د.محمد عبدالرحمن عريف

البداية مع ما عرضه التلفزيون الجزائري، مساء الإثنين 11 آزار/ مارس، من لقطات لاستقبال الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة للدبلوماسي ووزير الشؤون الخارجية الجزائري الأسبق، الأخضر الإبراهيمي. حيث قال الإبراهيمي إن بوتفليقة “أخبره بما يجري بالبلد وأطلعه على القرارات الهامة التي هو بصدد الإعلان عنها”. وأضاف الإبراهيمي أنه خرج من الاجتماع متفائلا وأن “صوت الجماهير وخاصة الشباب مسموع، وأن مرحلة جديدة بناءة تعالج الكثير من مشاكلنا ستبدأ في المستقبل القريب جدًا”.

   لقد أثنى الإبراهيمي على سلوك الشباب الجزائري خلال الاحتجاجات، قائلًا “نحول هذه الأزمة إلى مناسبة تشييد”. وأعلن بوتفليقة، مساء الإثنين، سحب ترشحه لولاية رئاسية خامسة وتأجيل انتخابات الرئاسة التي كانت مقررة في 18 أبريل/ نيسان وذلك بعد حراك شعبي رافض لترشحه متواصل منذ ثلاثة أسابيع. كما قرر إقالة الحكومة الحالية بقيادة أحمد أويحي وتعيين نور الدين بدوي رئيسا جديدا للوزراء. وقالت الرئاسة الجزائرية إنه سيتم طرح دستور جديد للاستفتاء الوطني. وأضافت أن بوتفليقة عقد اجتماعا مع رئيس أركان الجيش بعدما أعلانه عن قراراته الأخيرة.

  نعم لا للعودة لما حدث بعد تسلُم “الشاذلي بن جديد” السلطة في الجزائر عام 1979، حيث بدأت محاولاته لتطبيق خطته الخمسية التي كانت تهدف إلى إنشاء قواعد للاقتصاد الحر في الجزائر والنهوض بالمستوى الاقتصادي المتعثر للجزائر، ولكن سنوات حكمه شهدت نشاطًا معارضًا القبائل والمفرنسين في مجال معارضتهم لسياسة التعريب التي تنتهجها الحكومة وخاصة في مجال التعليم.

   في الوسط من ذلك بدأ نشاط التيار الإسلامي السياسي بالازدياد تدريجيًا، متأثرًا بالثورة الإسلامية في إيران فمن خلال بعض العمليات التي كانت تستهدف محلات بيع المشروبات الروحية وممارسة الضغط على السيدات بارتداء الحجاب. وفي عام 1982 طالب ذلك التيار علنا بتشكيل حكومة إسلامية ومع ازدياد أعمال العنف وخاصة في الجامعات الدراسية، هنا تدخلت الحكومة وقامت بحملة اعتقالات واسعة حيث تم اعتقال أكثر من 400 ناشط من التيار المتبني لفكرة الإسلام السياسي، وكان من بينهم أسماء كبيرة مثل عبد اللطيف سلطاني ولكن الحكومة بدأت تدرك ضخامة وخطورة حجم هذا التيار، فقامت وكمحاولة منها لتهدئة الجو المشحون بافتتاح واحدة من أكبر الجامعات الإسلامية في العالم بولاية قسنطينة في عام 1984، وفي نفس السنة تم إجراء تعديلات على القوانين المدنية الجزائرية وخاصة في ما يخص قانون الأسرة حيث أصبحت تتماشى مع الشريعة الإسلامية.  

   الحقيقة أن الكلفة الكبيرة التي تحملتها الجزائر خلال عقد التسعينات، بسبب قرار وقف المسار الانتخابي، ففضلاً عن العطب السياسي والديمقراطي وتخريب الاقتصاد الجزائري واغراق البلاد في الديون، وحجم التمزق المجتمعي والآثار النفسية التي أفرزتها الأزمة، فإن الكلفة البشرية كانت كبيرة جداً. فالأرقام عن إجمالي ضحايا الصراع، صادمة حيث تشير إلى سقوط ما بين 120 إلى 200 ألف قتيل، و7400 مفقود، وربع مليون جريح ومتأثر من الحرب، وأكثر من 20 ألف معتقل في محتشدات الصحراء لعناصر الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلّة. كما خسر نصف مليون عامل وموظف وظائفهم. وبلغت الخسائر المادية نحو 50 مليار دولار، وتمّ تخريب 40 ألف مؤسسة إنتاجية، وآلاف المدارس والمؤسسات التعليمية المعطلة وآلاف النازحين من القرى إلى المدن طلباً للأمن.

 بالعودة للأرقام الحقيقية عن إجمالي ضحايا الصراع، تشير إلى سقوط ما بين 120 ألفاً إلى 200 ألف قتيل ” في عام 1997 وجد قادة الجيش أنفسهم في مواجهة العنف المسلح وتوسع نشاط الجماعات المسلّحة، فضلاً عن تراكم المشاكل الأمنية والسياسية والاقتصادية، وتفاقم المشاكل الاجتماعية ووقوع البلاد رهينة في يد صندوق النقد الدولي والمديونية، كما أُخفقت محاولات الحوار مع قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة، الذين كان بعضهم في السجون.

   أفضى كل ذلك إلى قانون الوئام المدني، الذي عُرض في استفتاء شعبي في سبتمبر/ أيلول 1999، سامحًا بإنهاء جزء كبير من الأزمة الأمنية وتحقيق استقرار أمني نسبي، لكن معضلات قانونية ظلّت معلقة، خصوصاً ما يتصل بالملفات القضائية للمسلحين التائبين وعائلات المفقودين والمسلحين المقتولين في المواجهات في التسعينات وغيرها. وهو ما دفع بالسلطة وبوتفليقة إلى تطوير هذا القانون إلى قانون المصالحة الوطنية، الذي أقرّ عفواً قضائياً ملغياً كل المتابعات القضائية في حق المسلحين العائدين من الجبل، وتسوية الوضعية القانونية في سجلات الوفاة، والحالة المدنية بالنسبة للمفقودين والمسلحين المقتولين، وتقديم تعويضات مادية لعائلاتهم.

  بعد مرور الأعوام،  تُظهر الاحتجاجات في الجزائر وردود الفعل عليها، على أن الانتقال إلى فترة ما بعد الحكم الطويل لبوتفليقة سيصاحبها عدة تقلبات، وذلك لأن الحراك الشعبي يتوسع ضد ولاية خامسة لبوتفليقة، الذي يجلس على كرسي متحرك وبالكاد يستجيب مع محيطه. وكان رئيس الحكومة الجزائرية، أحمد أويحيى، قد حذر، من الاحتجاجات الحالية في بلاده، مقارناً إياها بأحداث بداية الحرب الأهلية في سوريا. في حين قامت حكومته بحظر التغطية الإعلامية للاحتجاجات.

   نعم مسيرات الجزائر تصرّ على السلمية عشرات آلاف الجزائريين يتظاهرون ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة الجزائر، في حين أوروبا مرعوبة من احتمال خروج الوضع عن السيطرة الاحتجاجات المتواصلة، توضح أيضاً تراجع الدعم الداخلي لنظام بوتفليقة، الذي تم انتخابه لأول مرة في عام 1999 كمرشح يرغب فيه الجيش. وقد تم نقل الرئيس، جواً إلى جنيف لتلقي العلاج الطبي.

  في حين أن الصراع بدأ قبل خمسة أعوام قبل خمسة من الآن، وذلك وقت إعادة انتخابه رئيساً للبلاد بشكل رسمي، كان قد بدأ بشكل فعلي صراع بوتفليقة مع التشبث بكرسي الحكم. إذ رفضت دائرة الاستعلام والأمن الجزائري (DRS) وأجزاء من الجيش، دعم بوتفليقة آنذاك مطالبين ببداية جديدة للبلاد. وبما أن الجيش والأجهزة الأمنية والشركات المملوكة للدولة، التي تقسم عائدات تصدير الغاز فيما بينها، لم تستطع تكوين رأي موحد حول خلف معين للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، عاد الرئيس، المصاب بجلطة دماغية، من جديد إلى السلطة. ويقف الجنرالات بشكل خاص وراء تحريك كرسي بوتفليقة.

   قد يكون من بين صفوف الجيش، من يتحكم في المشهد السياسي، القوميون العرب، ممن تربطهم علاقة وثيقة مع فرنسا، وكل من يعمل على الحفاظ على منصب بوتفليقة. لكن على أرض الواقع، يمارس، سعيد بوتفليقة، الذي يقف على رأس حكم الأقلية في الجزائر، السلطة، بدل أخيه، الذي يكبره بعشرين عاماً، ويسعى الآن لخلفه. فمن المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية في الـ 18 أبريل/ نيسان المقبل. وما يوسع دائرة الاستياء بين الشباب، الذين يشكلون أكثر من 40 في المائة من سكان الجزائر، البالغ عددهم 41 مليون، أنهم لم يعايشوا رئيساً آخر غير بوتفليقة، لأن أكثرهم أصغر من 25 عاماً. هؤلاء الشباب يريدون التغيير، وهم ضد إعادة انتخاب نفس الرئيس. وبدو أن الاحتجاجات في الأيام القليلة الماضية كانت مجرد بداية.

   نعم رغم ذلم فهو الدبلوماسي المخضرم، الأخضر الإبراهيمي، الذي قضى شبابه وعمره في خدمة قضية وطنه، وقضايا الإنسانية. وقبل تكليفه بالملف السوري التقته “العرب” بنادي الصنوبر، غربي العاصمة الجزائرية، وكان حينها منهكًا. لكن نبرة كلامه كانت توحي بأن الرجل أكثر تحررًا من التحفظ الذي لازمه طيلة مسيرته لأنه لم يتوان حينها في انتقاد سلطات بلاده إزاء أحداث “الربيع العربي”، وكذلك واشنطن على خلفية مواقفها من صراع الشرق الأوسط.

  هو الأخضر الإبراهيمي الذي يكون قد حمل في شخصيته، اتساع بلدة “العزيزية” وانبساطها التي رأى فيها النور، في شكل نفس طويل وقدرة على التحمل. بدليل أنه قبل تحمّل عبء المعضلة السورية حين اعتقد الكثير أن الرجل يتجه نحو تقاعد متأخر، وهو على مشارف الثمانين. ولم يكن ذلك بالمفاجئ، بما أن انتماءه لجيل ثورة التحرير الجزائرية، يجعله ملبيًا لنداء الواجب في كل الظروف. سيما وهو القائل لما سئل عن إمكانية استقالته من منصب وزير الخارجية الجزائرية، في مطلع التسعينيات: “انتمائي لجيل التحرير لا يسمح لي بترك السفينة ومخاطر الغرق تهددها”. يتيم.. لكن نابغة تلك هي إحدى مقومات ذلك الدبلوماسي الذي جاء إلى هذا العالم في عز الاستعمار الفرنسي للجزائر، ولم يشفع لوالده الذي كان موظفًا لدى الإدارة الاستعمارية، أن يسلم مولوده من مظاهر الفقر والتخلف.

  الدبلوماسي المحنك يعد إحدى الموسوعات المحدودة في العصر الحديث، والتي تحفظ في ثناياها أسرار النزاعات والحروب وملفاتها. وهو الذي قضى ثلاث سنوات في بيروت تحت القصف والتهديد، من أجل هندسة اتفاق “الطائف” في 1991 كمكلف من قبل الأمين العام السابق للجامعة العربية، الشاذلي القليبي. وهو اتفاق طوى 17 سنة من الاقتتال والحرب الأهلية في لبنان.

  هو مهندس اتفاق الطائف بعد المهمة الموفقة في لبنان، وبعد شغله لمنصب مستشار سياسي للرئيس الراحل الشاذلي بن جديد في مطلع الثمانينات، تم تعيينه كوزير للخارجية، وعضو بالمجلس الأعلى للأمن، في عز الأزمة الأمنية والسياسية التي أعقبت توقيف المؤسسة العسكرية للمسار الانتخابي الذي اكتسحته في العام 1991 جبهة الإنقاذ الإسلامية. ورغم أن الرجل لم يكن مرتاحًا لقرار المؤسسة العسكرية، إلا أنه لم يشأ أن يرفض الطلب لأنه كان يرى أن السفينة لا بد أن تخرج إلى بر الأمان برغم الأخطاء. وتذكر شهادات من قمة الوحدة الأفريقية التي انعقدت في دكار 1992، أن الرجل لم يتمالك نفسه، وذرف الدموع لما بلغه نبأ اغتيال الرئيس محمد بوضياف في 29 يونيو 1992 بمدينة عنابة. ولما سأله الصحافيون هناك إن كان يفكر في الاستقالة قال: “أنا أنتمي لجيل لا يؤمن بالعودة إلى الخلف”.

   رغم ذلك يبقى أن أحد السيناريوهات المحتملة هو أن ينهي الجيش الاحتجاجات، في حالة خروجها عن السيطرة، ويستولي مباشرة على السلطة، كما حدث في مصر بعد عامين من سقوط مبارك. سيناريو آخر يحاكي ما حدث في مصر بعد مبارك، عندما حشد المرشحون من النظام القديم والإسلاميون أصحاب الحضور القوي، والمعتدلون غالباً، عدداً كبيراً من الناخبين.عندها سيكون من المهم معرفة ما إذا كان المعسكران الرئيسيان قد تعلما من النموذج التونسي وتوصلا إلى اتفاق مع بعضهم البعض، أو أنهما سيتبعان طريق مصر ويستولي الجيش بالقوة على السلطة. لننتظر القادم.. ولا نملك إلا أن نقول.. حفظ الله الجزائر من “عشريات سوداء”.

 

 

Print Friendly, PDF & Email