يتكون هذا الملف من مجموعة من التقارير والوسائط المرئية التي تتناول الأزمة الليبية، كاشفة بعض أبعادها الجيوستراتيجية ومحللة بعض المواقف التي تحتاج للشرح؛ حيث تتقاطع تفاعلات الشأن الداخلي بالحسابات الإقليمية والدولية.

لا نقاش في أهمية ليبيا نظرا لموقعها الاستراتيجي؛ حيث تعتبر نقطة الوصل بين المشرق والمغرب العربيين، ثم إن إطلالتها على البحر الأبيض المتوسط تجعلها من أقرب الدول الإفريقية إلى وسط وغرب أوروبا. وقد ازدادت هذه الأهمية مع تفاقم الأزمة الليبية، فتطلع لاعبون إقليميون ودوليون لدعم هذا الطرف الليبي أو ذاك.

تقف القاهرة منذ 2014 مع الجبهة الشرقية في طبرق وقد ساندت علانية قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ومعها في ذلك الموقف أبو ظبي والرياض وباريس فضلا عن موسكو التي ما فتئ نفوذها في ليبيا يتكرس ويزداد أكثر من أي لاعب آخر. وتتعاطى الدول المغاربية، وخصوصا تونس والجزائر والمغرب، مع الموضوع الليبي بحذر وترقب كادا يتحولان إلى غياب، ورغم أن المغرب رعى اتفاق الصخيرات الأساسي في مسار التصالح الليبي، ورغم أن تونس والجزائر نسَّقتا موقفًا واضحًا مع مصر تَمَثَّل في المبادرة الثلاثية لكن اتفاقية الصخيرات والمبادرة الثلاثية لم تقدم مقاربة لحل الأزمة الليبية حتى الآن.

وكان التدخل التركي لصالح حكومة الإنقاذ في طرابلس، قد غير ميزان القوى لصالح الغرب الليبي على حساب قوات حفتر، وهو ما جعل أنقرة تضع يدها على الكثير من أوراق الملف الليبي.

وتأتي فكرة هذا الملف من الحاجة إلى ضرورة رصد هذه المواقف المتعارضة في توجهاتها والمتفقة على تأمين نفوذ في ليبيا، ومعرفة دلالاتها جميعا وتأثيرها في مسار ومصير الأزمة الليبية.

م

العنوان

الكاتب

1

الدول المغاربية والأزمة الليبية: توافق في التصورات وتضارب في الأداء

عد النور بن عنتر

2

مأزق سرت: الدور التركي في ليبيا ومواقف المعارضين

محمد سمير الرنتيسي

3

خط دفاع متقدم: أهداف تدخل موسكو في ليبيا

مركز الجزيرة للدراسات

4

خيارات الأمن القومي المصري في ليبيا: طبيعة التحديات وكفاية السلوك الرسمي

غاندي عنتر

الدول المغاربية والأزمة الليبية: توافق في التصورات وتضارب في الأداء

تزداد الأزمة الليبية(1) تعقيدًا مع تنامي التدخلات الأجنبية التي أصبحت، بعد ما يقارب عقدًا، عقبة في حد ذاتها أمام أية تسوية سلمية بين الفرقاء الليبيين الذين فقدوا المبادرة لارتباطاتهم القوية مع أطراف خارجية. وهذا ما جعلهم يخوضون حربًا بالنيابة على حساب وطنهم الممزق أشلاءً. لقد انخرطوا في لعبة سياسية، ذات أبعاد إقليمية ودولية، تتجاوزهم تمامًا وصار فيها الداعم حَكَمًا وعاملًا مستقلًّا بينما المدعوم خاضعًا وعاملًا تابعًا. فمثلًا لا يمكن لمعسكر خليفة حفتر أن يتخذ أي قرار استراتيجي بدون الضوء الأخضر (والدعم) من الإمارات ومصر. والشيء نفسه يقال عن حكومة الوفاق مع تركيا، منذ فترة وجيزة. إنه منطق الحروب بالنيابة ونمط علاقتها (المتبوع والتابع).

ميدانيًّا، شهد مسار الأزمة مؤخرًا تطوراتٍ نوعيةً مع دخول تركيا على الخط بدعمها المباشر لحكومة الوفاق الوطني مغيرةً موازين القوى لصالح هذه الأخيرة على حساب كتائب المشير المتقاعد حفتر لتكتمل الحلقة المعقدة للأزمة الليبية. فحكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا تلقى دعمًا سياسيًّا من الكثير من الدول لكن ذلك لا ينفع ميدانيًّا ما دامت تفتقر إلى الدعم العسكري، على عكس خصمها حفتر الذي يتمتع بالدعم السياسي والعسكري من قبل عدة دول. جاء التدخل التركي ليصحح هذا الاختلال وليفرض مشهدًا جديدًا. فأين هي الدول المغاربية، وتحديدًا تونس والجزائر والمغرب، من هذه اللعبة المعقدة علمًا بأنها ليست ضمن فئة “المتبوع” بحكم ضعف ثقلها في الأزمة الليبية واستناد مواقفها إلى مبادئ تقوم على الوقوف على المسافة نفسها من الأطراف الليبية المتناحرة ورفض التدخل الأجنبي؟ فرضيتنا هنا هي أن هذه الدول الثلاث معنية أكثر من غيرها بالأزمة الليبية، بحكم الجوار الجغرافي، لكنها الأقل تأثيرًا فيها، فهي لا في العير ولا في النفير.

طغيان التنافس رغم التوافق في التصورات

لا تزال انقسامات المغاربة خاصية بنيوية لعلاقاتهم البينية بشأن الأزمة الليبية التي يظل فيها الدور المغاربي المؤثِّر غائبًا، لتبقى الدول المغاربية، كما في 2011 “متفرقة أينما ولَّت وجهها”(2)؛ حيث انعكست “العقدة الجيوستراتيجية” للعلاقات بين المغرب والجزائر(3) سلبًا على الأزمة الليبية التي تحولت بمجرد انفجارها إلى مصدر خلاف إضافي بين البلدين ومسرحًا للتنافس بينهما. ويعد تعميق الهوة بينهما “أحدَ أبرزِ التداعيات الاستراتيجية للأزمة الليبية”(4). لم يتغير المشهد منذ تلك الفترة، فالدينامية السياسية هي نفسها؛ فمثلًا يرى البعض في المغرب يدًا جزائرية وراء عدم دعوة بلادهم إلى المشاركة في مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية، مطلع العام الجاري(5). وكأن الجزائر العائدة للتو للساحة الليبية(6) لها ما يكفي من النفوذ لإقصاء المغرب من مؤتمر تنظمه ألمانيا، علمًا بأنه سبق وأن أُقصيت هي أيضًا والدول المغاربية الأخرى من مؤتمر حول ليبيا نظمته فرنسا، عام 2016. الاستثناء الوحيد في الانقسامات المغاربية البينية هو التوافق في المواقف الجزائرية-التونسية حيال الأزمة الليبية.

المثير للانتباه أن الدول المغاربية الأكثر انخراطًا في التحركات السياسية بشأن التسوية، أي تونس والجزائر والمغرب، تتفق وتقول بالمبادئ نفسها: التسوية السلمية وليس العسكرية، والحوار الشامل لكل الأطراف الليبية؛ وحل ليبي-ليبي وليس تسوية مفروضة من الخارج؛ ورفض التدخل الأجنبي. لكن هذه الأرضية المشتركة لم تمكِّن حتى من الشروع في نقاش حول تنسيق جماعي لترجمة هذه المبادئ على أرض الواقع. صحيح أن هناك توافقًا استراتيجيًّا وتعاونًا بين الجزائر وتونس بشأن الأزمة الليبية، لكنَّ التنافسَ هو السائدُ في العلاقة بين الجزائر والمغرب. فهما يسعيان للهدف ذاته لكنهما يتنافسان، وهو ما يقود في النهاية إلى تحييد متبادل لجهودهما رغم تكاملها.

“فتن” المؤتمرات الدولية تعمِّق الشرخ المغاربي

تكاد الخلافات بشأن قائمة الدول المدعوة/الواجب دعوتها لحضور هذه المؤتمرات ترقى وربما تطغى على الخلافات حول الأزمة الليبية نفسها. وما دامت الجوانب التنظيمية على هذا النحو من الأهمية والجدال فلا يمكن أن ننتظر نتيجة تذكر من هذه المؤتمرات، فضلًا عن ذلك تعبِّر هذه الأخيرة عن التنافس السياسي الحاد بين مختلف الأطراف وعن حرب المبادرات/المؤتمرات التي تزدادا عددًا فيما تزداد الأزمة تعقيدًا. ففي 2016، نظَّمت فرنسا مؤتمرًا حول الأزمة الليبية دعت إليه دولًا تمثل المعسكرين (الدول المساندة لحفتر وتلك المساندة لحكومة الوفاق)، فيما أقصت الجزائر التي عبَّرت حينها عن امتعاضها وانتقادها لتعدد المسارات، كما أقصيت الدول المغاربية الأخرى.

يبدو أن وهن المواقف المغاربية في الملف الليبي يعود أيضًا إلى التزامها الحياد الإيجابي؛ بما أن منظمي المؤتمرات الدولية يسعون عمومًا إلى تقريب وجهات النظر بين المعسكرين الخارجيين ليضغطا على “زبائنهما” الليبيين، فالموقف الحيادي للدول المغاربية جعلها عمليًّا خارج المعادلة السياسية؛ فهي لا تدعم الفصائل الليبية، بشكل مباشر أو غير مباشر، وبالتالي لا تملك أوراق ضغط عليها.

آخر فتنة في سلسلة فتن المؤتمرات كانت بشأن مؤتمر برلين المنعقد في يناير/كانون الثاني 2020، الذي حضرته الجزائر وغاب عنه المغرب، الذي لم يتلق الدعوة فيما رفضت تونس المشاركة فيه لأنها تلقتها متأخرة. أثار هذا حفيظة المغرب وتونس اللذين انتقدا إقصاءهما من المؤتمر رغم دورهما في الأزمة الليبية وجوارهما الجغرافي خصوصًا بالنسبة لتونس. ربما أهم درس نستخلصه من هذا الجدل هو أن الدول المغاربية متفرقةٌ حتى لو كانت تصوراتها متطابقة، وعاجزةٌ حتى عن الحد الأدنى من التضامن البيني فلم تتفق على موقف واحد من مؤتمر باريس (2016) ولا من مؤتمر برلين (2020) ولا غيرها؛ فبالرغم من تنسيقها الوثيق مع تونس حول الأزمة الليبية لم تشترط الجزائر حضور تونس المؤتمر. هكذا تطغى الدبلوماسية الفردية على العمل الجماعي والنتيجة في النهاية هي تهميش الدول المغاربية كلها وإضعاف موقفها. ثم كيف بها أن تعيب على الآخرين تنظيمهم مؤتمرات يختارون المشاركين فيها فيما عجزت هي عن تنظيم مؤتمر مغاربي واحد حول الأزمة الليبية. فهي التي خلقت الظروف الملائمة لتهميشها من قبل الدول المتدخلة في ليبيا وعليها أن تتحمل المسؤولية التاريخية في عدم صون الأمن الإقليمي المغاربي وفي ترك المنطقة المغاربية ساحة لعبث الكبار والصغار من الأطراف الدولية والإقليمية. إن أرادت أن تكون لها كلمة وثقل في الأزمة الليبية، فعليها أولًا أن تعيد النظر في علاقاتها البينية على الأقل فيما يخص هذه الأزمة -وفقًا لقاعدة نتعاون فيما اتفقنا عليه ولنترك ما اختلفنا عليه- وأن تتخذ مواقف حازمة من الدول المتدخلة في ليبيا، علمًا بأن معظمها متورط في بؤر توتر أخرى (سوريا واليمن) ما يعني أن هذه الدول صارت عاملًا مزعزعًا لاستقرار المنطقة المغاربية ويجب التعامل معها على أنها قوى مهددة للأمن الإقليمي. بيد أن الدول المغاربية تبقى متمسكة بمصالحها القومية الأنانية ومكبلة الأيدي بسبب تحالفاتها/خياراتها الخارجية، لذا فليس لها إلا أن تلوم نفسها، وعليها أن تعلم أن المشكلة ليست في قوة الآخرين وإنما في انكشافها ووهنها هي.

الدول المغاربية مكبلة الأيدي

يمكن تفسير وهن الدول المغاربية الثلاثة في مواقفها إزاء الأزمة الليبية بأربعة عوامل أساسية:

  • الاعتبارات والظروف المحلية الخاصة بكل بلد، والتي لا يمكن الخوض فيها هنا.
  •  التنافس التقليدي الجزائري-المغربي الذي وجد في الإطار الإقليمي لما بعد الانتفاضات الديمقراطية العربية قضايا تنافسية جديدة(8)؛ إذ حدث تفاعل بين العوامل البنيوية والطارئة حوَّل الأزمة الليبية إلى مسرح للتنافس بدل ميدان للتعاون خدمة للمصالح القومية للبلدين وللأمن المغاربي عمومًا.
  • المفارقة في المواقف المغاربية وتحديدًا المغربية والجزائرية، فبالرغم من تطابق تصورات البلدين لتسوية الأزمة الليبية وتكامل جهودهما السلمية (تسوية الأزمة الليبية سياسيًّا على أساس حوار شامل لا يُقصَى فيه أحد ووفقًا للشرعية الدولية) فإن ذلك لم يَقُدْ لتنسيق مشترك، بل لتعارض وتضارب لا يزالان يطبعان موقفهما(9).
  • أهمية التحالفات أو على الأقل الارتباطات السياسية والاستراتيجية وهو ما يشير إلى الثقل المهمل للأزمة الليبية في الحسابات الاستراتيجية للدول المغاربية.

فهل المغرب والجزائر وتونس على استعداد للتضحية بنوعية علاقاتهم مع فرنسا لأجل ليبيا، عِلْمًا بأن فرنسا بوابتهم نحو الاتحاد الأوروبي؟ هل الجزائر مستعدة للإخلال بعلاقتها الاستراتيجية (اعتمادها شبه الكلي على الأسلحة الروسية) في سبيل ليبيا؟ وهل هي مستعدة للإخلال بعلاقتها مع مصر من جهة والإمارات من جهة ثانية من أجل ليبيا؟ وهل هي مستعدة للإخلال بعلاقتها (السياسية والاقتصادية) مع تركيا خاصة أن هذه الأخيرة حققت عمليًّا ما تعتبره الجزائر خطًّا أحمر؛ حيث سمح الدعم التركي لحكومة الوفاق ليس فقط بحماية العاصمة بل باسترجاع زمام المبادرة العسكرية؟ هل المغرب مستعد للإخلال بعلاقته الاستراتيجية (سياسة واقتصاد وتسلح) مع فرنسا من أجل ليبيا؟ والتساؤل ذاته بخصوص علاقته مع مصر والإمارات (اللتين تُعدان إحدى العقبات الأساسية أمام تنفيذ اتفاق الصخيرات الذي رعاه)؟ وهل بمقدور تونس الإخلال بعلاقتها الاستراتيجية مع فرنسا من أجل ليبيا؟

إن المشهد في غاية التعقيد والدول المغاربية مكبلة الأيدي بسبب تفضيلاتها الاستراتيجية ومصالحها القومية، ما يعني أن خطابها حول أهمية (تسوية) الأزمة الليبية بالنسبة لأمنها القومي لا يُترجم عمليًّا إلى إجراءات فعلية لأن هذه الأزمة ليست أولوية استراتيجية إلى درجة تجعلها تعيد صوغ علاقاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية، المتدخلة في ليبيا، حتى وإن كانت مخاطر تقسيم ليبيا هاجسها الأمني الأكبر.

الجزائر: اهتمام متجدد وأداء محدود

تعد الجزائر من أكثر الدول انخراطًا في عملية التسوية السياسية لهذه الأزمة إلاَّ أن إنجازاتها محدودةٌ للغاية، لاسيما أن خيار الحسم العسكري يجهض كل محاولات التسوية السلمية نظرًا للدعم الإقليمي والدولي لمعسكر شرق ليبيا الأقوى عسكريًّا، قبل أن يقلب ولوج تركيا ساحة الميدان الموازين ويعيد الاعتبار عسكريًّا لمعسكر غرب ليبيا. لكنَّ ضعفَ النفوذ الجزائري في ليبيا لا يعود فقط لأفعال الآخرين وإنما أيضًا إلى أمور تخص الجزائر تحديدًا. فلم تنجح دبلوماسيتها في كبح جماح التدخل المصري من خلال الآلية التعاونية الثلاثية (الجزائر وتونس ومصر). وربما يعد عدم التأثير على موقف مصر أكبرَ فشل للدبلوماسية بالجزائرية في الأزمة الليبية. كما أنها لم تفلح في إقناع الأطراف الأخرى، الإقليمية والدولية، بصواب رؤيتها، رغم أنها الدولة الأكثر ذودًا عن الحدود الليبية غربًا بالنظر للتعداد الهائل للقوات التي نشرتها لحماية الحدود المشتركة. ويعد رفض أطراف ليبية وإقليمية ودولية تعيين رمطان لعمامرة، وزيرها للخارجية السابق، مبعوثًا للأمم المتحدة في ليبيا، دلالة أخرى على ضعف نفوذ الجزائر في الأزمة الليبية.

فضلًا عن ذلك، هناك عامل داخلي حساس كانت انعكاساته كبيرة على أداء الدبلوماسية الجزائرية، وهو مرض الرئيس السابق ثم الحراك الذي أدى إلى استقالته. فمرض عبد العزيز بوتفليقة جعل الدبلوماسية الجزائرية، المعروفة بنشاطها، تعيش حالة محتضرة؛ حيث أطنبت في التريث فكان أن طَبَعَها الجمود، لأنها بقيت تترقب ما قد يصدر من رئاسة الجمهورية من أوامر، ما جعلها متأخرة في كل شيء ولا تأثير لها على مجريات الأمور. إلا أن تريثها التقليدي سرعان ما حل محله نوع من التسرع الذي تجسد في تصريح رئيسها الجديد، عبد المجيد تبون: “طرابلس خط أحمر نرجو ألا يتجاوزه أحد”(10). إنها أول مرة تتخلى فيها السلطات الجزائرية عن حذرها الدبلوماسي، وتتبنى نبرة حادة وتهديدية. لكن في العبارة تناقض؛ فمن جهة تتحدث عن خط أحمر، ومن جهة ثانية تستخدم الفعل “نرجو”، والرجاء ليس مفردة مناسبة للتحذير والوعيد. فهل المقصود منه التخفيف من حدة الشق الأول من الجملة، أم إقرار بأن ليس أمام الجزائر خيارات لتنفيذ وعيدها على الأقل لأنها تستبعد تمامًا التدخل خارج حدودها(11). حسبنا أن الرسالة موجهة بالأساس إلى مصر الراعية السياسية والعسكرية لحفتر، لأن هذا الأخير لا يتحرك دون ضوء أخضر/تشاور مسبق معها.

إن الحديث عن خط أحمر دون توافر الوسائل والقدرة والعزيمة السياسية على استخدامها لفرض عدم تجاوزه أو لمعاقبة من تجازوه يمس، في واقع الحال، بمصداقية من يقول به. ومن هذه الزاوية، فإن تصريح السلطات الجزائرية فيه الكثير من التسرع وقليل من الاتزان، ثم إن قوة موقف الجزائر -بغضِّ النظر عن ضعف نفوذها عمليًّا- تأتي من كونها تقول دائمًا بعدم التدخل الأجنبي في ليبيا، ولم تتدخل قطُّ في شؤونها على غرار تونس والمغرب، فموقفها متسق ومنسجم، بينما كل الدول الداعية لعدم التدخل الأجنبي (مصر، وفرنسا، وغيرهما) تتدخل، بشكل أو بآخر، في الأزمة الليبية. ثم إن هذا الوعيد قد يُفهم منه أيضًا أن الجزائر تضع حدًّا لحيادها بدفاعها صراحة عن حكومة الوفاق. هذا التحليل قد يكون صحيحًا، لكن التصريح الأخير للرئيس الجزائري يشير إلى عكس ذلك. حيث أكد في حواره، يوم 4 يوليو/تموز 2020، مع قناة فرانس 24 (النسخة الفرنسية) أن حكومة الوفاق الليبية “تجاوزها الزمن”؛ ما يعني أن الوعيد يخص ضرورة إبقاء قوات حفتر بعيدًا عن طرابلس بغضِّ النظر عن السلطة الموجودة في العاصمة الليبية. المثير للانتباه أنها المرة الثانية في ظرف زمني قصير جدًّا التي ينتقد فيها رئيس مغاربي حكومة الوفاق الليبية، بعدما تحدث الرئيس التونسي، قيس سعيد، خلال زيارته لباريس، عن “شرعية مؤقتة لحكومة الوفاق”(12).

توافق مغاربي على رفض المبادرة المصرية

أعلن السيسي، مطلع شهر يونيو/حزيران 2020، عن مبادرة مصرية لتسوية الأزمة الليبية من بنودها: إعلان دستوري؛ وتفكيك الميليشيات؛ وإعلان وقف إطلاق النار؛ وتشكيل قيادة موحدة منتخبة؛ وانسحاب كل الوحدات العسكرية الأجنبية من الأراضي الليبية… المثير أن مصر الداعمة للمعسكر الشرقي والتي طالما أجهضت، من خلال موقفها هذا، كل مبادرات التسوية تعلن عن هذه المبادرة في مؤتمر صحفي بالقاهرة للسيسي وحفتر؛ وهذا دلالة على أنها جاءت لإنقاذ هذا الأخير بعد تراجع قواته ميدانيًّا لصالح قوات حكومة الوفاق، التي بسطت سيطرتها مجددًا على الجزء الأكبر من شمال غرب البلاد، بدعم من تركيا؛ ومن ثم فحظوظ نجاح هذه المبادرة ضئيلة جدًّا. فمجرد النظر في المواقف الإقليمية والدولية يكفي لترجيح فشل المبادرة المصرية؛ فالإمارات والسعودية وروسيا وفرنسا وأميركا سارعت إلى تأييدها، بينما رفضتها تركيا وقطر، كما تجاهلتها ورفضتها الدول المغاربية الثلاثة (تونس والجزائر والمغرب)، كما لقيت رفض حكومة الوفاق الليبية، وإن كانت الكلمة الفصل تعود لرفض تركيا كونها هي من قلب الموازين ميدانيًّا وأجبر مصر، الرافضة أصلًا لتسوية سلمية لا تتوافق وخريطة الحسم العسكري لصالح حليفها، على إطلاق مبادرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. موقف مصر المضطرب، مبادرة سياسية ثم تهديد بالتدخل، هو في واقع الحال موقف دفاعي أكثر منه هجومي، فالغرض منه إنقاذ ما يمكن إنقاذه وليس إيصال قوات حفتر إلى مشارف طرابلس من جديد.

ربما العبارة الأنسب لوصف موقف الدول المغاربية حيال المبادرة المصرية لتسوية الأزمة الليبية هي: مَنْ أجهض الجهود السلمية فاقد الأهلية لبعث السلام من جديد. رفضت الدول المغاربية الثلاثة المبادرة المصرية، صراحة في حالة المغرب وضمنًا في حالتي الجزائر وتونس(13). فالمغرب رفض أي اتفاق جديد بشأن الأزمة الليبية، معتبرًا، على لسان وزيره للشؤون الخارجية، ناصر بوريطة، أن اتفاق الصخيرات هو “المرجعية لأي حل في ليبيا”(14). فيما أعلنت تونس، على لسان وزيرها للشؤون الخارجية، تمسكها بالشرعية الدولية وبقرارات الأمم المتحدة كسبيل وحيدة لتسوية الأزمة الليبية، مجددة دعمها لحكومة الوفاق(15)؛ أما الجزائر فرفضتها ضمنيًّا مؤكدة، في بيان لوزارة الشؤون الخارجية، على موقفها “القائم على الوقوف على مسافة واحدة من الأشقاء الليبيين” وعلى “الجهود التي بذلتها (…) من أجل التوصل إلى تسوية سياسية (…) وحل سياسي شامل وفقًا للشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن وفي إطار احترام إرادة الشعب الليبي الشقيق”(16). من الواضح أن هذا البيان يرفض مبادرة مصر وينتقد موقفها بمجرد التذكير بالمبادئ التي يستند إليها موقف الجزائر. فالتذكير بجهودها ووساطتها في الأزمة الليبية تعبير عن عدم رضاها عن مبادرة جديدة خاصة أنها تأتي من بلد منحاز لطرف معين ولطالما عرقل، إن لم نقل: أجهض، مساعيها السلمية. ويبدو أن الجزائر تعيب على مصر انتهاكها لالتزامات مؤتمر برلين؛ وهذا ما يُفهم من كلام الرئيس الجزائري، الذي صرَّح في حواره مع قناة فرانس 24 التليفزيونية بأن بلاده لم تطرح أية مبادرة جديدة لأنه التزمت خلال مؤتمر برلين، على غرار الدول المشاركة الأخرى، عدم إطلاق “أي مبادرة فردية تجنبًا للتطفل على [مخرجات] مؤتمر برلين”. لكن التشديد على الشرعية الدولية يعني أن الجزائر وتونس ترفضان أي حل يُفرَض بالقوة سواء لصالح حفتر بدعم مصري وحلفائها أو لصالح حكومة الوفاق بدعم تركي.

تؤسس الدول المغاربية الرافضة للمبادرة المصرية موقفها على أساس مرجعية مشتركة ثلاثية الأبعاد: الوقوف على المسافة ذاتها من كل الفرقاء وضرورة التمسك بالشرعية الدولية؛ ورفض مبادرة مصرية تتجاهل كل جهودها ومبادراتها السابقة، خاصة أن مصر عرقلت هذه المبادرات وأجهضتها، بشكل أو بآخر. فمنذ سنوات خلت تعمل هذه الدول على إيجاد تسوية سلمية يتفق عليها مجمل الفرقاء الليبيين، بينما تساند مصر والإمارات حفتر بشكل مباشر وتحثَّانه على الاحتكام للقوة العسكرية لحسم الصراع لصالحه ووفقًا لشروطه؛ ما أجهض كل المفاوضات السياسية التي رعتها الجزائر والمغرب. ولا جدال في أن تونس والجزائر قد عيل صبرهما من موقف مصر، التي تقول، في إطار الثلاثية (تونس والجزائر ومصر) بالحل السلمي لكنها عمليًّا تدعم وتسلِّح حفتر بمعيَّة الإمارات وتحمِّلانها مسؤولية فشل المبادرة الثلاثية لتسوية الأزمة الليبية، المعروفة بإعلان تونس(17)، التي أطلقتها كل من تونس والجزائر ومصر، في يونيو/حزيران 2018(18). لكن هذه المرجعية المغاربية المشتركة تحجب الرؤية، في واقع الحال، عن مرجعيات متنافسة: تونس تذكِّر بمبادرة السلام التي أطلقها الرئيس الراحل، الباجي قايد السبسي، والجزائر تذكِّر بمساعيها ووساطتها وبالمسار التفاوضي، بين الأشقاء الليبيين، الذي رعته وتريد إحياءه، والمغرب يصر على اتفاق الصخيرات. بالنسبة لدول مثل الجزائر وإيطاليا، هناك مرجعية حديثة وهي مخرجات مؤتمر برلين (الهدنة، وحظر تصدير الأسلحة للفصائل الليبية المتحاربة؛ واستئناف العملية السياسية؛ ودعوة الأمم المتحدة لفرض عقوبات في حق كل من لا يلتزم بهذه المبادئ). لكن هذه المرجعية لا يبدو أنها تلقى الاهتمام نفسه من قبل دول أوروبية، مثل: ألمانيا وفرنسا، التي رحبت بالمبادرة المصرية بالرغم من الالتزام الجماعي، بموجب مؤتمر برلين، بعدم إطلاق مبادرات فردية.

بلغت تناقضات الأزمة الليبية مستويات غير معهودة، فدول تتدخل في الشأن الليبي مساندة حفتر، على غرار مصر وفرنسا، تدين التدخل! فمصر السيسي التي ضربت قرارات الأمم المتحدة الخاصة بليبيا عرض الحائط، بدعمها السياسي والعسكري لحفتر، تتحدث الآن عن الشرعية الدولية وتدعو في مبادرتها إلى إخلاء ليبيا “من المرتزقة الأجانب”. بينما تقول لجنة من خبراء بالأمم المتحدة: إن الإمارات العربية زوَّدت حفتر بأسلحة ومرتزقة، ومن المستبعد أن يكون ذلك قد تم بدون موافقة ودعم مصر. وتشير مختلف التقارير إلى وجود مرتزقة من مختلف الجنسيات في صفوف قوات حفتر فضلًا عن مرتزقة روس(19). كما تُتهم تركيا أيضًا بإرسال مرتزقة إلى ليبيا(20).

ما الذي دفع بلدًا اختار منذ البداية الحسم العسكري لإطلاق مبادرة سلام؟ هناك ثلاثة دوافع أساسية:

  1. محاولة وقف تقهقر قوات حفتر أمام قوات حكومة الوفاق.
  2. ربما سعي مصر لإنهاء تورطها العسكري غير المباشر لأنه يثقل كاهلها سياسيًّا وماديًّا.
  3. وعلى الدافع الثاني، ربما تريد أن تتخذ من هذه المبادرة ذريعة لتتدخل عسكريًّا بشكل مباشر لإنقاذ حليفها بذريعة رفض عرضها للسلام.

وقد يكون هذا التكتيك هو الأقرب إلى الواقع؛ لكونه جاء منذ حوالي أسبوعين كانا قد فصلاَ بين طرح مصر مبادرتها السلمية لتسوية الأزمة وتهديدها بالتدخل العسكري المباشر. وإن كان هذا التهديد مجرد محاولة ضغط على أطراف تساند حكومة الوفاق، وتحديدًا تركيا، لأنه بالنسبة لمصر صارت موازين الربح والخسارة تميل بقوة لصالح التدخل غير المباشر الذي تعمل به منذ سنوات. ومهما كان، فإن موقف مصر المضطرب قدَّم مبادرة سياسية ثم تهديدًا بالتدخل في فترة وجيزة، وهو في واقع الحال موقف دفاعي أكثر منه هجومي، فالغرض منه إنقاذ ما يمكن إنقاذه وليس إيصال قوات حفتر إلى مشارف طرابلس من جديد.

ما العمل؟

بإمكان الدول المغاربية أن تتفق على خطة سلام في ليبيا مقترِحة مثلًا تحسين بعض بنود اتفاق الصخيرات التي تنتقدها الأطراف الليبية بإشراكها في عملية المراجعة هذه، ومتفادية بذلك مسارات فردية متنافسة. ومراعاة لحساسية علاقاتها، يمكن أن تكون المفاوضات على شكل جولاتٍ تُنظم كل واحدة منها في عاصمة مغاربية، على أن تُشكَّل لجنة مغاربية رباعية تونسية-جزائرية-مغربية-موريتانية عليا لمتابعتها. وأن تعمل جديًّا على تنفيذها، وعلى أن تتفق مسبقًا -وعلى أساس قناعة سياسية راسخة- على مبدأين: أمن ليبيا الموحدة من أمن الدول المغاربية القومي وما لذلك من تبعات؛ والتهديد وتنفيذ التهديد -إن اقتضى الأمر- بمراجعة مستوى علاقاتها مع الدول التي لا تحترم مبدأ عدم التدخل وحظر الأسلحة الذي أقرته الأمم المتحدة. لاسيما أن لها هامشَ مناورة بما أنه باستثناء فرنسا لا توجد قوة كبرى منخرطة في الأزمة الليبية لصالح الطرف الذي طالما تمسك بخيار الحسم العسكري.

على الدول المغاربية أن تدع خلافاتها جانبًا وتنسق فيما بينها لأن الأمن الإقليمي المغاربي وسمعتها كدول على المحك. عليها أن تعيد النظر في علاقاتها، حسب قدراتها المتاحة، مع الدول المتدخلة في ليبيا. فلا يعقل الإشادة بعلاقات أخوية مع دول عربية وبعلاقات جيدة بل واستراتيجية مع دول غير عربية تتدخل جميعها في ليبيا مخلَّة بالمصالح الأمنية المغاربية. إن الإشادة بهذه العلاقات يعني أن الدول المغاربية لا تقر بالارتباط الوثيق بين أمنها القومي الخاص والأمن الإقليمي المغاربي. عليها أن تضع حدًّا لتناقض موقفها: بأن تقيم علاقات مميزة وحتى استراتيجية مع الدول المتدخلة في ليبيا وفي الوقت ذاته تندد بالتدخل الأجنبي! فلا أحد، والحال هكذا، سيأخذها محمل الجدل. دون إعادة النظر في علاقاتها الثنائية مع الدول المتدخلة لا أحد يعير أهمية لمواقفها، لاسيما أن موازين القوى في غير صالحها في هذا الأزمة.

مأزق سرت: الدور التركي في ليبيا ومواقف المعارضين

دخلت ليبيا في أعقاب الانتصارات التي حققتها حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا مؤخرًا مرحلة جديدة؛ حيث أدت هزيمة قوات الجنرال خليفة حفتر في طرابلس وخاصة خسارة الأخير لقاعدة الوطية الاستراتيجية ومدينة ترهونة، وتمركز قوات حكومة الوفاق في محيط مدينة سرت من أجل السيطرة عليها، إلى انتهاء “أزمة البقاء” التي كانت تهدد حكومة الوفاق منذ أبريل/نيسان 2019، وبشَّرت بالانتقال من “مرحلة الأزمة إلى مرحلة التأسيس”(1).

ولعل قدوم الوفد التركي الكبير ومن ثم الإيطالي والأميركي إلى طرابلس يشير إلى رغبة هذه الأطراف في التوصل لتفاهمات مع حكومة الوفاق، وفيما يمكن التوقف عند العديد من النقاط والملاحظات فيما يتعلق بالبعد الدولي للتطورات، فإن الملاحظة التي تعتبر جوهرية في سياق هذه الورقة هي أن تركيا -التي دعمت وحدها تقريبًا بشكل عملي حكومة الوفاق المعترف بها من الأمم المتحدة والتي تم التخلي عنها وتُركت لتواجه عدوان حفتر الذي حصل على دعم من أطراف عدة إقليمية ودولية- تبدو من أهم الرابحين في سياق معركة طرابلس، وأن قرار حكومة الوفاق سيراعي وجهة النظر التركية في تحديد المسار سواء بالمغامرة في دعم التقدم العسكري المحدود أو التعامل بهدوء لتحقيق تسوية مقبولة(2).

تستعرض هذه الورقة القراءة التركية لردود الأفعال المعارضة لدورها في ليبيا والتي هددت بعدم السماح لتركيا بمواصلة دورها المتصاعد سواء من مصر أو فرنسا أو روسيا وخاصة بعد تحديد منطقة سرت/الجفرة خطًّا أحمر، ومدى جدية هذه المواقف من وجهة النظر التركية، وتقف الورقة على سيناريوهات الدور التركي من خلال مسارات معركة سرت، وترى تقدم حكومة الوفاق نحوها أصبح أكثر تعقيدًا في ظل مراكمة القوة ووضع العراقيل من الأطراف المعارضة، وفي ظل الضعف الأوروبي والتردد الأميركي مما يشي باستمرار الوضع الحالي ما لم يتم التوصل لتوافق تركي-روسي باعتبارهما أكثر طرفين خارجيين لديهما قدرة على تحديد مسار المرحلة القادمة.

ما يخشاه داعمو حفتر

يخشى داعمو حفتر من تحوُّل حكومة الوفاق من وضع دفاعي إلى وضع هجومي بعد هزيمة حليفهم في طرابلس ومحيطها وانسحاب قواته شرقًا، وبالرغم من استياء داعمي حفتر من أدائه فقد كان لديهم خشية واضحة (روسيا، فرنسا، مصر، الإمارات) من تلقيهم مزيدًا من الخسائر، ولذلك سعوا لإيقاف تقدم حكومة الوفاق نحو سرت، ولتثبيت الوضع الحالي على الأقل، وجرى فرض وقف إطلاق نار بشكل سريع قبل سيطرة حكومة الوفاق على سرت.

وقد أسهم في التحرك السريع للجهات الداعمة لحفتر ما تمثله سرت من أهمية لكافة الأطراف حيث إن سيطرة حكومة الوفاق عليها تفتح الطريق للسيطرة على الموانئ النفطية القريبة منها وتزيد من رغبتها في استعادة منطقة الهلال النفطي التي تمثل 60% من صادرات ليبيا النفطية، بالإضافة إلى أن إرهاصات السيطرة عليها جعلت بعض القبائل تبدأ في التحول من تأييد حفتر إلى تأييد حكومة الوفاق. وسيجعل بقاء حفتر مسيطرًا عليها إمكانية تكرار هجماته على طرابلس حاضرة.

وتعتبر سرت التي تقع على البحر المتوسط، حسب بعض المصادر التركية، مهمة لفرنسا كنقطة تجميع مهمة للموارد (الذهب واليورانيوم) التي تحصل عليها فرنسا من مالي وتشاد والنيجر، فضلًا عن النفط الليبي(3)، وهي أيضًا تصلح لإنشاء قاعدة بحرية على غرار قاعدة حميميم الجوية الروسية فضلًا عن أنها تقع شمال قاعدة الجفرة الجوية التي توجد فيها حاليًّا ميليشيات فاغنر التي انسحبت من محاور القتال في محيط طرابلس بالإضافة إلى 14 طائرة حربية روسية أرسلتها موسكو مؤخرًا، حسب الادعاءات الأميركية، ومن المرجح أن روسيا ترغب فيها كقاعدة دائمة لوجودها في شمال إفريقيا، أو على الأقل للحفاظ على موطئ قدم في ليبيا وعلى الجبهة الجنوبية لأوروبا (الناتو) الذي نشر درعًا صاروخية على حدود روسيا الغربية(4).

مبادرات وقف إطلاق النار

بدأت محاولات إنقاذ حفتر عبر الدعوة لوقف إطلاق النار، وترجمت مصر رغبة روسيا وفرنسا في إنقاذ حفتر من خلال “إعلان القاهرة” والذي تضمن مقترحًا بوقف لإطلاق النار يبدأ من 8 يونيو/حزيران 2020 ودعوة للالتزام بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا والعمل على استكمال مسار أعمال اللجنة العسكرية 5+5 برعاية الأمم المتحدة(5)، وضمان تمثيل عادل لأقاليم ليبيا الثلاث في مجلس رئاسي ينتخبه الشعب تحت إشراف الأمم المتحدة، وأيدت كل من روسيا وفرنسا والإمارات والسعودية والأردن، مباشرة، إعلان القاهرة(6)، ولكن حكومة الوفاق لم تقبل بالمبادرة المصرية بادعاء أنها “تضمنت مغالطات ولم تُشر من قريب أو بعيد للاتفاق السياسي”. كما أن الإعلان عنها بوجود حفتر فقط لم يكن من المتوقع معه القبول بها(7).

من جهتها، ساندت تركيا موقف حكومة الوفاق الرافض للمبادرة المصرية لوقف إطلاق النار واعتبرت أن المبادرة “وُلدت ميتة” وأنها محاولة غير موثوقة لكسب الوقت تهدف لإنقاذ حفتر الذي رفض توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في موسكو وبرلين، وبالتالي لا مكان له في أي اتفاق مستقبلي، ومسار فردي لا حاجة له في ظل وجود مسارات عاملة مثل جهود الأمم المتحدة ومؤتمر برلين(8). وترى تركيا أن الوقف الدائم لإطلاق النار يجب أن يكون تحت مظلة الأمم المتحدة.

وبالطبع، لا يبدو الموقف التركي من المبادرة المصرية مستغربًا بالنظر للعلاقات المتدهورة بين البلدين، ولعل يوم إعلان المبادرة شهد ملاسنات بين البلدين حيث ردَّ الناطق باسم وزارة الخارجية التركية، حامي أقصوي، على ما قاله وزير الخارجية المصري، سامح شكري، خلال اجتماع عبر الإنترنت، لوزراء خارجية المجموعة المصغرة لمكافحة تنظيم الدولة، وجاء فيه أن “تركيا تجنِّد وتنقل آلاف الإرهابيين من سوريا إلى ليبيا”(9). 

ومع ذلك، انفتحت تركيا على المباحثات مع روسيا، المنخرطة في الملف الليبي والتي لا تزال تحافظ على علاقة مع حكومة الوفاق، وكانت أنقرة وموسكو حاولتا التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار في يناير/كانون الثاني 2020، لكن حفتر رفض التوقيع عليه، وبعد التطورات الأخيرة وإعلان القاهرة كان من المقرر أن يصل وزيرا الخارجية والدفاع الروسيان، يوم 14 يونيو/حزيران 2020، إلى أنقرة لنقاش الملف الليبي، ويبدو أنه كان من المتوقع في أنقرة أن تطرح موسكو شيئًا مختلفًا عن الذي عبَّرت عنه القاهرة، ولكن قبل وصول طائرة الوزراء الروس إلى الأجواء التركية جرى تأجيل الاجتماع، وذلك لأن مساعد وزير الخارجية الروسي الذي قدم ضمن الوفد التحضيري الروسي قد قدَّم مقترحًا يدعم “إعلان القاهرة”، الذي أُعلن في 6 يونيو/حزيران 2020، وقد رفضت أنقرة المقترح بشكل قاطع، مما أدى إلى إلغاء الزيارة التي أصبحت بلا طائل في ظل الرفض التركي القاطع.

وأعاد الطرف التركي تذكير نظيره الروسي بموقف حفتر عندما رفض التوقيع على وقف إطلاق النار في موسكو وفي برلين، واتفاق الطرفين على استمرار المباحثات، ومع أن وزير الخارجية التركي أشار خلال مؤتمر مع نظيره الإيراني إلى أن هناك اختلافًا في الآراء مع روسيا ولكن لا توجد أزمة، وأن قرار تأجيل اللقاء اتُّخذ بشكل مشترك(10) إلا أن عدم إتمام اللقاء بين الوزراء الروس والأتراك أشار إلى تزايد الخلاف وتعقيد المشهد ووصول المباحثات إلى نقطة انغلاق.

مع عزم أطراف داخل حكومة الوفاق استمرار عملية “بركان الغضب” في التوجه نحو مدينة سرت لبسط نفوذ الحكومة عليها وللسيطرة على قاعدة الجفرة الاستراتيجية لم تُخْفِ تركيا دعمها لهذا الخيار نظريًّا، ولكن اعتبار روسيا بالتحديد لمدينة سرت خطًّا أحمر وإرسالها تعزيزات عسكرية وتحرك ميليشيات فاغنر بكثافة في سرت والجفرة كان عائقًا واضحًا أمام دعم تركيا لهذا الخيار عمليًّا. وبينما تطور الموقف المصري من المطالبة بوقف إطلاق النار إلى التهديد بالتدخل المباشر وتسليح العشائر الليبية إلا أن العامل الروسي يعتبر أكثر حضورًا في قرار دخول حكومة الوفاق لسرت.

قراءة الموقف المصري

يبدو الموقف التركي الرسمي تجاه مصر عقلانيًّا من زاويتين: الأولى: من خلال اعتبار مصر فاعلًا مهمًّا في معادلة ليبيا، وأن قلق مصر بشأن أمنها على الحدود مع ليبيا هو حق مشروع ومتفهَّم في أنقرة(11)، لكن ذلك لا يمنع من الاعتقاد بخطأ سياسة مصر في دعم حفتر وأن عليها إدارة مصالحها مع حكومة الوفاق. أما فيما يتعلق بتلويح مصر بالتدخل المباشر فبالرغم من وجود قناعة تركية بوجود عوائق حقيقية أمام تنفيذ مصر لهذه التهديدات (مثل تجربة مصر الأمنية في سيناء وموضوع سد النهضة والأوضاع الاقتصادية في مصر وغيرها) لم تستهن تركيا بموقف القاهرة وحرصت على عدم الانجرار لمربع تبادل التهديدات.

اعتبرت تركيا أن الخطوة المصرية جاءت بدعم وبضغط من الرياض وأبوظبي وباريس على القاهرة وأكثر تعبيرًا عن مواقف الأطراف الأخرى، مع سوْق عبارات تنزع فتيل التوتر من قبيل أن القاهرة يمكن أن تستفيد من الدور التركي في تحقيق الاستقرار في جارتها ليبيا وفي المكاسب البحرية التي تقدمها التوافقات مع تركيا بدلًا من التوافق مع اليونان. وبشكل عام، لا تريد تركيا الدخول في مواجهة مع مصر فيما يتعلق بليبيا، ويطرح الأتراك أسئلة حول مصلحة مصر في المواجهة مع تركيا في قضية ليبيا؛ حيث إن الخيارات التي تدعمها تركيا في ليبيا لا تضر بمصر بل على العكس ستؤدي لاستقرار على حدود مصر، وستضيف مساحات أكبر لمصر في منطقتها الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط في حال توافق البلدان(12).

ولهذا، فالمرجح ألا تتجاوب أنقرة مع التهديدات المصرية، وستحاول احتواءها، ولن تنساق للمواجهة على الأرجح وبالنظر في الدوائر الأوسع فعلى المستوى الدولي سيكون الموقف الأميركي الذي تنسق تركيا خطواتها معه ضاغطًا على عدم تدخل مصر، وإقليميًّا، وبالنظر إلى التوازنات في شمال إفريقيا فإن تركيا مدركة أيضًا أن الجزائر لن تقبل بتدخل مصري في ليبيا وستغادر حياديتها وستدعم حكومة الوفاق بشكل قوي في حال تدخلت مصر.

ويمكن الاستدلال هنا أيضًا بما قاله حليف حزب العدالة والتنمية وزعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، الذي اجتمع مع أردوغان مؤخرًا؛ حيث علَّق على التصريحات المصرية: “أملُنا أن يمارس السيسي سياسة عقلانية ومسؤولة وحكيمة وأن يتجنب الاستفزاز والتلقين الأجنبي، وإذا حدث هذا سوف تكون التطورات باتجاه الاستقرار والسلام”. وقد انتقد بهتشلي سياسة السعودية والإمارات بسبب وقوفهما مع حفتر ضد الحكومة الشرعية واصفًا حفتر “بالإرهابي والانقلابي والقرصان”، وأن “تركيا ستستمر بالوفاء بتعهداتها في ليبيا وستبقى متيقظة لكل المؤامرات”(13).

تبلور الموقف الروسي

بالرغم من أن هزيمة حفتر تعد تقويضًا لطموحات روسيا في ليبيا فإن تركيا تعتبر أن روسيا لم تحرق الجسور مع حكومة الوفاق وأنها مستعدة للتعامل معها من حيث المبدأ، وستكون أكثر قربًا في حال حصلت على ضمانات لمصالحها، وأن موسكو بالأصل مستاءة من حفتر وعثراته السياسية، وقد انتقدت الخارجية الروسية إعلان حفتر لنفسه حاكمًا للبلاد، ولهذا، فإن أنقرة تحث طرابلس على تنفيس مخاوف موسكو على مصالحها في ليبيا من جهة وعلى إضعاف آمال موسكو في التعويل على حفتر من خلال رفض الجلوس معه.

ومع أن دولًا أخرى تحث روسيا على الوقوف وراء حفتر فإن أنقرة مدركة أن مشروع موسكو في ليبيا يتجاوز حفتر، وأن لديها رغبة في تكريس وجودها في ليبيا، وهي ربما الآن تبحث عن بديل لحفتر قبل أن تضطر للاعتماد على العلاقة مع حكومة الوفاق، وليس أدلَّ على ذلك من مواصلة روسيا نقل الدعم العسكري إلى سرت؛ فبعد التقارير الأميركية عن نقل 14 مقاتلة عسكرية روسية إلى قاعدة الجفرة في نهاية مايو/أيار 2020، أفادت مصادر ليبية برصد هبوط أكثر من 11 طائرة روسية تقل أسلحة ومرتزقة سوريين في مطار سرت غربي البلاد، صباح 26 يونيو/حزيران الجاري(14). كما وردت تقارير أخرى عن سيطرة ميليشيات فاغنر على حقل الشرارة النفطي.

تحاول أنقرة فتح الباب أمام موسكو لتحظى ببعض المكاسب سواء بمجال الطاقة أو غيره لكنها في الوقت ذاته تستقوي بالجبهة الغربية (واشنطن وبرلين..) على روسيا حيث تحاول أنقرة إقناع واشنطن والعواصم الأوروبية بالتدخل لعدم تكرار خطأ السياسة السلبية في سوريا في ليبيا والتي سمحت لروسيا بتكريس وجودها، وتراهن أنقرة في هذا السياق على كل من واشنطن وبرلين بالدرجة الأولى، ومع ذلك تصطدم أنقرة في هذا السياق بعدة عوائق وهي الموقف الفرنسي المناوئ لها، والضعف الأوروبي على الفعل، والتردد الأميركي. ويبدو أن المقاربة المفضلة من تركيا تجاه روسيا في ليبيا هي حصول موسكو على مكاسب اقتصادية وفي مجال الطاقة ورفض تكريس وجودها العسكري عبر قواعد عسكرية. وليس واضحًا ما إذا كان سلوك موسكو حتى الآن يهدف إلى تحقيق مكاسب أكبر في المباحثات أم يهدف إلى وجود دائم في الساحل الإفريقي، مع ترجيح للخيار الأول، وبالطبع فإن أنقرة لا تستطيع أن تمنع الخيار الثاني وحدها. كما أن أنقرة متخوفة من لجوء موسكو لعمل صداع جديد لأنقرة في إدلب.

الموقف الفرنسي

كانت تركيا متحفظة على تدخل الناتو في ليبيا والذي كان مدفوعًا بجهد فرنسي في مارس/آذار 2011، ومنذ تأسيس حكومة الوفاق، في 2015، كان الموقف المعلن لفرنسا هو تأييد شرعية حكومة الوفاق المعترف بها من الأمم المتحدة لكن الموقف الحقيقي والفعلي كان هو دعم حفتر بشكل كبير مما جعل فرنسا وتركيا في جبهتين مختلفتين في ليبيا، ولا يقتصر الخلاف الفرنسي مع تركيا على الملف الليبي فهناك خلاف في وجهات النظر حول سوريا وقبرص وشرق المتوسط، والعلاقة مع حزب العمال وقضية الأرمن وملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، إلا أن فرنسا صعَّدت مؤخرًا من موقفها تجاه الدور التركي في ليبيا بشكل كبير، الذي تكرَّس بعد اتفاق أمني وبحري مع حكومة الوفاق والذي بدا أنه سيتحول إلى جني المزيد من المكاسب بعد إحباط هجوم حفتر على طرابلس كانت فرنسا تمني بها نفسها في حال نجح حفتر.

واعتبرت باريس تدخل أنقرة في ليبيا غير مقبول وأنها لن تسمح به، وبالتأكيد لم يكن التفاهم التركي/الإيطالي في ليبيا مريحًا لباريس، وقد عبَّر الرئيس الفرنسي بشكل واضح عن أن تركيا تمارس “لعبة خطيرة” في ليبيا تتعارض مع التزاماتها في برلين، فيما بدت فرنسا تناور بشكل أكثر نشاطًا مع مصر وتونس لمنع تركيا من التأثير على الأخيرة خصوصًا فيما يتعلق بالتطورات في ليبيا فقد ذهب ماكرون إلى التواصل مع كل من بوتين وترامب لتحجيم الدور التركي.

وفيما وراء الدبلوماسية، انتقل التوتر الفرنسي-التركي من التصريحات المتبادلة إلى المناوشات العملية حيث أعلنت فرنسا عن تعرض إحدى سفنها لعمل عدواني من زوارق بحرية تركية في سياق منع البحرية التركية لسفن فرنسية من تفتيش سفينة متجهة إلى الشواطئ الليبية، كما اعتقلت أنقرة خلال الأسابيع الأخيرة خلية تجسس مكونة من أربعة أشخاص أحدهم يعمل موظفًا في القنصلية الفرنسية بتهمة التجسس لصالح المخابرات الفرنسية، كما دعت باريس لاجتماعات لنقاش الدور التركي وعلاقة أنقرة مع الاتحاد الأوروبي في الناتو والاتحاد الأوروبي(15).

يهدد وجود تركيا الصاعد في ليبيا والمنطقة عبر تحالفها مع حكومة الوفاق المعترف بها من الأمم المتحدة فرنسا في عدة مجالات وهي نفوذها التاريخي في ساحل شمال إفريقيا ومصالحها في إفريقيا عمومًا، ويكرِّس تركيا كقوة منافسة في البحر المتوسط، ويحرم أو يخفض حصص فرنسا في قطاع الطاقة في المتوسط ومكاسبها الاقتصادية في ليبيا.

ويبدو أن الغضب الفرنسي المتزايد بعد هزيمة حفتر يأتي بسبب تزايد قلقها من الصعود التركي الذي يؤثر على مصالحها ومن عدم قدرتها على تحقيق موقف أوروبي مساند لها من جهة ضد تركيا التي يبدو أنها مستندة لتفويض أميركي في ليبيا(16) (ذهاب وفد إيطالي وأميركي لطرابلس بعد الوفد التركي)، وبسبب خوفها من أي توافق تركي/روسي محتمل على تقاسم إدارة ملف الطاقة في ليبيا سواء في حقول النفط أو التنقيب عن الغاز في سواحل ليبيا. كما أن وجود تركيا وروسيا -حتى لو كانتا مختلفتين- يحرمها من تنفيذ مخططاتها بوجود عملي في شمال إفريقيا ويقلِّل من هوامش تأثيرها في المنطقة.

تحاول أنقرة أن تظهر سياسة باريس الحالية الداعمة لحفتر على أنها عامل أساسي في تكريس الوجود الروسي في ليبيا باصطفافها مع حفتر، وترجِّح أنقرة أن الدول الأوروبية المستاءة من الموقف الفرنسي لن تتخذ خطوات عملية داعمة لفرنسا ضد تركيا في ليبيا لكن هذا ليس كافيًا لأنقرة فهي تحاول حثَّ هذه الدول -وخاصة برلين- لتكون أكثر شجاعة وتعمل على كبح الموقف الفرنسي الذي لا يخدم المصلحة الأوروبية والمعارض لدور تركيا في ليبيا(17). ومن جانبها، تحاول فرنسا إظهار صعود تركيا في ليبيا وتفاهمها المحتمل مع روسيا على أنه مقدمة لتغيير توازن القوى الموجود. ولكن ما من شك في أن الموقف الفرنسي المعارض لتركيا يضعف موقف الأخيرة أمام روسيا التي يعتبر موقفها أقوى المواقف في الجبهة المعارضة لتقدم حكومة الوفاق المدعومة تركيًّا نحو سرت والجفرة.

خاتمة وسيناريوهات

بعد السيطرة على ترهونة بدت حكومة الوفاق وبالتأكيد الداعم الأساسي لها، تركيا، تسير باتجاه السيطرة على سرت لأن بقاء قوات حفتر فيها يعني بقاء طرابلس تحت رحمة معسكره مرة أخرى، بالإضافة إلى حرمان حكومة الوفاق من إدارة أهم مصادر الطاقة في البلاد(18)، وبدا حفتر مهزومًا يعاني من خلافات في معسكره ومع داعميه الخارجيين ولهذا تم رفض مطالب وقف إطلاق النار. ووفق سيناريو سيطرة حكومة الوفاق على سرت، كان من المنطقي أن تبدأ عملية تهدئة مخاوف الأطراف الداعمة لحفتر على مصالحها، ومنها مباحثات بين تركيا وروسيا لتأمين دخول حكومة الوفاق بدون صعوبات كبيرة، ليتبع ذلك عملية مباحثات مكثفة لمستقبل الحل السياسي برعاية الأمم المتحدة وامتدادًا لمؤتمر برلين.

وينسجم هذا مع وجهة نظر أنقرة بأن السيطرة على سرت، ورفض جلوس حفتر على الطاولة سيسهِّل الاتفاق السياسي، وسيحث داعمي حفتر على التخلي عنه(19)، ويدعم هذا السيناريو ما قاله مصدر تركي مسؤول: “نعلم أن الغاية من مقترح وقف إطلاق النار هي كسب الوقت واستعادة الأماكن التي خسروها. ولذلك السبب لا نتوقع توقف العمليات العسكرية. وإننا ندعم فكرة مواصلة العمليات حتى إخراج حفتر تمامًا من المعادلة”(20).

بالرغم من التهديدات المصرية واعتبار سرت خطًّا أحمر، رجَّحت أنقرة أن كافة الأطراف ستتجنب المواجهة المباشرة إلا أن المفارقة هنا هي أن كافة الأطراف تدرك أن القوة على الأرض ستكون مفيدة على طاولة المفاوضات، وهذا ما يجعل الاستهانة بأي موقف غير واردة، ويُعتبر الموقفان، التركي والروسي، أساسيين في تثبيت أي سيناريو أو إفشاله إلا أن تنسيق أنقرة المتزايد مع واشنطن في ليبيا ووجود أطراف أخرى معارضة للموقف التركي بما يتجاوز المصالح الاقتصادية مثل فرنسا ومصر والإمارات، يقلِّل من فرص التفاهم بين أنقرة وموسكو. كما أن العجز الأوروبي والسياسة الأميركية في عدم التدخل تجعل موسكو أكثر جرأة.

في ذات السياق أيضًا، بدت حكومة الوفاق، ومن ورائها تركيا، مترددة إزاء التقدم نحو سرت بالرغم من إعلان حكومة الوفاق نيتها بسط نفوذها على كامل أراضي ليبيا، وقد بدت حكومة الوفاق وربما تركيا غير راغبة في المواجهة مع قوات فاغنر التي عززت من وجودها في سرت والجفرة وسيطرت مؤخرًا على حقل الشرارة النفطي، والتي تعني المواجهة مع روسيا، وهذا الموقف المعقد سيزيد من التوتر بين تركيا والأطراف الداعمة لحفتر، وكلما تأخرت حكومة الوفاق في السيطرة على سرت فإن هذا يخدم موقف حفتر وداعميه، وسيثبِّت سيناريو استمرار الوضع الحالي من الصراع وربما تتأثر طرابلس سلبًا في ظل تهديدات حفتر بضرب مصراتة. كما أن ملف تحكم حكومة الوفاق بعائدات النفط الصادر عن مناطق الشرق سيكون موضع شك.

يبقى السيناريو الآخر وهو الإقدام على تحرير سرت بالقوة، وهذا سيكون خيارًا مكلفًا بالنظر إلى المعدات العسكرية التي تم حشدها في المدينة من حلفاء حفتر وخاصة روسيا، وإلى توقع استماتة حفتر في الدفاع عنها للبقاء محافظًا على الموانئ النفطية خلف سرت ومع أن حكومة الوفاق أعلنت عن تصميمها على السيطرة على سرت لكن روسيا صعَّبت ذلك عمليًّا وبالنظر أيضًا إلى أن حكومة الوفاق ليس بالضرورة أن يكون موقفها الهجومي حاسمًا في تحرير سرت كما كانت في طرابلس عندما كان بقاؤها مهددًا.

يبدو أن تمكن حكومة الوفاق من السيطرة على سرت صعب ومعقد عمليًّا وسيحتاج لمباحثات طويلة وشاقة، وبالتالي فإن المرجح في المدى المنظور بقاء الوضع على ما هو عليه والاستمرار في المباحثات ومراكمة القوة. ويعتبر استمرار هذا الوضع أحد العوامل الممهدة لفكرة تقسيم ليبيا والتي لا تدعمها حتى الآن مقاربات الأمم المتحدة ولا حتى رؤى الأطراف سواء حكومة الوفاق أو حتى حفتر، ولكن قد تعمل أطراف إقليمية على التمهيد لذلك. ويربك الموقف الروسي موقف تركيا وحكومة الوفاق فالدخول لسرت قد يفتح توترات بين أنقرة وروسيا تتجاوز ليبيا والتأخير سيفقد زخم هزيمة حفتر في طرابلس ويقوِّي موقف داعميه. ومع ذلك، فإن الحراك العسكري لكل الأطراف يعتبر محاولة منها للحفاظ على دور سياسي في المفاوضات.

خط دفاع متقدم: أهداف تدخل موسكو في ليبيا

أعلنت القيادة الأميركية في إفريقيا، 26 مايو/أيار 2020، بصورة رسمية عن نشر الروس لعدد من الطائرات العسكرية في المنطقة الليبية الواقعة تحت سيطرة اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، سيما قاعدة الجفرة. وقال الجنرال تاونسند، قائد القيادة الأميركية في إفريقيا: إن روسيا تحاول إخفاء تدخلها في ليبيا، وإن الطائرات يفترض أن توفر الدعم للمرتزقة الروس من شركة فاغنر، العاملين إلى جانب قوات الجنرال حفتر؛ مؤكدًا على أن الطائرات انطلقت من قاعدة عسكرية جنوب الاتحاد الروسي، وأنها توقفت في قاعدة إيرانية، ثم في سوريا؛ حيث أعيد طلاؤها، وهبطت من ثم في قاعدة الجفرة، جنوب شرقي ليبيا، الواقعة تحت سيطرة قوات حفتر.

خلال ساعات، كذَّب نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الاتحاد الروسي، الغرفة العليا للبرلمان، التقارير الأميركية، مشيرًا إلى أن قوات روسية لا يمكن أن تُرسل إلى ليبيا بدون موافقة الرئيس بوتين وتقديم طلب بذلك إلى مجلس الاتحاد، الذي لم يتلقَّ مثل هذا الطلب. ولكن الواضح أن تكذيب إرسال قوات نظامية روسية إلى ليبيا لا يعني بالضرورة نفي إرسال طائرات. وكانت تقارير في صحف روسية ألمحت إلى أن الطائرات، التي يعتقد بعدم وجود طيارين ليبيين لقيادتها، سيقودها طيارون مرتزقة من بيلاروسيا أو صربيا.

كما أن تصريحًا رسميًّا بنفي التقارير الأميركية لم يصدر عن أيٍّ من مسؤولي الحكومة الروسية، بما في ذلك وزارتا الدفاع والخارجية الروسيتان. ردُّ الفعل الحكومي الوحيد جاء من وزير الخارجية الروسي، الذي أجرى اتصالًا هاتفيًّا برئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، المعروف بمعارضته حكومة الوفاق في طرابلس وانحيازه لجهة حفتر. أكد لافروف خلال الاتصال على ضرورة استئناف التفاوض بين أطراف الصراع الليبي للتوصل إلى اتفاق يوحد البلاد ويعيد لها الاستقرار، ولكنه، كما يبدو، لم يتطرق لمسألة نشر الطائرات الروسية في الجفرة.

في اليوم التالي، 27 مايو/أيار، كشفت وزارة الدفاع الأميركية عن أن عدد الطائرات الروسية في ليبيا 14 طائرة، وأنها من طرازي سوخوي 24 وميغ 29. كلا النوعين يتمع بمدى يمكِّنه من الطيران إلى منطقة طرابلس، البعيدة حوالي 650 كم عن قاعدة الجفرة، والقيام بعمليات فيها، فطائرات السوخوي 24 تفعل ذلك بصورة مريحة، أما الميغ 29، فبصورة أصعب قليلًا، نظرًا لأن مداها أقصر.

هذا تصعيد بالغ الأهمية من التدخل الروسي في الصراع بين الحكومة الليبية الشرعية في طرابلس، والجنرال المتقاعد، خليفة حفتر، الذي يتخذ من مدن الشرق الليبي قاعدة لقواته. حتى الآن، كانت موسكو تنكر كلية التدخل العسكري في الصراع الليبي، وتنفي أي صلة بين الدولة الروسية وشركة فاغنر، التي توظف مرتزقة يقاتلون في صفوف قوات حفتر منذ شهور، بالرغم من أن المعروف أن فاغنر وثيقة الصلة بالكرملين وأنها لا تنشط في منطقة ما بدون موافقة رسمية روسية.

ففي أي سياق يقع هذا التصعيد الروسي؟ وما الأهداف العسكرية التي تسعى موسكو إلى تحقيقها؟ ولماذا تصر موسكو، أصلًا، على علاقتها بالجنرال حفتر، الذي لا يتمتع بأية صفة شرعية والمتهم بارتكاب جرائم حرب؟

تطورات بارزة في ساحة الصراع

أطلق حفتر محاولته للسيطرة على العاصمة الليبية وخلق أمر واقع جديد في ليبيا في أبريل/نيسان 2019، بعد عملية سريعة تقدمت فيها قواته من الشمال الشرقي إلى قاعدة الجفرة في الجنوب، التي أصبحت مركز العملية. خلال الأسابيع الأولى من بدء الهجوم، ونظرًا لعدم استعداد حكومة الوفاق، نجحت قوات حفتر في السيطرة على مدينتي غريان وترهونة، وعدد من القواعد العسكرية جنوب طرابلس، ومطار طرابلس القديم، ومعظم الشريط الساحلي الغربي. ولكن جهود المقاومة التي سارعت حكومة الوفاق لتنظيمها، منعت حفتر من إحراز مزيد من التقدم واقتحام العاصمة، طرابلس.

خلال الشهور التالية، استمرت المواجهات في محيط العاصمة، بدون أن يستطيع أحد الطرفين إحداث تغيير ملموس في خطوط المواجهة، وبدا واضحًا أن حكومة الوفاق تعاني من ضعف بنيتها العسكرية، سواء من جهة المعدات أو التنظيم، بينما كان حفتر يحصل على إمدادات عسكرية كثيفة ومستمرة من داعميه في الإمارات ومصر، إضافة إلى دعم معلوماتي تكتيكي من فرنسا. في المقابل، كانت تركيا المصدر الوحيد للمساعدات العسكرية التي حصلت عليها حكومة الوفاق، وإن بصورة محدودة جدًّا، وقد ساعدت هذه المساعدات على نجاح قوات الوفاق في استعادة مدينة غريان الاستراتيجية، جنوب طرابلس.

في نوفمبر/تشرين الأول 2019، وقَّعت الوفاق اتفاقيتي تفاهم مع تركيا: الأولى: تتعلق بترسيم الحدود الاقتصادية البحرية شرق المتوسط؛ والثانية: تتعلق بالتعاون العسكري والأمني بين البلدين. ولكن، وقبل أن يبدأ الانخراط التركي الملموس في جهد حكومة الوفاق العسكري، وفَّرت الإمارات لحفتر مزيدًا من الدعم، كما توسطت لتوقيع الاتفاق مع شركة فاغنر لإرسال ما لا يقل عن 1500 من المرتزقة الروس إلى ليبيا وتحمل تكاليف قوة المرتزقة. وهذا ما ساعد حفتر على تحسين مواقع قواته في الأسابيع الأخيرة من العام.

بيد أن التحسن في وضع حفتر العسكري، الذي أغراه برفض التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار في موسكو وبرلين، كان مؤقتًا. خلال الشهرين الأولين من 2020، تزايدت المؤشرات على أثر وجدوى الدعم التركي لحكومة الوفاق، عندما بدأت القوات الموالية لها في إيقاع خسائر ملموسة بقوات حفتر وجموع المرتزقة الملحقين بها، سيما من السودانيين والتشاديين.

في 13 أبريل/نيسان 2020، تقدمت قوات الوفاق بصورة مفاجئة، لتخرج قوات حفتر من عدة مدن في الساحل الغربي وتحقق سيطرة كاملة في الشمال الغربي وصولًا إلى الحدود مع تونس. وبعد خمسة أيام فقط، أطلقت الوفاق هجومًا أوليًّا على ترهونة، مركز عمليات قوات حفتر الرئيس في الغرب، بعد خسارته غريان. في 18 مايو/أيار، طُرد حفتر من قاعدة الوطية الاستراتيجية، وأخذت قواته في التراجع بصورة حثيثة في عدة محاور للقتال جنوب طرابلس. كما نجحت قوات الوفاق في فرض حصار جزئي على مدينة ترهونة، مهددة بذلك بدحر قوات حفتر من المدينة بالغة الأهمية لما تبقى من وجود له في الغرب الليبي.

في 24 مايو/أيار، وفي ظل التراجعات المستمرة لقوات حفتر، بدأت قوات المرتزقة الروس في الانسحاب من جنوب طرابلس، باتجاه مدينة بني وليد، التي اتخذت موقفًا محايدًا في الصراع، مرورًا بترهونة. وخلال ثلاثة أيام، أكد عمدة المدينة، التي لم تُظهر أي ترحيب بالمرتزقة الروس، أن أغلبهم غادر المدينة، بالفعل.

وحتى قبل انسحاب مرتزقة فاغنر، وقبل الإعلان الأميركي عن وصول طائرات روسية لليبيا، كان مصدر من حكومة الوفاق أكد على أن ما لا يقل عن 12 طائرة روسية حربية توجد بالفعل في قاعدة الجفرة، وأن هذه الطائرات بدأت الوصول إلى السماء الليبية منذ 14 مايو/أيار، أي منذ بداية انهيار قوات حفتر في غرب البلاد.

فأي هدف تسعى روسيا إلى تحقيقه من تصعيد تدخلها العسكري في الصراع الليبي؟

ماذا تريد روسيا؟

أي تحرك روسي خارج الحدود، منذ الحرب الجورجية في 2008، يشتمل على أهداف استراتيجية وأخرى تكتيكية. هدف روسيا الاستراتيجي أكثر وضوحًا في الشأن الليبي، بينما لم يزل التكتيكي محل جدل.

استراتيجيًّا، تهدف روسيا إلى تأسيس وجود ثابت ودائم في ليبيا، قريب من ساحل المتوسط الشرقي، يضاف إلى وجودها المتسع في سوريا. يعتقد الروس أنه في حال وقوع مواجهة مع الغرب، فإن مقدراتهم البحرية في البحر الأسود لن تستطيع الفوز على قوة بحرية غربية تعبر إلى البحر عن طرق مضيقي البوسفور والدردنيل، سيما أن تركيا في هذه الحالة ستلتزم تعهداتها ضمن حلف الناتو. ولذا، فإن الدفاع الروسي عن البحر الأسود لابد أن يبدأ بالاشتباك مع البحرية الغربية في شرق المتوسط، قبل عبورها إلى البحر الأسود. الوجود العسكري الروسي في سوريا غير كاف لتحقيق النصر في مثل هذه المواجهة، ولابد من تأسيس وجود عسكري روسي آخر في جنوب شرقي المتوسط كذلك.

حاولت موسكو الحصول من نظام السيسي، مباشرة بعد انقلاب 2013 في مصر، على قاعدة بحرية غرب الإسكندرية؛ ولكن السيسي سرعان ما تراجع عن وعوده للروس بعد المعارضة الأميركية. الآن، يوفر الصراع والانقسام الليبيان فرصة للحصول على قاعدة عسكرية روسية قرب الساحل الليبي. ولكن الروس يدركون أن تحقيق هذا الهدف ليس سهلًا؛ فلا حفتر يمثل نظام الحكم الشرعي في البلاد، ولا الوضع الليبي وصل مستوى من الاستقرار لمنح الغطاء القانوني لوجود روسي عسكري ثابت ودائم. وهذا ما يجعل التحرك الروسي في ليبيا تدريجيًّا، وأقرب إلى التسلل منه إلى التحرك الصريح والقادر على ادعاء شرعية القانون الدولي. مرَّة عبر المرتزقة، ومرة عبر نشر طائرات حربية، ليس من الواضح بعد من سيقودها، يعتقد الروس أنهم يتجهون للعب دور رئيس في أية تسوية ليبية سياسية، تسمح لهم في المستقبل بتحقيق هدف الوجود الدائم والثابت.

بيد أن تحقيق هذا الهدف يستدعي دورًا روسيًّا ملموسًا في مجريات الصراع الحالي. وهنا تأتي احتمالات الدور العسكري الروسي في الأسابيع والشهور القليلة المقبلة.

المؤكد، الآن، أن المرتزقة الروس من عناصر شركة فاغنر، وثيقة الصلة بالكرملين، قد انسحبت من خطوط المواجهة العسكرية جنوبي طرابلس خلال الأسبوع الأخير من مايو/أيار. فقد رُصد انسحاب ما يُقدَّر بـ 1500 عنصر من المرتزقة الروس عبر ترهونة إلى مطار بني وليد، المدينة التي اتخذت موقفًا محايدًا بين حفتر وحكومة الوفاق. عدة مئات من المرتزقة الروس غادرت مطار بني وليد في طائرات نقل روسية إلى مكان غير معروف؛ ولكن ما يرجح، أنها نُقلت إلى طبرق. مئات آخرون، غادروا بني وليد برًّا، بما معهم من وسائل نقل ومعدات عسكرية ثقيلة، وثلاث وحدات روسية مضادة للطائرات، كانت الإمارات سلَّمت عشرًا منها لحفتر (دُمِّرت ست وحدات، وواحدة حصلت عليها قوات الوفاق سليمة). والمؤكد أن هذه الكتلة الثانية من المرتزقة اتجهت من بني وليد إلى قاعد الجفرة.

هناك احتمالان لإرسال روسيا مقاتلات إلى ليبيا. الاحتمال الأول: التحضير لهجوم جديد على طرابلس، لكن بانسحاب المرتزقة الروس من خطوط المواجهة المباشرة، سيصبح من الصعب استخدام الطائرات الروسية الموجودة الآن في الجفرة لتعهد هجوم جديد على طرابلس، بعد حملة جوية شبيهة بالتكتيك الذي استخدمه الروس في شمالي سوريا. إن كان هدف نشر الطائرات الحربية الروسية هو توفير دعم جديد لحفتر للسيطرة على العاصمة، كان لابد من الحفاظ على عناصر فاغنر في خط المواجهة، أو بالقرب منه. تبعد قاعدة الجفرة زهاء 650 كم عن طرابلس؛ وبالرغم من أن حفتر استخدمها منطلقًا للهجوم على طرابلس في ربيع العام الماضي، فإن الأوضاع تغيرت كثيرًا منذ ذلك الحين. في 2019، لم تكن هناك استعدادات عسكرية من الوفاق لمواجهته؛ كما لم يكن هناك دعم عسكري تركي لطرابلس. اليوم، اختلف الوضع إلى حدٍّ كبير، سواء على مستوى كفاءة الأداة العسكرية لحكومة الوفاق، أو على مستوى مقدراتها في الجو، دفاعًا وهجومًا.

الاحتمال الثاني: أن يكون الهدف الآني من نشر الطائرات الروسية، وانسحاب قوات مرتزقة فاغنر إلى الشرق والجنوب الشرقي، الحفاظ على وضع حفتر في الشرق والجنوب الشرقي، بما في ذلك المثلث النفطي. ثمة من يدفع في طرابلس إلى التقدم شرقًا، لإيقاع هزيمة نهائية بحفتر، بعد بسط السيطرة الكاملة على الغرب الليبي، على أن يكون المثلث النفطي الهدف التالي مباشرة. لكن الحفاظ على حفتر في الشرق وفي المثلث النفطي هو الكفيل بأن يستمر معسكره شريكًا في التسوية السياسية، سواء بوجوده شخصيًّا في موقعه، أو أُطيح به وحلَّ رئيس البرلمان، عقيلة صالح، مكانه في عملية التفاوض بين غرب وشرق البلاد.

هذا الهدف من تصاعد التدخل الروسي يبدو أكثر واقعية من الهدف الأول. ولكن هذا لا يمنع، في حال حاولت قوات الوفاق التقدم نحو الشرق والجنوب الشرقي، قيام القوة الجوية الروسية بقصف مكثف لمواقع الوفاق في طرابلس وما حولها.

مصير التدخل الروسي

حتى نهاية مايو/أيار، لم تسجل حكومة الوفاق تحركًا للقوة الروسية الجوية الجديدة، ولم يتضح بالتالي ما إن كان قادة هذه الطائرات من الروس أو من طياريين أوروبيين شرقيين مرتزقة، كما كان أُشيع في وسائل إعلام روسية غير رسمية. فبالرغم من أن مصدرًا روسيًّا حكوميًّا واحدًا لم يكذِّب التقارير حول نشر الطائرات الحربية من سوخوي وميغ في قاعدة الجفرة، لابد أن الروس يجدون صعوبة في الكشف الصريح عن وجودهم ومشاركتهم الرسمية في الصراع إلى جانب حفتر. ولكن هذا الغموض لا يُتوقع له الاستمرار طويلًا. أولًا: لأن الأميركيين أعلنوا رسميًّا عن نشر القوة الروسية الجوية؛ وثانيًا: لأن التطورات العسكرية في الغرب الليبي تتسارع بصورة غير مسبوقة، ويبدو أن دفاعات حفتر جنوبي طرابلس وفي نطاق ترهونة تنهار، الواحدة تلو الأخرى.

فإلى أي حد سيتمكن الروس من الحفاظ على وجودهم العسكري القَلِق في شرق وجنوب شرق ليبيا؟

الحقيقة، أن الإجابة على هذا السؤال تعتمد، بصورة كبيرة، على الموقف الأميركي، ومعه موقف دول الناتو، من هذا الوجود. بمعزل عن الشائعات والدعايات الإعلامية، لم يزل الوجود التركي في ليبيا محدودًا، ويقتصر على الدعم الذي تقدمه وحدات الطائرات بدون طيار التركية، وعدد من الخبراء العسكريين، الذين تقتصر مهمتهم على إعادة تنظيم وتدريب وضبط تحرك القوات التابعة للوفاق. بغير ذلك، فإن أغلب الدعم التركي لطرابلس اقتصر على المعدات العسكرية.

ما يعنيه هذا أن قوات الدعم التركي لطرابلس غير كافية لخوض مواجهة حاسمة مع القوة الروسية الجوية والبرية في الجنوب الشرقي والشرق. وفي حال نجحت قوات الوفاق في تحرير الغرب الليبي بكامله، يرجح أن تركيا لن تدعم وجهة النظر القائلة بضرورة استمرار الهجوم نحو المثلث النفطي والشرق الليبي، ما لم يتحقق الخروج أو الحياد الروسي. فكلما اقتربت خطوط المواجهة من الجنوب الشرقي والشرق، ازداد خطر القوة الجوية الروسية.

من جهة أخرى، فإن حديث أوساط الخارجية الفرنسية حول احتمال أن تكون تركيا وروسيا قد توافقتا على تقاسم النفوذ في ليبيا، هو على الأرجح لا أصل له. ويكفي النظر إلى الإعلام التركي المقرب من حزب العدالة والتنمية الحاكم لإدراك حجم القلق التركي من التصعيد الروسي في ليبيا. ولا يستبعد أن تكون تركيا من قام بأول رصد لنشر الطائرات الروسية في الجفرة ولفت انتباه الأميركيين لهذا المتغير الاستراتيجي.  

بقاء الروس، بصورة غامضة أو سافرة، أو خروجهم، مشروط إذن بالموقف الأميركي وموقف حلف الناتو. والواضح أن الأميركيين يدركون ما يعنيه حصول الروس على موقع قدم عسكري، دائم، في ليبيا، سواء لهيمنتهم البحرية في شرق المتوسط أو لأمن الجنوب الأوروبي. ولكن المشكلة في عهد إدارة ترامب أن ما تراه مؤسسات الدولة الأميركية الأمنية والعسكرية لا تراه بالضرورة إدارة الرئيس في البيت الأبيض. وليس ثمة مؤشر على أن إدارة ترامب تعتبر ليبيا واحدة من أولوياتها في الساحة الدولية.

ربما يتصور الأميركيون أن مجرد الكشف عن نشر القوة الجوية الروسية والتنديد بهذه الخطوة يشكِّل بحدِّ ذاته ضغطًا على روسيا، سيدفعها أخيرًا إلى إخراج طائراتها من ليبيا، سيما أن الجميع يعرف أن ليس ثمة أساس قانوني شرعي لأي مستوى من التدخل الروسي في الصراع الليبي الداخلي. الاحتمال الآخر، أن يتوجه الأميركيون لحفتر وحلفائه في مصر والإمارات، مطالبيهم بإخراج القوة الجوية الروسية ومنع الروس من تأسيس وجود عسكري ثابت ودائم في الشرق أو الجنوب الشرقي الليبي.

في حال عدم استجابة حفتر للضغوط الأميركية، فلن يتبقى سوى تهديده، واتخاذ خطوات فعلية، باتجاه توفير دعم أميركي عسكري ملموس لحكومة الوفاق، وحلفائها الأتراك، للتقدم عسكريًّا، وبغطاء أميركي فعال، نحو الشرق والجنوب الشرقي. ولكن هذا الاحتمال يبدو مستبعدًا، نظرًا لحرص إدارة ترامب على الابتعاد عن أي تورط عسكري جديد في الشرق الأوسط.

وهذا ما يجعل مصير التصعيد الملموس في التدخل الروسي مفتوحًا على احتمالات النجاح والإخفاق.

خيارات الأمن القومي المصري في ليبيا: طبيعة التحديات وكفاية السلوك الرسمي

بشكل مفاجئ، خرج الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يوم 20 يونيو/حزيران 2020، بتصريح حول احتمالية التدخل العسكري المصري في ليبيا إذا دعت الضرورة لذلك. في نفس الوقت وضع السيسي خطًّا أحمر لحكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا والمدعومة من تركيا بألا تتجاوزه وإلا سيكون الرد المصري مختلفًا(1).

الموقف المصري من الوضع في ليبيا والذي تغير من الدعم السياسي علنًا والعسكري سرًّا للواء المتقاعد، خليفة حفتر، إلى التهديد المباشر بالتدخل عسكريًّا، يأتي ضمن سردية مصرية حول تعرض أمنها القومي للخطر بسبب ما تصفه مصر وحلفاؤها دومًا بأنها “ميليشيات إرهابية” في إشارة إلى المكونات العسكرية في قوات حكومة الوفاق، ومحاولاتها الدخول إلى مدينة سرت والتي تبعد قرابة 1000 كلم من الحدود المصرية-الليبية.

الوضع المعقد حاليًّا في ليبيا في ظل تصاعد النفوذ الإقليمي بين روسيا وتركيا وأوروبا على بسط الهيمنة أو تقاسم الثروة في البلد الذي مزَّقته الحرب الأهلية، يشير إلى أن التهديدات التي أطلقها الرئيس المصري لا يمكن أن تكون خارج سياق هذا التدافع بين القوى الكبرى بل بالأساس هي رد على التنافس الحالي على ليبيا(2).

ولعل ذلك يثير تساؤلات ملحَّة عن خيار الحرب في ليبيا بالنسبة لمصر، وما إن كان هو الملاذ الأخير أم أن هناك خيارات أخرى يمكن أن تلجأ لها القاهرة، وهل يمكن بالفعل أن ينفذ الرئيس المصري تهديده أم أن الأمر لا يخرج عن إطار التهديد؟، كذلك كيف سينعكس هذا التهديد على الملف الليبي بالكامل وأيضًا مستقبل القضايا المصرية الملحَّة مثل أزمة سد النهضة مع إثيوبيا في حال تدخل الجيش المصري عسكريًّا في ليبيا بالفعل؟

التدخل العسكري والمقاربات المتاحة أمام القاهرة

المتابع للأوضاع الحالية في ليبيا يجد أن الكثير من الأخطاء التي وقعت فيها القاهرة حيال هذا الملف تسببت في إضعاف موقفها وليس منحها نفوذًا أكبر، رغم أهمية ليبيا التي تربطها حدود مع مصر تتجاوز 1200 كلم، فعلى سبيل المثال موقف صانع القرار المصري من الأزمة التي اندلعت في أبريل/نيسان 2019 -عندما قرر حفتر الإطاحة باتفاق الصخيرات وشنَّ عملية عسكرية ضد الحكومة المعترف بها دوليًّا- لم يكن محايدًا بل بالعكس كان داعمًا للحملة التي يقوم بها حفتر، وهذه الخطوة حولت القاهرة إلى معاد لحكومة الوفاق في الغرب ووضعتها في خندق واحد مع الإمارات التي تقف وراء مغامرات حفتر غير المدروسة(3).

هذا الموقف زاد من تعقيد دور القاهرة في الأزمة الليبية وأفقدها الكثير من أوراق الضغط التي كان يمكن اللجوء إليها بعد دخول أطراف جديدة إلى الساحة الليبية مثل تركيا وروسيا لاسيما أن الموقف المصري الداعم لحفتر هو ما أزال الحرج عن حكومة فائز السراج عندما طلبت دعمًا عسكريًّا من تركيا التي وجدت الفرصة سانحة للعب دور أكبر إقليميًّا ومنحها موقعًا جيوسياسيًّا أكبر لمدِّ نفوذها إلى إفريقيا عبر ليبيا.

خيار التدخل العسكري، ليس الخيار الأوحد بالنسبة لمصر الآن خاصة في ظل تعقد المشهد بشكل كبير وأيضًا عقب مطالبات الولايات لكل الأطراف بعدم التصعيد ومنها بالطبع مصر وتركيا. هنا يمكن للقاهرة أن تلجأ إلى مزيد من الحلول السياسية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية أو على الأقل للحفاظ على أمنها القومي. فمثلًا يمكنها الضغط من أجل استمرار المسار السياسي بعيدًا عن حفتر والبحث عن بديل له في ظل القبول الدولي الذي يحظى به رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح(4).

أيضًا من الخيارات التي قد تكون صعبة بالنسبة للقاهرة لكنها في نفس الوقت أقل حدة من خيار الحرب التنسيق مع تركيا، الفاعل الأهم في الغرب الليبي الآن، وهذا الأمر عرضته أنقرة بالفعل على لسان وزير خارجيتها، مولود جاويش أوغلو، عندما ألمح إلى احتمالية التعاون مع مصر في هذا الملف، لكن هذا الخيار قد يتسبب في إزعاج حليفي النظام المصري الأساسين، وهما: الإمارات والسعودية، وربما يتسبب في غضب روسي أيضًا خاصة أن بوتين لا يُفصح عن وجود عسكري لبلاده مقابل لعب مصر دورًا في هذا الأمر(5).

مقاربة ثالثة أيضًا قد تكون أحد خيارات الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وهي استمرار التعاون مع الدول الأوروبية، مثل ألمانيا وفرنسا ومحاولة استمالة إيطاليا أيضًا، والقيام بدور جوهري في الحوار السياسي، لكن ذلك يتطلب مصداقية عالية من أبرز شروطها الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف الليبية، علمًا بأن مصر كانت تتعامل منذ البداية مع أطراف من حكومة السراج على أنهم هم الممثلون الشرعيون لليبيا ومنهم السفير الليبي في القاهرة، محمد عبد العزيز.

ماذا وراء تهديد القاهرة بالتدخل العسكري؟

لا يمكن الإجابة على هذا السؤال بعيدًا عن السياق العام للأحداث التي تدور رحاها في الشرق الأوسط، فالصراع الإقليمي بين الدول الداعمة للربيع العربي الذي اندلع عام 2011 وبين الطرف الآخر الذي يقود ما يُعرف بالثورات المضادة منذ الانقلاب العسكري في مصر عام 2013، ألقى بثقله على المعركة القائمة في ليبيا فنجد دولًا مثل مصر والإمارات والسعودية ومن خلفها إسرائيل تقف وراء المغامرات التي يقوم بها خليفة حفتر في الشرق وأراد نقلها إلى طرابلس العاصمة وما حولها لتكرار نموذج النظام العسكري في مصر والذي يعد الطريقة المثلى لوأد الثورات العربية التي طالبت بالتغيير قبل قرابة عقد من الزمن.

على الطرف الثاني، نجد تركيا وقطر تقفان على الطرف الآخر من المعركة بدعم حكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا والتي تمثل ما تبقى من ثورة فبراير/شباط عام 2011 ضد العقيد الراحل، معمر القذافي. ومن هذا السياق نفهم الهدف من التلويح المصري بالدخول بحرب في ليبيا.

خلاف الأجندات السياسية بين تركيا من ناحية والدول العربية الداعمة لحفتر من ناحية ثانية يقف وراء هذا التهديد والتلويح بالحرب إضافة إلى عوامل أخرى خاصة بالنظام المصري منها ما هو داخلي ومنها ما هو مرتبط بالتحالفات التي يقيمها السيسي منذ 2013 وتقف وراء أغلب مواقف السياسة الخارجية المصرية ومحدداتها. ومن أبرز هذه العوامل:

1- الهروب إلى الأمام بسبب الأوضاع الداخلية

تعاني مصر، منذ ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 وما تلاها من انقلاب عسكري بعدها بعامين، من أزمات اقتصادية كبيرة تمثلت في تراجع السياحة التي كانت تمثل إحدى دعائم الاقتصاد، وأيضًا حالة الركود التي تمر بها المنطقة بالكامل إضافة إلى الاضطرابات الأمنية منذ تلك الفترة والتي تسببت في رحيل الكثير من الاستثمارات الأجنبية وعودة عدد لا بأس به من العمال المصريين في الخارج مما تسبب في مزيد من الضغط على النظام المصري داخليًّا ومن ثم قد يكون الحل المؤقت الآن هو البحث عن عدو خارجي من أجل شدِّ العصب الوطني والاصطفاف خلف القيادة السياسية(6).

أيضًا الكارثة التي يمر بها القطاع الصحي المصري بسبب تفشي جائحة فيروس كورونا (كوفيد 19) وفشل القاهرة في السيطرة عليه تسببت في المزيد من الغضب والحنق على النظام السياسي في ظل تزايد عدد الإصابات والوفيات بشكل كبير ومن ثم قد يكون الحل في التصعيد الخارجي.

ثمة أمر آخر وطيد الصلة بفرضية الهروب من الأزمات الداخلية وهو أزمة سد النهضة التي باتت تحاصر النظام السياسي المصري بشكل كبير؛ إذ أصبحت فرضية انخفاض منسوب المياه في نهر النيل واقعًا يمثِّل تهديدًا لقطاع الزراعة بشكل حقيقي هذه المرة، مما قد يتسبب في خروج نحو 30% من الأراضي الزراعية المصرية من الخدمة وأيضًا تأثير ذلك على حياة المصريين الذين يعتمدون على النيل في مياه الشرب أيضًا.

وقد باتت الأزمة المحتملة في حال عدم التوصل إلى اتفاق يحفظ مصالح مصر المائية، تحاصر النظام المصري، لاسيما بسبب فشله التفاوضي منذ البداية، ويتحمل السيسي المسؤولة الأكبر بسبب توقيعه اتفاق المبادئ، عام 2015، مع رئيس الوزراء الإثيوبي السابق، هايلى مريام ديسالين.

2- مزيد من ضغوط الحلفاء

يكمن جزء مهم من أسباب التصعيد المصري في ضغوط أبرز حلفاء السيسي، المتمثل في ولي عهد أبو ظبي، الشيخ محمد بن زايد، فالأخير تورَّط بشكل واسع في دعم اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، بكل السبل، وهو يرى أن فشل الهجوم على العاصمة طرابلس، والهزائم التي تعرضت لها قوات حفتر، تهدد بشكل مباشر وجوهري خطط الإمارات وأدوارها في المنطقة، ولذلك لا يمكن تصور التهديد المصري بعيدًا عن الحسابات الإماراتية وأهدافها بوقف تقدم قوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا، إن لم يكن تغيير المعادلة العسكرية من جديد(7).

3- المكايدة السياسية

أثار دخول تركيا في المشهد الليبي غضب النظام المصري وحليفيه، الإماراتي والسعودي، وتفاقمت هذه المشاعر بعدما أسهمت المساعدات العسكرية التركية في تفوق قوات الوفاق واندحار قوات حفتر وصولًا إلى سرت.

شهدت العلاقات المصرية-التركية توترًا كبيرًا بعد الانقلاب العسكري، عام 2013، على الرئيس المصري الراحل، محمد مرسي، واستقبال تركيا لعدد كبير من المعارضين المصريين؛ مما تسبَّب في الكثير من الخلاف بين البلدين في العديد من الملفات ومنها محاولة الانقلاب العسكري في تركيا عام 2016 وأيضًا دعم مصر السياسي لنظام بشار الأسد ودور القاهرة في التنسيق مع الميليشيات الكردية التي تصنِّفها تركيا على أنها منظمات إرهابية في سوريا.

كان هذا الخلاف أحد الأسباب المهمة في تلويح السيسي بالتدخل العسكري في ليبيا، لاسيما أن القاهرة ترى أن اقتراب تركيا أو حلفائها من حدودها الغربية يمثل تهديدًا جديًّا لأمنها القومي.

4- القلق من التهميش

ثمة عامل مهم آخر وهو قلق القاهرة من التهميش في ظل وجود روسي وأميركي وتركي في ليبيا واحتمالية إبرام صفقة بين أنقرة وموسكو في ليبيا على غرار ما حدث في سوريا، من دون الالتفات إلى مصالح القاهرة لاسيما ذات الطابع الاقتصادي مثل المشاركة في إعادة الإعمار أو إفساح المجال للعمالة المصرية للعودة إلى ليبيا مثلما كانت عليه في السابق قبل رحيل معمر القذافي، والتي كانت تُقدَّر بنحو مليوني شخص وأيضًا بضمان عدم إقامة تركيا قواعد عسكرية في الشرق الليبي(8).

ومن ثم قد يكون هدف السيسي الرئيس من هذا التلويح هو لفت الانتباه إلى عدم تجاوز مصالح القاهرة في ليبيا وإشارة إلى الأطراف التي تمتلك زمام الأمور بشكل كبير إلى أن مصر قد تلجأ إلى الخيار العسكري إذا ما تجاوزت هذه الدول مصالح القاهرة.

الخيارات المصرية البديلة

يمثل الملف الليبي أهمية قصوى بالنسبة للأمن القومي المصري ورغم ذلك تعاملت القاهرة معه بطريقة قد تبدو مخالفة لعرف الدبلوماسية المصرية التي تنحي الخلافات الأيديولوجية جانبًا فيما يتعلق بملفات الأمن القومي؛ ففي الملف الفلسطيني على سبيل المثال، تتعامل المؤسسات الأمنية والسياسية المصرية مع حركة حماس، في الوقت التي تصنف فيه القاهرة جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي، وتحاكم بعض قيادات الجماعة بـ”التخابر” مع حركة حماس، لكن في الملف الليبي تعاملت الأجهزة المصرية مع الملف بطريقة المكايدة السياسية.

ورغم أن حكومة الوفاق الوطني التي يترأسها فايز السراج تعد أحد مخرجات اتفاق الصخيرات الذي تمخض عنه الحل السياسي في ليبيا عام 2016، وتحظى باعتراف دولي، إلا أن القاهرة تناصبها العداء وتدعم خصومها بدعاوى أيديولوجية، حتى أصبح الطرف المصري جزءًا من الأزمة بليبيا وليس جزءًا من الحل، وهذا الأمر زاد من تعقيد خيارات صانع القرار المصري فيما يتعلق بالأزمة الراهنة(9).

لكن رغم ذلك يعد قرار التلويح بالحرب من قبل السيسي خيارًا متطرفًا في ظل احتمالية وجود قرارات أخرى ذات طابع سياسي مثل محاولة التوسط مع أخرى مع الأطراف الليبية المتناحرة بما فيها حكومة الوفاق التي قد لا تعارض لعب دور مصري سياسي بعيدًا عن الدعم العسكري لحفتر، وقد أبقى وزير الداخلية في حكومة الوفاق، فتحي باشاغا، شعرة معاوية مع مصر، حينما أشار إلى احتمالية لعب مصر دورًا سياسيًّا في ليبيا.

كذلك ما قالته تركيا على لسان وزير خارجيتها، مولود جاويش أوغلو، بشأن تفهمها لتأثير ليبيا على الأمن القومي المصري، يعد أيضًا رسالة من قبل الطرف الفاعل والأهم في الغرب الليبي في حال رغبت القاهرة بلعب دور سياسي في الأزمة لكن التلويح بالتدخل العسكري المصري في الملف الليبي قد يكون أسهم في تعقيد الأمر وصعَّب من قبول طرف حكومة الوفاق لدور مصري لكن رغم ذلك يظل هذا الاحتمال قابلًا للتطبيق.

حدود التدخل العسكري المصري

تلويح السيسي بإمكانية التدخل العسكري في ليبيا يعد التصريح الرسمي الأول للقاهرة بهذا الشأن لكن هذا لا يعني أن القاهرة لم تقم بعمليات عسكرية من قبل، فقد قام الطيران المصري من قبل بقصف أهداف على الحدود مع ليبيا أو في العمق الليبي لضرب معسكرات تابعة لعناصر جهادية أو عناصر تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حسب التصريحات الرسمية، مثلما حدث عقب إعدام عدد من العاملين المصريين المسيحيين على يد التنظيم الجهادي في سرت(10).

وفي حال قرَّر النظام المصري تنفيذ تهديده بالتدخل العسكري، فإن الأمر لن يصل إلى الحرب الشاملة، ولن يكون متوقعًا أن ترسل القاهرة دبابات وجنودًا إلى الأراضي الليبية، والسبب الأساسي يعود لما استقر في عقيدة الجيش المصري من قناعة تعود إلى أكثر من 50 عامًا، وتحديدا إلى الاعتقاد بأن التدخل العسكري المصري في اليمن عام 1962، كان من بين العوامل الأساسية لنكسة يونيو/حزيران 1967، ولعل ذلك يفسر أيضًا إحجام مصر عن إرسال قوات إلى اليمن رغم ضغوط الإمارات والسعودية(11).

وهذا يعني أن التدخل العسكري المصري في ليبيا إذا تحول من التهديد إلى التنفيذ فإنه من المتوقع أن يكون عبارة عن ضربات جوية في أماكن الشرق فقط، ولن يشمل نشر قوات كبيرة أو قصف أهداف في الغرب، كما قد تقوم مصر بوضع مستشارين عسكريين مصريين إلى جانب قوات حفتر، والإعلان رسميًّا عن ذلك، وقد يتطور الأمر إلى نشر قوات في الأماكن الحدودية مع ليبيا فقط سواء في داخل مصر أو ليبيا من باب حماية تلك الحدود من وصول “الميليشيات” التي تراها القاهرة إرهابية. وحسب التلويح المصري المباشر، فمن المتوقع تسليح وتدريب قبائل ليبية مقيمة في شرق ليبيا، لتقاتل تحت إشراف وتوجيه مصريين، وقد يمتد ذلك الى إشراك موطنين مصريين من أبناء القبائل المستوطنة على الحدود ولها صلات قرابة مع القبائل الليبية في الجانب الآخر.

لكن يظل هناك سيناريو آخر (ضعيف التحقق) وهو التورط بحرب شاملة في ليبيا تحت ذريعة تهديد الأمن القومي من قبل تركيا، وهذا الأمر قد يكون كارثة بالنسبة لجميع الأطراف وخاصة الطرف المصري الذي قد يُدخل جيشه في مستنقع كبير على غرار المستقنع اليمني فالمسافات الشاسعة بين الغرب والشرق الليبي قد تنهك القوات المصرية بشكل كبير وتجعلها فريسة للطائرات التركية المسيَّرة في ظل حالة غضب من قبل عدد كبير من قبائل الغرب الليبي ووصف هذا التدخل على أنه احتلال وهذا الأمر قد يكون مرفوضًا دوليًّا أيضًا من قبل الولايات المتحدة التي لن توافق على حرب بين حليفين مهمين لها، وهما: تركيا ومصر، في ظل التنافس مع روسيا الآن في ليبيا بالتحديد.

الدور الخارجي في مواقف القاهرة

لم يكن التصعيد الأخير مصريًّا خالصًا، بل إن هناك أطرافًا لها مصالح كبيرة في ليبيا تقف وراءه بسبب التحالفات المعقدة والمتشابكة في المنطقة ورغبة هذه الأطراف في تحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية بالزج بمصر في هذه الحرب. ويمكن ذكر عدد من الدول التي لها مصالح في ليبيا وقد تكون وراء هذا الموقف:

1- الحلفاء الخليجيون

تقف الإمارات والسعودية في خندق خليفة حفتر إضافة إلى مصر ولكن تختلف مصالح كل طرف منها بدرجات متفاوتة فالإمارات على سبيل المثال تعد الداعم الأكبر والأهم بالنسبة لحفتر في هذه الحرب للكثير من الأهداف التي تعتبرها جزءًا من استراتيجيتها في المنطقة، ومن بين ذلك تمكين الثورات المضادة في الدول التي حدث فيها تغيير مثل ليبيا ومحاصرة تونس أيضًا، ومحاولة التقرب والتأثير على الجزائر والسودان، فضلًا عن مواجهة قوى الإسلام السياسي التي تعتبرها أبو ظبي عدوًّا مباشرًا، إضافة بالطبع إلى مواجهة تركيا التي تعتبرها الإمارات خصمها اللدود الآن(12).

السعودية تتفاوت مصالحها بالنسبة لحفتر فهي لا تقف على نفس المسافة التي تراها الإمارات، إلا أن التناغم الحالي بين ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ونظيره الظبياني، قد يقف وراء الموقف السعودي، لكن وجود تركيا في المشهد زاد من رغبة السعودية بالتدخل، ودفعها للقاهرة لتبني الخيار العسكري وتوريطها بمواجهة مع أنقرة(13).

2- روسيا

حتى الآن، لم تعلن روسيا عن وجود عسكري رسمي لها في ليبيا، رغم وجود مرتزقة “فاغنر” القريبة من الكرملين،  ومن ثم فتحديد الخطوط الحمراء التي أعلنها السيسي تصب في مصلحة الروس أولًا؛ إذ تتمركز قوات فاغنر في قاعدة الجفرة الجوية والتي زودتها موسكو مؤخرًا بـ14 طائرة حربية من نوع “ميغ 29” إس (مخصصة للتفوق الجوي والهجوم الأرضي معًا)، بالإضافة إلى عدد من طائرات “سوخوي 24″، (مخصصة للهجوم الأرضي)، ومن ثم فإن هذه القاعدة تعد استراتيجية بالنسبة لروسيا ولن تتركها بسهولة لكن في نفس الوقت لن يمكنها الإعلان رسميًّا عن وضع خطوط حمراء لحكومة الوفاق؛ ولذلك فإن التلويح المصري قد يكون في صالح الروس أيضًا وهذا يعزز فرضية وقوف روسيا وراء تلويح السيسي بالتدخل العسكري(14).

3- إسرائيل

قد يكون من غير المعلوم الدور الذي تلعبه إسرائيل في ليبيا لكن موقع ميدل إيست آي البريطاني كشف عن إجراء لقاء جمع مسؤولين إسرائيليين مع حفتر برعاية المخابرات المصرية، وفي نفس الوقت قدمت إسرائيل شحنات عسكرية للمرتزقة الداعمين لحفتر.

وقد يكون الخلاف الإسرائيلي-التركي منذ عام 2010 وراء هذا الخيار الإسرائيلي، لكن الأمر يبدو أكثر ارتباطًا بالمصالح الاسرائيلية في البحر المتوسط، والمخاوف التي تتشاركها إسرائيل مع دول أخرى أبرزها اليونان وقبرص وحتى مصر، من الاتفاق بين تركيا وحكومة الوفاق حول الحدود البحرية بين البلدين، ومستقبل الوجود التركي في ليبيا على مصالح هذه الدول في المتوسط. وقد وقَّعت إسرائيل مع اليونان وقبرص على اتفاق لإنشاء خط غاز شرق المتوسط “EastMed”، وهو خط غاز من المفترض أن ينقل الغاز الإسرائيلي والقبرصي من حقول في البحر المتوسط إلى اليونان ثُمَّ إلى بقية أوروبا لكنَّ التدخل التركي الأخير في ليبيا يقف حجر عثرة في الطريق(15).

تأثير التدخل المصري على ملفات الأمن القومي الأخرى

يعي رأس النظام السياسي في مصر هذه الخطوة جيدًا ويدرك أن التشابك في الملفات الخارجية واحتمالية التورط في حرب قد ينعكس سلبًا أو إيجابًا على باقي الملفات وهذا متوقف على النجاح أو الإخفاق في التدخل العسكري ومن ثم قد يكون أحد أهداف النظام المصري هو توجيه رسالة إلى إثيوبيا بأن القاهرة يمكنها التدخل عسكريًّا في حال تعرَّض أمنها القومي للتهديد من قوى خارجية وهذا الأمر قد يمثِّل مقامرة كبيرة؛ ففي حال الإخفاق في الحرب -لو قرر النظام المصري شنَّها- فإن هذا سينعكس سلبًا على ملف سد النهضة وقد تستغل إثيوبيا حالة الانشغال المصري بالوضع في ليبيا وتمضي في ملء خزان سد النهضة وحينها لن يكون أمام القاهرة أي خيار آخر غير العمل العسكري ضد أديس أبابا وهذا الأمر قد تكون تكلفته عالية جدًّا حينها(16).

أيضًا التدخل العسكري خارج البلاد سوف يزيد من الأزمة الاقتصادية الحالية بشكل كبير ويجعل قدرة البلاد على إيجاد بدائل لتفادي آثار أزمة سد النهضة أمرًا مكلفًا أيضًا.

أيضًا فيما يتعلق بالوضع في سيناء فإن احتمالية التدخل العسكري في ليبيا قد تنعكس بشكل سلبي على الوضع في سيناء لصالح الجماعات المسلحة وهذا سيزيد من تشتيت القوات المصرية التي تعاني دون حرب خارجية من عدم قدرتها على القضاء على وجود تنظيم “داعش”، ففي حال اللجوء إلى التدخل العسكري في ليبيا فإن القيادة العسكرية المصرية قد تلجأ إلى سحب جنود من أماكن حيوية مثل سيناء والسويس التي يوجد بها تمركز الجيش الثالث الميداني والدفع به نحو المنطقة الغربية وأيضًا يمكن أن تعيد مصر انتشار قواتها العسكرية في باقي المناطق الحيوية المصرية مما قد يتسبب في إضعاف القوات المصرية الموجودة على الحدود الشرقية، وهذا غير مقبول بالنسبة للقيادات العسكرية المصرية التي تعرف مدى أهمية هذه المنطقة على الأمن القومي سواءً فيما يخص إسرائيل أو في سيناء(17).

يبقى التلويح المصري بالدخول في حرب بليبيا في إطار التهديد ولفت الانتباه لمصالح القاهرة دون الإقدام على هذه الخطوة إلا في الضرورة وحتى إن حدثت فإنها لن تتحول إلى الحرب الشاملة نظرًا لتكلفتها الكبيرة على النظام المصري.

ثمة أمر آخر وهو متعلق بالوضع الحالي في ليبيا بسبب التنافس بين الدول الإقليمية مثل تركيا وروسيا وأيضًا الموقف الأميركي الرافض لوجود روسيا في المنطقة مما يعني أن ربط الأهداف المصرية بعيدًا عن هذا التشابكات لن يكون مقبولًا من قبل هذه القوى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية(18).

يمكن أن تحافظ مصر على الحد الأدنى من مصالحها في ليبيا دون التورط في عملية عسكرية من خلال تغليب الحل السياسي الذي بدأ يلوح في الأفق على حساب العمل العسكري ووقوفها على مسافة واحدة من الأطراف الليبية المتناحرة مما يعطيها قوة في جمع الأطراف على طاولة مفاوضات ترعاها مصر.

وأخيرًا، فإن رهن القاهرة مواقفها الخارجية في إطار الصراع الإقليمي وضمن أجندة بعض الدول الخليجية قد يكلفها الكثير ويُفقدها الكثير من أوراق الضغط وأيضًا يقلِّل خيارات أمنها القومي(19).

الموقف الجزائري من الأزمة الليبية: بين التغير والاستمرارية

منذ أن نشرت الرئاسة الجزائرية مسودة تعديل الدستور الحالي في بداية أيار/ مايو 2020، تشهد الجزائر جدلًا بشأن مضمون المادتين 31 و95 من المسودة، اللتين يُعتقَد على نطاق واسع أنّ من شأنهما – إنْ اعتُمِدتا – أن تدفعا نحو تغيير كبير في العقيدة العسكرية الجزائرية. تنص المادة 31 من المسودة على أنه “يمكن للجزائر في إطار الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية وفي ظل الامتثال التام لمبادئها وأهدافها أن تشارك في عمليات حفظ واستعادة السلام”. في حين نصت المادة 95 على أنّ رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، “يقرر إرسال وحداتٍ من الجيش إلى الخارج بعد مصادقة البرلمان بأغلبية الثلثين من أعضائه”[1].

تناقش هذه الورقة احتمالات التغير والاستمرارية في الموقف الجزائري من الأزمة الليبية، في ظل هذا الجدل بشأن مسودة التعديل الدستوري التي تنص على إمكانية إرسال الجزائر وحداتٍ عسكرية خارج حدودها. تتضمن الورقة جزأين؛ يسعى الجزء الأول لمراجعة الموقف الجزائري من الأزمة الليبية ومحدداته الأساسية، في حين يسعى الجزء الثاني لفحص احتمالات التغير والاستمرارية في هذا الموقف، بناءً على المواد ذات العلاقة، الواردة في مسودة التعديل الدستوري، وانتهاءً بقراءة تحليلية في الموقف الجزائري الراهن من تطورات الصراع الليبي، منذ شروع قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في محاولة السيطرة عسكريًا على العاصمة الليبية، طرابلس، في نيسان/ أبريل 2019.

أولًا: محددات الموقف الجزائري من الأزمة الليبية

يستند الموقف الجزائري من الأزمة الليبية إلى جملة من المبادئ المستمدة من العقيدة الأمنية التقليدية التي ورثتها الجزائر، منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي[2]. وتقوم هذه العقيدة على مجموعة من “اللاءات”، أبرزها لا لانتهاك سيادة الدول والتدخل في شؤونها الداخلية، ولا للتدخل الأجنبي في الصراعات الداخلية، ولا للخيار العسكري لتسويتها، ولا لتدخل الجيش الجزائري خارج حدود البلاد. ويُعدّ الاستقلال قيمة مركزية في إدراكات صانع القرار الجزائري، وهي مرتبطة على نحوٍ وثيق بإرث حرب تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي الذي دام نحو مئة وثلاثين عامًا، وانتهى بحرب مريرة دامت سبع سنوات ونصف السنة (1954-1962).

صحيح أنّ تاريخ الجزائر المستقلة شهد إرسال وحدات عسكرية محدودة[3] خارج الحدود، ما يبدو استثناءً لهذه اللاءات، إلا أنها جميعًا لم تخرج عن نطاق مساعي الجزائر إلى تكريس مكانتها الدولية، بوصفها نموذجًا قوميًّا يقوم على شخصية وطنية مستقلة[4]. شملت هذه الاستثناءات مشاركتها في الحروب العربية – الإسرائيلية (عامي 1967 و1973)، ومشاركتها في قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في كمبوديا (بين عامي 1991 و1993) وفي الكونغو الديمقراطية (بين عامي 1999 و2010)[5]، ومراقبة انسحاب القوات الكوبية من الحدود الأنغولية بين عامي 1989 و1991[6]، وفي ضمان احترام اتفاق وقف إطلاق النار بين إثيوبيا وأرتيريا (بين عامي 2000 و2008) وفي هايتي (بين عامي 1995 و1996)[7].

واستنادًا إلى التمسك بمبدأي السيادة واستقلال القرار الأمني/ العسكري، لم تسمح الجزائر بإنشاء قواعد عسكرية أجنبية على ترابها منذ إجلاء القواعد العسكرية الفرنسية بين عامي 1967 و1970. وسبق أن رفضت في عام 2013 طلبًا روسيًّا للحصول على تسهيلات عسكرية بحرية مقابل استفادتها من مزايا عسكرية، “مبررة رفضها بمبدأي السيادة وحسن الجوار مؤكدة امتناعها عن أي تهديد لجيرانها في غرب المتوسط”[8].

بطبيعة الحال، هذا التمسك بالاستقلال والتحرر من تبعية القرار الوطني للخارج من شأنه أن يسمح للجزائر بالحفاظ على المسافة الفاصلة نفسها من أطراف النزاعات، وهذا ما مكّنها من تحقيق عدد من الإنجازات على مستوى الوساطة في النزاعات (بين العراق وإيران عامي 1975 و1988، وبين إثيوبيا وأرتيريا عام 2000، وبين إيران والمملكة العربية السعودية عام 2016 في إطار منظمة أوبيك، وبين الحكومة المالية ومتمردي شمال مالي عام 2015). على المنوال نفسه، وفي الحالة الليبية، ترى الجزائر أنّ مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول يقتضي أن يكون حل الأزمة الليبية ليبيًّا، وأنه كلما تدخلت دول أجنبية بغرض تعزيز نفوذها عبر التحالف مع طرف ضد آخر، طال أمد اللااستقرار في ليبيا، وفي جوارها الإقليمي بالضرورة. في السياق نفسه، ترفض الجزائر المساس بالحدود الموروثة عن الحقبة الكولونيالية؛ لذلك، فهي تبدي حساسية مفرطة حيال المطالب الانفصالية التي من شأنها تقسيم الدول القائمة.

من جهةٍ أخرى، ترى الجزائر أنّ المقاربة الأمنية الخشنة القائمة على الحل العسكري لحسم النزاعات الداخلية لا تجدي نفعًا. ويرتبط هذا الموقف أيضًا بتجربة العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي؛ حيث وجدت أنّ هذه المقاربة فشلت في النصف الأول من التسعينيات في استعادة الأمن والاستقرار، بل زادت من حدة نشاط الجماعات المسلحة. ومع مجيء الرئيس اليامين زروال عام 1995، انتهجت الدولة مقاربةً أقلّ خشونة عبر “قانون الرحمة”، ثم واصل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة النهج نفسه مع “قانون الوئام المدني” عام 1999[9]. لذلك، ترى الجزائر أنّ استمرار الصراع المسلح، خاصة في ظل تدخلٍ أجنبيّ مكثف ودعمٍ عسكريّ متعدد الأطراف، كما هو الحال في ليبيا، لن يؤدي إلا إلى تقويض أكبر للأمنَين الليبي والإقليمي. كما ترى ضرورة إشراك جميع الأطراف الليبية في مسار التسوية، بما يضمن عدم عودتهم إلى التمرد والعمل المسلح مستقبلًا[10].

هذه المقاربة القائمة على الدّمج والإشراك هي حصيلة عقدٍ من الخبرة في إدارة ملف الجماعات الخارجة عن السلطة المركزية. وفي حالة ليبيا، يتعلق الأمر بتهديدٍ لبقاء سلطةٍ معترف بها دوليًا في طرابلس، ويتعلق في الوقت نفسه بأطراف متمردة تحظى بدعم إقليمي ودولي يجعل شبح التقسيم واردًا؛ وهو ما ترفضه الجزائر.

في هذا السياق استقبلت الجزائر، في 13 حزيران/ يونيو 2020، رئيس مجلس النواب الليبي بطبرق، عقيلة صالح، رغم التفوق العسكري الذي أحرزته قوات حكومة الوفاق الوطني ضد قوات حفتر، ورغم الموقف الأميركي المناهض صراحةً لطموحات حفتر وما سيترتب عليها من تعاظم النفوذ الروسي في ليبيا[11]. وجددت الجزائر، خلال استقبال صالح، موقفها الداعي “إلى الحوار بين الأشقاء الليبيين، من أجل الوصول إلى حل سياسي باعتباره السبيل الوحيد الكفيل بضمان سيادة الدولة الليبية ووحدتها الترابية، بعيدًا عن التدخلات العسكرية الأجنبية”[12]. إذًا، على الرغم من اختلال ميزان القوى الميداني لصالح قوات حكومة الوفاق الوطني ضد قوات حفتر، ورغم تهديداتٍ سابقة صريحة أطلقها الأخير بنقل الحرب إلى داخل الأراضي الجزائرية[13]، فإن الجزائر ظلت متمسكة برفض الحسم العسكري وضرورة إشراك جميع الأطراف في مسار التسوية السلمية للأزمة. ومما يؤكد هذا استقبالُ الجزائر رئيسَ حكومة الوفاق الوطني، فايز السراج، بعد أسبوع من زيارة صالح، لتأكيد مساعي الجزائر لاستئناف الحوار الوطني الليبي “لإيجاد حل سياسي للأزمة يكون قائمًا على احترام إرادة الشعب الشقيق وضمان وحدته الترابية وسيادته الوطنية، بعيدًا عن التدخلات العسكرية الأجنبية”[14].

ولما طرحت مصر، أحد أبرز حلفاء حفتر وداعميه في الصراع الليبي، مبادرة وقف إطلاق النار بعد سلسلة هزائم قوات حفتر أمام قوات حكومة الوفاق الوطني (في 6 حزيران/ يونيو 2020)، والتي فُهِمت على أنها محاولة لإنقاذه من هزيمة مطلقة، تجاهلت الجزائر المبادرة المصرية، تعبيرًا عن رفضها التدخل المصري القائم على الانحياز إلى قوات حفتر. حيث “شددت الجزائر على أهمية دور دول الجوار [جميعها] في مسار التسوية السلمية في ليبيا، والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف”[15].

من ناحية أخرى، وفي مقابل رفض الجزائر خيار الحسم العسكري، فإنها تتبنى سياسة التشبيك مع القبائل المحلية القاطنة على تخومها الصحراوية في شمال مالي وجنوب غرب ليبيا (شرق الحدود الجزائرية وجنوب شرقها وجنوبها)، وتستغل في ذلك الروابط الدينية والعرقية العابرة للحدود، كما تُقدّم مساعدات اقتصادية لكسب تلك القبائل والحواضن السكانية حتى لا تتحول إلى معاقل للجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة التي تهدد الأمن القومي الجزائري؛ فضلًا عن ذلك، تظل الجزائر مصدرًا إقليميًا للمساعدات الأمنية والعسكرية والمالية لحكومات دول الجوار ودول الساحل (تونس، وليبيا، ومالي، والنيجر، وموريتانيا، وتشاد، وبوركينافاسو)[16].

وعلى الرغم من كل ما تقدم، تشير سوابق حديثة – مصرَّح بها رسميًّا – إلى أنّ هذه المبادئ لم تعد راسخة تمامًا على النحو الذي يُفصِح عنه خطابُ السياسة الخارجية الجزائرية؛ كما تشي بوضوح أنّ صانع القرار الجزائري – على الأقل منذ انهيار الدولة في ليبيا وفشلها في مالي – صار يرزح تحت ضغط مبدأ عدم التدخل من جهة ومصالحه المتمثلة في الأمن من جهة أخرى. ففي شتاء عام 2012، سمحت الجزائر للمقاتلات الفرنسية بالمرور عبر مجالها الجوي وقصف تنظيمات مسلحة في شمال مالي[17]؛ وفي صيف عام 2014، نفذت عناصر من الاستخبارات الجزائرية وعناصر من قوات المهمات الخاصة عملية إجلاء للطاقم الدبلوماسي الجزائري من طرابلس إثر حيازتها معلومات عن مخطط للاعتداء على سفارة الجزائر في ليبيا[18]. وفي العام نفسه، وقّعت تونس والجزائر اتفاقيات تعاون وتنسيق أمنيّ تتيح لها إمكانية ملاحقة الإرهابيين عبر الحدود التونسية – الجزائرية[19]، وذلك بعد هجمات جبل الشعانبي على الحدود الغربية لتونس، عام 2013، التي نفذها عناصر من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي تسلّل عدد منهم من الجزائر.

ثانيًا: حدود التغير وقرائن الاستمرارية

تستند احتمالات التغير في الموقف الجزائري تجاه الأزمة الليبية إلى الربط، الذي صار شائعًا الآن، بين مقترح تعديل الدستور للسماح بإرسال وحدات عسكرية خارج الحدود والتطورات التي تعرفها الأزمة الليبية منذ عام 2011 إجمالًا، ومنذ عام 2014 تحديدًا؛ أي منذ شروع قوات حفتر في التمرد على المؤتمر الوطني العام، وهجومه على العاصمة طرابلس في نيسان/ أبريل 2019، والذي يُعتَقَد أنه ما كان لينفِّذه لولا انشغال الجزائر داخليًّا بالأزمة السياسية التي خلفتها استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بداية الشهر نفسه تحت ضغط حراك 22 شباط/ فبراير الشعبي.

مع ذلك، تحاجّ هذه الورقة – استنادًا إلى النص الدستوري نفسه وإلى السوابق سالفة الذكر – بأن التدخل الخارجي غير محظور بأتم معنى كلمة الحظر. فالمادة 29 من الدستور الحالي المعدل عام 2016 (المادة 26 من دستور 1996) تنصّ على أنّ الجزائر “تمتنع عن اللجوء إلى الحرب من أجل المساس بالسيادة المشروعة للشعوب الأخرى وحريتها. وتبذل جهدها لتسوية الخلافات الدولية بالوسائل السلمية”. فهي لا تمنع، لا نصًّا ولا تأويلًا، إرسال قوات مسلحة إلى خارج الحدود؛ وإنما يتعلق الأمر بحظر التدخل إذا كان فيه “تقويضٌ للسيادة المشروعة للشعوب الأخرى وحريتها”. وبصرف النظر عن إرسال قوات مسلحة جزائرية للمشاركة في حربي 1967 و1973؛ فإن السوابق، سالفة الذكر، تؤكد أنّ ثمة حالات تجاوزت فيها الجزائر مبدأ عدم التدخل، لكن على نحوٍ لا يلفت الانتباه كما يمكن أن يفعله “إرسال وحدات عسكرية إلى الخارج”، كما تسميه مسوّدة التعديل الدستوري.

إنّ الأمر لم يكن متعلقًا بعائق دستوري موضوعي، لكنه لطالما تعلّق بتقليد ممارساتي، يتعاضد فيه التاريخ بالهوية بمدركات التهديدات الأمنية الخارجية لدى صانع القرار الجزائري. لذلك، فإن التعديل الدستوري قد لا يشكّل متغيرًا مساعدًا في فحص حدود التغير والاستمرارية في الموقف الجزائري من الأزمة الليبية، على النحو الذي يحاجّ به أنصار فرضية أنّ التعديل قد يفتح المجال أمام تدخل عسكري جزائري في ليبيا؛ بل ينبغي البحث في حجج خارج سياق النقاش بشأن الدستور:

  1. من منظورٍ تقليدي للأمن الحدودي، يقتضي تأمين الحدود وجود دولتين قائمتين قادرتين على جعل تلك الحدود آمنة ومستقرة على طرفيها. غير أنّ انهيار إحدى الدولتين يحوّل التخوم المشتركة بينهما إلى منطقة عدم استقرار.[20] من الواضح أنّ هذا ما ينطبق تمامًا على حالة الجزائر؛ إذ يؤدي انهيار الدولة في ليبيا منذ 2011، وفشلها في (شمال) مالي منذ 2012، إلى انكشاف الحدود الجزائرية الممتدة[21] أمام تهديدات أمنية غير دولتية المصدر، تزيد من تكلفة تأمين الحدود[22]؛ ما يجعل التخوم الجزائرية الشرقية والجنوبية الشرقية، خاصةً ذات الطبيعة الصحراوية جغرافيًا والقبَلية ديمغرافيًا، فضاءً خصبًا لنشاطات الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة بأشكالها كافة. يعني هذا أنّ المسألة، موضوع النقاش، لا تتعلق بالأزمة الليبية في حد ذاتها، بوصفها أزمة أمنية في الجوار الجزائري، بل تتعلق بعواقب انهيار الدولة في ليبيا على الأمن القومي للجزائر، وتحديدًا على استقرار تخومها – فضلًا عن حدودها[23] – الشرقية والجنوبية الشرقية. لذلك، يمكن المحاجّة بأنه إذا كان للجيش الجزائري أن يتدخل في ليبيا (أو في غيرها من دول الجوار)، فمن غير المرجّح أن يتعدى التدخل حدود التخوم المشتركة على طرفي الحدود، مما يعني أنّ عملياته – في حال تنفيذها – ستكون سريعة ومحدودة زمنيًّا وجغرافيًّا، وستقتصر على مواجهة التهديدات الأمنية الناجمة عن الأزمة لا المساهمة في أي مجهود عسكري أجنبي يستهدف حل الأزمة في حد ذاتها؛ طبعًا إلا إذا تم ذلك “في إطار الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو جامعة الدول العربية” عبر المشاركة “في عمليات حفظ واستعادة السلام”، كما ينص عليه التعديل الدستوري. وحتى في هذه الحالة، من المرجّح أنّ صانع القرار الجزائري سيظل مثقلًا بإرث اللاءات المحدِّدة للسلوك الخارجي للجزائر، بما في ذلك حساب التكاليف الأمنية للمشاركة في عمليات عسكرية خارج الحدود.
  2. من المهم أن تُؤخذ توازنات القوى الخارجية المتورطة في الصراع الليبي في الحسبان. وهو عامل مؤثر على نحوٍ كبير في تقييد خيار تدخل الجزائر عسكريًّا في ليبيا. لذلك، يبدو خيار الجزائر بشأن التدخل عسكريًا محدود، فضلًا عن أن تدخلها من شأنه أن ينقض دعوتها لاعتبار الحسم العسكري خيارًا فاشلًا في حل الأزمة الليبية. من جهة ثانية، لا تستطيع الجزائر الوقوف ضد حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا؛ لأن في ذلك نقضًا لتمسكها بالشرعية الدولية، كما أنّ هذا سيؤدي بها إلى الاصطدام بتركيا والتضحية بالتطورات التي عرفتها العلاقات الجزائرية – التركية خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى الاصطدام بإيطاليا التي تُعدّ أيضًا شريكًا أساسيًّا لها في سوق الغاز الطبيعي. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع الجزائر التدخل عسكريًا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني؛ لأنها ستجد نفسها في مواجهة مع روسيا التي تعدّ شريكًا استراتيجيًّا لها، خاصة على صعيد التسليح، ومع فرنسا التي يُخشى أن يهدّد ذلك بانهيار التنسيق الأمني المشترك بينهما في مالي[24].
  3. في سياق تقدير الجزائر لتوازنات القوى في الصراع الليبي، لا يمكن تجاهل الدافع الاقتصادي في مدركات صانع القرار الجزائري إلى جانب الدوافع الأمنية والجيوساسية. يبدو أنّ خيار دسترة إرسال قوات عسكرية خارج الحدود يدخل ضمن مساعي اكتساب القدرة على التحكم في إدارة نتائج الصراع المحتملة مستقبلًا على الجزائر. من ذلك على سبيل المثال أنّ الجزائر تحظى بعلاقات اقتصادية جيدة مع الإمارات العربية المتحدة، لا تقل أهميتها عن علاقاتها تركيا؛ ما يعني أنّ اتخاذ موقف حدّي على صعيد أطراف الصراع المحلية هو بمنزلة اتخاذ موقف على صعيد القوى الدولية المتدخلة. وهذا يعني أنّ خيار الدسترة في هذا الوقت جاء مدفوعًا بهذه التوازنات في علاقات الجزائر الخارجية على صعيد التعاون الاقتصادي مستقبلًا، ولا سيما في سياق الأزمة الاقتصادية التي تمر بها إثر انهيار أسعار النفط. ويبدو أنّ هذا الخيار من شأنه أن يسمح بتوجيه رسالة إلى هذه القوى تؤكد الآن، وبصورة ملموسة، أنه لا يمكن استثناء الجزائر من أي ترتيبات مستقبلية[25].
  4. إنّ وضع مادة الدستور، المعنية بالنقاش هنا، موضع التنفيذ لا يرتبط بالتعديل الدستوري نفسه – مع أنّ صيغة المادة تشدّد على أنّ التدخل يكون في إطار “المشاركة في عمليات حفظ واستعادة السلام” وتحت مظلة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية – لكنه يتوقف على مستقبل التحول الديمقراطي في الجزائر؛ إذ إنّ قرار إرسال القوات المسلحة في عمليات خارج الحدود يتخذه الرئيس بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنه مشروطٌ بموافقة ثلثي أعضاء البرلمان. لذلك، فمن المرجح أنّ دسترة مشاركة القوات المسلحة في عمليات عسكرية خارج الحدود إنما تأتي جزءًا من مساعي النظام السياسي لتوجيه رسالة فحواها أنّ الجيش في طريقه نحو الدمقرطة والخضوع لرقابة السلطة المدنية (ممثلة في البرلمان أو السلطة التشريعية)[26]، فضلًا عن تحقيق المزيد من الشرعية داخليًّا من خلال الإحالة إلى التهديدات التي تتربص بالأمن القومي للبلد، إلى الحد الذي يتطلب تعديلاً دستوريًا، يغيّر العقيدة العسكرية للدولة.

لقد أكدت مجلة الجيش، التي تصدر عن وزارة الدفاع الجزائرية، على هذا البعد المتعلق بدمقرطة المؤسسة العسكرية، حيث شدّدت على “الشروط والضوابط”، التي يفرضها التعديل الدستوري على قرار رئيس الجمهورية بإرسال وحدات عسكرية إلى الخارج، المحكومة “بمصادقة البرلمان، خلافًا لما كان معمولًا به سابقًا”؛ إضافةً إلى التشديد على “الإقرار بسيادة الشعب الجزائري في اتخاذ قرار إرسال وحدات مسلحة [إلى الخارج] من خلال موافقته عبر ممثليه على مستوى السلطة التشريعية”؛ كما استعملت المجلة في سياق ذلك وبكل وضوح عبارة “إخضاع [مثل هذا] القرار للأطر الديمقراطية”. وتؤكد المجلة، ومن ثمّ المؤسسة العسكرية نفسُها، على استهجان “بعض القراءات والتحليلات التي تحدثت عن تغير جذريّ في العقيدة العسكرية للجيش الجزائري”، مشيرةً إلى أنّ التعديل الدستوري يوظف “مصطلح ’إرسال‘ و’مشاركة‘ للدلالة بشكلٍ عام على ضوابط اتخاذ القرار، لا سيما احترام المواثيق الدولية وخدمة الأمن والسلم العالمي، ولم يستخدم مصطلح ’التدخل‘ الذي يُعَدُّ أحد المصطلحات الشائكة […] لعلاقته الوثيقة بمصطلح السيادة، كما أنّ المسودة تحدثت عن ’عمليات حفظ واستعادة السلام‘ للدلالة على طبيعة المهام ولم تستعمل المصطلحات القابلة للتأويل على غرار ’عمليات عسكرية‘”[27].

خاتمة

تخلص هذه الورقة إلى أنّ تدخّل الجزائر عسكريًّا خارج حدودها وحجمَه مرهونان بطبيعة التهديدات المحدقة بأمن حدودها وأمنها القومي إجمالًا. ففي غياب تهديدات دولتية من قبيل حرب (إقليمية) واسعة النطاق، من المرجّح أن تكتفي الجزائر – إذا ما تدخلت عسكريًّا – بالتوغل لمسافات قصيرة خارج حدودها إما لمطاردة الجماعات الإرهابية أو لحماية القبائل، القاطنة على تخوم حدودها، ومنع تحولها إلى قواعد خلفية لتلك الجماعات. أما إمكانية المشاركة في قوات سلام متعددة الجنسيات فستظل خيارًا مرهونًا بحسابات المكاسب والتكاليف بالنسبة إلى الأمن القومي الجزائري.

أمّا في الحالة الليبية، فمن المرجّح أنّ الجزائر ستواصل العمل على استغلال ثقلها الدبلوماسي، غير المنحاز تاريخيًّا، مع التلويح بإمكانية التدخل عسكريًّا لحماية أمنها القومي. وفي نهاية المطاف، يبدو أنّ الجزائر تسعى إلى البقاء على المسافة الفاصلة نفسها من جميع أطراف النزاع، محليين وإقليميين.

[1] رئاسة الجمهورية الجزائرية، رئاسة الجمهورية، مشروع تمهيدي لتعديل الدستور، 7 أيار/ مايو 2020، شوهد في 14/6/2020، في:https://rb.gy/xsgfsa

[2] للاطلاع على تفصيلات أوسع بشأن العقيدة الأمنية/ العسكرية للجزائر، ينظر: عبد النور بن عنتر، “عقيدة الجزائر الأمنية: ضغوطات البيئة الإقليمية ومقتضيات المصالح الأمنية”، مركز الجزيرة للدراسات، تقارير، 02/05/2018، شوهد في 15/6/2020، في:https://bit.ly/2N0ZuRj ؛ صالح زياني، “تحولات العقيدة الأمنية الجزائرية في ظل تنامي تهديدات العولمة”، مجلة المفكّر، العدد 5 (2010)، ص 286-298.

[3] لم تتجاوز هذه الوحدات العشرات من العناصر، أغلهم ضباط إما ملاحظون أو مشرفون على عمليات التدريب.

[4] بهجت قرني وعلي الدين هلال دسوقي، السياسات الخارجية العربية: تحدي العولمة، ترجمة جابر سعيد عوض، ط 2 (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 2002)، ص 224.

[5] Arezki Benali, “Révision de la constitution: Vers la constitutionnalisation des interventions militaires à l’etranger,” Algérie Eco, 9/5/2020, accessed on 14/ 6/2020, at: https://bit.ly/30VYBlm

[6] Pascal Airault, “Armée algérienne: Pourquoi le président Tebboune veut renouer avec les opérations extérieures,” L’Opinion, 19/5/2020, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/30Wyc6O

[7] أ. أسماء، “مساهمة ’معتبرة‘ للجزائر في قوات القبعات الزرق الأممية”، النهار أونلاين، 2013/5/25، شوهد في 14/6/2020، في: https://bit.ly/2DbzbGs

[8] بن عنتر.

[9] تقوم هذه المقاربة على منح المتابَعين بجرائم الإرهاب أو التخريب الذين يسلِّمون أنفسهم العودة إلى المجتمع بعد نبذ العمل المسلح، في مقابل استفادتهم إما من العفو أو من عقوبات مخفَّفة. يُنظَر: الطاهر سعود، “المصالحة الوطنية في الجزائر: التجربة والمكاسب”، سياسات عربية، العدد 34 (أيلول/ سبتمبر 2018)، ص 40-55.

[10] “ليبيا.. الجزائر تستقبل عقيلة صالح وحكومة الوفاق ترحب بحل سياسي ’مشروط‘”، الجزيرة نت، 14/6/2020، شوهد في 16/6/2020، في: https://bit.ly/3d3qwCh

[11] محمد المنشاوي، “رسائل إدارة ترامب لأطراف النزاع الليبي”، الجزيرة نت، 19/5/2020، شوهد في 15/6/2020، في: https://bit.ly/2zMA1YY

[12] ” “الرئيس تبون يستقبل رئيس مجلس النواب الليبي صالح عيسى عقيلة”، الإذاعة الجزائرية، 13/6/2020، شوهد في 15/6/2020، في: https://bit.ly/30ZnpJf

[13] “حفتر يهدد الجزائر بالحرب”، الجزيرة نت، 8/9/2018، شوهد في 15/6/2020، في:https://bit.ly/2YOM14D

[14] “الرئيس تبون يستقبل فائز السراج”، الخبر، 20 20/6/2020، شوهد في 22/6/2020، في:https://bit.ly/3euf5oM

[15] “العرب في الميدان الليبي.. دول المغرب تبث على موجةٍ مغايرةٍ للمشرق”، الجزيرة نت، 13/6/2020، شوهد في 14/6/2020، في: https://bit.ly/37vFPT7

[16] بن عنتر. تمثلت آخر هذه المساعدات في المواد الطبية والصيدلانية لمواجهة فيروس كورونا التي أرسلتها الجزائر إلى كل من مالي والنيجر والصحراء الغربية وليبيا ومناطق حدودية شرقية مع تونس. يُنظَر: الإذاعة الجزائرية، “الجزائر ترسل 90 طنًا من المساعدات الغذائية والصيدلانية إلى مالي”، 12/06/2020، شوهد في 14/6/2020، في: https://bit.ly/37y4iXT

[17] محمد بن أحمد، “القصة الكاملة لفتح المجال الجوي أمام الطائرات الفرنسية”، الخبر، 19/6/2014، شوهد في 14/6/2020، في: https://bit.ly/2N2MiLN

[18] ذكرت صحيفة الخبر الجزائرية حينها “أن وزارة الخارجية أقرت بالتنسيق مع مصالح الأمن المتخصصة في مكافحة الإرهاب وجهاز الأمن الخارجي التابع لمديرية الاستعلام والأمن، مباشرة بعد اختطاف الدبلوماسيين الجزائريين في مدينة غاو [شمال مالي، في تموز/ يوليو 2013]، برنامجًا سريًا لحماية البعثات الدبلوماسية في الدول المضطربة أمنيًا، وتضمن […] إخضاع وحدات من قوات النخبة في مجموعة التدخل الخاصة’جيش‘ لتدريبٍ عالٍ على عمليات موجهة لحالات اقتحام مقرات البعثات الدبلوماسية الجزائرية في الخارج، وحماية مواكب الشخصيات المهمة في الخارج ومنع تعرضها للاختطاف”. يُنظَر: محمد بن أحمد، “تفاصيل عملية إجلاء الدبلوماسيين الجزائريين من ليبيا”، الخبر، 17/5/2014، شوهد في 14/6/2020، في: https://bit.ly/30JEEOz

[19] Omar Shabbi, “Jihadists Coordinate on Tunisian-Algerian Border,” Al-Monitor, 13/8/2014, accessed on 15/6/2020, at: https://bit.ly/37xkvMQ; Imen Zine, “L’Armée algérienne traque les djihadistes en Tunisie,” L‘Économiste Maghrébin, 5 /8/2014, accessed on 15/6/2020, at: https://bit.ly/30LCYnM

لم يَرِد أيّ تأكيد أو تفنيد رسمي من أيّ من الطرفين بخصوص هذا الجزء من التنسيق. مع ذلك، يمكن في نهاية المطاف المحاجّة بأن تنفيذ عملياتِ تنسيق ميداني لمحاربة الإرهاب عبر الحدود (في مناطق التخوم كما سبقت تسميتها) مع التمسك بمبدأ عدم التدخل خارج الحدود لا يخلو من التناقض. ينطبق التناقض نفسه في موقف الجزائر من القوة الأفريقية الجاهزة، “فهي تقول بمبدأ عدم نشر قواتها خارج الحدود وفي الوقت نفسه تدعو الدول الأفريقية إلى التكفل بأمنها الإقليمي بنفسها” من دون تدخل أجنبيّ من خارج الإقليم. يُنظر: بن عنتر، “عقيدة الجزائر الأمنية”. 

[20] المقصود هنا بالحدود Borders الحدود المرسَّمة سياسيًّا لخلق التمايز بين سيادات الدول؛ أما التخوم Frontiers فالمقصود بها الفضاءات الطبيعية المشتركة على طرفي الحدود السياسية والتي تمر عبرها الخطوط المرسِّمة لتلك الحدود. يُنظر بهذا الخصوص:

 John Robert Victor Prescott, The Geography of Frontiers and Boundaries (London and New York: Routledge, 1967).

[21] تزيد الحدود الشرقية والجنوبية للجزائر عن 4200 كلم (تبلغ حدودها 982 كلم مع ليبيا، و1010 كلم مع تونس، و1329 كلم مع مالي، و951 كلم مع النيجر).

[22] عبد النور بن عنتر، “الجزائر ومعضلة تأمين الحدود”، العربي الجديد، 16/8/2014، شوهد في 14/6/2020، في: https://bit.ly/2AGxEHn

[23] لمراجعة التمييز المعتمد هنا بين الحدود والتخوم، يُنظَر الهامش رقم 20.

[24] “الجزائر تقبل تدخلًا عسكريًا بمالي”، الجزيرة نت، 25/10/2012، شوهد في 15/6/2020، في:https://bit.ly/2Ya94HO

يُذكَر في هذا السياق أنّ فرنسا والجزائر كانتا متوافقتين بشأن تعيين وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة مبعوثًا للأمم المتحدة إلى ليبيا (بعد استقالة غسان سلامة في بداية آذار/ مارس 2020)، غير أنّ الولايات المتحدة الأميركية أبدت تحفظًا عليه تحت ضغوط مصرية وإماراتية بدعوى أنه مقرّب من حكومة الوفاق الوطني من جهة، ومن جهة أخرى لأن الولايات المتحدة اعتبرته مقرّبًا من روسيا.

[25] ينسجم هذا تحليليًا مع ما صرح به الرئيس عبد المجيد تبون في شباط/ فبراير 2020 أنّ الجزائر يمكنها أن تكون حكَمًا محايدًا في الأزمة الليبية [وأنها ليست لديها أطماع في ليبيا]. يُنظَر:

Algérie Press Service, “Président Tebboune: l’Algérie peut jouer le rôle d’un arbitre ‘impartial’ dans la crise libyenne,” Algérie Press Service, 20/2/2020, accessed on 15/6/2020, at: https://bit.ly/2UTJJzN

[26] مع ذلك، ينبغي الانتباه دائمًا إلى التمييز بين الخطاب والممارسة لَمَّا يتعلق الأمر بدمقرطة الجيوش وإخضاعها للرقابة المدنية في سياق الأنظمة السياسية التي تشهد – أو توحي بأنها تشهد – مساراتٍ للتحول نحو الديمقراطية.

[27] وزارة الدفاع الوطني الجزائرية، “مشروع تعديل الدستور: تعزيز العقيدة العسكرية لقواتنا المسلحة”، مجلة الجيش (حزيران/ يونيو 2020)، ص 34-35، شوهد في 15/6/2020، في:https://bit.ly/2Y9Iqii