شهدت القارة الأوروبية مؤخرًا تصاعدًا للعمليات الإرهابية التي استهدفت عددًا من دولها؛ إذ شهدت العاصمة الفرنسية “باريس”، في 16 أكتوبر 2020، عملية قطع رأس مدرس تاريخ قام بها متطرف من أصل شيشاني، على خلفية عرض الأول صورًا مُسيئة للنبي “محمد” (ص) خلال حصة مدرسية، وتم تبني العملية من قبل جماعة إرهابية تطلق على نفسها جماعة “أنصار الشيشان”. كما شهدت مدينة “نيس” الواقعة في فرنسا، في 29 أكتوبر 2020، عملية إرهابية، إثر هجوم بسكين وقع في كنيسة “نوتردام”، ولم يتم تبني العملية من قبل أي تنظيم إرهابي. كما شهدت “فيينا” عاصمة النمسا في 3 نوفمبر 2020 هجومًا إرهابيًّا تبناه تنظيم “داعش”، حيثُ قام مسلحون بإطلاق النار في ستة مواقع مختلفة، ما أسفر عن سقوط عدد من الضحايا.

دعوات متكررة

على الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي يدعو فيها تنظيما “القاعدة” و”داعش” لاستهداف أوروبا، فإن الموجة الأخيرة تشهد تصاعدًا في حدة تلك الموجة. فقد أصدرت وكالة “ثبات” التابعة لتنظيم “القاعدة”، في 17 أكتوبر 2020، بيانًا أشار إلى تاريخ فرنسا الطويل في الحرب على الإسلام، وأثنى البيان على منفذ عملية “باريس”، وأكد على استمرار التنظيم في استهداف “الصليبيين” على حد وصفه. وفي 25 أكتوبر 2020، أصدرت الوكالة بيانًا تحت عنوان “دعوة إلى النفير في فرنسا للتصدي للحملة الصليبية”، حيث أكد البيان على “أن الأوروبيين بشكل عام، والفرنسيين بشكل خاص، كانوا وما زالوا شركاء الولايات المتحدة في البغي على أمة الإسلام”، كما دعا البيان أنصار التنظيم إلى تشكيل الكتائب والسرايا للهجوم على الأوروبيين بما يتوافر لهم من أسلحة.

وفي السياق ذاته، استمرت صحيفة “النبأ” التابعة لتنظيم “داعش” على النهج نفسه، حيث أشادت في عددها رقم 257 بمنفذ عملية “باريس”، وأكدت على تنوع الأدوات التي يمكن استخدامها في استهداف الأوروبيين، حيث تتنوع تلك الأدوات ما بين الطعن، والحرق، والدهس، واستخدام المواد الكيميائية. كما أشارت الصحيفة إلى كلمة “أبي محمد العدناني” التي حثّت على التوسع في استهداف الغرب. كما أكّدت في عددها الصادر، في 29 أكتوبر 2020، على أن الرد على الممارسات الأوروبية المتعلقة بإساءة للرسول تكون بالقتال والتنكيل بالأوروبيين عبر استهدافهم واستهداف استثماراتهم في بلاد المسلمين حتى يتوقفوا عن تلك الممارسات. وفي التوقيت ذاته أصدر تنظيم “داعش” إصدارًا مرئيًّا تحت عنوان “ذبوا عنه بقطع الرقاب”، حيث حث عناصره على “نصرة الدين” عبر استهداف الأوروبيين كما فعل “الشيشاني” منفذ عملية “باريس”، كما استعرض الإصدار مشاهد لعمليات ذبح سابقة قام بها عناصر التنظيم.

وفي مطلع شهر نوفمبر أصدر تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” بيانًا تحت عنوان “إذ لم تعينوا الرسول فقد أعانه الله”، حيث هاجم البيان الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، كما وصف “الشيشاني” منفذ عملية “باريس” بأنه “بطل شهيد”، ودعا المسلمين إلى “الثأر” وعدم التردد في “قتل” كل من يسيء إلى الرسول. وفي المقابل، احتفت صحيفة “النبأ” التابعة لتنظيم “داعش” في عددها رقم 259 بالعملية التي شهدتها “فيينا” على يد أحد عناصر التنظيم، مشيرة إلى أصداء ذلك الهجوم في وسائل الإعلام المختلفة.

دلالات متعددة

باستعراض العمليات السابقة يمكن الإشارة إلى عدة دلالات وملاحظات، وذلك على النحو التالي:

أولًا: أن العملية الأولى التي شهدتها “باريس” جاءت تطبيقًا لاستراتيجية “الذئاب المنفردة”، أما العملية الثانية التي شهدتها “نيس” فجاءت تطبيقًا لمفهوم “الإرهاب بلا قيادة”، غير أن العملية الثالثة التي شهدتها “فيينا” جاءت تطبيقًا لاستراتيجية “خلايا التماسيح” (وهي استراتيجية مرتبطة بتنظيم “داعش”، وتُشير إلى توظيف مجموعة من الخلايا النائمة لاستهداف أوروبا)، الأمر الذي يؤكد تنوع وتعدد الأنماط الحاكمة للعمليات الإرهابية في أوروبا.

ثانيًا: تَمكن خطورة نمطي “الذئاب المنفردة” و”الإرهاب بلا قيادة” في ضوء محددين رئيسين؛ يتعلق أولهما بصعوبة التنبؤ بهما أو توقعهما وذلك لأن العناصر التي قامت بتلك العمليات غير موجودة في النسق الهيكلي للتنظيمات الإرهابية، ولكنها تتبعها أيديولوجيًّا وفكريًّا، وقد ساعد الإنترنت بشكل أساسي في تعبئة وتجنيد هؤلاء. وينصرف ثانيهما إلى صعوبة القبض على باقي المتورطين في تلك العمليات بالرغم من سهولة القبض على الفاعلين، فهم ليسوا كالتنظيم التقليدي الذي يسهل الوصول إلى باقي أعضائه.

ثالثًا: تُشير العملية الأخيرة التي شهدتها “فيينا” إلى فشل برامج الدمج الاجتماعي في أوروبا، حيث خضع منفذ هجوم “فيينا” للجنة المراجعات الفكرية بعد محاولته السفر إلى سوريا للانضمام لتنظيم “داعش”، ونجح في إقناعها بأنه نبذ التطرف ولن يعود إليه، ما أسفر عن الإفراج المبكر عنه، بينما كان لا يزال منتميًا لتنظيم “داعش” ويخطط للهجمة الإرهابية. وتجدر الإشارة إلى تعدد الحالات والنماذج المختلفة التي فشلت فيها تلك البرامج في تحقيق أهدافها، وذلك نتيجة صعوبة نزع عقيدة التطرف والعنف التي تم غرسها في نفوس هؤلاء.

رابعًا: تباري تنظيمي “القاعدة” و”داعش” عبر بيان كلٍّ منهما في الثناء على منفذ عملية “باريس” والإشادة بما قام به، وحث عناصرهما على اتباع النهج نفسه لاستهداف الأوروبيين. إلا أن تعاطي “القاعدة” اختلف عن تعاطي “داعش”، حيث عمد الأول إلى الإشادة بالعملية، ودعوة عناصره لتنفيذ عمليات مماثلة، بينما قدم الثاني تصورًا على أنه صاحب الإلهام والتأثير على المنفذ، في رسالة مفادها أن “داعش” هو القائد لهذا النوع من العمليات.

خامسًا: من المُرجح تصاعد إرهاب اليمين المتطرف كرد فعل لتلك العمليات الإرهابية، حيث ستعزز تلك العمليات الشعور بالكراهية ضد المهاجرين والمقيمين من العرب خاصة المسلمين، نظرًا لزيادة تأثير حالة الإسلاموفوبيا. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى تعرض سيدتين مسلمتين للطعن في مدينة “باريس” تحت برج إيفل، في 21 أكتوبر 2020، في أعقاب حادث ذبح المدرس.

سادسًا: من المُحتمل استهداف المصالح الأوروبية في الدول الإفريقية من قبل تنظمي “القاعدة” و”داعش”، ولا سيما في ضوء دعوة التنظيمين إلى استهداف الأوروبيين والمصالح الأوروبية من ناحية، ونشر فرنسا قوات خاصة في مالي ومنطقة الساحل من ناحية ثانية، وتمدد تلك التنظيمات وتصاعد نشاطها في غرب إفريقيا من ناحية ثالثة.مجمل القول، من المُرجح أن يتصاعد استهداف أوروبا من قبل التنظيمات الإرهابية في المرحلة المقبلة عبر جملة متنوعة من التكتيكات والأنماط الإرهابية، ولا سيما في ضوء تصاعد التحديات التي تشهدها القارة الأوروبية، سواء على الصعيد الصحي حيث تفشي فيروس (كوفيد-19)، أو على الصعيد الاقتصادي حيث تفاقم حدة الأزمة الاقتصادية، أو على الصعيد السياسي حيث تزايد حدة أزمة اللاجئين، ومن ثم تُلقي كل هذه التحديات ظلالها على تصاعد وتفاقم التحديات الأمنية داخل القارة الأوروبية.