دراسات أمنيةدراسات سياسية

الأزمة الأمنية ضمن التهديدات الإقليمية وشروط الأمن القومي

أ.د/ عامر مصباح
جامعة الجزائر 3

يظهر من خلال تسارع الأحداث أن ما يجري داخل البلاد مرتبط بلعبة إقليمية تقودها في الظاهر بعض الدول العربية لكن المحرك الرئيسي من ورائها هو إسرائيل والولايات المتحدة للسيطرة على منطقة شمال إفريقيا كلية ضمن سياق المنافسة الدولية على المنطقة (روسيا، الدول الأوربية الرئيسية، والولايات المتحدة)؛ برز ذلك بوضوح خلال تحرك خليفة حفتر للسيطرة على العاصمة طرابلس مباشرة بعد تقديم الرئيس بوتفليقة استقالته، لكي يتم تنصيب حكومة عسكرية في ليبيا تصبح امتدادا للنفوذ الإسرائيلي على حدودنا الشرقية.
بعيدا عن الوضع المعقد للصراع على السلطة في البلاد الذي لم يحسم لحد الآن، فإننا بحاجة إلى رئيس دولة يحظى بالإجماع الوطني يوفر له حصانة داخلية ضد الوقوع فريسة للنفوذ الإسرائيلي بواسطة بعض الدول العربية؛ وهذا يتطلب عدم الدفع بالوضع الداخلي نحو مزيد من الراديكالية والاستمرار في الضغط على الحكومة الحالية من أجل خلق الفراغ الدستوري وزيادة الاستقطاب السياسي الذي يجعل الرئيس القادم في موقف هش مجتمعيا وذو نزعة أمنية أكثر منها سياسية.


بالطبع الوضعية المثلى لتمدد النفوذ الإسرائيلي عبر عربي هو تصاعد الأزمة السياسية في البلاد إلى أزمة أمنية حادة تنتج الصدام بين الجيش والشعب، وتخلق الحاجة المتزايدة للحكومة القادمة نحو الدعم الخارجي، ومن ثم تتحول إلى رهينة لإملاءات قوى التأثير الإقليمي الإسرائيلي، في ضعية شبيه بالحالة المصرية تقريبا.
من منظور السياسة الواقعية، هناك العديد من المصالح الأجنبية داخل البلاد موزعة على عدد من القوى الرئيسية في النظام الدولي (فرنسا، الولايات المتحدة، روسيا، والصين) يجب على أي رئيس قادم أن يأخذها بعين الاعتبار ويوفر الشروط الضرورية لحمايتها كجزء من مهام الأمن القومي؛ لكن ما هو أسوأ أن نجد أنفسنا رهينة للنفوذ الإسرائيلي بواسطة المساومة على الأمن المجتمعي والوحدة الوطنية للبلاد، أو في أقل تقدير محاصرين بالنفوذ الإسرائيلي من الشرق والجنوب، ومخترقين بشكل مأساوي عبر بوابات عربية.


أهم قضية ملحة في هذا الوضع الذي تمر به البلاد، هو انتخاب رئيس للبلاد خلال المدة الدستورية، والوضعية المثلى أن يكون رئيس الإجماع الوطني، الذي تكون له مهمة رئيسية يتعهد بها أمام الشعب وهي قيادة حوار وطني عميق حول القضايا السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية في البلاد، وألا يتم تبني أي أجندة أو تعديلات دستورية إلا بواسطة استفتاء شعبي.
إن مقاربة الحل مستنبطة من تجربة تسعينيات القرن الماضي، إذ تقضي القراءة المتروية أن أسوأ فترة التي تعرضت فيها البلاد لخطر شديد هي الممتدة ما بين يناير 1992 (تاريخ استقالة الرئيس) إلى عام 1995 (تاريخ انتخاب رئيس للبلاد)؛ وهي الفترة التي تصاعد فيها العنف المسلح إلى ذروته، وحدثت أكبر عملية نهب لأملاك الدولة منذ الاستقلال.

 

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

صخري محمد،مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. يا اخي دكتور مصباح
    ، جزاك الله خيرا ، وبارك فيك كل البركة، هذا ما نراه ، فالخير كلّ الخير في الانتقال عبر الدستور، ولو بعين مبصرة والأخرى عوراء . لكن بدا لي ان العقول أسرتها العواطف الثائرة، وهذه سُدّت عنها كلّ منافذ الاستماع إلا لما تقرّر، والله أعلم بمن قرّر، لكن قد يكون الأعجب : كيف تمكّن ان يصير ما قرر عقيدة لا تقبل النقض .
    أرجو صادقا نشر مقالكم هذا في صحيفة أو موقع إلكتروني يرتاده المنكبُّون على المواقع السطحية . يبدو اننا في حالة خدّر فيها الفساد كل حاسّة استشعار للمخاطر العميقة المتربصة بنا، متوارية وراء الأحداث . خذ مثلا الحورات التي تجريها بي بي سي فستقرأ فيها كل هذه الترتيبات الجارية، تنظر اللحظة المناسبة .
    اخوكم
    د.محمد مراح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock