بقلم Holli A. Semetko

عرض: إيمان عبدالهادي

 

الأحزاب فى عصر الإعلام :

شهد القرن العشرين تطورات هائلة وسريعة فى وسائل الاعلام فى مختلف بلدان العالم بالتوازى مع تطورات هائلة وسريعة أيضا ً فى السياق العام الذى تعمل فى إطاره الأحزاب السياسية، وبالتالى فإن وسائل الاعلام وخاصة الانترنت أصبحت توفر فرصاً للتواصل بين المواطنين و المرشحين أو ربما قد تكون سبباً فى الانفصال بين الطرفين.

وهذا التطور الهائل والسريع فى وسائل الاتصال وخاصة الانترنت جعلها اكثر استخداما من قبل الشباب عكس الاكبر سناً والذين يميلون لوسائل الاعلام التقليدية مثل الصحف والاذاعة والتليفزيون لمعرفة الاخبار .

إذن يمكن القول بأن ؛المشهد الاعلامى المتطور أصبح بدوره شديد التأثير على الأحزاب السياسية من خلال ما يقدمه من فرص وأحياناً تهديدات للأحزاب السياسية ولكن ماهى حجم الفرص وما هو وجه التهديد الذى يمثله الاعلام للأحزاب هذا ما يعرضه الجزء التالى :

مشكلة الصورة بالنسبة للأحزاب :

إذا كانت الأحزاب السياسية تعتبر من اقل المؤسسات ثقة لدى الجمهور ، فإن وسائل الاعلام بما تتمتع به من تكنولوجيا حديثة فى الاتصال باتت تقدم للأحزاب فرص من شأنها تعزيز سمعه وصورة الاحزاب لدى الجمهور وذلك لأن وسائل الاعلام نفسها من اعلى المؤسسات فى درجة الثقة .

ومن أهم المقارنات ذات النتائج الملفتة بشدة والتى عقدت ما بين ال 25 دولة الاعضاء فى الاتحاد الاوروبى و دول امريكا اللاتينية وُجد أن ، نسبة ثقة الجمهور فى وسائل الاعلام أعلى بكثير من ثقته فى المؤسسات السياسية أو حتى البرلمان ، بل إن المقارنة قد أوضحت ان معدل ثقة الجمهور فى وسائل الاعلام المرئية أكثر من معدل ثقته فى المطبوعات.

فالانترنت والتليفزيون والراديو وفرت بدورها فرصا أكبر للمهتمين بالشان السياسى للانخراط فيه والمعرفة اكثر بشانه.وهذا بدوره قدم فرصة للاحزاب السياسية لاكتساب ارض جديدة لدى الجمهور من خلال قدرتها على استغلال وسائل الاتصال بفاعليه ، غير أن هذه الارض المكتسبة سرعان ما بدأت مرة اخرى فى التقلص نظراً لكون المرشحين أنفسهم هم من يقدمون أنفسهم بشكل فردى ومكثف للجمهورعلى الشاشات وهذا يعكس ايضا عدم قدرة الاحزاب السياسية كمؤسسات على السيطرة على انشطة الحملات الانتخابية مما يسبب حالة من عدم الاستقرار الاستراتيجى للحزب. ويمثل هذا الأمر مصدرا لإزعاج الأحزاب السياسية فى النظم البرلمانية متعدد الاحزاب مع القوائم الانتخابية والتى يكتسب فيها المرشحون اهميتهم حسب موقفهم الرقمى على القائمة والذى غالبا ما يقرره زعيم الحزب.

أما الدول الأوروبية الاكثر ليبرالية فإنها فى هذا الشأن قد نجد ان هناك محاولات للسيطرة على الصفحات الالكترونية الخاصة بالمرشحين بغرض وضع محتويات جميع صفحات المرشحين على قدم المساواة وذلك بهدف ضمان ان يكون رئيس الحزب فى المرتبة الأعلى ، ومع ذلك فإن المرشحين دائما ما يقدمون أنفسهم خارج هذا السياق على صفحات الانترنت .

وبصفة عامة فإنه فى اطار الحديث عن الاحزاب السياسية ووسائل الاعلام فى النظم ذات التعددية الحزبية ، نجد ان المدونات والانترنت ووسائل الاعلام الجديد بشكل عام تعطى سلطة اكبر للافراد وللمرشحين وفى الوقت نفسه تقوض من سلطة الحزب كمؤسسة سياسية وكذلك الامر بالنسبة للقيادات الحزبية .

تناول الجزء السابق خلفية حول الفرص والتهديدات التى تواجهها الاحزاب السياسية فى مع الوسائط الاعلامية ، وفيما يلى عرض للسياق التى تعمل فيه الاحزاب السياسية فى اطار وسائل الاعلام  مع القاء الضوء على بعض السياقات الدولية والاقليمية ، وفى هذا الاطار نجد ان علماء السياسية والاتصال السياسى قد اجمعوا ان الاحزاب السياسية فى عملها فى وسائط الاتصال تواجه ثلاثة تحديات على النحو التالى :

التحدى الأول : صناعة الاعلام وتغير طبيعة وسائل الاتصالات:

الصحف :الاهتمام بالصحف كأحد وسائل الاعلام يشهد تراجعا حادا وملموسا وذلك لعدة اسباب :

1)   أشارت العديد من الدراسات الى تراجع اهتمام الجمهور بالصحف خاصة فئة الشباب حيث انهم اكثر ميلا لاستخدام وسائل الاتصال الاكثر تطورا مثل التليفزيون والانترنت وغيرها بينما لازال الاكبر سنا يميلون للصحف كوسيلة تقليدية للاخبار تتفق مع عقليتهم التقليدية ، كما ان الشباب يمثلون الشريحة الاكبر فى اى مجتمع عكس فئة كبار السن .

2)   بعض المجتمعات الانتقالية تعانى ارتفاع تكلفة شراء الورق والطباعة وانتاج الصحف وبالتالى اصبحت الصحيفة ذات تكلفة عالية خاصة مع انخفاض ايرادات الاعلانات .

3)   تكلفة وضع اعلانات فى الصحف مرتفعة خاصة مع توافر بدائل للاعلانات الصحفية وبالتالى فإن ايرادات الاعلانات قليلة وغير مجدية لانتاج الصحف.

ورغم هذه التراجعات للصحف الا ان هناك محاولات لمواكبة التطور منها استخدام الالوان والصور والتطرق لموضوعات حياتية ومجتمعية جديدة مثل الطبخ والمراة وغيرها الا ان هذا كان له تأثير سلبى لانه جعل الصحف تنشغل اكثر بالصراع من اجل البقاء والايرادات اكثر من انشغالها بتحليل القضايا السياسية العامة .

أما بالنسبة للصحافة الحزبية فإن الحال لايشهد اختلافا كبيرا لان سياق الصحافة بشكل عام متدنى بالاضافة الا ان معظم الاحزاب ليس لديها اساسا صحف حزبية .

التليفزيون : أصبحت الشبكة التليفزيونية الأمريكية تشهد تراجعا ملحوظا فى العقدين الماضيين ، حيث بات تناول الاخبار والشئون والقضايا السياسية محدودا للغاية مقارنة بالجانب الترفيهى .

حتى ان برامج ترفيهية فى الاساس مثل اوبرا وينفرى اصبحت هي  نافذة الجمهور لفهم بعض القضايا السياسية الراهنة من خلال استضافتها لشخصيات سياسية.

اما فيما يتعلق بالاحزاب ؛ نجدا ان المنفذ للتعبير عن الافكار والتوجهات السياسية عبر التليفزيون لا يزال موجودا ولكن فى سياق محدود ويحدث فقط عند استضافة البرامج الحوارية مثلا لاحد الشخصيات ذات الخلفية الحزبية.

الانترنت : يعتبر من اكثر وسائل الاتصال تأثيرا وتطورا واكترها اتساعاً خاصة وانها من اقل وسائل الاتصال خضوعا للسيطرةً من قبل السلطة الحاكمة. وتأتى اهمية الانترنت فى قدرته على التاثير على الراى العام وكذلك التاثير على الافكار والتوجهات والسلوكيات السياسية .

ويتيح الفرصة للناشطية والصحفيين للتعبير عن ارائهم تجاه الاحداث والقضايا المطروحة فى وسائل الاعلام الرسمية او غيرها.

وبالنسبة للاحزاب فإنها تقدم فرصة للتعبير عن الرأى والتواصل فى الوقت نفسه مع الناخبين بشكل مباشر .

التحدى الثانى: تقييم تأثير وسائل الاعلام على المشاركة السياسية والانتخابات والإستفتاءات :

العديد من الدراسات اظهرت ان وسائل الإعلام – خاصة التليفزيون- تؤثر سلباً على التوجهات والمواقف السياسية للجمهور بينما بعضها يؤثر ايجابا وذلك على النحو التالى :

أ‌)      التأثير السلبى : وسائل الاعلام تؤدى الى حالة من الاضطراب والاحباط والقلق السياسى للجمهور خاصة فيما يتعلق بتناولها للقضايا والاحداث السياسية مثل الفساد السياسى .

أما فيما يتعلق بالحملات الانتخابية فإن معالجتها إعلاميا اصبحت تأويلية اكثر منها وصفية وبالتالى اثرت سلبا على السلوك الانتخابى للجمهور من خلال التأثير على اتجاهاته بشكل سلبى ، فنجد أن تغطية الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2000 وُصفت خلال التغطية الاعلامية لها بكونها ” طاعون على الحزبين ” نتيجة لرصد العديد من السلبيات للحملة خلال الانتخابات، والتناول الاختزالي للقضايا، وهذا يؤدى فى نهاية المطاف إلى التأثير سلباً على المشاركة ورأس المال الإجتماعى .

ب‌)  التأثير الايجابى: على النقيض هناك مجموعة من الدراسات افادت بأن وسائل الاتصال الحديثة خاصة التليفزيون قد اثرت بشكل ايجابى على السلوك السياسى للافراد لانها تقدم المعرفة السياسية وبالتالى تزيد من الوعى السياسى للفرد وتعظم احساسه بأهمية دوره فى الواقع مما يؤثر بشكل ايجابى على معدلات مشاركة الافراد مدنياً وسياسياً.

بالنسبة للحملات الانتخابية، فقد أظهرت دراسة الحملة الانتخابية البريطانية 1997 أن تناول القنوات التليفزيونية لأخبار الحملة الانتخابية البريطانية ساهم بشكل كبير فى التفاعل الايجابى ونفض السلبية عن المشاركة السياسية فى الانتخابات.

إذن؛ هناك تضارب واضح فى نتائج الدراسات التى تربط بين تأثير وسائل الإعلام على المواقف السياسية ، فبعضها يرى أن تناول الشأن السياسى فى وسائل الإعلام قد يؤدى لحالة من السخط والسخرية السياسية وبالتالى ضعف المشاركة والاقبال السياسى ، والبعض يرى ان ايجابية معاجة الاخبار تساهم فى رفع الوعى السياسى وزيادة معدل المشاركة والثقة والفاعلية والتعبئة.

وكذلك الحال بالنسبة للدراسات التى ربطت بين المؤسسات الاعلامية ومعدل الثقة فى المؤسسات السياسية جائت متضاربة.

وأخيراً ، التليفزيون يلعب دور مهم جدا فى الشأن السياسى بالنسبة للديموقراطيات حديثة العهد والدول فى مرحلة التحول الديموقراطى مثل دول امريكا اللاتينية والدول التى انشقت عن الاتحاد السوفيتى ( فى وقتها ) اكثر من الصحف وذلك لتعثر انتاج الصحف وندرة لجوء المواطنين لها كوسيلة لمعرفة الشأن السياسى .

الإعلانات السياسية :

هناك مستوى لتحليل ودراسة تأثير الاعلانات السياسية على الحملات الانتخابية يظهر بوضوح من خلال دراسة عدد كبير من الاعلانات التليفزيونية التي تم بثها خلال الانتخابات الرئاسية عام 2000توصل الباحثون الى اربعة نقاط هامة على النحو التالى:

–   هناك أهمية لدراسة واقع البث بشكل عام بدلا من فحص الاعلانات التى تم انتاجها بشكل فردى من أجل الوصول لمعلومات أكثر عن البيئة المحيطة بالحملة الانتخابية .

–   الحصول على تفاصيل عن المزايا النسبية للمرشحين يعد أمرا شديد الاهمية وليس فقط من قبل الحملة ولكن من قبل الاحزاب وجماعات المصالح.

–  لابد من الانتباه الى حقيقة ان الرسائل المقدمة من خلال الاعلانات فى فترات الانتخابات الرئاسية مختلفة فى مضامينها عن تلك المقدمة فى فترات الانتخابات البرلمانية .

–  تسمح لنا بيانات الاستهداف بدراسة العلاقة بين القدرة التنافسية وأداء الحملة.

هناك مستوى ثان فى البحوث المتعلقة بتأثير وسائل الاعلام ، حيث قدمت تلك البحوث نتائج مختلطة حول التأثير السلبى للاعلانات او الحملات على اقبال الناخبين.

بالنسبة للعلاقة بين الاعلانات السياسية والاحزاب نجد أمثلة عديدة فخارج الولايات المتحدة الاحزاب السياسية ليست حرة تماما فى استخدام مواردها المالية فى جذب الناخبين عاطفيا من خلال الاعلانات ، بينما تقف الاحزاب السياسية فى الولايات المتحده على قدم المساواة فيما يتعلق بتقديم نفسها للجمهور من خلال الاعلانات بسبب القيود الموضوعه على شراء اوقات التخصيص .

أما بريطانيا فكان الامر مختلف فى البداية بسبب محدودية عدد القنوات التليفزيونية، أما بعد هذا الكم الهائل والمتنوع من القنوات فإن القيود على اوقات تخصيص الاعلانات ومدتها تغيرت الى ان اصبح الخيار المتاح هو بث عدد اكثر من الاعلانات ولكن لمدد اقل .

وبشكل عام، تتمثل الملاحظة الأساسية في زيادة تكاليف الدعاية والإعلان لاسيما خلال فترات الحملات الانتخابية، وتزايد اللجوء إلى الإعلانات الخاصة –متى سمح القانون بذلك مع تزايد اتجاه الدول إلى ذلك- ، وزيادة صعوبة تحديد مدى نجاح الحملة الإعلانية في الوصول إلى جميع الفئات المستهدفة على ضوء التنوع الشديد في وسائل الإعلام بخلاف الطابع التقليدي الأكثر محدودية لقنوات الإعلام  في الماضي.

وتظهر دراسات الحملات الإعلانية للأحزاب بشكل مقارن عبر الدول كذلك عن سيادة نمط الدعاية الإيجابية في غالبية حملات الأحزاب، باستثناء الولايات المتحدة حيث تظهر الحملات الدعائية السلبية negative advertising بشكل واضح (أي التركيز على تشويه الخصم وكشف سلبياتهم)، وهو ما يمكن تفسيره جزئيا بطبيعة النظام الحزبي حيث تميل الأحزاب في نظم التعددية الحزبية إلى التزام الطابع الإيجابي في دعايتها تحسبا لاضطرارها لتشكيل حكومات ائتلافية لاحقا، مقارنة بانخفاض احتمالات ذلك في نظم الحزبين كالولايات المتحدة.

 الإستفتاءات،الأحزاب ووسائل الاعلام :

تعد الاستفتاءات وسيلة شديدة الاهمية لسن القوانين او منع التشريعات على مستوى العالم , ولكن على الرغم من أن الاختيار بين “نعم” و ” لا” تبدو مسألة بسيطة الا أن نوعية قضايا الاستفتاء نفسها قد تكون شديدة التعقيد ومتعددة الاوجه لأن المواطنين لا يقومون فقط بالاستفتاء على مرشح او حزب وانما الاستفتاء يكون فى حقيقة الامر على قضية او موقف معين؛ (مثال استفتاء دول الشمال الاوروبى على الانضمام لعضوية الاتحاد الاوروبى ).

ويعقد ذلك مهمة الأحزاب في الاستفتاءات حيث تختلف طبيعتها عن الانتخابات، وقد تتطلب التعاون بين الأحزاب المتنافسة انتخابيا من أجل تأطير قضايا معينة بشكل إيجابي أو العكس. وفي هذا السياق ، فإن الاستفتاءات قد تؤدى الى خلق احزاب جديدة او حركات جديدة تظهر للوجود خصيصا لاتخاذ موقف ما تجاه قضايا مطروحة ، كما أنها تؤثر على المفاهيم العامة للحملات الانتخابية وكذلك قرارات التصويت والمستقبل السياسى للحزب الحاكم أو بعض قياداته [وهو ما ظهر مؤخرا مثلا في اضطرار دافيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني (2010-2016) ورئيس حزب المحافظين البريطاني(2005-2016) إلى الاستقالة من منصبه عقب إخفاقه في حشد التصويت المعارض في الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي ].

الإنترنت :

يرى الباحثون ان الوسيلة التى بها يتم معالجة المعلومات فى وسائل الاعلام المرئية على وجه التحديد خاصة التليفزيون والانترنت تؤثر بشكل قوى جدا على مستقبل التعلم السياسى ، ولكنها على اى حال من الاحوال تخلق حالة من الانقسامات داخل المجتمع بين هؤلاء الذين يستطيعون الوصول لقدر اكبر من المعلومات نتيجة لسهولة وصولهم وتواصلهم مع شبكة الانترنت وهؤلاء الذين لم يتمكنوا من الوصول لهذا الحد من المعلومات بسبب عدم قدرتهم على الوصول لشبكة الانترنت.لأن القدرة على الحصول على المعرفة السياسية من خلال شبكة الانترنت تتطلب بدورها خصائص ديموغرافية معينة مثل ارتفاع المستوى التعليمى والاقتصادى الى جانب العمر حيث ان الشباب هم الاكثر ميلا لاستخدام تكنولوجيا الانترنت . بالنسبة لما يتعلق بدور الانترنت فى الحملات الانتخابية فى هذا الاطار نجد ان هناك مثالين لتوضيح طبيعة هذا الدور؛ حيث اظهرت الدراسات بشأن  الانتخابات الامريكيه التى اجريت عام 2000 والانتخابات البريطانية التى اجريت عام 2001  أن نسبة أن نسبة دخول الجمهور على صفحة الحزب أثناء الانتخابات كانت 2% ، و 7% على التوالى وهى نسبة ضئيلة للغاية ، وقد ارجعت الدراسات السبب وراء ذلك هو تباطؤ الاحزاب فى التواصل مع الجمهور على الانترنت [مع مراعاة إمكانية تغير ذلك على ضوء التطورات التي شهدتها الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في المرحلة التالية لإعداد هذه الدراسات وإصدار الكتاب عام 2006].

وبشكل عام، ثمة جدل حول تأثيرات الانترنت على الأحزاب السياسية وهياكل الفرص القائمة: فثمة اتجاه يرى أن الانترنت ستزيد من فرص القوى الحزبية الأكبر على زيادة الحضور الإعلامي عبر وسائل التواصل السيبرية الجديدة، ومن ثم تكريس هياكل القوة القائمة لصالحها. وفي المقابل يرى اتجاه آخر أن الانترنت قد يوفر بديلا للأحزاب والقوى الأصغر والجديدة والأقل قدرة على المنافسة عبر وسائل الإعلام التقليدية من أجل التمتع بدرجة أكبر من الظهور والحضور الإعلامي ومن ثم تحدي الترتيبات والهياكل السياسية والحزبية القائمة.

أ‌)      وتبين الدراسات وجود اختلافات حول كيفية توظيف الانترنت والمواقع الأكثر متابعة بالنسبة للأحزاب من قبل الناخبين في الديموقراطيات الراسخة مقارنة بالنظم الانتقالية أو الأقل ديموقراطية: بالنسبة للديموقراطيات الراسخة يلجأ الجمهور لموقع الانترنت ولكن ليس من اجل التواصل مع الاحزاب أو المعرفة بشأنها – فى الاغلب – وانما من اجل التواصل مع مواقع الاخبار السياسية بشكل عام وذلك لان المواقع الإخبارية –رغم تحيزات بعضها- كوسيلة للاتصال فى الدول الديموقراطية يقع خارج مظلة رقابة الدولة وتحكمها .

ب‌)  أما دول التحول الديموقراطى والنظم الهجينة والسلطوية: فاستخدام الانترنت فيها محدود لان اصلا كافة مؤسسات الدولة بما فيهم الاحزاب والمؤسسه الاعلامية تخضع لرقابة وتحكم النظام ، ولكن يتم اللجوء للانترنت كوسيلة من وسائل التعبير الاكثر حرية وموضوعية عن قنوات الاتصال الحكومية . وتظهر بعض الدراسات على دول مثل أوكرانيا وروسيا (عامي 2001-2002) أن الأحزاب الجديدة وقياداتها أكثر قدرة على تصميم مواقع جذابة مقارنة بالأحزاب التقليدية. كما يهتم الناخبون بشكل أكبر بمواقع الأحزاب الجديدة وتحديدا مواقع قياداتها وصفحاتهم الشخصية (بما يشي بطابع شخصنة المنافسة السياسية) مقارنة بانخفاض الثقة بالمواقع الالكترونية للوكالات الإخبارية باعتبارها تخضع لسيطرة الحكومة ورقابتها.  وبطبيعة الحال، فإن هذه النتائج قد تكون عرضة للتغير على ضوء تزايد تركيز الحكومات السلطوية بتشديد الرقابة على شبكة الانترنت.

التحدى الثالث :العولمة ووسائل الاتصالات عابرة الحدود:تطوير الاطار النظرى للأحزاب السياسية ووسائل الاتصال :

فى هذا السياق نجد ان وسائل الاعلام المحلية لم تعد هى فقط من يؤثر على الراى العام والسلوك السياسى للافراد فى الداخل ، بل ان الجمهور نفسه احيانا يتجه لوسائل الاعلام الاجنبية للحصول على معلومات او اطر تحليلية او وجهات نظر اجنبيه  بشأن الاحداث والقضايا السياسية المحلية.

فنجد على سبيل المثال أن هناك وسائل اعلام امريكية تقدم باللغة الاسبانية وهى موجهه للسكان الامريكيين الناطقين بالاسبانية والذين يزداد عددهم بشكل مستمر .

مثال : فى عام 2004 حدثت ضجة فى فرنسا بشأن منع النظام الفرنسى للحجاب فى فرنسا وما ان تناولت قناة الجزيرة القطرية هذا الحدث بالنقد والتحليل ، قام حزب جاك شيراك بمنع بث القناة زعما منه انه تؤثر سلباً على الرأى العام الفرنسى وتضر بمصالح الدولة الفرنسية .

بالنسبة للأحزاب :أصبح الامر شديد الصعوبة بالنسبة للاحزاب انها تؤثر على الرأى العام الداخلى أو تؤثر على سلوكه الانتخابى او حتى تتوقعه بسبب قوة تأثير وسائل الاتصال العابرة للحدود على الرأى العام المحلى فى القضايا ذات الشأن الداخلى .

الخاتمة:

لا شك ان التطورات الهائلة التى شهدها الراديو والتليفزيون فى جميع انحاء العالم فى السبعينات من القرن الماضى ، والأقمار الصناعية فى الثمانينات والانترنت ووسائل الاتصال اللاسلكى فى التسعينات ، قد سببت تحديات وتعقيدات كبرى بالنسبة للاحزاب السياسية فى النظم الديموقراطية الراسخة.

فالجمهور نفسه اصبح ذو تركيبة شدية التعقيد من حيث الخصائص الديموغرافية وتنوع الثقافات والميول وبالتالى اصبح قدرة الاحزاب على التنبؤ بالسلوك الانتخابى له قليلة للغاية ، الأمر الذى ادى بالاحزاب الى الاعتماد على الاستشاريين فى بحوث التسويق لتصميم رسائل موجهه للجمهور ، مع تباين قدرة الأحزاب على توظيف استراتيجيات التسويق السياسي.

 

المصدر: ملتقي الباحثين السياسيين العرب Arab political researchers forum