شكلت تجارة المخدرات واحدة من تهديدات الأمن غير التقليدية التي تواجهها العديد من الدول في السنوات الأخيرة؛ وذلك في ظل تصاعد هذه التجارة. ولعل هذا ما كشف عنه التقرير الصادر في 27 يونيو 2022، عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، حول تجارة المخدرات 2022، الذي قدم لمحة عامة عن الاتجاهات الحالية في أسواق المخدرات العالمية، وتضمن أحدث المعلومات عن تعاطي المخدرات وإنتاجها والاتجار بها. كما حاول التقرير الربط بين الأزمات الدولية القائمة واتجاهات تجارة المخدرات؛ حيث يرجح أن تؤدي الحرب الأوكرانية إلى تصاعد تجارة المخدرات خلال العام الجاري، كما أن الصراعات التي تشهدها عدد من الدول قد تمثل عامل جذب لتصنيع المخدرات ومحفزاً نحو مزيد من الاتجار فيها.

مؤشرات متصاعدة

ثمة مؤشرات تؤكد تصاعد تجارة المخدرات حول العالم وفق أحدث بيانات صادرة عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، ويمكن تسليط الضوء عليها فيما يأتي:

1– زيادة كبيرة في إمدادات الكوكايين إلى أوروبا: وصل إنتاج الكوكايين النقي عالمياً إلى مستويات قياسية في عام 2020، بنحو 1982 طناً؛ وذلك بزيادة قدرها 11% عن عام 2019، وهي بذلك زيادة بأكثر من الضعف منذ أدنى مستوى لها في عام 2014. ولعل الموانئ في كل من كولومبيا والإكوادور والبرازيل، تعد نقاط الانطلاق المهمة لأوروبا، كما أن الموانئ البحرية الأوروبية الرئيسية هي بمنزلة بوابات لسوق الكوكايين؛ الأمر الذي يسهل بدوره عمليات تدفق الكوكايين حول العالم. وفي هذا الإطار، ترجح بعض التقارير أن تستمر الزيادة الكبيرة في إمدادات الكوكايين إلى أوروبا خلال السنوات القليلة القادمة.

2– زيادة أعداد متعاطي المخدرات عالمياًارتفع أعداد الذين يتعاطون المخدرات في جميع أنحاء العالم في عام 2020، بحسب ما أفاد به مكتب الأمم المتحدة، ليصل إلى نحو 284 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، ويدمن أكثر من 6 ملايين فرد منهم، المخدرات الاصطناعية المعروفة باسم “المواد الأفيونية”، فيما استخدم ما يقرب من 34 مليون شخص مادة مخدرة من نوع الأمفيتامين، ونحوا 20 مليوناً استخدموا عقار النشوة، ونحو 21 مليوناً تعاطوا الكوكايين.

3– ارتفاع استهلاك القنب ليكون العقار الأكثر استخداماًيعد القنب العقار الأكثر استخداماً في العالم، وقد زاد استخدامه في عام 2020 ليصل عدد مستخدميه إلى 209 ملايين مستخدم؛ وذلك بزيادة قدرها 23% عن العقد الماضي؛ إذ إنه رغم محاولات تقنين ذلك العقار لايزال يمثل واحداً من أكثر أنواع المخدرات جذباً للشباب وأكثرها خطورةً.

4– نمو إنتاج الأفيون عالمياً: شهد إنتاج الأفيون في جميع أنحاء العالم، الذي يصنع منه الهيروين، ارتفاعاً بنسبة 7% في الفترة بين عامي 2020 و2021 ليصل إلى نحو 7930 طناً، ولعل ذلك يرجع في الغالب إلى زيادة الإنتاج في أفغانستان؛ إذ تغطي كل من أفغانستان وميانمار والمكسيك نحو 95% من أفيون العالم، ولعل ذلك ما يفسر نمو إنتاج الأفيون رغم تقلص المساحة العالمية المزروعة بخشخاش الأفيون بنسبة 16% لتصل إلى 800 246 هكتار في الفترة ذاتها.

5– ارتفاع حجم المضبوطات من المخدرات: مقابل الارتفاع الكبير في إنتاج وتهريب المخدرات، زادت مضبوطات الكوكايين في عام 2020، إلى مستوى قياسي، قُدر بنحو 1424 طناً في عام 2020. ووفق ما تشير إليه بيانات المضبوطات، فإن الاتجار بالكوكايين آخذ يتوسع ليشمل مناطق أخرى خارج الأسواق الرئيسية لأمريكا الشمالية وأوروبا، ليشمل كلاً من أفريقيا وآسيا. كما أظهر مركز المراقبة الأوروبي للمخدرات والإدمان، أن الاتحاد الأوروبي قد تمكن من ضبط 213 طناً من الكوكايين في عام 2020، محطماً بذلك الرقم القياسي المسجل في عام 2019 بنحو 202 من الأطنان.

فيما شهد الاتجار بعقار الميثامفيتامين توسعاً جغرافياً في عدة دول حول العالم، وهو ما أظهرته البيانات التي أصدرتها تلك الدول للإبلاغ عن مضبوطات من ذلك العقار، التي بلغ عددها نحو 117 دولة في الفترة بين عامي 2016–2020، مقابل 84 دولة فقط في الفترة بين 2006–2010، وقد زادت كميات الميثامفيتامين المضبوطة خمسة أضعاف في الفترة بين عامي 2010 و2020.

سياق محفز

لا ينفصل تصاعد تجارة المخدرات عالمياً عن السياقات الدولية الراهنة، التي تضطلع بدور ما في تحفيز هذه التجارة، وخصوصاً مع الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تعاني منها أكثر من دولة، والصراعات الممتدة التي ساهمت في تآكل سلطة الدولة في أكثر من حالة. وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى عدد من العوامل الرئيسية المؤثرة في تجارة المخدرات:

1– نفوذ عصابات الاتجار بالمخدرات في أمريكا الجنوبية: لا تزال عدد من دول أمريكا الجنوبية مصدراً رئيسياً لتجارة المخدرات عالمياً؛ حيث يرتبط تصاعد تجارة المخدرات في أمريكا الجنوبية بدرجة كبيرة بتفشي العنف وارتفاع معدلات جرائم القتل، بل إن عصابات الاتجار بالمخدرات هي السبب الرئيسي وراء انتشار الجريمة والعنف في دول أمريكا الجنوبية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن كلاً من كولومبيا والإكوادور وفنزويلا تهيمن على 48% تقريباً من حجم التجارة مع أوروبا، فيما تستحوذ البرازيل وبوليفيا وبيرو على 41٪ من المواد المهربة إلى أوروبا. ووفق تقرير الأمم المتحدة، فإن الموانئ الصغيرة في شمال البرازيل تتجه نحو اكتساب أهمية متزايدة في نقل شحنات الكوكايين إلى أوروبا.

2– تزايد الطلب على المخدرات في دول الاتحاد الأوروبي: ظل الاتجار في العقارات المخدرة، وعلى رأسها الكوكايين، في عام 2020، محافظًا على أدائه بل تجاوز مستويات ما قبل الجائحة في الاتحاد الأوروبي، ويدلل على ذلك عدد جرائم المخدرات المبلغ عنها في عام 2020 في الاتحاد الأوروبي التي قدرت بنحو 1.5 مليون جريمة، بزيادة بنحو 15% منذ عام 2010، ولعل أكثر من نصف تلك الجرائم يتعلق بالاستخدام أو الحيازة الشخصية للمخدرات، فيما بلغ عدد الوفيات الناجمة عن تعاطي المخدرات في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي نحو 5796 في عام 2020، مع متوسط ​​عمر 41 عاماً.

ويلاحظ في هذا الإطار، أن الشبكات الإجرامية الأوروبية تعتمد في تعزيز كفاءة إنتاجها على خبرة نظيراتها في مناطق أمريكا اللاتينية المنتجة للمخدرات؛ الأمر الذي يخلق حالة من التعاون بين الشبكات الإجرامية المنتجة والمهربة للمخدرات، بما يستدعي توسع أسواق المخدرات في جميع دول الاتحاد الأوروبي.

3– استمرار أهمية تجارة الأفيون في أفغانستان رغم الحظر: وفق وكالة المخدرات التابعة للاتحاد الأوروبي، فإنه رغم الحظر المفروض على إنتاج المخدرات غير المشروعة وبيعها والاتجار بها في أفغانستان، فإن زراعة خشخاش الأفيون لا تزال مستمرة في الدولة، ولعل الوضع المالي الصعب في أفغانستان منذ سيطرة طالبان على كابول، قد جعل من عائدات الاتجار في الأفيون وتهريبه إلى أوروبا مصدراً رئيسياً لدخل الحكومة الأفغانية وأحد دعائم بقائها في السلطة في ظل التحديات الاقتصادية والضغط الدولي الذي تواجهه.

4– الانعكاسات الممتدة للصراع داخل سوريا: تشير العديد من التقارير إلى الدور الهام الذي اضطلع به الصراع السوري في تعزيز شبكات تهريب المخدرات؛ حيث نشطت عمليات تصنيع حبوب الكبتاجون المخدرة في أماكن خارجة عن سيطرة الدولة داخل الأراضي المحاذية للحدود اللبنانية السورية؛ وذلك عقب تفجر الأزمة السورية عام 2011.

وهكذا بدا أن عملية تصنيع هذا المخدر، الذي تعد سوريا من أهم مناطق إنتاجه عالمياً، تخضع لتكتلات مشتركة من مجموعات سورية وأخرى في بعض دول الجوار. ولا يمكن إغفال أن هذا الطابع العابر للحدود لعملية تصنيع المخدرات ساهم في تصاعد تجارة المخدرات، وخصوصاً أن عمليات التهريب التي أحبطت خلال السنوات الماضية تكشف عن درجة من الاحترافية وارتباط عمليات التهريب بشبكات موسعة ربما يكون لها فروع في مناطق مختلفة. ويعزز هذه الفرضية، طرق التهريب المبتكرة التي تستخدمها شبكات التهريب في إخفاء المخدرات، على غرار الأفران وشحنات الفاكهة.

5– الزيادة الملحوظة في عدد المختبرات السرية في أوكرانيا: شهد عدد المختبرات السرية المبلغ عنها في أوكرانيا، ارتفاعاً كبيراً من 17 مختبراً في عام 2019 إلى 79 في عام 2020، من تلك المختبرات 67 مختبراً كانت مخصصة لصناعة الأمفيتامينات، وهو بذلك ارتفاع من خمسة مختبرات في عام 2019، ليمثل أكبر عدد من المختبرات المفككة المبلغ عنها في أي دولة حول العالم خلال عام 2020. وفي هذا السياق، ربما تفضي الحرب الأوكرانية إلى تزايد نشاط إنتاج وصناعة المخدرات داخل أوكرانيا.

6– بحث الميليشيات المسلحة عن مصادر تمويل: مع تفكك سلطة الدولة في عدد من المناطق، وتصاعد نفوذ بعض الميليشيات المسلحة، وكذلك التنظيمات الإرهابية، باتت تجارة المخدرات أحد المصادر الهامة لتمويل نشاط هذه الميليشيات؛ فعلى سبيل المثال، أشارت العديد من التقارير إلى اتجار ميليشيا الحوثي في اليمن، خلال السنوات الماضية، في الحشيش على اعتبار أنه يمنح الميليشيا مصادر تمويل إضافية، وهو ما يعني تعزيز القدرات العسكرية للميليشيا وإطالة أمد الصراع اليمني. وبالرغم من صعوبة تقدير الأموال التي حصلت عليها الميليشيا من المخدرات، فإن بعض التقارير تشير إلى حصولها على أموال طائلة من عمليات التهريب.

7– تبني تكتيكات جديدة لتجارة المخدرات في أمريكا الشمالية وجنوب آسيا: تعد كل من أمريكا الشمالية وجنوب شرق آسيا أكبر سوقين لعقار الميثامفيتامين المخدر؛ فبحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فإن المضبوطات من عقار الميثامفيتامين قد ارتفعت بنسبة 7% في عام 2020 في أمريكا الشمالية مقارنة بعام 2019، بينما زادت المضبوطات في جنوب شرق آسيا بنسبة 30% عن عام 2019، وهي مستويات قياسية في كلتا المنطقتين. كما تم الإبلاغ عن ارتفاع قياسي لمضبوطات الميثامفيتامين في جنوب غرب آسيا؛ حيث زادت بنسبة 50% في عام 2020 عن عام 2019.

وبالرغم من مساعي إدارة مكافحة المخدرات والوكالات الحكومية في دول أمريكا الشمالية لوقف موجة المخدرات التي تعبر حدود الولايات المتحدة، فإن عمليات تهريب المخدرات لا تزال مستمرة في التطور؛ إذ تلجأ الجهات المصنعة للعقاقير إلى تبني تكتيكات جديدة كالتكنولوجيا المشفرة ومنصات الوسائط الاجتماعية، لتسهيل التواصل أثناء شحن العقارات المخدرة، كما تسعى باستمرار إلى تجنيد أعضاء جدد في مؤسساتهم.

8– الارتدادات المحتملة للتأزم الاقتصادي العالمي: لا تنفصل عمليات تهريب المخدرات عن الوضع الاقتصادي المأزوم عالمياً؛ حيث تواجه غالبية الدول مؤشرات اقتصادية سلبية، وتزايدت معدلات الفقر والبطالة، وتراجعت قيمة العملات المحلية بدرجة حادة. كما أن الانكماش الاقتصادي الناجم عن أزمة فيروس كورونا المستجد يهيئ الظروف لرفع مستويات إنتاج المخدرات والاتجار بها وتعاطيها، وقد تؤدي هذه الأزمة أيضاً إلى تفاقم الحالة الاجتماعية والاقتصادية المتردية للفئات الضعيفة، فتلجأ بصورة متزايدة إلى مزاولة أنشطة غير مشروعة للتعويض عن خسائرها. ويلاحظ هنا أن جماعات الاتجار في المخدرات تحاول تقديم منتجات متنوعة بأسعار مختلفة كي تضمن وصول منتجاتها إلى فئات مختلفة حتى تلك التي تعاني من أوضاع اقتصادية متردية.

تحولات جديدة

إجمالاً.. من المرجح أن تشهد تجارة المخدرات خلال الفترة المقبلة تصاعداً كبيراً، نظراً إلى التحولات الجديدة في طرق تهريب المخدرات، التي فرضتها الحرب في أوكرانيا والأوضاع غير المستقرة في أفغانستان؛ فبحسب وصف مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فإن مناطق الصراع تعمل “كمغناطيس” لتصنيع المخدرات والاتجار فيها؛ من أجل استغلال عوائدها في تمويل الصراعات، ويكون انعكاسات ذلك الإقليمية بالطبع أقوى كلما كانت منطقة الصراع قريبة من الأسواق الاستهلاكية الكبيرة، مثلما حدث في البلقان من قبل ومؤخراً في أوكرانيا.

فقد أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى حدوث تحول في طرق تهريب المخدرات غير المشروعة إلى أوروبا؛ إذ أجبر الصراع في أوكرانيا المهربين على استخدام البحر الأسود طريقاً آخر بديلاً عن بعض الموانئ التي كان يتم الاعتماد عليها اعتماداً رئيسياً قبل الحرب. ووفق توقعات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فإن من المرجح أن يزداد الاتجار عبر الجزر اليونانية وجنوب البحر الأبيض المتوسط، بما يسمح بازدهار إنتاج وتجارة المخدرات في أوكرانيا. على الجانب الآخر، فإن مستقبل سوق الأفيون العالمية يتوقف على مصير أفغانستان التي مزقتها الصراعات، وإذا ما كانت حكومة طالبان ستلتزم بتعهداتها الدولية المتعلقة بحظر الأفيون، أم أنها ستضاعف إنتاج وتصنيع المخدر والاستفادة من عائداته لتمويل فاتورة بقائها في السلطة في ظل الضغوط الدولية عليها.

المصدر : إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية