نبراس عادل – طالب وباحث في جامعة الاورال الفيدرالية  للعلاقات الدولية والدبلوماسية

 مدخل:اتبعت تركيا استراتيجية مبادرة في الشرق الأوسط، خلال السنوات الأخيرة، عبر الانخراط في النزاعات والحروب، سواء كان سياسيًّا،  أو دبلوماسيًّا، أو عسكريًّا، في خطة لتوسيع دور أنقرة الإقليمي على ضوء ما تشهده المنطقة المحيطة مباشرة بها من اصطفافات جديدة، وتوترات وصراعات، ولهذا توسع الحضور التركي في عدد من الدول العربية سواء عبر التوسع في إنشاء قواعد عسكرية، أو عبر دعم حلفاء لها في نزاعات، والتي كان آخرها ليبيا، حين ساندت قوات حكومة الوفاق الليبية أمام قوات المشير خليفة حفتر، وأوقفت انتصاراته وأسقطت مدنه.:

ولا يغيب عن هذه الرؤية الملف اليمني، الذي تتبع فيه أنقرة استراتيجية ، بحثًا عن حجز موقع نفوذ لها في سياق الصراع الدائر هناك، حيث ترتفع أهمية المدن اليمنية تاريخيًّا وسياسيًّا لتركيا. في التقرير التالي، نحاول تتبع هذه الاستراتيجية منذ بداية الأزمة اليمنية، والمسارات التي تنتهجها أنقرة بحثًا عن دور أكبر، واحتمالات أن يتوسع هذا الدور ليشمل حضورًا عسكريًّا أو دعمَ حليفٍ يمنيٍّ لها، مثل حزب الإصلاح، كما فعلت في ليبيا مع حكومة الوفاق.

البعد التاريخي لتركيا في اليمن

كلَّ الأتراك يعرفون اليمن من خلال التاريخ المشترك والذكريات الجميلة»، كان هذا تصريحًا سابقًا للرئيس التركي السابق عبد الله غول، خلال زيارة سابقة له لصنعاء، تكشف عن جانب آخر لاهتمام أنقرة باليمن له علاقة بالتاريخ، إلى جانب أبعاد الأمن القومي وتعزيز حضورها في البحر الأحمر

ويُشكل البعد التاريخي للاهتمام التركي باليمن سببًا في احتمالية توسع هذا الدور مستقبليًّا، حيث كانت البلد العربية ذات أهمية كبرى للإمبراطورية العثمانية، وسبق لجيوش الدولة العثمانية التحرك تجاه صنعاء مرَّتين، الأولى في العام 1538 والثانية في العام 1849، وكادت أن تتحول العاصمة لولاية عثمانية، قبل هزيمتها في الحرب العالمية الأولى.

وقعت المرة الأولى للغزو بفرمان من السلطان العثماني آنذاك سليمان القانوني، في عام 1538، بتحريك حملة بحرية كُبرى لغزو اليمن بقيادة سليمان باشا، لتبحر الحملة بقيادة الأخيرة من ميناء السويس في مصر، لتصل قبالة ميناء عدن، وتنجح في إخضاع السواحل اليمنية الجنوبية والغربية كاملة للنفوذ العُثماني.

وفي عام 1635، قاد اليمنيون ثورة ضد السلطة بثورة شعبية يمنية ضد الولاة العُثْمَانيين، تزعَّمَها الإمام القاسم بن محمد، وانتهت بطرد العثمانيين، واستقلال اليمن لأول مرة في العالم العربي. بينما كانت المرة الثانية في عام 1849 حين عاد العثمانيون إلى اليمن مرة أخرى، واستولوا على الحديدة، ودخلوا صنعاء بدعوة من حاكم المدينة، الذي أراد أن يصبح اليمن دولة تابعة تحت الحماية العثمانية، غير أنه سرعان ما وقعت ثورة مفتوحة أجبرت العثمانيين على الانسحاب، وحصل شمال اليمن  على الاستقلال تحت حكم الإمام يحيى.

تركيا وبداية الأزمة اليمنية..

قبل ستة  أعوام، وفي بداية ولاية الملك سلمان بن عبد العزيز، تمتعت العلاقة بين الرياض وأسطنبول بقدر كبير من التوافق في كثير من القضايا الإقليمية، أظهرتها تصريحات المسؤولين في كلا البلدين، بالعمل على تطوير العلاقات، والزيارات التي لم تنقطع بين أسطنبول والرياض.

وانعكست هذه العلاقة التوافقية على إعلان تركيا الدعم السياسي للعملية العسكرية «عاصفة الحزم»، التي أطلقتها السعودية في اليمن، واتخذت قرارها بعدم التدخل، والاقتصار على الدعم السياسي والعسكري للاستراتيجية السعودية، دون أن تكون هناك رغبة استئثارية في التأثير منفردة.

وظهرت مؤشرات هذا التوافق في تصريح رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، آنذاك، عن دعم أنقرة «السياسي واللوجستي إن تطلب الأمر» للعملية العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن، وقال أردوغان حينها إن على إيران «المنظمات الإرهابية الأخرى» التي تدعم الحوثيين، الانسحاب.

وعقب التغيرات الكبيرة في سياسة الرياض الإقليمية بعد صعود ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، واتباعه سياسة خارجية مختلفة عما سبق، توترت العلاقات بين البلدين، وانعكس ذلك على خلافات في الرؤى تجاه كثير من الملفات الإقليمية، من بينها الأزمة اليمنية، التي بدأت أسطنبول التحرك فيها بمعزل عن استراتيجية الرياض.

في مايو 2019 أعلنت هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH) أنها قدمت مساعدات إنسانية للمحتاجين في مدن مأرب والجوف وسيئون. ووزعت الهيئة على المحتاجين مواد غذائية للكبار وأخرى الأطفال وحصص من اللحم، وذلك في إطار حملة المساعدات الرمضانية في 120 دولة حول العالم. كما وزعت 950 طرداً غذائيا، من طرود الطحين والأرز والسكر والسمن والمعلبات الغذائية، وحصصاً من اللحم على 400 عائلة. ونظمت الهيئة موائد إفطار لإطعام 2350 يمني، ووزعت 10 صهاريج مياه صالحة للشرب.

وفي أغسطس، أعلنت هيئة الإغاثة التركية عن افتتاحها 11 مركزاً صحياً في اليمن بقدرة استيعابية 250 ألف مريض سنوياً، وإنشاء مركز صحي بقدرة استيعاب سنوية تبلغ 800 ألف مريض ومجهز بتقنيات طبية عالية لمعالجة المرضى وخاصة المصابين منهم بالسرطان والفشل الكلوي. وتأسيس مركز عناية صحية للطفولة والأمومة في عدن، ومركز صحي في حضرموت، والمركز الصحي النموذجي في محافظة الجوف اليمنية، بالإضافة إلى إنشاء مركز صحي اخصائي بأمراض الجلد والتناسلية في تعز، وغيرها العديد من المشاريع الصحية والتنموية، وذلك على حد قول المتحدث الرسمي للهيئة.

كانت المنطقة الحاضنة للمساعدات التركية هي جنوب اليمن، وبالأخص العاصمة عدن ، الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المُعترف بها دوليًّا اسميا،والمجلس الانتقالي الجنوبي  حيث سهَّل حزب التجمع اليمني للإصلاح (الذي يعد فرع جماعة الإخوان المسلمين باليمن)، وهو أبرز القوى السياسية التي تعارض الحوثي والقريبة من الرئيس اليمني المُقيم بالرياض عبد ربه منصور هادي، الكثير من توزيع المساعدات الغذائية التركية، رغم المعارضة الإماراتية لهذا الدور.

وفي تطور وانعكاس واضح  للرغبة التركية في لعب دور أكبر من كونه موزع مساعدات إنسانية، وصل وفد تركي رفيع المستوى بقيادة إسماعيل جكتلا، نائب وزير الداخلية التركي، إلى عدن في يناير من العام الماضي، والتقى بشكل منفصل رئيس الحكومة معين عبد الملك ووزير الداخلية أحمد الميسري.

وكشفت التسريبات من وراء هذا اللقاء، عن رغبة تركية في دعم قوات الأمن التابعة للداخلية اليمنية وتأهيلها وتدريبها؛ لدعم الحكومة المعترف بها في سيطرتها على الأرض، وبعد الاجتماع السابق، تتابعت المقابلات سرًّا وعلنًا، والتي كان آخرها زيارة وزير النقل اليمني آنذاك، صالح الجبواني، في يناير (كانون الثاني) العام الجاري، والتي كشف عن نتائجها في وجود ترتيبات فنية لتوقيع اتفاقية مع تركيا لتطوير موانئ ومطارات وشبكة الطرق اليمنية. تتابع الاجتماعات، والزيارات التي لا تنقطع، خلال العامين الأخيرين، رسم بداية تحول أكبر لتركيا في اليمن، من مجرد مانح للمساعدات الإنسانية، إلى فاعل ومؤثر سياسي وعسكري، ومُرشح للتطور مستقبليًّا.

حزب الإصلاح.. حليف تركيا في اليمن

عقب إطاحة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، إثر ثورة شعبية كان في صفوفها الأولى أعضاء حزب الإصلاح، أعلنت تركيا دعمها مشروع الحزب لحكم البلاد، وباركت سياسته. ظهر هذا الدعم في لقاءات مستمرة جمعت مسؤولين تركيين مع قادة الحزب، عقب إطاحة صالح، وامتداح أسطنبول لدور حزب الإصلاح في العملية السياسية.

وتزامن هذا  التأييد التركي لمشروع «الإصلاح اليمني» مع ترويج قادة الحزب لأنفسهم بأنهم سيكررون تجربة إسلاميِّي تركيا في الحكم، كما كشفت وثيقة مسربة عن السفارة الأمريكية في صنعاء، وذكرت الوثيقة المنشورة على موقع ويكليكس أن قادة الإصلاح اليمني، تعمَّدوا خلال التواصل مع السفارة الأمريكية وإعلامها، تأكيد أنهم سيكونون «مثل حزب الرفاه التركي»، والدفاع عن التجربة التركية في الحكم بأنه «لا أحد يخشى المتطرفين في تركيا»؛ أي إنه لا داعي للإسلاموفوبيا. وقد ارتقت العلاقة بين أسطنبول وحزب الإصلاح اليمني إلى درجة تعامل الأولى مع الحزب ذي الخلفية الإسلامية بوصفه «حليفًا سياسيًّا»، كما ذكر تحليل منشور في موقع تلفزيون. «TRT» التابع للحكومة التركية.

بمرور السنوات،  توسع الدعم التركي لحزب الإصلاح، من خلال فتح مستشفياتها لعلاج جرحاهم من مصابي المواجهة العسكرية مع الحوثيين أو قوات المجلس الجنوبي، المدعوم إماراتيًّا. ومنحت تركيا جنسيتها لتوكل كرمان، العضوة بالإصلاح  اليمني، والحائزة جائزة نوبل، التي أعلنت أنها تفخر بجنسيتها التركيَّة أكثر من فخرها بجائزة نوبل للسلام.

وتعيش أعداد كبيرة من قيادات حزب الإصلاح وكوادره في تركيا، حيث تبثُّ منها قناة «بلقيس»، النافذة الإعلامية التي تعكس وجهة نظر حزب الإصلاح، ولهذا الدعم السياسي واللوجيستي التركي لحزب الإصلاح منذ بداية الأزمة اليمنية.

ويدفع التعويل التركي على حزب الإصلاح كحليف سياسي وعسكري مُحتمل، لسيناريو ضمن سيناريوهات عدة، يرجح أن يجعل من هذا التوجه نقطة تلاقٍ تركي سعودي، في ظل أن قيادات حزب الإصلاح الصفَّ الأوَّل تعيش في المملكة العربية السعودية مثل رئيس الحزب محمد اليدومي، بينما القيادات الوسطى وعدد من رجال الأعمال اليمنيين الموالين للحزب يعيشون في تركيا.

وقد يرجح من هذا التنسيق عجز اتفاق الرياض، حتى الآن، في وقف الخلافات والمعارك بين الحكومة اليمنية المعترف بها والمجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًّا، وتفسير الأخير لذلك بالقول إن «ميليشيا حزب الإصلاح وقوى الإرهاب المسيطرة على الشرعية تتحمل مسؤولية فشل اتفاق الرياض، بعد حشد قواتها إلى شقرة في محافظة أبين»، على حد تعبيره. فيما يخالف ذلك التوجه الإماراتي في اليمن الداعم للمجلس الانتقالي الجنوبي، والرافض لأي دور لحزب الإصلاح في أي تسوية سياسية محتملة، وهو الأمر الذي ترفضه الرياض، حتى الآن، على الرغم من توجهها المعادي لتيارات الإسلام السياسي كافة.

عامل آخر يرتبط بالنقطة السابقة، ويُشكل دافعًا لمزيد من الانخراط التركي في اليمن، هو التخوف على مصالحها في البحر الأحمر، خصوصًا مع «اعتماد الإمارات على حوالى 200 ألف جندي تابع للمجلس الانتقالي الجنوبي ووكلاء آخرين في الساحل الغربي، لحماية المصالح الإماراتية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في البحر الأحمر وخليج عدن»، بحسب تحليل صادر من مركز كارنيجي للأبحاث والدراسات السياسية.

لكن متى وكيف تستطيع تركيا التدخل عسكريًّا سواء بدعم حليف لها أو بشكل آخر؟

 يُجيب عن السؤال السابق دراسة صادرة عن معهد الأمن العالمي وشؤون الدفاع الدولي، تذكر أن «التدخل العسكري التركي في اليمن قد يكون أمرًا صعبًا في الوقت الحالي، إلا أنه ليس مستبعدًا بشكل مطلق على المدى المتوسط (خلال أعوام قليلة قادمة)، وحالة حدوثه، فسيكون بالتأكيد من خلال حزب الإصلاح اليمني (فرع الإخوان المسلمين في اليمن)، مستغلة التنسيقات السابقة بينهما.

ويرجح من تقييم الدراسة السابقة أن أعدادًا كبيرة من قادة الجيش الوطني، موالون لحزب الإصلاح، وتوجد داخله وحدات كاملة شبه موالية للإصلاح، ويُشك في ولائها للرياض، غير أنها تتمسك به في ضوء أنه «الخيار الوحيد بوصفه كيانًا منظمًا يناهض الحوثيين على الأرض. لدى تركياً حالياً قواعد عسكرية في قطر والصومال، وأتوقع محاولات للإعداد لتواجد عسكري تركي في اليمن والسودان وتشاد، بجانب تدخلها المحدود (حتى الآن) في ليبيا. الأمر الذي يخلق نطاقات سيطرة أمنية حول شبه الجزيرة العربية في اتجاه القرن الأفريقي جنوباً، وشمال أفريقيا في اتجاه ساحل المتوسط والصحراء شمالاً.

وتركيزاً في اليمن نجد أنه، جيوستراتيجياً، تتحكم اليمن الواقعة شمال الصومال في مدخل البحر الأحمر، والذي يشكل امتداده شمالاً عبر قناة السويس أهم خط ملاحي يصل لشرق المتوسط جنوب تركيا، وهو ما يهدد بشدة الأمن الإقليمي لمنطقة الخليج العربي والقرن الأفريقي وشرق المتوسط، والذي بدوره يهدد الأمن القومي لمصر والسعودية تحديداً كما يهدد مصالح الإمارات الرافضة تماماً لحركات الإسلام السياسي في المنطقة وهو ما يتسق تماماً مع التوجه في هذا الشأن.

ورغم أن التدخل العسكري التركي في اليمن قد يكون أمراً صعباً في الوقت الحالي، إلا أنه ليس مستبعداً بشكل مطلق على المدى المتوسط (خلال أعوام قليلة قادمة)، وحالة حدوثه، فسيكون بالتأكيد من خلال حزب الإصلاح اليمني والمنتمي للإخوان المسلمين، مستغلة التنسيقات السابقة بينهما.

المشكلة الحقيقة التي تواجه التدخل العسكري التركي في اليمن هي الحالة الاقتصادية التركية. في حالة لجوء تركيا إلى تمويل قطري في هذا الشأن فالأمر سيكون ضار بالتأكيد بالمصالح السعودية، ناهيك عن المصالح الإماراتية التي ستتأثر بالتأكيد وكذا التهديد الذي سيكون أشد تأثيراً على الأمن القومي المصري حيث إن التدخل العسكري التركي سيزيد من تهديد تركيا لمدخل البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

تركيا تستخدم حزب الاصلاح

إن تبعات تورط تركيا في ملف اليمن كبيرة جدا في حد ذاتها، وهذا سيؤدي إلى مواجهة أكثر خطورة بين محور الإخوان في المنطقة (قطر وتركيا) والمحور السعودي الإماراتي المصري، وهذا سيزيد من حساسية مصر والسعودية والإمارات فيما يتعلق بتحركات تركيا، التي يشار إليها باسم التحركات التي تهدف إلى تقويض الأمن العربي.

إنّ هذا التحول الإخواني ضد التحالف العربي سببه رغبة تركيا في الوجود العسكري باليمن للسيطرة على باب المندب بشقَّيه؛ خصوصاً أنّ وجود تركيا العسكري في الصومال سيسهِّل عليها تلك المهمة، لكن التحالف العربي يعيق أردوغان عن تحقيق أغراضه في الجانب اليمني، لهذا لجأت تركيا لحزب الإصلاح اليمني (الإخواني) ليقوم بدور مهاجمة التحالف العربي في اليمن، مع ملاحظة أنّ هذه الحملات جاءت بعد التقارب التركي – الإيراني؛ حيث تصاعد الخطاب المعادي للتحالف العربي من جانب حزب الإصلاح الإخواني في الآونة الأخيرة ومن المحتمل تطوير المهاجمة من عداء خطابي إلى عداء عسكري، ويتحول حزب الإصلاح ليكون مخلباً تركياً في هذا المخطط.

وحسب موقع “أحوال تركية” فإنّ “توجيهات صدرت لعدد من القيادات السياسية اليمنية المحسوبة على جماعة الإخوان لإشهار ورقة التقارب مع الحوثيين، بهدف ابتزاز التحالف العربي”، ومن المتوقع أن تقوم بعض قيادات حزب الإصلاح بمطالبة تركيا بالتدخل في اليمن؛ في سيناريو يشبه السيناريو الليبي؛ وهو أمر قد يقدم عليه أردوغان الطامح أصلاً إلى فرض سيطرته على مضيق باب المندب وإقامة قاعدة تركية في اليمن ضمن محاولاته للسيطرة على القرن الإفريقي.

العلاقة بين حزب الاصلاح اليمني وتركيا

إنّ علاقة تركيا بالإخوان اليمنيين أو أي من فصائل تنظيم الجماعة في أي بلد، تثبت أنّهم يعملون دائماً ضد المصالح الوطنية، ولمن يدفع أكثر، ويعد حزب “الإصلاح” من أبرز النماذج على ذلك، وتمتد هذه العلاقة لأعوام ما قبل الربيع العربي، فكلاهما متصل بفكر الإخوان، ويمثل له هوية وذاتاً، يجعلهم متحدين في مصير واحد حتّم عليهم العمل لخدمة أهدافهم المشتركة.

فمنذ مرحلة مبكرة من “الربيع العربي” قامت تركيا (أردوغان) بتهريب كميات من الأسلحة إلى اليمن وإلى العناصر المتطرفة سواء من القاعدة أو من داعش أو إلى الإخوان المسلمين، كما وفرت ملاذاً آمناً للكثير من رموز التشدد من إخوان اليمن والمطلوبين أمنيا على خلفية قضايا سياسية، مثل منفذي تفجير مسجد دار الرئاسة الذي استهدف الرئيس السابق علي عبدالله صالح وأركان حكمه في العام 2011، إضافة إلى استقبال شخصيات مدرجة على قوائم الإرهاب الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية، وبعض القيادات اليمنية المثيرة للجدل على خلفية علاقتها بجبهة النصرة والجماعات المسلحة في سوريا، كما قامت بإمداد حزب “الإصلاح” بالسلاح وبالتدريب عليه.

مؤشرات تزايد النشاط التركي في اليمن من خلال تدفق عملاء الاستخبارات التركية، عبر منافذ محافظة المهرة (أقصى شرق اليمن) تحت غطاء هيئة الإغاثة الإنسانية، إلى بعض المحافظات اليمنية المحررة، وتأجيج الخطاب السياسي والإعلامي المعادي للتحالف العربي بقيادة السعودية من خلال قنوات إعلامية تبث من مدينة إسطنبول التركية التي تحولت إلى وجهة مفضلة لدى الكثير من القيادات السياسية والإعلامية اليمنية المنتمية إلى حزب الإصلاح.

وفي ظل الأزمة الخليجية والمقاطعة التي تعيشها قطر، اتجهت أنظار حزب “الإصلاح” إلى تركيا؛ حيث أصبحت إسطنبول وبتمويل قطري مركزاً لعقد اجتماعات سرية لإخوان اليمن. مع شخصيات إيرانية تمهيداً لانحياز الإخوان اليمنيين للحوثيين وتخلّيهم عن التحالف العربي.

وتعتبر تركيا احدى الدول الداهمة لجماعة الإخوان المسلمين، وتحتضن في اراضيها عدد من قيادات التنظيم الإخواني في اليمن وفي مقدمتهم القيادية توكل كرمان، وايضا حمود المخلافي الذي دعا مؤخرا مقاتلي التنظيم الى سرعة الاحتشاد إلى محافظة تعز، استعدادا للتوجه الى العاصمة عدن.

واعتبر سياسيون، دعوة القيادي حمود المخلافي القيادي في حزب الإصلاح “ذراع الإخوان المسلمين في اليمن، مؤشر واضح عن وجود مخطط تقوده وتموله “تركيا” يستهدف المحافظات الجنوبية المحررة من ميليشيات الحوثي الإيرانية.

وتسعى تركيا وحليفتها قطر، لإفشال دول التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية في اليمن، وذلك بعد اتفاقيات سرية كانت قد ابرمتها مع إيران الداعم الرسمي لجماعة الحوثي.

إنّ انتهازية حزب الإصلاح وتناقضاته تعد السبب الرئيسي لخلط الأوراق وتفكك الجبهات وتعطيل حل الأزمة اليمنية، وهو يشكل أحد أكبر العوائق أمام حسم التحالف العربي الحرب ضد الحوثيين، واليوم قد يجر اليمن إلى مزيد من التفكك والصراع يدفع الشعب اليمني ثمنه، بينما قادة حزب الإصلاح ينعمون في تركيا.

 

وكالة الأمن التركية واستراتيجية استخدام المرتزقة السوريين

في السنوات الأخيرة، زادت الحكومة التركية تدريجياً من دور مجلس الأمن التركي، برئاسة هاكان فيدان، في بعض الملفات الإقليمية المهمة، ولا سيما في سوريا، وأدى ارتياح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن أداء المنظمة إلى دفعها للعب دور أكثر بروزًا في السياسة الخارجية التركية.

تتعامل المنظمة على وجه التحديد مع القضية الليبية وتلعب دوراً رئيساً في دفع استراتيجيات تركيا في هذا الملف، بما في ذلك وجود هاكان فيدان في معظم زيارات الوفد التركي إلى طرابلس وفي معظم الاجتماعات المتعلقة بالقضية الليبية وقد أثنى الرئيس التركي مؤخرًا على الدور الإيجابي للوكالة في ليبيا.

وفي هذا الصدد، من المهم ملاحظة أنه بعد أن دخول الوكالة في الملف الليبي، قامت بتصميم وتنفيذ خطة يتم بموجبها إرسال القوات المسلحة التي تقاتل في سوريا إلى ليبيا لدعم حكومة الوفاق الوطنية

واستطاعت هذه الخطة، ضمن خفض التكاليف المالية والخسائر البشرية لتركيا، مساعدة حكومة الوفاق الوطني وحتى تغيير حالة قوات فائز السراج من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم, بسبب الخبرة العالية لهذه القوات في الحرب الأهلية السورية لسنوات عديدة.

هذه الخطة التي أسفرت عن نتائج جيدة لتركيا حتى الآن في ليبيا، دفعت مجلس الأمن التركي إلى تنفيذ السيناريو نفسه في اليمن، وفي هذا السياق؛ يمكن الإشارة الى تقرير المرصد السوري لحقوق الإنسان الصادر في أواسط شهر حزيران كدليل على هذا الادعاء، والذي على أساسه كانت قوات المخابرات التركية قد أقامت في عفرين بسوريا غرفة عمليات لنقل المرتزقة السوريين للمشاركة في الحرب اليمنية.

لذلك، يبدو أن استخدام المرتزقة السوريين أصبح استراتيجية رئيسية لجهاز الأمن التركي لمتابعة أهدافه في الملفات الإقليمية الحساسة.

الغايات التركية من الدخول في أزمة اليمن وتبعاتها

بشكل عام، يبدو أن تركيا لديها العديد من الأهداف الرئيسة من دخولها الملف اليمني، والتي تعتمد فيها بشكل رئيس على وكالة الأمن التركية وهي كالتالي…

1- تعتزم تركيا زيادة وجودها ونفوذها في مضيق باب المندب من خلال دعم الجماعات القريبة منها في اليمن، وبالنظر إلى توفر وإمكانية استخدام قاعدة عسكرية في الصومال، وهي أقرب قاعدة عسكرية تركية لتلك المنطقة، فإن ذلك يسهل الأمر للأتراك.

2- فيما يقترب الملف السوري من التوصل إلى نتيجة نهائية ومع وجود اتفاقيات بين تركيا وإيران وروسيا في هذا الصدد، تعتزم تركيا استخدام بعض من مرتزقتها المسلحين المقربين منهم والذين انتهت صلاحيتهم في سوريا لاستخدامهم في ملفات أخرى في المنطقة من أجل تحقيق أهدافها.

3- تنوي تركيا تعزيز جبهة الإخوان المسلمين في الملف اليمني، من خلال اتباع ذات الاستراتيجية السياسية التي اتبعتها في السنوات الأخيرة، لفتح جبهة جديدة ضد المحور السعودي الإماراتي، بسبب قربها الجغرافي من البلدين حيث لديها فرصة جيدة لإلحاق الأذى بهم، ومن ناحية أخرى، فإنها تزيد من قدرة تركيا على المساومة في ملفات أخرى في المنطقة، حيث تواجه بطريقة ما هذا المحور.

4- في السياق الحالي للأزمة اليمنية، خاصة التطورات في جنوب اليمن، التي تدخل في وضع حرج وحاسم، لا تنوي تركيا من خلال اتخاذ موقف سلبي، التأخر عن منافسيها الإقليميين الآخرين، الذين يلعبون دوراً مهمّاً في هذه المنطقة الاستراتيجية، لذلك لا تركز اعتبارات تركيا فقط على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، كما تأخذ تركيا بعين الاعتبار دور جمهورية إيران الإسلامية في هذا الملف.

السبب الآخر للتوسع المحتمل للدور التركي هو الرغبة في مُزاحمة الرياض وأبوظبي، خصوصًا في ضوء العلاقات المتوترة بينهما، كما فعلت أنقرة في ليبيا، وأوقفت تمدد القوات الموالية للمشير خليفة حفتر في ليبيا، المدعوم إماراتيًّا، بعد دعم قوات الوفاق الليبية. ويتضح هذا في التصريحات التركية الرسمية التي وصفت سيطرة الإمارات على جزيرة سقطرى اليمنية بأنه «تهديد جديد لسلامة أراضي اليمن وسيادته»، وطالبت بمواجهة ((استغلال الإمارات للجزيرة)).

ولا يغيب الجانب الأمني لأنقرة في اهتمامها باليمن؛ فالأخيرة الواقعة شمال الصومال، تتحكم في مدخل البحر الأحمر، والذي يشكل امتداده شمالًا عبر قناة السويس أهم خط ملاحي يصل لشرق المتوسط جنوب تركيا، وهو ما يتفق مع الاستراتيجية التركية الساعية لخلق نطاقات سيطرة أمنية حول شبه الجزيرة العربية في اتجاه القرن الأفريقي جنوبًا، وشمال أفريقيا في اتجاه ساحل المتوسط والصحراء شمالًا، وهو ما يتفق مع رؤية تركيا لدورها الإقليمي على ضوء التحولات والاصطفافات الجديدة في الشرق الأوسط. ويُعزز من هذه الاستراتيجية وجود قاعدة عسكرية تركية في الصومال، وهي أكبر قاعدة عسكرية لأنقرة في الخارج، ضمن خطتها في القرن الأفريقي لترسيخ وجودها العسكري.

وفي هذا السياق، سيكون لتدخل تركيا الأكثر جدية في الأزمة اليمنية مع قطر، تأثير كبير بلا شك على علاقات قطر مع الدول المحاصرة، بالإضافة إلى التأثير وتعقيد معادلات القضايا الأخرى، بما في ذلك الملف الليبي.