وليد عبد الحي
القراءة المتانية للخلفية الشخصية للرئيس العراقي ولرئيسي الحكومة والسلطة التشريعية لا تستبعد الاستعداد التام للتطبيع مع اسرائيل ، وهو ما يمكن اعتباره ” دُرة” تاج التطبيع بالنسبة لاسرائيل، لكن هذا التطبيع لن يكون بالرعونة الاعرابية بل سيكون اسيرا بين البوابة الكردية والبراغماتية التركية.
لم يعد سرا ان اقليم كردستان يفتح الأبواب تدريجيا للتغلغل الاسرائيلي، ويكفي النظر في الجوانب التالية:
1- يتمتع اكراد العراق بحكم ذاتي اقر به الدستور العراقي منذ 2003، وهم الافضل حالا قياسا لبقية اكراد الاقليم، وبدأ مسار تطورهم مع منطقة حظر الطيران عام 1991 التي منحتهم فرصة لتعزيز وضعهم في العراق، وبعد أن تراخت قبضة الحكومة المركزية على اقليم كردستان الذي تبلغ مساحته حوالي 72 الف كم2( 16% من مساحة العراق)، ومع عام 2003 تم اقرار الحكم الذاتي لاقليم كردستان بسكانه الذين يتراوح عددهم بين 5 الى 5.5 مليون نسمة.، ومع سقوط النظام العراقي شعر الأكراد ان الفرصة باتت مواتية لمزيد من تدعيم ” كيانيتهم” في مراكزها الكبرى في اربيل والسليمانية وكركوك وداهوك، ومع الاضطراب الذي اوجدته ” داعش” عام 2014 تزايد الدعم الاسرائيلي لقوات البيشماركة الكردية وبغض نظر من الولايات المتحدة ، وهو ما فتح شهية اسرائيل للحصول على البترول العراقي من كردستان، فخلال عام 2015 استوردت اسرائيل 77% من احتياجاتها النقطية من اقليم كردستان( وهو ما يعادل حوالي 240 الف برميل يوميا)، وتم نقل البترول عبر الانبوب الواصل بين آبار نفط كردستان وميناء جيهان (Ceyhan) التركي، وكانت الشركات الاسرائيلية مثل Vitol و Trafigura تنسق الامر مع السلطات التركية لنقل البترول العراقي الى مدينة عسقلان في فلسطين المحتلة ، ويتم نقل بعض البترول في عرض البحر من سفينة لاخرى ليواصل طريق ما يتبقى منه الى اسواق فرنسا وايطاليا واليونان بشكل رئيسي.
2- ادت التطورات السابقة الى توهم لدى الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود برزاني بامكانية الانفصال التام، وتم الاستفتاء عام 2017 ، وصوت الاكراد باغلبية كبيرة على الاستقلال عن العراق، وهنا طفا على السطح الهاجس التركي من أن يؤدي ” فيروس ” الانفصال للتفشي في المناطق التركية والايرانية والسورية ، فاغلقت الدول الاربع كافة المنافذ الكردية ، ولم تتمكن اسرائيل من انقاذهم من المأزق، ولم يبد ترامب التعاطف الكافي معهم الا في حدود مناورات تحوم كلها حول تطويق النفوذ الروسي والخنق السوري ، وانتهى مشروع الانفصال الكردي لفشل تام، بخاصة ان الحكومة المركزية استثمرت الوضع ووسعت مناطقها بخاصة في كركوك وحولها، وتم عقد اتفاق بين الاقليم والمركز بخصوص تصدير البترول بتنسيق مشترك مقابل زيادة اعتمادات الاقليم في الموازنة العامة المركزية.
3- تؤكد تقارير غربية متواترة(New Yorker magazine و BBC..وغيرهما) أن عسكريين اسرائيليين يشرفون على تدريب قوات البيشماركة ، ومنهم ضباط اكراد من الجيش الاسرائيلي ، حيث يبلغ عدد الاكراد في اسرائيل حوالي مائة وخمسون الف نسمة. كما ان عمليات التجسس والتعاون الامني متواصلة منذ بدأ في الثمانينات من القرن الماضي ، وهو ما اكده رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق مناحيم بيغن، وهناك تنسيق بين الموساد والاستخبارات الكردية المسماة ” باراستين)( Parastin)
4- معلوم ان العلاقة بين اسرائيل والاكراد تعود لعام 1961، واخذ طابعا رسميا معلنا عام 1964 من خلال كمران علي بدرخان ، واستمر حتى عام 1973، ثم تم اجهاض التمرد الكردي في كردستان العراق بعد اتفاقية الجزائر حيث لجم شاه ايران المساعدات للأكراد.
المشهد الكردي الراهن:
1- تبدو كردستان ايران هي الاقل نشاطا حاليا بسبب السيطرة المحكمة للحكومة الايرانية.
2- اما اكراد سوريا فينقسمون الى تيارات اهمها وحدات حماية الشعب الاقرب في توجهاتها لحزب العمال الكردستاني التركي، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)
بناء على ما سبق، فليس للاكراد حلفاء موثوق بموقفهم الا اسرائيل ” وامريكا في حدود تتضيق وتتسع طبقا لتطورات الوضع “، وربما تضحي بهم اسرائيل تحت ضغط عوامل اهمها:
أ‌- ان تركيا هي الشريك التجاري الاكبر لاسرائيل ، وهو امر مهم لاسرائيل. وقد تستغل اسرائيل علاقاتها الجديدة مع الامارات لتعويض اي نقص في امدادات النفط من اقليم كردستان وبالتالي تقليص الاعتماد الاسرائيلي على هذا النفط، بخاصة في ظل المماحكة الاماراتية التركية.
ب‌- عودة السفير التركي لاسرائيل منذ 2016 امر تحرص اسرائيل عليه
ت‌- عضوية تركيا في حلف الاطلسي يفرض على بقية الأعضاء العمل على استقرار كل عضو، وهو امر قد يدفع دول الاطلسي –او بعضها- للضغط على اسرائيل لوقف مساندتها للأكراد.
وعليه، على الاكراد ان يعيدوا النظر في حساباتهم في سوريا والعراق وكل من تركيا وايران…إذ يبدو ان الجيوبولتيك سيدفن كل طموحاتهم ، فهم على انفراد او ككتلة كردية اقليمية يمثلون كيانا محصورا ليس له أي منفذ ، مما يجعل خنقهم امرا متاحا للدول الاقليمية الاربع ..بغض النظر عن مدى قانونية ذلك ام لا..وعليه على اكراد كل دولة ان يعود لحضن دولته…لا لأن ذلك حق ، بل لأن ذلك واجب