إن العالم اليوم يسير علي طريق الخداع الذي تسلكه بعض الأنظمة السياسية في فرض الوصاية علي الطرف الآخر عبر الترهيب أو الترغيب. و الجدير بالذكر في طرح هذه المعادلة في ميزان القوي الدولية نلاحظ أن الصراع القائم حاليا هو مبني بالأساس علي الإستحواذ الإقليمي علي أكبر قسط من الكعكة الدولية و الغنائم المالية. و لطرح الموضوع نلاحظ خلال المدة الأخيرة و بالتحديد مع بداية شهر مارس 2018 تصاعد لهجة الوعد و الوعيد للرئيس الأمريكي ترامب الذي قرر التخلي بصفة نهائية عن الإتفاق النووي الإيراني الذي أبرم في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما سنة 2015 بين مجموعة 5 + 1 و إيران بإعتبار أن هذا الإتفاق في صياغته القديمة لا يتلاءم مع طموحات و برامج الإدارة الأمريكية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط. إن هذا الإتفاق حسب المنظور الأمريكي لا يخدم المصالح الإستراتيجية الأمريكية بالحد الكافي بإعتباره إتفاق مغشوش و ملفق بالعديد من الأكاذيب و الخدع الإيرانية.

و من أبرز البنود المعترض عليها الرئيس ترامب هي السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم لمدة 10 سنوات بدون تطوير أجهزة الطرد المركزي و التخصيب مع الحفاظ علي المنظومة القديمة. بالإضافة إلي ذلك المدة التي تصل إلي سنة 2025 وفق بند عدم نقل المنتجات النووية التي وقع تخصيبها إلي مكان آخر لمدة 15 سنة. و بالتالي تكون هنا الأمور معقدة لدي الإدارة الأمريكية الحالية بإعتبار أن الصراع القائم حاليا في منطقة الشرق الأوسط يهدد الأمن القومي العربي خاصة لدول التحالف و هي بالأساس المملكة العربية السعودية و الإمارات العربية المتحدة. و في ظل هذا الصراع المتزايد عادت الحرب الباردة بين روسيا الإتحادية و حلفائها من جهة و الولايات المتحدة الأمريكية و تحالفها مع بريطانيا و فرنسا و دول مجلس التعاون الخليجي من جهة أخري.

إذ تشهد حاليا سورية تصاعد أعمال التخريب و التدمير و الصراع علي السلطة من قبل نظام بشار الأسد و المعارضة السورية. أما في اليمن فقد أدت الأعمال الحوثية ضد المصالح السعودية من خلال القصف بالصواريخ البالستية و تطوير المنظومة الهجومية بالتعاون مع قوات الحرس الثوري الإيراني من قلب ميزان القوي في المنطقة. كل هذه العوامل جعلت الرئيس ترامب يتخذ قرار الإنسحاب من إتفاق فيينا النووي سنة 2015 مع دولة إيران الإسلامية. إن الصراع الإقليمي إستفحل في منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد دخول روسيا علي الخط لبعثرت جميع الأوراق و خلق توازن إقليمي جديد في المنطقة و من الملاحظ أن الحرب الباردة عادت أكثر قوة و شراسة من الماضي علي الساحة العالمية.

هذه التجاذبات التي تهدد بشكل مباشر المصالح الأمريكية و أيضا الإسرائيلية من خلال الإعتداءات المتكررة علي الثكنات العسكرية لقوات الماريينز في المنطقة و عرقلة مرور السفن و البوارج الحربية عبر مضيق هرمز و تحركها في المياه الإقليمية الخليجية و أيضا دخول إسرائيل في صراع مباشر من خلال قصف مواقع الحرس الثوري في سورية زاد من تعقيد الأمور و توتر العلاقات الدولية مما جعل هذا الإتفاق هشا للغاية و قابل للسقوط خلال الأيام القليلة القادمة. فوعد ترامب المتكرر بالإنسحاب من هذا الإتفاق الذي جاء بعد مفاوضات طويلة وشاقة بين جميع أجهزة السلك الدبلوماسي لدول 5 + 1 و إيران و بالتنسيق مع مجلس الأمن الدولي و المفوضية الأوروبية و الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم يعد يتماشي مع المتغيرات الحالية في المنطقة. لذلك تم تحديد حزمة جديدة من العقوبات أكثر صرامة تحد من إنتشار الأسلحة الكيميائية و تجعل إيران دولة ضعيفة و منزوعة كليا من أسلحة الدمار الشامل.

بالإضافة إلي ذلك يعتبر الإتفاق الجديد الممكن أن يقع التفاوض من أجله بين القوي العظمي و إيران بعد الإنسحاب من الإتفاق القديم هو المرجع الأساسي للعلاقات الدولية المستقبلية بين الإدارة الأمريكية الجديدة و برنامج إيران النووي في منطقة الشرق الأوسط. بالتالي يكون لهذا الإتفاق الجديد أبعاد إقتصادية خاصة علي مستوي زيادة الدعم و التمويل للتواجد العسكري الأمريكي في المنطقة. وقد تم مؤخرا في هذا الصدد الرفع من سعر برميل النفط إلي 100 دولار من قبل المملكة العربية السعودية مما أثار غضب الإدارة الأمريكية لكن لهذا الإرتفاع في الأسعار له أسباب إقتصادية و هي تتمثل بالأساس في زيادة الإنفاق العام من ميزانية المملكة السعودية لتمويل التواجد الأمريكي و كلفة الحرب الباهضة خاصة ضد قوات الحوثي في اليمن و ضد قوات بشار الأسد في سورية. إذ تعد الزيادة السريعة و المتصاعدة في أسعار المحروقات من أبرز نتائج توتر العلاقات في المنطقة و التي أدت بدورها إلي زيادة الإنفاقات العسكرية خاصة من جانب برامج التسلح الخليجي و شراء معدات عسكرية جديدة أو من خلال تمويل الحرب في المنطقة برمتها. و بالتالي تكون العائدات المالية للخزينة الأمريكية أكثر من الماضي خاصة أن ترامب قرر في العديد من المرات أن تواجد قواته في منطقة الشرق الأوسط و التي تعتبر الدرع الحامي لدول مجلس التعاون الخليجي يجب أن يقع تمويلها بنسق أسرع و أكبر. إذ في هذا الإطار خصصت ¾ من ميزانية المملكة العربية السعودية لتمويل العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة.

كما أن الإنسحاب من الإتفاق النووي الإيراني تحت ضغوطات إسرائيلية علي الإدارة الأمريكية يمكن أن يؤدي إلي عواقب وخيمة علي المنطقة إذا لم يتم الإسراع في إبرام الإتفاق الجديد المزعوم من قبل إدارة الرئيس ترامب. أيضا هذه التأثيرات ستشمل جميع المرافق الحيوية بمنطقة الشرق الأوسط مما يمكنها أن تؤدي إلي عدم إستقرار إقتصادي خاصة علي أسعار المحروقات أو عدم إستقرار سياسي و أمني مما يؤدي إلي تفاقم الصراع القائم حاليا في تلك المنطقة.

كذلك سيكلف الإنسحاب الأمريكي من الإتفاق النووي الإيراني تضرر المصالح الإقتصادية و التجارية الفرنسية التي لها العديد من الإستثمارات المباشرة في إيران. أما من جانب دول مجلس التعاون الخليجي سيتضاعف إنفاقها المالي علي التواجد الأمريكي في المنطقة و بالتالي سيتم تخصيص ميزانية ضخمة لوزارات الدفاع الخليجية التي ربما ستشهد حروب طويلة الأمد خاصة مع الحوثي في اليمن و بشار الأسد في سوريا من جهة و مع إيران و المنظمات الإرهابية من جهة أخري. عموما يعتبر الإتفاق النووي مع إيران بصياغته الحالية مسكن مِؤقت و عامل إستقرار إقتصادي و سياسي و أمني أما الإنسحاب منه فهو سيؤدي بالتأكيد إلي إنفجار إقليمي ممكن أن يؤدي ببعض الدول الخليجية بدفع تكاليف كبيرة و باهضة جدا لتمويل الحروب في المنطقة و التي ستنعكس سلبا علي أسعار النفط و الغاز مما يمكن أن تؤدي إلي أزمة بترولية و ربما أيضا مالية خاصة من خلال إثقال ميزان المدفوعات الخليجية بعبء كبير من أجل الإنفاق العسكري.

بقلم فؤاد الصباغ

24/04/2018

نبذة عن الكاتب

 تموز/يوليه 2001 بكالوريوس فى الإقتصاد و التصرف

سوسة – تونس    معهد سوسة

تموز/يوليه 2004 دبلوم الدراسات الجامعية المرحلة الأولي

سوسة – تونس    كلية الحقوق و العلوم الإقتصادية و السياسية بسوسة

حزيران/يونيه 2006 الأستاذية فى الاقتصاد الدولى

سوسة – تونس    كلية الحقوق و العلوم الإقتصادية و السياسية بسوسة

نيسان/ابريل 2010 ماجستير بحث فى التمويل والتنمية

سوسة – تونس    كلية الحقوق و العلوم الإقتصادية و السياسية بسوسة.

مقالات و كتب علمية

Foued SABBAGH (2013), « 1000 Questions à Choix Multiples (QCM) », Ecole Nationale d’Administration, Tunisie, Livre Décembre 2013.

Foued SABBAGH (2014), « Les déterminants de la croissance économique des pays BRICS », Article Document de Travail, Juillet 2014.

Foued SABBAGH (2016), « Crises financières et gouvernance bancaire dans les pays émergents du Sud Est Asiatique », Article Document de Travail, Mars 2016.

Foued SABBAGH (2017), « Corruption, Développement financier et Croissance économique : Cas des pays BRICS », Article Document de Travail, Juin 2016.

فؤاد الصباغ (2017), “دراسة الأوضاع الإقتصادية التونسية”, كتاب الخبير الإقتصادي, اذار 2017.