بقلم الدكتور عذاب العزيز الهاشمي

لا يوجد خطاب يتذكره الأميركيون لترامب يجعلهم يشعرون بالطمأنينة، وبأنّ قيادة بلادهم تقوم بكل ما في وسعها لمحاربة الفيروس. بل إنّ ترامب أنكر وحاول حتى الان التقليل من أهمية التقارير الإعلامية التي تشير إلى خطورة الوضع. وذهب إلى حدّ القول إنّ فيروس كورونا ليس أخطر من الأنفلونزا العادية، وسخر ممن يحذرون من خطورته.

لكن خطورة ترامب لا تكمن في شخصه فقط، بل بالآلة السياسية والاقتصادية والإعلامية المحيطة به، والتي لها نفوذ ربما هو الأوسع في الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، استمرّ بعض المذيعين في قناة “فوكس نيوز” اليمينية، أكثر محطة شعبية في الولايات المتحدة والمفضلة لترامب، بوصف التقارير عن انتشار فيروس كورونا وخطورته، بأنها “خدعة ليبرالية” مصممة لإسقاط الرئيس وكجزء من الخطط لعزله. حبث كذّب مذيعوها وقللوا من خطورة الفيروس وكرروا على مسامع الملايين مقولات كـ”إن أسوأ سيناريو لانتشار الفيروس وخطورته، لن يكون أسوأ من الانفلونزا. وحتى بدون لقاح (للكورونا)، فإنّ الإنفلونزا (التي يوجد ضدّها لقاح) تسبب الوفيات أكثر من كورونا”. وعندما لم يكن أمام القناة مفرّ، كما هو الحال بالنسبة لترامب، غيروا الأسطوانة للحديث عن خطورة الفيروس، ولكن مع محاولة عنصرية لتحميل الصين المسؤولية عن انتشاره وقد تمّ تغيير اسمه إلى “الفيروس الصيني”، وهو ما فعله ترامب، وما تردّده وسائل الإعلام اليمينية.

تدارك الرئيس الأميركي الأمر متأخراً، وبدأ بتخصيص الحزمات والمليارات لدعم قطاع الاقتصاد، البنوك، وبورصة “وول ستريت” وغيرها، وكذلك القطاع الصحي وغيره من القطاعات المتضررة.

 كما أعلن حالة الطوارئ، إضافة إلى تفعيل قانون الإنتاج الدفاعي للحصول على الإمدادات الطبية اللازمة لمكافحة وباء كورونا. ويمنح هذا القانون، الرئيس القدرة على تحريك القطاع الخاص لتلبية احتياجات الأمن الوطني في وقت الأزمات.

وجاء إعلان ترامب بعد دعوات كثيرة ومستمرة من حكام ولايات عديدة على رأسهم حاكم ولاية نيويورك، آندرو كومو، للحكومة الفدرالية لتفعيل القوانين المختلفة كما توظيف الموارد العسكرية، لبناء المستشفيات وتوجيه الصناعة لتلبية الحاجات الملحة في الوقت الراهن. وتواجه الولايات المتحدة في ظلّ هذه الأزمة تحديات كثيرة تحت إدارة رئيس كترامب، ويأتي ذلك فيما يقارن كثيرون أثر وتبعات الأزمة الاقتصادية التي تواجهها الولايات المتحدة جراء كورونا، بأثر أزمتين أخريين مجتمعتين، هما هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وأزمة العقارات عام 2008، لا بل إنّ بعض التقديرات تشير إلى أنّ الوضع قد يكون أسوأ بكثير مما خلفته الأزمتين.

وافق الكونغرس الأميركي لتقديم حزمة مساعدات بقيمة ترليون دولار للأميركيين وذلك في إطار تعويم الاقتصاد، واستباق الكساد والأزمة المالية المقبلة. ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن الحزمة فيما تظهر التفاصيل مدى استيعاب الإدارة الحالية لمسؤوليتها، وما تعلمته من دروس سابقة بما فيها هجمات سبتمبر وتبعاتها الاقتصادية.

يواجه العالم حرباً ضدّ فيروس كورونا كما قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس أخيراً من نيويورك. لكن يبدو أنّ أميركا، أغنى وأقوى دولة في العالم عسكرياً، غير مستعدة لها تحت إدارة ترامب. فكما قال أكثر من خبير سابق في إدارة الطوارئ، فإنّ المعركة الأولى في الحرب الحالية هي على الجبهة الصحية. فلا تمكن محاربة الكساد الاقتصادي والأزمة المالية المقبلة بشكل جدي إن لم يتم كسب الحرب على الجبهة الصحية. حتى الآن، أميركا تسابق الفيروس الذي لا يمكنها أن تقيس حجم انتشاره بعد، فيما ستكون الأيام والأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد حجم الخسائر الفادحة، والتي بدأت آثارها تظهر بوضوح في مختلف القطاعات.

ما هو المخرج للادارة الامريكية

هل خلق ازمة جديده  سوف تتمكن من لفت الأنظار عن فشل السياسة الاقتصادية؟

الأجابة: نعم

خيارات إدارة الأزمة تحددت بخلق أزمة العنصرية هل نجحت ؟

ترى الأمم المتّحدة وشبكة حقوق الإنسان الأمريكيّة أنّ “التمييز في الولاياتِ المتّحدة يتخلّل جميع جوانب الحياة ويمتدّ إلى جميع الأعراق غير البيضاء”. تغيّرت طبيعة وجهات النظر التي يتبنّاها الأمريكّيون العاديّون بشكلٍ كبير فقد وجدت الدراسات الاستقصائيّة التي أجرتها منظمات مثل ABC News على مدى العقود العديدة الماضية، أنّ هناك قطّاعات كبيرة من الأمريكيّبن تعترف بتبنّي وجهات نظرٍ تمييزيّة حتّى في أمريكا الحديثة، فعلى سبيل المثال ذَكَر مقال نشرته ABC في عام 2007 أنّ واحداً من كلّ عشرة أمريكييّن أقرّ بأنهّ يحمل تحيّزاتٍ ضدّ الأمريكيين اللاتينيين واللاتينيين، وأنّ واحداً من كل أربعة لديه تحيّز ضد العرب الأمريكيين. ووجد استطلاع للرأي أجرته YouGov / Economist عام 2018 أنّ 17٪ من الأمريكيين يعارضون الزواج بين عرقين مختلفين، و 19٪ يعارضون الزواج من المجموعات العرقية “الأخرى”، و 18٪ يعارضون الزواج من السود، و 17٪ يرفضون الزواج من البيض، و 15٪ يرفضون الزواج من اللاتينيين.

رأى بعض الأمريكيّون أنّ ترشيح باراك أوباما للرئاسة كأول رئيس أسود للولايات المتحدة لفترتين رئاسيتين متتاليتين من عام 2008 إلى عام 2016 كان دليلاً على دخول الأمّة في عصرٍ جديد، (عصر ما بعد العنصريّة). حيث قال مضيف الإذاعة الشعبوي اليميني لو دوبز في نوفمبر/ تشرين الثاني 2009 “نحن الآن في مجتمع القرن الواحد والعشرين مجتمع ما بعد الحزبية وما بعد العنصرية”. بعد شهرين من تلك التصريحات، قال كريس ماثيوز وهو أحد مذيعي قناة إم إس إن بي سي التلفزيونيّة تعليقاً على نجاح أوباما بالانتخابات الرئاسية “إنّه بالفعل عصر ما بعد العنصرية بكل مظاهره فكما تعلم لقد نسيت أنّه كان أسود الليلة لمدة ساعة كاملة.” وقد نظر بعض المحلّلين إلى انتخاب دونالد ترامب في عام 2016 كرئيسٍ للولايات المتّحدة على أنّه ردّ فعلٍ عنصريّ ضدّ انتخاب باراك اوباما.

ظلّ المجتمع الأمريكي يعاني من مستويات عالية من العنصريّة والتمييز خلال العشر سنواتٍ الأولى من الألفية الثالثة، فكانت إحدى الظواهر الجديدة في المجتمع هي صعود حركة اليمين البديل (alt-right) وهي عبارة عن تحالف قومي أبيض يسعى إلى طردِ الأقلّيّات الجنسيّة والعرقيّة من الولايات المتحدة. في شهر أغسطس/آب من عام 2017، حضرت هذه المجموعات مسيرة في مدينة شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا، وكانت تهدف إلى توحيدِ مختلفِ الفصائل القوميّة البيضاء ضد الأقليّات العرقيّة، وخلال تلك المسيرة قاد متظاهر عنصريّ أبيض سيّارته باتّجاه مجموعةٍ من المتظاهرين المضادّين مما أسفر عن مقتل شخصٍ واحد وإصابة 19 آخرين. اعتبرت وزارة الأمن الداخلي ومكتب التحقيقات الفيدرالي منذ منتصف عام 2010، أنّ العنف العنصري الأبيض هو التهديد الإرهابي الداخلي الرئيسي في الولايات المتحدة.

من هذا المنطلق جاءت فكرة خلق ازمة جديدة من اجل الخروج من الازمة الحقيقية وهي فشل الادارة الامريكية في وضع السياسات الاقتصادية الملائمة نتيجة الازمة الاقتصادية التي مست جميع القطاعات في الولايات المتحدة الامريكية بسبب وباء كورنا حيث جاءت فكرة العنصرية الثقافية في سياية ترامب الارعن .

 ان الاضطرابات في الولايات المتحدة الأمريكية  الحالية بعد مقتل الأمريكي الأسود جورج فلويد تكشف عن التفاوت الاجتماعي العميق داخل المجتمع جاءت لتكون مخرجا لفشل ادارة الازمة الاقتصادية التي تعصف بامريكا الان .

 ومن جهة اخرى خبراء يعتقدون أن الرئيس ترامب يستغل الاحتجاجات لمصلحته في الانتخابات المقبلة وقد ينجح في ذلك.

فاضت الكأس بالنسبة إلى جو بايدن، مرشح الرئاسة الديمقرلطي الذي كتب على تويتر في الجمعة الماضية: “كفاية”. كلمة نزلت مثل المطرقة. وقبيل ساعات فقط تم توقيف أمريكي أسود على ذمة تحقيق الشرطة. لقد كان مراسلا لقناة سي إن إن أطلقت سراحه لاحقا الشرطة. وعلى الرغم من ذلك كتب بايدن “أنا غاضب ويجب عليكم معرفة ذلك”.

الولايات المتحدة الأمريكية تنغمس في موجة عنف من كاليفورنيا إلى نيويورك ومن مينيابوليس إلى الساحل في تكساس: في أكثر من 75 مدينة وقعت في الأيام الماضية صدامات قوية. وفي مدينة نيويورك احترقت سيارات شرطة وفي لوس أنجليس حصلت أعمال نهب. “إنها لم تعد احتجاجات”، قال اريك غارسيتي، عمدة بلدية لوس انجليس. “إنه تدمير”.

والشرارة التي أثارت هذه الاضطرابات هي الموت العنيف لجورج فلويد الذي قُتل الاثنين الماضي على إثر تدخل الشرطة من مينابوليس. حالة مأساوية لكن ليست حالة استثنائية في علاقة مع عنف الشرطة العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية. وكلمات فلويد الأخيرة “لا أستطيع التنفس” باتت شعار حركة احتجاج على مستوى البلاد لم تشهدها أمريكا منذ عقود من الزمن. والغضب والعنف عوضا الحزن والسخط.

نجح  فلويد  ان يغذي الجدل حول الانقسام الاجتماعي

والوفاة المأساوية لفلويد تغذي جدلا مبدئيا حول الانقسام الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية. وأزمة كورونا تبدو في هذا الإطار مثل مادة مشتعلة تكشف عدم المساواة في المجتمع بشكل أكبر من ذي قبل. ومن لم تكن له وظيفة محترمة قبل تفجر الوباء وتأمين صحي معقول ودعامة مادية فقد كان معرضا بلا حماية لفتك الفيروس.

“أعتقد أن البلاد تواجه أصعب أزمة منذ الحرب العالمية الثانية”، يقول المحلل السياسي الألماني المتخصص في الشأن الأمريكي كريستيان هاكه من بون. فمن جهة يوجد اليأس البين من العنصرية التي تتفجر مجددا مع وفاة فلويد. ومن جهة أخرى هناك الانهيار الاقتصادي والمشاكل السياسية الداخلية للولايات المتحدة الأمريكية. وتضاف إلى ذلك بلا منازع تبعات فيروس كورونا التي تؤدي بعدد أكبر من الأمريكيين إلى اليأس. “وفاة فلويد هي في النهاية شرارة أدت إلى احتراق جميع البلاد”، يقول هاكه.

وتكشف الاحتجاجات أيضا أنه ليس فقط السود من يصرخون من اليأس، فمن بين غالبية المتظاهرين الشباب يوجد أيضا أمريكيون بيض لهم مواقع مرموقة يشعرون على الأقل بنفس اليأس. إنهم يائسون من بلد لا يمنع عنف الشرطة والعنصرية، بل يترك لها المجال. هم يائسون من بلد برئيس مستفز وبدون بدائل سياسية.

“عندما تشاهدون جو بايدن (المرشح الديمقراطي) في التلفزة، فإنه يبدو عجوزا ومكبلا في قبوه. ويشعر المرء تقريبا بأنه لا يقدر على شيء فكريا”، يقول هاكه. وفي النقيض يوجد الرئيس ترامب الذي يصعد الأزمة بتعصبه الأعمى. رئيس أمريكي لا يوحد، بل يقسم البلاد منذ توليه السلطة ويكذب ويناشد الغرائز. والاغتيال والاضطرابات تسرع تحول الحلم الأمريكي إلى كابوس أمريكي، ما يدفع هاكه للقول: “أمريكا تتفكك”.

ان استراتجية ترامب تكمن في بث بذور الفرقة. ويخشى الخبير السياسي الألماني هاكه أن ينجح في مخططه. فترامب يجسد المادية والأنانية والشعور بالحرية غير المتناهي وغطرسة البيض التي تلقى للأسف تأييدا صامتا. ويقول هاكه: “أخشى أن يشعر الكثير من البيض بتأكيد الذات في عنصريتهم”.

هل نجحت الادارة الامريكية فعليا في حجب الأنظار عن الأزمة الحقيقية في بنية الأقتصاد الوهمي الأمريكي والتي بدات الصين تحتل مكانتة الدولية ؟

الأجابة  : الأيام القادمة سوف تجيب على هذا السؤال ولكن بعد فوات الأوان ياسيد ترامب .