الدكتور وليد عبد الحي

تواترت التقارير الاعلامية والدراسات السياسية في كل من الولايات المتحدة واسرائيل في الفترة الاخيرة باتجاه المراهنة على ” تفكك العلاقات” الروسية الإيرانية، وتبع ذلك اجترار وسائل اعلام عربية توجهات هذه التقارير، بل وراهن بعضها على ان التفكك قد بدأ فعلا.
غير ان تتبع شبكة العلاقات الإيرانية الروسية والتركيز على الاتجاه العام في المستويين العملي(الميداني) والنظري( التوجهات الأكاديمية والهيئات الاستشارية لصنع القرار ) يفرض المعطيات التالية:
أولا:النمط التقليدي للعلاقات الدولية:
من غير الممكن العثور على دولتين في العالم كله تتطابق مصالحهما تطابقا تاما، بل حتى الدول المتخاصمة كثيرا ما وجدت بينها ما يجمعها في لحظات تاريخية محددة، وعليه فان الاتكاء على تفاصيل العلاقة بخاصة التكتيكي منها واهمال الاتجاه العام الاستراتيجي هو نوع من عدم الاتساق المعرفي كما يقول فيستنغر، وقد لاحظت ان التقارير الغربية والاسرائيلية تحاول النفخ في بالونات التكتيك على حساب الاستراتيجي في هذه العلاقة بين البلدين.
ثانيا: البعد النظري:
ان متابعة ما يصدر عن الجهات الاكاديمية وعن المنظرين الروس الاكثر قُربا من دوائر القرار الروسي( مثل الكسندر دوغين بخاصة دراسته الموسومة : ” الأوراسية وايران والسياسة الخارجية الروسية ” والتي يؤكد فيها على أن ” الامبريالية الاقليمية الاسرائيلية المتعاونة مع الامبريالية الامريكية الكونية.. تستوجب ضرورة الدعم الروسي لإيران للعمل على لجم هاتين الأمبرياليتين”، بل إن دوغين يرى ان اسرائيل حليف جبهة النصرة(توتير)(سيبتمبر 2016 ) ، وهو نفس التوجه الذي عبر عنه الجنرال ليونيد أيفاشوف(Leonid Ivashov) و كافة اعضاء مركز الدراسات المسمى ” Izborsk Club” الذي يعد المكان الاكثر نشاطا في مواجهة اللوبي اليهودي في روسيا.
ثالثا: الاطار التنظيمي للعلاقة بين الطرفين:
يتمثل هذا الاطار في المؤسسات الدولية الاقليمية التي يتشارك فيها الطرفان او التي تشكل اطارا للتعاون من خلالها بالعضوية او احتلال مركز المراقب، وهو ما يتضح في منظمة شنغهاي( منذ 2005) والبريكس ، و دعوة ايران في عام 2007 للانضمام لمعاهدة الامن الجماعي (التي تأسست عام 1992 من روسيا ودول رابطة الدول المستقلة) ، واتفاقية التعاون العسكري بين روسيا وايران عام 2015 ، ومنتدى الدول المصدرة للغاز، والاتحاد الجمركي الأوراسي(2013)، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومنطقة التجارة الحرة الأوراسية..الخ، مما يعني ان العلاقة بين الطرفين أخذت تميل نحو التاطير وبالتالي الاستقرار المتوسط المدى على أقل تقدير.وتدعم عمل هذه المؤسسات من خلال كثافة الحوار الدبلوماسي بين الطرفين ، فخلال الفترة من 2014 الى 2019 التقى رؤساء البلدين 16 مرة، كما تحاور وزير الخارجية الايراني مع مسئولين روس 20 مرة.

رابعا:تنوع العلاقة وتناميها:
يمكن اعتبار الفترة من 2000(وصول بوتين للسلطة) الى المرحلة الحالية بانها مرحلة التحول الكبير في العلاقة بين الدولتين، رغم ان بوادر التحول الهام بدأت منذ 1995 بعد الاتفاق على بناء المفاعل النووي في بوشهر،وترافق ذلك مع الموقف الايراني المساند لروسيا في مواجهة النزعات الانفصالية الشيشانية خلال فترة التسعينات، ثم تعمقت العلاقة في التعاون الايراني مع روسيا لوقف الحرب الاهلية في طاجيكستان خلال الفترة 1992-1997، وبعدها اقدم بوتين وبشكل علني على الغاء اتفاق غور- تشيرنوميرديان عام 1995 والذي تعهدت فيه روسيا للولايات المتحدة بالتوقف عن بيع السلاح لايران ، وهو ما شكل مع مفاعل بوشهر تحولا استراتيجيا في الموقف الروسي، وتعزز هذا الاتجاه بعد قرار بوتين الثاني بالغاء تجميد قرار روسيا في عام 2010 بعدم بيع منظومة صواريخ اس اس 300، وبدأ تنفيذ التسليم في ابريل 2015. بل وصل الامر في اغسطس عام 2016 باستخدام روسيا لقاعدة همدان الايرانية لضرب مواقع للمعارضة السورية في داخل الاراضي السورية..ثم بدا البلدان في توسيع دائرة العلاقات بينهما، لاسيما في ثلاث دوائر مركزية هي : الدائرة الطاقوية، والدائرة الجيبوليتيكية، والدائرة التجارية ، وهو ما يتضح في التوقيع في نوفمبر 2018 على سبع مذكرات تفاهم تغطي قدرا كبيرا من الحقول الاقتصادية والصحية والتعليمة..الخ، ورافق ذلك ارتفاع حجم الصادرات الايرانية لروسيا في نهاية 2018 بمعدل 36% ( بلغت قيمتها 533 مليون دولار) بينما بلغت الصادرات الروسية لايران مليار و 207 مليون دولار ، وهو ما يعني ارتفاع عن العام 2017 بمعدل 2%، كما توافق الطرفان على عدم اعتماد الدولار في التجارة بينهما، وتم توقيع اتفاق تعاون طاقوي عام 2014 بهدف الوصول بهذا الاتفاق لحدود عشرين مليار دولار.
ولما كانت كل من روسيا وايران دولا مشاطئة لبحر قزوين – بكل ثرواته- كان لا بد ان تضع الدولتان اهمية لتنظيم هذه العلاقة بشكل يرضى به الطرفان.
خامسا:الاسلام السياسي المسلح:
معلوم ان المحكمة العليا الروسية في فبراير 2003 صنفت التنظيمات السنية ومنها حركة الاخوان المسلمين كحركات ” ارهابية” ، لكنها لم تشمل حزب الله في هذا القرار بل وتواصلت مع قياداته بشكل دائم ، وأبقت روسيا علاقاتها قائمة مع حركة حماس لخصوصية هذه الحركة ولعمق علاقاتها في تلك الفترة مع ايران.
سادسا: محاولات التأثير على العلاقة الروسية الايرانية:
: سعت اسرائيل بشكل دائم الى خلخلة واضعاف العلاقة الايرانية الروسية، وقدمت اسرائيل بعض التنازلات في هذا المجال على غرار ما فعلته بصمتها تجاه الأزمة الاوكرانية التي وقف الغرب كله فيها موقفا معاديا لروسيا، وهو امر غير منبت الصلة بالرغبة الاسرائيلية في توظيف روسيا في اخراج ايران وحزب الله من سوريا،لكن السفير الروسي في اسرائيل أناتولي فيكتروف(Anatoly Viktorov) قال وبوضوح تام بأن روسيا ” لا تستطيع اجبار ايران على مغادرة سوريا”(30 يوليو 2018)
سابعا : العمل على توظيف الارث التاريخي في العلاقة بين الطرفين التي يمكن اعتبار عام 1521- مطلع الفترة الصفوية- هي نقطة الارتكاز في بلورة هذه العلاقات ، واستحضار الفترات السلبية في هذه العلاقة مثل احتلال القوات الروسية لتبريز عام 1828(والتي انتهت في خاتمة المطاف بقيام جمهورية أذربيجان) وقبلها ارسال كاترين قواتها لمنطقة القوقاز الايراني عام 1796، او الحربين بين روسيا وايران في القرن التاسع عشر ( 1804-1813 و 1826-1828) والتي تم في نهايتها اغتيال السفير الروسي في طهران عام 1829، وصولا الى تلكؤ ستالين في الانسحاب من الاراضي الإيرانية عام 1946 ، او دعم الحزب الشيوعي الايراني(تودة) في الفترة السوفييتية،
ثامنا: الموقف المشترك ضد النفوذ الغربي في المنطقة: فكثيرا ما وظفت روسيا علاقاتها مع ايران للمقايضة مع الغرب وتكييف المواقف الغربية تجاه السياسات الروسية، ولكنها تستفيد من الدور الايراني بتوظيفه أحيانا كما هو الحال منذ التدخل الروسي في سوريا في سيبتمبر عام 2015، وهو جزء من التفكير الروسي للتعاون مع اية قوة تساهم في لجم وابعاد التمدد الاطلسي عنها، بينما تريد ايران الى جانب ذلك لجم التمدد السعودي لضمان فضاء اقليمي اوسع لسياستها وحرمان الولايات المتحدة من حلفاء أقوياء في المنطقة، وتدرك الدولتان ان الدبلوماسية الرعناء من قبل الولايات المتحدة في المنطقة ستدفع ايران وروسيا لمزيد من التقارب، وهو ما عبر عنه وبوضوح تام وكيلة وزارة الدفاع لشؤون الأمن الدولي كاترين ويلبارغر(Kathryn Wheelbarger) في مايو 2019، بل رأت ان ذلك سيؤثر على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ولعل ذلك –ربما- يقف وراء نزوع ترامب للانسحاب من المنطقة لجعل القيمة الاستراتيجية لايران في المنظور الروسي أقل أهمية، لكن التحركات العسكرية الامريكية في الخليج( ارسال بعض القطع الحربية ) يدفع ايران نحو مزيد من التقارب بينها وبين روسيا.

تاسعا: نقاط التباين: تتباين توجهات الدولتين في مواقف محددة مثل:
أ‌- في سوريا: الروس يرون دورا أوسع للمعارضة في روسيا بينما ايران تريد انتصارا عسكريا يجعل التفاوض بين النظام والمعارضة شكليا.
ب‌- هناك بعض التباين بين البلدين في اليمن(لاسيما بعد مصرع علي عبدالله صالح) وهو ما جذب روسيا نوعا ما باتجاه السعودية والامارات في هذه المنطقة،
ت‌- في افغانستان حيث تبدو ايران اكثر ميلا لتعزيز موقف طالبان مقارنة بروسيا التي تريد حلا تفاوضيا.
ث‌- التفاوض الامريكي مع طالبان في الدوحة هو محاولة لجذب طالبان نحو الخيار الروسي الامريكي في افغانستان بعيدا عن طهران
ج‌- تلكؤ روسيا حتى الآن في تسليم ايران منظومة الصواريخ اس اس 400، رغم ان هذه المنظومة تم الاتفاق على تسليمها قريبا لتركيا(العضو في حلف الاطلسي)، وهو تكريس للبراغماتية الروسية.
ح‌- هناك بعض الانباء( ربما) عن ابعاد القوات الايرانية عن القاعدة البحرية في طرطوس السورية حيث يتمركز الروس.
خ‌- ثمة بعض التباين في كيفية رد الفعل على خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الايراني .
عاشرا: : التغير في اشخاص القرار في كل من الدولتين:
قد يؤدي التغير في اشخاص القرار في أي من البلدين لتغير- في المدى المتوسط- في تكتيكات العلاقة لا في استراتيجيتها، وهو ما يتضح في ان العلاقة الايرانية الروسية في فترة رئاسة ميدفيديف(2008-2012) كانت أقل ” حرارة” منها في فترة بوتين.كما ان اختفاء المرشد الاعلى الايراني خامنئي قد ينطوي على بعض التغير ، رغم ان الايرانيين يعملون على تحييد هذا المتغير المستقبلي بوسائل داخلية مؤسسية.
أحد عشر: العلاقة مع الصين:
يدرك طرفا العلاقة الروسية الصينية الاستراتيجية لمواجهة النفوذ الغربي أنهما بأمس الحاجة لإيران، فروسيا تريد سوارا آمنا حول مجالها الحيوي الاوراسي ، والصين تدرك ان مبادرة الحزام والطريق تعبر ايران باتجاه افريقيا وغرب آسيا و أوروبا.
اثنا عشر: موقف الرأي العام في البلدين من العلاقة بينهما:
تشير استطلاعات الراي العام في البلدين ( ومن مؤسسات غربية مثل البي بي سي او مركز بيو او غالوب..الخ) الى ان 64% من الايرانيين ينظرون لروسيا بايجابية بينما 86 % من الروس ينظرون لايران بايجابية.
ماذا يعني كل ذلك؟
ان العلاقة الايرانية الروسية لن تتجاوز الخلاف التكتيكي الى خلاف استراتيجي، وان احتمالات تطور العلاقة الروسية الاسرائيلية على حساب العلاقة الايرانية الروسية هو أمر لا يتسق مع معطيات الميدان ولا مع معطيات النظرية الحاكمة للسياسة الروسية …ربما.

Print Friendly, PDF & Email