أ. حصين علوان المقدمة

ثمة حقيقة أساسية هي أن ضرورات التحديث السياسي في الوطن العربي، لاتنبع من الحاجة للديمقراطية والمشاركة السياسية، بقدر ما تنبع من الحاجة لوضع الحلول والمعالجات الأزمة الحكم التي لازمت الدولة العربية حتى الوقت الحاضر، ولاشك أن ضرورات التحديث السياسي، ليس وليدة الوقت الحاضر وقد جرت محاولات تحديثية عديدة، ولم تفلح كل هذه المحاولات في وضع التسوية النهائية لأزمة الحكم، كونها محاولات جزئية، لم تتناول المسببات الحقيقية للأزمة، وإنما اكتفت بمعالجات فوقية على صعيد البنية السياسية الدولة العربية . أخر هذه المحاولات إنطلقت في بداية الثمانينات من القرن الماضي، بالأنعطاف الديمقراطي التي شرعت به آغظب النخب الحاكمة العربية، إلا أنها لم تصل أعماق الأزمة، ولم تثمر إلا عن إنفتاح ديمقراطي، بدا وكانه إجراء سياسي الإحتواء الأزمة الضاغطة عليها، وتفادي مخاطر تصاعدها، واحتمالات تحولها إلى أعمال عنيفة لم تتوصل كل السياسات والبرامج التحديثية العربية، إلى تشخيص دقيق للأزمة من ناحية كونها، أزمة الدولة العربية، التي أنتجت ثقافة سياسية رعوية متخلفة، تحبط المشاركة السياسية ولا تشجع على الديمقراطية وتنمي الدكتاتورية وتحرض على التسلط السياسي . ومما زاد في تعقيد الأزمة رفض النخب الحاكمة العربية، مطالب القوى والأحزاب والحركات السياسية، لإعادة بناء الثقافة السياسية على أساس ديمقراطي يضمن المشاركة السياسية للمواطنين، من خلال التحول الديمقراطي المؤسسي، وعن طريق إحباط الدعوات والمساعي على هذا الصعيد، عملت النخب الحاكمة، على إعادة إنتاج أسباب الإخفاق السياسي و عوامل الأزمة السياسية من المعروف، أن بناء ثقافة سياسية مشاركة، يساعد على تكريس الممارسة الديمقراطية وينمي المشاركة السياسية ويشجع على تكوين مؤسسات المجتمع المدني، وإن غيابها يعرقل التحول الديمقراطي ويعيق المشاركة السياسية وتاتي هذه الدراسة، بغية تحليل أزمة الدولة العربية وأثرها في بروز إشكالية بناء ثقافة سياسية مشاركة من خلال تناول الأسم المطلوبة لهذه الثقافة ودوافع العمل على بناؤها والأهداف المرجوة منها فضلا عن الكوابح المعرفة لهذا البناء .

المفاهيم بلا ادنى شك، إن للثقافة السياسية ، تأثير كبير على النظام السياسي بوجه خاص والحياة السياسية بوجه عام، إذ تنفع الأفراد والجماعات، أما باتجاه الانخراط بالنظام السياسي، أو تنفعهم باتجاه اللامبالاة والسلبية السياسية وحسب تقدير ( ألموند و فیربا) إن التوافق بين الثقافة السياسية والبنية السياسية، ضروريا لتأمين إستمرار النظام السياسي، فإذا حصل التفاوت بينهما يتلكا النظام ويتعرض حينئذ للزوال، ومع ذلك لا يكون التوافق کاملا على الدوام لعدم إمتلاك الثقافة السياسية التجانس الكامل، فالثقافة السابقة لا تقوض كليا ولا تستبدل إستبدالا كاملا بثقافة جديدة 1). بيد أنه وبرغم غياب التوافق الكامل بين الثقافة السياسية والبنية السياسية، يستمر التوافق بينهما على أي مستوى كتعبير عن التكامل بين بني المجتمع المختلفة لكل نمط من الثقافة السياسية ما يقابله من البني السياسية، أو ينمو ويتطور في ظله، ولا يمكن بناء بنية سياسية معينة خارج إطار البناء الثقافي السائد في المجتمع ومن دون التلازم بين الثقافة السياسية والبنية السياسية، يتعرض النظام السياسي للخطر ويتهدد بالسقوط والتلاؤم بينهما شرط أساسي للإستقرار السياسي . الثقافة السياسية، بصفة عامة، تمثل النمط الخاص من التوجهات نحو المسائل والموضوعات السياسية، وليست هذه التوجهات إلا محصلة إستعدادات مسبقة التصرف السياسي، تتولد عن عوامل محددة مثل التقاليد والميراث التاريخي والدوافع والمعايير وكتلك العواطف والرموز ويمكن إجملها بالعناصر والمكونات الأتية:

1. الجانب المعرفي مثل الإدراك أو الوعي بالنظام السياسي

2- الجانب العاطفي كالإنطباع والتاثير…

تحميل الدراسة