دراسات أمنيةدراسات استراتيجية

اضطرابات قادمة: حسابات المخاطر والفرص في أسواق الطاقة العالمية عام 2022

د. سيريل ويدرسهوفن - إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

سيشهد عام 2022 المزيد من الاضطرابات في قطاع الطاقة العالمية لجميع الأطراف؛ حيث تتباين تقديرات أسواق النفط الأساسية، ويظل الطلب على النفط الخام عاملاً حاسماً. ويشعر منتجو النفط الخام بالقلق تجاه متحور أوميكرون الجديد لفيروس كورونا الذي دمر بالفعل أسواق الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، وما قد يحدثه من تداعيات خلال العام المقبل، ولكن ما زال هناك تفاؤل وسط شعور قوي بصعود الأسواق على الرغم من أن أسعار النفط تشير إلى عكس ذلك في الوقت الحالي.

تحديات مستمرة

كان عام 2021 مضطرباً للغاية في قطاع الطاقة؛ لاعتبارات تتعلق بجائحة كورونا التي قوضت نمو الأسواق الكبيرة، والارتفاع غير المتوقع على طلب النفط الخام والغاز الطبيعي، وهو الأمر المتوقع استمراره في عام 2022، في ظل عدد من التحديات القائمة، وأبرزها ما يلي:

1- صراع “أوبك+ بايدن” على تحديد أسعار النفط: هناك محاولات شاقة من أوبك+ لتحقيق الاستقرار في السوق، في ظل تأثر أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الكبار (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين)، بتحولات نقص المخزون؛ ما تسبب في “أزمة الطاقة” (Energy Crunch). بجانب ارتفاع الطلب على مصادر الطاقة التقليدية في الأسواق العالمية مع تراجع الإنتاج المحلي والمخزون، كما أصبحت أسواق النفط الخام أكثر حساسية تجاه التأثيرات السياسية، بالنظر إلى المواجهات الصاعدة بين إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن وأوبك+؛ حيث طالب “بايدن” قادة أوبك+ بإنتاج المزيد من النفط الخام لتقليل أسعار النفط والغاز بوجه عام،من دون استجابة لاعتقادهم بتشبع السوق.

2- ارتباط قطاع الطاقة بسياسات تغير المناخ: تلعب قضايا تحول الطاقة وسياسات تغير المناخ دوراً مهماً في هذا الملف مع عدم طرح محادثات مؤتمر الأطراف السادس والعشرين حول تغير المناخ التابع للأمم المتحدة (COP 26) في جلاسكو بالمملكة المتحدة، لأدوات جديدة لتحقيق اقتصاد قليل الكربون أو خالٍ من الكربون، على الرغم من توصّل المشاركين إلى تفاهمات كبيرة حول دور الحكومات والصناعات في الوصول إلى مستويات منخفضة الكربون في المستقبل. فقد ركزت الأغلبية العظمى من منتجي أوبك، جهودها على دعم هدف صفرية الكربون. وأعلنت السعودية والإمارات استراتيجية لتحقيق صفرية الكربون بين عامي 2050 و2060، كما عززت شركات النفط والغاز التزاماتها تجاه تحقيق هذا الهدف، ومنهم أرامكو السعودية، وبترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، وإكسون موبيل، وشل وتوتال. وشهد مؤتمر الأطراف السادس والعشرين انقسامات متزايدة بين الدول المنتجة والمستهلكة على الرغم من أجواء التفاؤل التي سادت الحدث. وأعربت الدول الإفريقية عن حذرها من التحولات الجذرية في الطاقة لتخفيض الانبعاثات التي طالبت بها الدول الغربية المستهلكة للكربون؛ حيث إن ذلك سيقوض خططها المستقبلية للتنمية والنمو الاقتصادي.

3- تقديرات متباينة بشأن تأثير الجائحة على قطاع الطاقة: قامت المؤسسات الرقابية الكبيرة على أسواق الطاقة بتحديث توقعاتها لعام 2022، ومنها الوكالة الدولية للطاقة وإدارة معلومات الطاقة في الولايات المتحدة وأوبك. ورفعت أوبك توقعات الطلب بوجه عام إلى 1.1 مليون برميل يومياً، بينما أعربت الوكالة الدولية للطاقة وإدارة معلومات الطاقة عن شكوكهما تجاه ارتفاع الطلب في الربع الأول من 2022 بسبب أوميكرون. والسبب أن أوبك ترى تأثير أوميكرون ضئيلاً وقصير المدى. وتتوقع منظمات أخرى نمواً اقتصادياً عاماً بسبب التطورات الاقتصادية المحتملة في آسيا. وتدعم الصين والهند توقعات أوبك بأن الطلب على النفط الخام قد يرتفع في 2022 إلى 5.3 مليون برميل يومياً، في تماثل مع توقع إدارة معلومات الطاقة. ويصدر التوقع السلبي الوحيد للأسواق عن الوكالة الدولية للطاقة التي توقعت انخفاضاً للطلب خلال العام، وتوقعت انخفاض 630 ألف برميل يومياً من الطلب خلال الربع الأول من العام بسبب تراجع الطلب على وقود الطائرات أو الكيروسين.  

وتعتبر تلك التوقعات منتشرة؛ حيث تتنوع الآراء بين البنوك الدولية مثل جولدمان ساكس ودي بي مورجان، فيرى بعضها أسعاراً مخفضةً للنفط الخام في 2022، بينما يرى البعض الآخر وصول سعر البرميل إلى بين 100 و150 دولاراً أمريكياً، ولكن من غير المتوقع العودة إلى مستويات 2020 على الإطلاق. وقد ترتفع أسعار النفط بقوة إذا عادت “العقلانية” إلى الأسواق، ولكن هناك مخاوف بشأن نقص الاستثمارات وقيود التوريد والأخطار الجيوسياسية المتعلقة بإيران وأوكرانيا أو حتى الصين وتايوان. ومن المتوقع أن يكون التركيز الأساسي في مصادر الطاقة الكربونية على أسواق الغاز العالمية، على عكس 2021. وتشير أزمة الطاقة الأوروبية إلى أن العرض والطلب بصدد مواجهة قوية.

4- توظيف روسيا قطاع الطاقة لتحقيق أهداف سياسية: يشكل تسييس تجارة السلع الذي تتبعه روسيا، والتناقض بين التأثير المتوقع لمصادر الطاقة المتجددة على أسواق الطاقة العالمية؛ أزمة واسعة النطاق للدول الغربية، كما اتضح أن زيادة الاستثمارات في الطاقة الشمسية والرياح، وترك إمدادات الغاز الطبيعي للاعبي السوق من أبرز الأسباب وراء حالة عدم الاستقرار السائدة في أسواق الطاقة الكبيرة. وتواجه الدول الأوروبية نقصاً مطوّلاً في إمدادات الغاز؛ ليس بسبب الصراعات الجيوسياسية مع روسيا فحسب، بل أيضاً بسبب عدم ملاحظة ضعف مخزون وإمداد الغاز الطبيعي.

في سياق آخر، عزز النمو الاقتصادي العالمي غير المتوقع الطلب على الغاز الطبيعي إلى مستويات تاريخية وبوتيرة أسرع من العرض. ودفع نقص الإمداد الروسي والصراعات السياسية، بالإضافة إلى انخفاض الإنتاج المحلي، مثل ما حدث في حقل جروننجن الهولندي وفي النرويج؛ أسعار الغاز الطبيعي إلى مستويات غير متوقعة. ويذكر أن آسيا شهدت أيضاً ارتفاعاً كبيراً في الطلب، بدعم النمو الاقتصادي للقارة ورغبة الصين واليابان في دفع أسعار قياسية لشراء الطاقة. ومن المتوقع أن تكون هناك منافسة حادة بين الأسواق للأحجام-for volumes خلال 2022، خاصة إذا احتدت الصراعات الجيوسياسية. 

5- استمرار الفجوة بين العرض والطلب بأسواق الطاقة: قد يصبح عام 2022 أول اختبار حقيقي للعرض والطلب على الطاقة؛ حيث إن الطلب على الطاقة في ظل النمو الاقتصادي يفوق العرض بكثير؛ ما سيصعب الحفاظ على الأسعار المنخفضة. وربما تدفع الصراعات الإقليمية والدولية المحتملة الأسواق نحو أزمة شاملة بالنظر إلى مستوى الأسعار، كما ستتجلى تداعيات مستويات الاستثمار المنخفضة خلال العقد الماضي في التنقيب عن الهيدروكربونات وإنتاجها من المنبع. ومن المتوقع أن يشهد 2022 انخفاضاً محتملاً في إنتاجية الهيدروكربونات في الدول غير الأعضاء في أوبك، أهمها إفريقيا، بينما يعاني الكثير من منتجي أوبك+ من صعوبات في الحفاظ على مستوى الإنتاج المتفق عليه. ولن تكفي الزيادة في الإنتاج من قبل السعودية والإمارات لتحقيق الاستقرار في الأسواق ما دامت هناك شكوك حول السعة الإنتاجية الاحتياطية. وبالإضافة إلى ذلك، لن يغطي الإنتاج الزائد للطاقة المتجددة النقص في العرض؛ وذلك بسبب قلة خيارات التخزين وعدم الاستقرار بسبب التقطع.

استجابات خليجية

بالنظر إلى دول مجلس التعاون الخليجي، فإن هناك عدة قضايا مطروحة على الطاولة، أهمها محاولات السعودية والإمارات -وهما أكبر قادة منتجي أوبك- زيادة السعة الإنتاجية بإضافة مليونين إلى 3 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2025، بالإضافة إلى بروز الحاجة للنفط الخام وأسعار الغاز في ظل مساعي تنويع الاقتصاد بمشاريع تتطلب رؤوس أموال ضخمة. إن تمويل هذه المحاولات لإعادة تشكيل اقتصادات الدول الخليجية مطلوب، ولكنه سيواجه بعدة عقبات ضخمة، متمثلة في التضخم المحتمل أو إنهاء التسيير الكمي في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الذي سيؤثر على الأسواق الخليجية أيضاً.

وستشهد دول مثل السعودية والإمارات تنوعاً كبيراً في مصادر الطاقة كما اتضح في 2021، وسيكون هناك اهتمام أكبر بالتحول إلى اقتصاد خالِ من الكربون والاستثمار في مشاريع ضخمة للطاقة المتجددة، وهو ما برز من خلال دمج شركات مبادلة وطاقة وأدنوك لخلق أكبر شركة طاقة متجددة في أبوظبي. وسيتبين كذلك خلال العام المقبل مدى إمكانية تنفيذ خطط ومشاريع “الهيدروجين الأخضر”. وبلا أدنى شك، ستكون هناك نتائج إيجابية من إنتاج الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين، ولكن هناك العديد من العقبات الحالية في هذا الشأن مرتبطة بسعة الشبكة، بل بالطلب أيضاً. ويعتبر الهيدروجين مصدراً أولياً ليس له سوق ولا يوجد طلب عليه، على الرغم من ارتفاع الآمال إقليمياً ودولياً بشأن إمكاناته، إلا أن الحقيقة لا تزال تناقض ذلك.

وأخيراً؛ ستظل دول التعاون الخليجي معتمدة على المصادر الهيدروكربونية بدرجة كبيرة في المستقبل القريب مع إمكانية زيادة إنتاج النفط والغاز والتركيز على الخيارات غير التقليدية. وقد يغير مشروع “الجافورة” الضخم، غير التقليدي، الذي يكلف مليارات الدولارات الأمريكية في السعودية، قواعد اللعبة والذي يمكن أن يتبعه خلال العام تنقيب وإنتاج بحريان محتملان للصخر الزيتي (حقل الخليج) الأول من نوعه، في البحرين، وستظل الجدوى المادية والجاذبية التجارية مرتبطة بتطورات أسعار الهيدروكربونات والأخطار الجيوسياسية التي تلوح في الأفق.

5/5 - (1 صوت واحد)

(Read more)  منطقة تزاحم الاستراتيجيات بين الطاقة والصراعات: رؤية مستقبلية

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى