في ثلاث دراسات متباعدة زمنيا كنت قد رجحت وبقوة تراجع قوة الحركات السياسية الدينية في العالم وعلى راسها الحركات الاسلامية بخاصة الاخوان المسلمين بحكم أنهم الحركة الاكبر والاوسع انتشارا، ففي دراستي المنشورة في الجزائر عام 1994( قبل حوالي ربع قرن) ( كتاب تحول المسلمات في نظريات العلاقات الدولية- الفصل السادس ،خاصة في الصفحات:124-134) ، فبعد رصد مؤشرات مثل : التفسير العلمي في مواجهة التفسير الميتافيزيقي، حركة الاقتصاد الدولي، طبيعة التطور في النظم السياسية المعاصرة، طبيعة القوانين الدولية التي تنظم الحياة الدولية، الحروب الدينية، تسلل القيم غير الدينية لمنظومة القيم المجتمعية….الخ..جاءت الخلاصة كالتالي: (صفحة 134) ” سيبقى الدين تعبيرا عن أداة للحفاظ على شخصية تبلورت تاريخيا ،ولكنه سيبقى دون القدرة على تكييف بنية الحياة الدولية لصالحه إلا من خلال انضوائه في منظور كلاني(Holistic) مستقبلا.

وفي عام 2005 نشرت في بيروت دراسة حول مستقبل الحركات الاسلامية ، واشرت بشكل واضح الى انها ستواجه المأزق الاكبر خلال الفترة من 2020-2025، وقد تم قياس التأثير من خلال مزيد من المؤشرات الواردة في الدراسة ، ورجحت احتدام الخلافات بين الحركات الاسلامية وتفتتها مع نزوع متزايد للعسكرة.

وفي عام 2015 اصدرت دراستي عن جامعة القدس (في فلسطين)، تحت عنوان مستقبل الاسلام السياسي، التي اضفت لها مؤشرات مثل : توجهات المؤسسات العسكرية العربية، عوامل البنية الداخلية، وعوامل البنية الخارجية، ثم تسارع ايقاع التغير قياسا لامكانيات التكيف في الحركات الدينية، ثم تطبيق مصفوفة التأثير المتبادل لتحليل تفاعل المؤشرات مع بعضها ، وخلصت لنتيجة محددة وهي ان هناك 126(مائة وست وعشرين) نقطة لغير صالح الحركات الدينية مقابل 26 نقطة لصالحها، وهو ما جعلني أتوقع ان التراجع سيصل ذروته بين 2020و 2022.

لم تكن نتائجي في هذه الدراسات منطلقة من أي تحيز آيديولوجي ، او موقف ذاتي، أو رغبة أو امنية، فقد علمتني الدراسات المستقبلية خنق كل هذا في داخلي بكل قسوة، ولكني تمنيت لو تتم قراءة هذه الدراسات من قبل هذه الحركات لتتنبه لما يجري في الواقع، وقد تناقشت حولها مع شخصيات بارزة في هذه التيارات ، وشعرت ان سطوة التاريخ تقف جدارا عاليا بين هذه الحركات وبين إدراك قسمات الواقع المعاصر، وتغذت هذه السطوة التاريخية بضخ اعلامي وثقافي مصنوع لا سيما في فترة ما بعد 2011، وتغلب احساس اللحظة على إدراك الاتجاه التاريخي لا سيما بين النخبة التي غرقت في مستنقع العسل وتسلطت الاضواء عليها، وعاشت هذه الحركات وَهْمَ مشجع كرة القدم الذي احرز فريقه هدفا في الدقائق الأولى للمباراة فبدأ يتصرف كما لو ان الكاس قد أصبح في حجره، وهو ما نبهت له بشكل صريح في حوار مع على الضفيري في قناة الجزيرة في 22 نوفمبر 2011، لكن صخب الرغبة غطى على همس الوعي.

والآن، يأتي موقف الدول الخليجية الأخير –لا سيما السعودي الإماراتي- مؤشرا جديدا على تضييق مساحة الحركة لهذه المنظمات الدينية بخاصة الاخوان المسلمين، ورغم تحول إمارة ” قطر” إلى عاصمة للاخوان المسلمين، وأضحت قناة الجزيرة ذراعها الاعلامي ، ورغم النزعة التركية لمساندة هذه الحركات –خاصة الاخوان المسلمين- ، فإن قوة الدفع المعاكسة لهذه الحركات سيجعلها بين تجاذبات السياستين الإيرانية والتركية، وهو ما يتضح جليا في الحيرة التي تعيشها حركة حماس حاليا.
إن تصنيف حركة الاخوان المسلمين في أغلب الدول العربية الفاعلة كحركة ” إرهابية” يشير إلى أن الحائط الذي تفيأت بظلاله هذه الحركة في فترات سابقة قد زال تماما واصبحت في مواجهة لهيب شمس الواقع الحارقة.

لقد طغى الحدث العابر على الاتجاه في الفهم السياسي الديني للواقع الدولي،وعندما تولى مرسي السلطة كتبت بعدها باسبوع بأن مصر على ابواب الانقلاب ولم يصدق قادة الحركة ذلك…وعندما قلت في دراسة منشورة عن مستقبل الوضع في سوريا في بداية الاحداث بان النظام السوري باق سخر احد شخصيات هذه الحركات البارزة من ذلك…
ما أتمناه وبكل صدق وحرص، ان يقرا الاخوان المسلمون تحديدا الواقع بعيدا عن التفكير الرغبوي،وبعيدا عن غرائزية التفكير السياسي، وبعيدا عن سطوة التاريخ ، وإلا فلن ينالوا إلا انفلات المستقبل من بين أناملهم…فالعالم أعقد كثيرا مما نعتقد، والظلم الذي يواجهونه في كثير من الدول العربية يستوجب مساءلة أنفسهم عن مدى مساهمتهم في صنع هذا الواقع الذي انحازوا فيه لاطراف عديدة بين فترة وأخرى ليفاجأوا بتخلي حلفائهم عنهم في كل مرة متناسين مقولة عمر بن الخطاب ” لست بالخب لكن الخب لا يخدعني”، فهل يعيدون قراءة المشهد؟ ربما من العيار الثقيل، مع تمنياتي بالتوفيق