استهداف إسرائيل النساء والأطفال خطوة لتقويض الدعم المدني لحماس

مريم بنت وني الوهيبي

فشلت إسرائيل في مراحل مختلفة على قدرتها في التصرف كدولة، ولعل أبرز مظاهر هذا الفشل انتهاجها حرب العصابات على غزة، والذي تمثل في استهدافها المقصود للأطفال والنساء بشكل كبير، رداً على عملية طوفان الأقصى التي قامت بها حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، واستهدفت فيها مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في مناطق غلاف غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث أشارت الإحصائيات الأخيرة بحسب وزارة الصحة في غزة بأن هناك أكثر من 6546 شهيد نصفهم من النساء والأطفال، و17439 ألف جريح معظمهم كذلك من النساء والأطفال. إن ما تقوم به إسرائيل من حرب عصابات وتصفية جماعية للمدنيين العزل في غزة، تسعى من خلاله إلى القضاء على الدعم المدني لحماس، وبث الذعر والخوف لدى المدنيين بأن هذه الحرب مميتة للمدنيين العالقين في مسار الحرب، ومحاولة لدفع سكان غزة إلى إلقاء اللوم على حماس وقيادتها سبب قيامهم بعملية طوفان الأقصى، في الوقت الذي تعجز فيه حماس عن توفير الحماية اللازمة للمدنيين العزل في غزة، وتوفير أماكن أمنة للاختباء فيها من الغارات الصاروخية الإسرائيلية، فضلا عن نقص الإمكانيات الأساسية في غزة واستمرار الحصار عليها وعدم السماح للإمدادات الإنسانية في الوصول إلى غزة تواصل إسرائيل غاراتها المكثفة على قطاع غزة رغبة منها في زعزعة الأمن في القطاع وبث الخلاف بين حماس والشعب الفلسطيني داخل غزة، وبالتالي إذا تحقق لها هذا الامر فسوف يكون بمثابة الجبهة الداخلية لإسرائيل بداخل غزة، الامر الذي سوف يشكل ورقة رابحة بيد إسرائيل وسوف تكون مفيدة جدا في هذا الوقت الذي تلقى فيه إسرائيل ضغطاً شعبياً بسبب فشل المؤسسة العسكرية في التصدي لعملية طوفان الأقصى، ولم تستطع حتى هذه اللحظة أن تنتصر في معاركها مع حماس على المستوى العسكري، فقد كانت أغلب هجماتها موجهة على مواقع مدنية ومستشفيات ومراكز لمنظمات الإغاثة الإنسانية في قطاع غزة.

إن ما تقوم به إسرائيل من ابادة جماعية للمدنيين العزل وخاصة النساء والأطفال هو دليل قاطع على استرشاد إسرائيل بالإمبريالية الأمريكية وعدم مبالاتها بالقتل والدمار الشامل الذي لحق بشعوب العالم خاصة أعقاب صراعات الحرب الباردة وحروب ما بعد 1992 كما أن المتتبع لتاريخ السلوك العسكري الأمريكي على مدى الحروب يتضح له تفضيل أمريكا لأسلوب الإبادة الجماعية وقصف المدنيين، وذلك للقضاء على القوى القومية الثورية، والتي وصفها مراقبين دوليين وباحثين بأنها إرهابية وجرائم حرب . وهذا ما تقوم به إسرائيل في الوقت الراهن بدعم ومتابعة أمريكية. قد تكون تغيرت سياسة الولايات المتحدة في الاستهداف المتعمد والواسع النطاق للسكان المحليين في وقت الحرب، وخاصة بعد حرب فيتنام، والأرجح بسبب الشكوك المتزايدة خاصة داخل المؤسسة العسكرية حول فعالية قتل المدنيين ومراجعة مثل هذه التكتيكات، حيث يرى بعض القادة داخل الجيش الأمريكي بأن قتل المدنيين بأعداد كبيرة سواء بقصد أو بغير قصد كفيل بتعقيد الموقف العسكري من خلال اشتداد الحرب ورغبة الطرف الاخر في الانتقام، الامر الذي يدفع بالمدنيين للانضمام للقوات أو دعمها بأي شكل من الأشكال. تحاول إسرائيل الاستفادة من التكتيكات الامريكية في الحرب، وخاصة في ما يتعلق بالضربة القاضية أو الإبادة الجماعية التي تستهدف بها النساء والأطفال، وذلك رغبة منها في حفظ ماء الوجه أمام المجتمع الإسرائيلي حتى يستمر في تقديم الدعم المعنوي والمادي للجيش الإسرائيلي، ومحاولة لإنهاء الحرب بصورة سريعة، إضافة إلى رغبة قيادة الجيش في خفض اعداد القتلى بين الجنود الإسرائيليين، فحتى هذه اللحظة قتل ما لا يقل عن 1400 قتيل، من الجنود والمدنيين، وعدد 199 أسيراً لدى حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وبالتالي تسعى إسرائيل إلى عدم المجازفة بأرواح إسرائيلية من خلال الاجتياح البري الذي كان من المخطط له، لكن تم تأجيله، وفي واقع الامر لن تتحمل إسرائيل تكلفة تنفيذه، وإنما تحاول التلويح به كورقة ضاغطة على الشارع الفلسطيني لإثارة الهلع لدى العامة.

إن دور الرأي العام العالمي مهم في هذه المرحلة، والذي بدوره سيسهم في تكوين حالة عالمية تتهم إسرائيل برعاية أمريكية قيامها بجرائم حرب من خلال استهدافها الأبرياء وخاصة النساء والأطفال. لم تعد صورة الإرهابي متمثلة في مشهد تفجير شخص نفسه وسط جموع من الأبرياء فقط، وإنما قد يكون الإرهابي متمثلاً في أنظمة سياسية قمعية لديها صراع مع قوى مقاومة للاحتلال على أثره تقوم بقصف المدنيين بغارات جوية متواصلة تستهدف المستشفيات والمنازل والمدارس. وفي واقع الأمر، فأن إسرائيل لم تستهدف فقط المدنيين بل استهدفت وهدمت مخططاتها التي عملت عليها سنوات طويلة في سبيل تقبل فكرة وجودها في العالم العربي، لقد استهدفت غيبوبة الشعوب العربية عن القضية الفلسطينية وانشغالهم عنها فقد استفاقت الأمة العربية وأصبح الطريق الأن صعباً بكثير عن الماضي، الأمر الذي سوف يكلف إسرائيل سنوات طويلة وميزانيات ضخمة، ولن تنجح حتى بعد ذلك. إن تغييب الحكومات العربية للقضية الفلسطينية وخاصة في الخليج العربي لم ينجح هو . كذلك، فها هي ظهرت بقوه مجدداً على الساحة العامة، وعلى أثرها تشكلت مسيرات شعبية متضامنة مع الشعب الفلسطيني وما يتعرض له من تصفية جماعية وتهجير قسري وحصار، إن هذه الشعوب لم تخرج في مسيرات للمطالبة بحقوقها الأساسية التي نصت عليها دساتير بلدانها على الرغم من وجود مظالم كبيرة عليها في بلدانها، إلا أنها خرجت فقط لنصرة الشعب الفلسطيني ومطالبتهم لحكوماتهم بالتنديد بأفعال إسرائيل، ووقف التعامل معها ومع من يدعمها أصبح التحدي عظيماً أمام عمليات التطبيع، إن لم يتم وأد البعض منها أصلا!

مريم بنت وني بن عامر الوهيبي – سلطنة
عمان
تخصص إدارة نزاع وعمل إنساني من معهد
الدوحة للدراسات العليا

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14257

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *