى نهایة علمیة لها مبرراتها المنطقیة، ذلک ان الجانب النظری من الدراسة کان قد اعطى دافعاً مهماً للجانب العملی لها، فالولوج الى تحدید مفهوم أدارة الازمة الدولیة، ومضمونها، وتمییزها عن الإدارة بالأزمة ، فضلاً عن ماهیة الالیات المناسبة للتعامل مع الازمة الدولیة، والاستراتیجیات المتبعة ضمن تکتیک مناسب لکل ازمة تبعاً لحیثیاتها، فضلاً عن ضرورة انتقاء فریق مناسب لأداره الازمة، متجانس و یجمع ما بین عدة اختصاصات، کلها عوامل مهمة لحسم الموقف الأزموی لصالح الدولة التی تدیرها.

    وبالتطبیق عملیاً على انموذج الدراسة، ادارة واشنطن للأزمة مع طهران، برزت صورة اکثر وضوحاً لدى الباحث فی تقدیم استراتیجیات متعددة لهذا الغرض، منها استراتیجیة المواجهة ، واستراتیجیة المساومة الدبلوماسیة، ثم استراتیجیة تجمع ما بین الأثنین، وهی استراتیجیة القوة الذکیة، والتی تظم تولیفة من مضامین القوة ، یمکن أذا ما تم استخدامها بشکل مدروس ومحکم، ان تکون نتائجها ایجابیة لصالح واشنطن، وهذا ما تلمح له مسارات الأداء الاستراتیجی الأمریکی فی التعامل مع طهران.

    ذلک ان استمراریة الضغط الأمریکی بالعقوبات المشددة على طهران، مع ارسال تعزیزات عسکریة وتقنیة ولوجستیة، بالاقتران مع جانب اخر من الرغبة لدى الإدارة الامریکیة فی التعامل معها طبقاً لأسلوب الضغط الدبلوماسی، یعنی ان ادارة ترامب تعول على منهج القوة الذکیة فی التعامل، لأسباب وضرورات لها علاقة بالمکاسب الاستراتیجیة العلیا لواشنطن فی منطقة الخلیج، وامتداها نحو الشرق الأوسط.

الأستنتاجات :

    وتبعاً لما تقدم فإن هناک استنتاجات تم التوصل الیها لتمثل جوهر جهدنا البحثی هذا ، ویمکن اجمالها بالأتی:

١-   ان هدف الولایات المتحدة الامریکیة من ادارة الازمة مع واشنطن هو الخروج منها بموقف رابح، على حساب موقف اخر مناقض له تماماً یذهب للطرف الأخر، وهذا ما یبدوا واضحاً جداً من خلال الإعلان الصریح عن ذلک، للإدارة الامریکیة التی یمثلها دونالد ترامب وفریقه الرئاسی، بأنه لا عودة الا بعد تحقیق الأهداف المنشودة.

٢-   ثمة استراتیجیات عدیدة ماثلة امام الولایات المتحدة فی تعاملها مع أی ازمة دولیة مجابهة لها، إلا ان انتقاء استراتیجیة معینة عن غیرها، یعتمد هنا على مدى ادراک واشنطن لحیثیات ومضامین ومواقف الأطراف المؤثرة فیها، فضلاً عن دراسة الکُلف الاستراتیجیة من ربح وخسارة لکل استراتیجیة متبعة.

٣-   تشکل استراتیجیة القوة الذکیة القیاس الذی سار علیه الأداء الاستراتیجی الأمریکی فی إدارته للازمة مع واشنطن، والتی تجمع تولیفة من عناصر القوة الصلبة والناعمة فی أن واحد، وذلک ما تُلمحُ له مسارات الأداء الاستراتیجی الأمریکی تجاه طهران، فالعقوبات الاقتصادیة المشددة أستمرت مع أرسال تعزیزات عسکریة وتقنیة ولوجستیة أمریکیة، بالاقتران مع القوة الناعمة ، ورغبة ترامب التی أفصح عنها علناً فی اکثر من موقف برغبته فی اللجوء الى الخیار الدبلوماسی فی ادارة الازمة مع طهران، وبالتالی فإن العقوبات الاقتصادیة والتحرکات العسکریة لا تعدو أکثر من ان تکون وسیلة ضغط قصوى لدفع طهران نحو الجلوس على طاولة التفاوض، وبالتالی المساومة الدبلوماسیة.

٤-   ثمة ضرورات استراتیجیة تدفع بإدارة دونالد ترامب الى تفضیل استراتیجیة القوة الذکیة فی ادارة الازمة مع طهران، منها عدم رغبته فی خسارة الداخل (الناخب الامریکی)، لاسیما وان الانتخابات الامریکیة لم یبق علیها الکثیر من الوقت “٣ نوفمبر ٢٠٢٠”، کذلک عدم تحشید واشنطن لتحالف دولی غربی یدعمها فی مواجهة طهران عملیاً، کذلک تتطلع واشنطن الى اعطاء المزید من الوقت لجانب تصاعد تأثیر العقوبات الاقتصادیة المفروضة على طهران، والتی ستدفع بها الى اللجوء الى المساومة الدبلوماسیة اخر المطاف نتیجة تدنی اقتصادها، وبدایة تذمر جماهیری من الوضع داخل طهران ذاتها، کما ان من مصلحة واشنطن براغماتیاً، الابقاء على مصدر تهدید للخلیج یبرر بیع اسلحة امریکیة لدول الخلیج بصفقات مالیة هائلة، وبذا فإن احتمالیة مواجهة واشنطن لطهران بالقوة الصلبة وحدها تبقى بعیدة الرؤیة طبقاً للأدراک الأمریکی.

٥-   وتبعاً لما مر ذکره، فإن تصاعد الضغط الامریکی والتلویح باستخدام القوة قد یقود الى نتائج متقدمة یصعب السیطرة علیها دون استراتیجیة مُحکمة، وتکتیک متقن، یدیر الأزمة بشکل عال من الدقة تلافیاً للانزلاق عن حافة الهاویة فیها، وبذا یرى الباحث فی تحلیله لمُستقبل إدارة ازمة واشنطن – طهران، من خلال استقراء الرؤیة الاستراتیجیة بواسطة منهج التحلیل الاستشرافی، أن مستقبل إدارة هذه الأزمة سیرتکن الى الأداء الأکثر عقلانیة، وهو ما تجسده القوة الذکیة بشقیها الصلب والناعم، ضمن حسابات الکلف الاستراتیجیة المحددة لها، وبشکل مُسبق.

وطبقاً لمنهج التحلیل الاستشرافی ، تم بناء ثلاث مشاهد مُستقبلیة للدراسة ، کما یأتی:

أولاً : مشهد إدارة الازمة عبر خیار المواجهة.

ثانیاً: مشهد ادارة الازمة عبر الوسائل الدبلوماسیة.

ثالثاً: مشهد ادارة الازمة عبر استراتیجیة القوة الذکیة.

وضمن نهج المنهج الاستشرافی فی ترجیح أحد المشاهد المحتملة أو الممکنة أو المرغوب بها، فقد تم ترجیح المشهد الثالث، ای مشهد إدارة الازمة عبر استراتیجیة القوة الذکیة، کونه الاحتمال الاقرب للواقع من خلال استقراء معطیات الدراسة ومضامینها.

وفی ضوء کل ما تقدم، یضحى واضحا أن الفرضیة التی شکلت بوصلة دراستنا هذه قد تمت البرهنة علیها.

الهوامش والمصادر


[i] محمد السید سلیم ، تحلیل السیاسة الخارجیة ، کلیة الاقتصاد والعلوم السیاسیة ، جامعة القاهرة ، مکتبة النهضة المصریة ،   ط٢ ،١٩٩٨،ص ٣٥٦ .

[ii] أ.د.سرمد زکی الجادر ، الأزمة الدولیة ، محاضرات ألقیت على طلبة الدراسات العلیا/الماجستیر ، العلوم السیاسیة ، جامعة النهرین ،٢٠٠٩ .

[iii]– برکة بهجت أحمد ، إدارة الأزمات ، الدراسات السیاسیة ، مرکز الدراسات القانونیة والسیاسیة ، جامعة النهرین ،٢٠٠٨ ، ص ٣ .

[iv]– هنری کیسنجر، سنوات التجدید، ترجمة: هشام الدجانی، الریاض، العبیکان، ط٢ ، ٢٠١٠، ص ٩٦.

[v] فاضل زکی محمد ، استراتیجیة إدارة الأزمة الدولیة الخلفیات والمفاهیم ،مجلة العلوم السیاسیة ، کلیة العلوم السیاسیة ، جامعة بغداد ، العدد (١٨) ، ١٩٩٩، ص ٦ .

[vi] عبد القادر محمد فهمی ، المدخل إلى دراسة الاستراتیجیة ، دار الرقیم للنشر والتوزیع ، بغداد ، ٢٠٠٥ ، ص ٢٣٥ .

[vii] المصدر نفسه .

[viii] عبد القادر محمد فهمی ، مصدر سبق ذکره ، ص ٢٣٦ .

[ix] أ.د سرمد زکی الجادر ، إدارة الأزمة الدولیة، مصدر سبق ذکره.

[x] ماهیة الأزمة الدولیة.. دراسة فی الإطار النظری ، مجلة العلوم السیاسیة ، کلیة العلوم السیاسیة ، جامعة بغداد ، العدد (٤٢) ، ٢٠١١ ، ص ١٥٨ .

[xi] نعیم إبراهیم الظاهر ، إدارة الأزمات ، أربد- عمان، عالم الکتب الحدیثة للنشر والتوزیع ، ٢٠٠٩ ، ص ٧٧ .

[xii] المصدر نفسه.

[xiii] المصدر نفسه، ص ٧٤ .

[xiv]– عبد الکریم احمد جمیل، ادارة الازمات والکوارث، بیروت: دار المنهل اللبنانی، ٢٠١٦، ص ٦٣.

[xv]– نعیم إبراهیم الظاهر، مصدر سبق ذکره، ص ٧٧.

[xvi] المصدر نفسه، ص ص ٧٥-٧٦ .

[xvii]– مالک محسن العیساوی، الحروب بالوکالة: ادارة الازمة الدولیة فی الاستراتیجیة الامریکیة، بیروت، دار المنهل اللبنانی، ٢٠١٥، ص ص ٤٥-٤٦.

[xviii]– مالک العیساوی مصدر سبق ذکره، ص ٤٩.

[xix]– ایاد نصر، سیکولوجیة ادارة الازمات، الریاض: دار الخلیج للنشر والتوزیع، ٢٠١٧، ص ٢٠.

[xx]– محسن الخضری، ادارة الازمات، القاهرة: مجموعة النیل للازمات، ٢٠٠٣، ص ٢٦٢.

[xxi] یوسف أحمد أبو فارة ، إدارة الأزمات مدخل متکامل ، إثراء للنشر والتوزیع ، الأردن ، ط١، ٢٠٠٩ ، ص .

[xxii] المصدر نفسه.

[xxiii]– ثامر کامل الخزرجی، العلاقات السیاسیة الدولیة واستراتیجیة ادارة الازمات، بیروت: دار المنهل اللبنانی،٢٠٠٩، ص ٣٨٠.

[xxiv]– المصدر  نفسه .

[xxv] د.سرمد زکی الجادر ، مصدر سبق ذکره .

[xxvi] محمد السید سلیم ، مصدر سبق ذکره ، ص ٤٧٨-٤٧٩ .

[xxvii] عرفات علی جرغون، العلاقات الخلیجیة – الایرانیة: الصراع، الانفراج، التوتر، بیروت: العربی لنشر والتوزیع، ٢٠١٦، ص ٤٥ .

[xxviii] – J.Robert Baum and Stefan Wally, Strategic Decision Speed and Firm Performance, Strategic Management Journal, Wiley, Vol. ٢٤, No. ١١ (Nov., ٢٠٠٣), pp,١١٠٧-١١٠٩.

  • ·– عن اصل مشروع القوة الذکیة : قام مرکز الدراسات الإستراتجیة والدولیة (CSIS) وبدعم من مؤسسة “Starr Foundation” بإعداد مشروع القوة الذکیة (Smart Power)، والهادف إلى تدعیم السیاسة الخارجیة الأمریکیة لتکون أکثر قدرةً وتأثیراً فی تحقیق أهدافها، وذلک عبر آلیة جدیدة تشکل نقلة نوعیة فی الأداء الإستراتیجی الأمریکی، کونها ترتکز على عملیة  الدمج بین مفهومی القوة الناعمة (Soft Power) والقوة الصلبة (Hard Power)، وذلک فی ظل غیاب الرؤیة الإستراتیجیة لکیفیة مواجهة التحدیات الآنیة والمستقبلیة التی تواجه الولایات المتحدة، و السبیل الأمثل لإدارة السیاسة الخارجیة الأمریکیة؛ من أجل تحقیق المصلحة والأمن القومی الأمریکی. لذا دعا المرکز إلى اجتماعات ومناقشات ضمت أعضاء من الإدارة الأمریکیة القائمة فی عام ٢٠٠٧، وأعضاء من المکتب الانتخابی، والجیش، والمنظمات غیر الحکومیة ووسائل الإعلام وأکادیمیین وکذلک أفراداً من القطاع الخاص. وقد اجتمعت اللجنة ثلاث مرات خلال عام ٢٠٠٧؛ لتطویر مخطط تفصیلی لإنعاش القیادة الأمریکیة على أساس مجموعة من الأبحاث والدراسات أعدها خبراء بالمرکز. وقد أصدرت اللجنة تقریرها عن التحدیات التی تواجهها الولایات المتحدة بعنوان “التوقع العالمی لتحدیات الأمن العلیا لعام ٢٠٠٨” “Global Forecastthe top security challenges of ٢٠٠٨“، وتقریر أخر عن القوة الذکیة بوصفها سیاسة لاستعادة مکانة الولایات المتحدة عالمیا بعنوان “القوة الذکیة، أمن أکثر لأمریکا” Smart Power more security for America” وهدف من خلالهما تشکیل النقاش السیاسی أثناء الحملات الانتخابیة للمرشحین للفوز بالمکتب الأبیض، وکذلک النقاش الوطنی حول سبل استعادة واشنطن مکانتها دولیا ومواجهة التحدیات التی تحدث عنها التقریر الأول. وقد ترأس هذا المشروع والاجتماعات والحلقات النقاشیة شخصیتان، الأولى لها خبرة بالجانب العملی التطبیقی بالمشارکة فی إدارات سابقة، والثانیة ذات خلفیة أکادیمیة مع العمل والمشارکة فی العمل الحکومی. وهما:
  • ·         ریتشارد أرمیتاج (Richard L. Armitage) الذی تولى العدید من المناصب، فعندما رشح رونالد ریغان نفسه للرئاسة انضم إلیه أرمیتاج بصفته مستشارا فی السیاسة الخارجیة منذ عام ١٩٨١ حتى ١٩٨٣، وتسلم منصب النائب المساعد لوزیر الدفاع فی شرق آسیا وشؤون المحیط الهادی، ومنذ عام ١٩٨٣ حتى ١٩٨٩ عمل مساعدا لوزیر الدفاع لشؤون الأمن الدولی، وفی عام ١٩٩٢ عینه الرئیس جورج ووکر بوش  نائبا لوزیر الدفاع فی مکتب شؤون الأمن الدولی، وتولى عام ٢٠٠١ منصب مساعد وزیر الخارجیة الأمیرکی، وقدم أرمیتاج استقالته من منصبه فی نوفمبر ٢٠٠٤ فی وقت واحد مع وزیر الخارجیة المستقیل “کولن باول”، کما أنه رئیس مرکز “أرمیتاج الدولی” “Armitage International” الذی أسسه فی ٢٠٠٥ بعد خروجه من الإدارة الأمریکیة، والمعنی بتنمیة التجارة الدولیة والتخطیط الاستراتیجی وحل المشکلات.
  • ·         جوزیف نای(Joseph S. Nye): وهو أستاذ بجامعة هارفارد، والعمید السابق لکلیة کیندی للعلوم الحکومیة بجامعة هارفارد ” Kennedy School of Government” وقد شغل العدید من المناصب الحکومیة والإستشاریة، کما له العدید من المؤلفات حول موضوعة القوة ..نقلاً عن :

Richard L. Armitage, Joseph s. Nye, Jr,& Other, CSIS Commission On Smart Power: A smarter, more secure America, Center for Strategic and International Studies (CSIS) ,٢٠٠٨. For More Information see this website:

http://csis.org/publication/smarter-more-secure-america

[xxix] – Crocker, Chester A,; Hampson, Fen Osler; Aall, Pamela R. Leashing the Dogs of War: Conflict Management in a Divided World. US Institute of Peace Press. ٢٠٠٧. p. ١٣ .

[xxx] – Philipp Schweers, “Still a Civilian Power”, Dsseldorf Institute for Foreign and Security Policy, No ٢٧, March ٢٠٠٨,p: ٦٣.

[xxxi] – Richard L. Kugler, New Direction in U.S. Nation Security: Strategy, Defense plan and diplomacy :A review of official strategic documents ,first edition ,NDU Press,٢٠١١,pp:٣-٤.

[xxxii] – Zbigniew Brzezinski , Robert M. Gates& Other, Iran: Time for A New Approach, Report of an Independent Task Force Sponsored by the Council on Foreign Relations,INC,٢٠٠٤,PP:٣٩-٤٠.

[xxxiii] – Thomas Wiloch ,National Security, Thomson Gale Group,٢٠٠٥,p:٣٦.

[xxxiv] – Stephen Biddle, Michael e. O’Hanlon, Kenneth M and other, restoring the balance, Washington,  the Brookings institution The council on foreign relations, D.C, ٢٠٠٨,p,٣٣.

[xxxv] – James A. Russell, Proliferation of weapons of mass destruction in the Middle  East, Pal grave Macmillan™, United States of America, ٢٠٠٦.pp,٥١-٥٥.

[xxxvi]—  منعم صاحی العمار، العراق ومنظومة الأمن الخلیجی: دراسة فی خیارات المرحلة المقبلة.بغداد: مکتبة الغفران للخدمات الطباعیة،٢٠١٢، ص ١٠٧.

[xxxvii]– کوبشان ،تشارلز أیه. “نتائج ملموسة لسیاسة “محاورة الخصوم” إستراتیجیة أوباما الخارجیة..هل أینعت؟”. آفاق المستقبل، أبو ظبی: مرکز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتیجیة، ٧ (٢٠١٠)، ص٢٩.

[xxxviii]-Geoffrey Wiseman& Paul Sharp, American Diplomacy, Op:cit:P:٢٢٤.

[xxxix]-David E. Sanger, U.S. Seems Eager for Nuclear Talks With Iran’s New Leader, The New York Times, June ١٧, ٢٠١٣, Monday.

[xl] – Marvin Kalb, The Road to War: Presidential Commitments Honored and Betrayed, Brookings Institution Press‏,Washington, ٢٠١٣,pp:٢٣٩-٢٤٠.

[xli]– نقلاً عن : جاسم ،خیری عبد الرزاق . “إیران وسیاسة الید الممدودة”، شؤون عراقیة .بغداد: مرکز العراق للدراسات. العدد ٤ (٢٠١٠)، ص:٤٩.

[xlii]– المصدر نفسه، ص ٥٦.

[xliii] –Bob Dreyfuss, “Trump’s Foreign-Policy Appointees Are Set to Provoke War With Iran,” The Nation, ١٤/١٢/٢٠١٦, accessed on ٢١/١٢/٢٠١٦, at: http://bit.ly/٢hvdJQb

[xliv] -Ibid.

[xlv] – Richard Haass, A World in Disarray: American Foreign Policy and the Crisis of the Old Order ,New York: penguin,٢٠١٧,p:٧٦.

[xlvi] – Jeffrey, Lynn E. Davis‏& Other,, Iran’s Nuclear Future: Critical U.S. Policy Choices, Rand Corporation‏,٢٠١١, p:٢٢.     

[xlvii]– محمد وائل القیسی، الضربة الأمریکیة لقاعدة الشعیرات السوریة : قراءة تحلیلیة فی الابعاد والمخاطر، مرکز نون للدراسات الاستراتیجیة ،، ص٤. بتاریخ ١١ /٤/٢٠١٦، وعلى الرابط التالی:

http://nooncenter.org/ar/AnalyticVision/٢٤/%D٨%A

[xlviii] – مقاربات مزدوجة: حسابات التدافع الأمیرکی-الإیرانی ، تقدیر موقف، منشور على موقع مرکز الجزیرة للدراسات، قطر الدوحة، بتاریخ ١٤/٥/٢٠١٩، وعلى الرابط التالی :

http://studies.aljazeera.net/ar/positionestimate/٢٠١٩/٠٥/١٩٠٥١٤١٢٤٣٥٣١٧٠.html

[xlix]– Djavad Salehi-Isfahani, “The Unimportance Of New Oil Sanctions,” Lobelog, April ٢٥, ٢٠١٩, “accessed May ٢٠, ٢٠١٩” https://lobelog.com/the-unimportance-of-new-oil-sanctions/

[l]– تامر بدوی، حملة “الضغط الأقصى” وتأثیراتها على الاقتصاد الإیرانی، تقریر منشور على موقع الجزیرة للدراسات، الدوحة، بتاریخ ٢٦-٥-٢٠١٩، وعلى الرابط التالی:

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/٢٠١٩/٠٥/١٩٠٥٢٦١٠٠١٥٥٠٧٤.html#a٩

[li]– المصدر نفسه.

[lii]– أنظر: فلیه ،فاروق عبده. الدراسات المستقبلیة منظور تربوی. عمان : دار المسیرة للنشر والتوزیع والطباعة، ٢٠٠٣، ٥٩.

[liii]– Ronald E. Powaski‏, Ideals, Interests, and U.S. Foreign Policy from George H. W. Bush to Donald Trump ,USA: Springer,٢٠١٨,p:٢٦٧.

[liv] -See: Dr. Jack Caravelli‏ ,Sebastian Maier‏, A New US National Security Team Confronts Difficult Choices with Iran and North Korea ,Riyadh, King Faisal Center for Research and Islamic Studies,٢٠١٨,P:٢٥

[lv] -Ibid.

[lvi]Mike Pompeo speech: What are the ١٢ demands given to Iran? ٢١ May ٢٠١٨, On the following website:https://www.aljazeera.com/news/٢٠١٨/٠٥/mike-pompeo-speech-١٢-demands-iran-١٨٠٥٢١١٥١٧٣٧٧٨٧.html

[lvii] – Michael Kranish, Trump says he is not seeking ‘regime change’ in Iran,٢٧ may ٢٠١٩, On the following website:

https://www.washingtonpost.com/world/national-security/trump-says-he-is-not-seeking-regime-change-in-iran/٢٠١٩/٠٥/٢٧/٩٤d٣٠٥٣a-٨٠٨d-١١e٩-٩٣٣d ٧٥٠١٠٧٠ee٦٦٩_story.html?noredirect=on&utm_term=,٣١e٨٩٣٤a١a٨١

[lviii]– محمد المنشاوی، ترامب وبولتون.. لعبة التشدد والدبلوماسیة فی الملف الإیرانی، مقال منشور على موقع الجزیرة للدراسات، الدوحة، بتاریخ ٣٠/٥/٢٠١٩، وعلى الرابط التالی:

      https://www.aljazeera.net/news/politics/٢٠١٩/٥/٣٠/

[lix] – Iran tensions: ١,٥٠٠ US troops head to Middle East as Trump seals $٧bn Saudi arms sale,٢٤-٥-٢٠١٩, On the following website:

       https://www.theguardian.com/us-news/٢٠١٩/may/٢٤/us-military-new-troop-middle-east-iran-trump

[lx] – See: Nikolas K. Gvosdev‏، Jessica D. Blankshain‏،David A. Cooper‏, Decision-Making in American Foreign Policy, London: Cambridge University Press,٢٠١٩, pp:٣٠٥-٣٠٦.أعلى النموذج

أسفل النموذج

 

[lxi]– فرصة أخیرة أمام القوى الکبرى لإصلاح الاتفاق النووی مع إیران، صحیفة العرب، لندن، ٦ یولیو/تموز ٢٠١٨، (تاریخ الدخول ٢٨ أبریل/نیسان ٢٠١٩)،الرابط:

 https://alarab.co.uk/فرصة  

[lxii] – Michael R. Pompeo, Secretary of State ,First Anniversary of President Trumps New Iran Strategy,٨ May ٢٠١٩, On the following website:

https://www.state.gov/first-anniversary-of-president-trumps-new-iran-strategy/

[lxiii]Gerry Mullany, Bolton Says Iran Is Likely Responsible for Oil Tanker Attacks, May ٢٩, ٢٠١٩, On the following website:

https://www.nytimes.com/٢٠١٩/٠٥/٢٩/world/middleeast/iran-bolton-attacks.html

[lxiv]– محمد المنشاوی، مصدر سبق ذکره.

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى