د. محمد عصام لعروسي – المعهد المصري للدراسات

تمهيد

عرفت العلاقات المغربية-التونسية في عهد الرئيس قيس سعيد تراجعا غير مسبوق مقارنة بما شهدته العلاقات بين البلدين من تقارب وتعاون إيجابي قبل وغداة مرحلة الربيع العربي، حيث إن العلاقات المغربية-التونسية حالياً ليست بالجيدة، بعد أن قررت المملكة المغربية الاستدعاء الفوري لسفيرها في تونس من أجل التشاور، على خلفية استقبال الرئيس قيس سعيد لزعيم جبهة “البوليساريو” إبراهيم غالي، الجمعة الـ 26 من أغسطس (آب) 2022، بمناسبة انعقاد الدورة الثامنة لمنتدى التعاون الياباني-الأفريقي “تيكاد 8”

وقد اعتبرت الخارجية المغربية أن “تونس ضاعفت أخيراً من المواقف والتصرفات السلبية تجاه المملكة المغربية ومصالحها العليا”، معتبرة أن “تونس قررت، خلافاً لرأي اليابان، وفي انتهاك لعملية الإعداد والقواعد المعمول بها بشكل أحادي الجانب، دعوة الكيان الانفصالي”، في إشارة إلى “جبهة البوليساريو” التي تطالب بانفصال الصحراء عن سيادة المملكة، بينما يقترح المغرب الحكم الذاتي حلاً لنزاع الصحراء.

ووصفت وزارة الخارجية المغربية الاستقبال الذي خصصه رئيس الدولة التونسية لزعيم “جبهة البوليساريو”، التي تم نعتها في البلاغ ذاته بـ “الميليشيا الانفصالية”، بأنه “عمل خطير وغير مسبوق يسيء بشكل عميق إلى مشاعر الشعب المغربي، وقواه الحية”.

ووفق الرباط، “هذا الموقف العدائي يضر بالعلاقات الأخوية التي ربطت البلدين على الدوام، كما لا يؤثر بأي شكل من الأشكال على الروابط القوية والمتينة القائمة بين الشعبين المغربي والتونسي، اللذين يجمعهما تاريخ ومصير مشترك”.

 من جهتها أعربت تونس عن انزعاجها من البلاغ المغربي، وقامت بدورها باستدعاء سفيرها في الرباط من أجل التشاور، وقالت الخارجية التونسية في بلاغ لها إن “تونس حافظت على حيادها التام في قضية الصحراء التزاماً بالشرعية الدولية، وهو موقف ثابت لن يتغير إلى أن تجد الأطراف المعنية حلاً سلمياً يرتضيه الجميع”. وأوضحت أن الاتحاد الأفريقي عمم مذكرة يدعو فيها كل أعضاء الاتحاد الأفريقي بمن فيهم زعيم جبهة “بوليساريو” للمشاركة في فعاليات قمة طوكيو الدولية للتنمية في تونس.

بالمقابل، كذبت مذكرة كتابية رسمية صادرة عن اليابان في 19 غشت/ أغسطس 2022، مزاعم وزارة الخارجية التونسية بشأن توجيه رئيس المفوضية الأفريقية، دعوة فردية مباشرة للجبهة الانفصالية المزعومة من أجل حضور منتدى تيكاد-8، المنعقد بتونس.

وبحسب ما ورد في المذكرة، فإنه تم الاتفاق على أن تقتصر المشاركة على الدول التي تلقت دعوة موقعة من قبل كل من رئيس الوزراء الياباني كيشيد فوميو والرئيس التونسي قيس سعيّد فقط “ولن يسمح لأي وفد بالمشاركة في المؤتمر دون التوفر على دعوة تحمل التوقيعين معا”.

وأضافت المذكرة الصادرة عن بعثة اليابان، أن الدعوة لا ينبغي أن ترسل إلى الكيان المشار إليه في المذكرة الشفوية رقم “CCP/A41/570.NV/08.22” الصادرة في 10 غشت/ أغسطس 2022، في إشارة واضحة وصريحة من اليابان لجبهة البوليساريو الانفصالية.

وكانت وزارة الخارجية والتعاون الدولي المغربية، قد أكدت بأنه “تم توجيه 50 دعوة إلى الدول الأفريقية التي تقيم علاقات دبلوماسية مع اليابان، ولذلك لم يكن من حق تونس سن مسطرة خاصة بتوجيه الدعوات بشكل أحادي الجانب ومواز وخاص بالكيان الانفصالي، وفي تعارض مع الإرادة الصريحة للشريك الياباني”.

وشدد الناطق باسم وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج على أن البيان الصادر عن تونس ينهج نفس التأويل فيما يتعلق بالموقف الأفريقي، الذي ظل على الدوام قائما على المشاركة الشاملة للدول الأفريقية، وليس أعضاء الاتحاد الأفريقي، وهو يستند إلى قرار قمة الاتحاد الأفريقي رقم 762، الذي يوضح أن إطار عمل تيكاد ليس مفتوحا في وجه جميع أعضاء الاتحاد الأفريقي، وأن صيغة المشاركة مؤطرة بنفس القرار ومن خلال ترتيبات مع الشريك، مضيفا أنه حتى قرار المجلس التنفيذي الصادر في يوليو 2022 بلوزاكا اكتفى بـ “تشجيع المشاركة الشاملة” مع اشتراطه “الامتثال لقرارات الاتحاد الأفريقي ذات الصلة”، وهي في هذه الحالة القرار 762.

وفقا لما سبق، يبدو أن دعوة تونس الجبهة الانفصالية للحضور في تيكاد 8 هو قرار انفرادي اتخذه الرئيس قيس سعيد تجاوبا مع الرغبة الجزائرية التي طالما استهدفت دفع حكام قرطاج لاختيار واعتماد موقف متماثل مع الموقف الجزائري بالنسبة لقضية الصحراء المغربية، وقد بدأ هذا الاستفزاز التونسي من خلال امتناع تونس عن التصويت لصالح قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2602 الصادر سنة 2021 بشأن تمديد عمل بعثة “المينورسو” لمدة سنة إضافية، الأمر الذي يؤكد على التقارب السياسي بين “قصر المرادية وقصر قرطاج ورضوخ تونس لإملاءات النظام الجزائري.

شرعت تونس في استبدال سياسة الحياد التقليدي في ملف الصحراء المغربية بنوع من التقارب السياسي مع الجزائر، وهي المرة الأولى في التاريخ السياسي التونسي خلال العقود الماضية، الأمر الذي رده البعض إلى المباحثات الأمنية والاقتصادية التي جمعت بين الطرفين في الفترة الأخيرة.

إن تبادل الادعاءات وتصعيد المواقف الدبلوماسية بين المغرب وتونس، يجعل من احتمال قطيعة دبلوماسية أمرا ممكنا أو على الأقل استمرار الوضع القائم، نظرا لاختلاف وجهات النظر بين البلدين وتعنت الرئاسة التونسية وإصرارها على التضحية بدولة شريكة وصديقة كالمغرب لإرضاء الطرح الجزائري والاصطفاف مع الجزائر ضدا عن مصالح المغرب الإستراتيجية، وهو ما اعتبر سقطة تاريخية للرئيس التونسي قيس سعيد، الفاقد للشرعية، خاصة أن العاهل المغربي في خطابه الأخير بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب أشار بوضوح أن قضية الصحراء المغربية هي النظارة التي ينظر بها المغرب للعالم ويقيس بها مدى جدية الشراكة مع الدول الصديقة.

أولا: أسباب ودواعي تغيير موقف قرطاج

شهدت الفترة الأخيرة تقاربا تونسيا-جزائريا ملحوظا جسده حضور قيس سعيد في حفل الاستعراضات العسكرية بالجزائر، وتوقيعه اتفاقيات مشتركة مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعرفها “دولة قرطاج”. وفي المقابل، هيمن “الصمت السياسي” على العلاقات المغربيةـالتونسية، لكنه صمت مقصود وممنهج يعكس “الجمود الدبلوماسي” بين الرباط وتونس في السنوات الأخيرة.

إن استقبال زعيم البوليساريو في تونس يأتي على خلفية التقارب الذي حصل بين الجزائر وتونس مؤخرا، إذ أعادت السلطات التونسية والجزائرية فتح الحدود البرية بينهما منتصف شهر يوليو 2022، بعد إغلاقها أكثر من عامين بسبب انتشار وباء كوفيد-19، وبدأ عبور المسافرين من الجهتين بوتيرة عادية.

وتمسّكت تونس بموقف الحياد من نزاع الصحراء المغربية منذ حصولها على الاستقلال، لكنها أصبحت تحشر نفسها في هذا الملف المعقد في ظل توتر العلاقات السياسية بين المغرب والجزائر، وتفقد صفة الدولة التي تحافظ على التوازن بين المغرب والجزائر أو بالأحرى صفة الوسيط النزيه والمحايد، لا سيما أنها تحتاج إلى جهود كلا الطرفين لتحقيق الأمن الداخلي والإقلاع الاقتصادي والتنموي وخسارة أي طرف هي خسارة لتونس ولكل المنطقة المغاربية.

ولطالما سعت الجزائر إلى جرّ تونس للاصطفاف ضد المغرب في العديد من المواقف الدولية، لكن الرئاسة التونسية تشبثت بنواياها الإيجابية من قضية الصحراء، بدعوتها مرارا وتكرارا إلى إحياء التكتل المغاربي المجهض.

إذن ما هي دواعي تغيير الموقف التونسي اليوم رغم التأكيد على الحياد بخصوص قضية الصحراء المغربية؟ إن استقبال ممثل مليشيا البوليساريو الانفصالية كرئيس دولة، هو بمثابة اعتراف تونسي صريح بجبهة البوليساريو مع الإشارة إلى الجمهورية الصحراوية الديمقراطية بالاسم، وهو ما يقطع الشك باليقين أن تونس اختارت التحالف والتضامن مع الجزائر في هذا النزاع المفتعل، وخاصة بعدما شهد التقارب الجزائري-التونسي توقيع العديد من اتفاقيات التعاون وتنسيق المواقف بخصوص إغلاق وفتح الحدود المشتركة والاستفادة من الدعم الجزائري من إمدادات الغاز، واتخاذ مواقف متقاربة بشأن أزمات إقليمية ودولية كالأزمة الليبية واستلام تونس مساعدات وقروض جزائرية سخية، دفعت بقيس سعيد إلى ارتكاب خطأ إستراتيجي بإخراج تونس عن سياق الحياد الإيجابي وتغيير دورها من دولة ذات أدوار ووظائف إستراتيجية في المنطقة المغاربية إلى مجرد حديقة خلفية للنظام الجزائري.

ثانيا: قيس سعيد وأزمة الشرعية

لقد انعكست أزمة الشرعية للنظام التونسي قبل وبعد إجراء الاستفتاء الدستوري على مجمل القرارات الاستثنائية المتوالية خلال سنة 2021 التي اتخذها قيس سعيد والتي أعفى من خلالها رئيس الحكومة وعطل عمل البرلمان مما أفسح المجال لاعتقال عدد من المسؤولين والبرلمانيين وأعضاء المحكمة الدستورية. هذه القرارات خلفت وراءها سجالا قانونيا حول شرعية ومشروعية قرارات الرئيس على ضوء الفصل 80 من الدستور السابق وهل تدخل ضمن صلاحياته الرئاسية أم هي مجرد انقلاب على المقتضيات الدستورية.

 هذه التفسيرات العشوائية للدستور والميل نحو دعم الصلاحيات الرئاسية من قبل أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد، قسمت التونسيين إلى العديد من الأطياف والنخب السياسية غير متفقة على مدى رصانة وعقلانية صناعة القرار الخارجي في تونس، حيث أن قطاع عريض من الشعب التونسي يعتبر أن اختيارات السياسة الخارجية التونسية تأثرت بشكل كبير بمأزق الشرعية وعدم إجماع الشعب التونسي على مجمل القرارات التي تتخذها الرئاسة التونسية على كافة المستويات والأصعدة.

من خلال الاعتراف واستقبال زعيم البوليساريو يكون قيس سعيد قد ارتكب خرقا سافرا للفصل السابع من الدستور التونسي الذي يعتبر “أن الجمهورية التونسية جزء من المغرب العربي الكبير تعمل على تحقيق وحدته في نطاق المصلحة المشتركة”. على هذا الأساس فإن قيس سعيد يكون قد جانب الصواب في اختياراته الخارجية وأغلق قوس حلم اتحاد المغرب العربي الكبير، وهو الذي كان قد دعا خلال ندوة صحفية أجراها عقب وصوله إلى العاصمة الليبية طرابلس في 2021، إلى إحياء نشاط اتحاد المغرب العربي، الذي يضم المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا. وقال في هذا السياق “سنعمل معا على أن يعود اتحاد المغرب العربي لسالف نشاطه باجتماع جديد للدول المكونة له على مستوى وزراء الخارجية، وعلى مستوى القمة”. الأمر الذي يشير إلى احتمالية عقد لقاء يجمع وزراء خارجية بلدان المغرب العربي، بهدف دراسة إمكانية إحياء الاتحاد. إن الاصطفاف جنب الجزائر ضدا في المغرب يدق أخر مسمار في نعش الاتحاد المغاربي ويقبر معه طموحات وأمال الشعوب المغاربية في إنعاش وإحياء هذا التكتل الإقليمي.

إن التوجه نحو الحكم الفردي وديكتاتورية الاختيارات وتفضيل المصالح الاقتصادية على رغبة وإرادة الشعوب، يكشف حقيقة الارتباك والتهور الذي يميز قرارات الرئاسة التونسية في الوقت الحالي وخاصة على مستوى السياسة الخارجية، حيث يبدو أن الاستجابة للضغط الجزائري يدفع قيس سعيد إلى تبني قرارات غير شعبية وكذلك قرارات خاطئة في الداخل التونسي، مما دفع واشنطن إلى التلميح بعد الانقلاب الدستوري، إلى أن “العودة إلى الممارسات الديمقراطية” أمر حيوي وضروري، لكن هذه الدعوات لم تلق أذانا صاغية، مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى تخفيض التعاون العسكري والمساعدات الأميركية. كما دعا الممثل الأعلى للشؤون الخارجية الأوروبية تونس إلى العودة إلى النظام وإنهاء حالة الفوضى والحكم المطلق الذي يميز فترة حكم الرئيس قيس سعيد.

ثالثا: معادلة الربح والخسارة

بغض النظر عن سياسة التحالفات التي تعصف بالمنطقة العربية والنزاعات والأزمات التي تخيم بظلالها على شعوب المنطقة، ومليارات الدولارات التي تضيع على المنطقة المغاربية من جراء تجميد هياكل اتحاد المغرب العربي وضياع فرص التنمية، يبدو أن زيادة الانقسام والتصعيد الدبلوماسي والحديث عن قطيعة دبلوماسية بين المغرب وتونس أصبحت أمراً ممكناً بعد تقديم الخارجية التونسية لتبريرات وتعليلات لا يقبلها الطرف المغربي، وبعد أن أقدمت على استضافة كيان غير معترف به دوليا في منتدى يجمع بعض الدول الأفريقية واليابان.

وقد تتحقق القطيعة الدبلوماسية الثانية بعد إقدام الجزائر على قطع العلاقات مع المغرب في تصرف انفرادي وبمبررات غير مفهومة أيضا. والحصيلة من الناحية الجيوسياسية والإستراتيجية، هي منطقة إقليمية فرعية مقسمة ومشتتة الأوصال وخاضعة لاستقطابات عدة ويتحكم فيها منطق التحالفات وخاصة الدور الفرنسي في استمرار الصراع المغربي الجزائري على قضية الصحراء المغربية والتقارب الذي عرفته العلاقات الفرنسية الجزائرية في الآونة الأخيرة مقابل الجمود الذي تشهده العلاقات المغربية الفرنسية، وعدم رضا قصر الإليزيه على استقلالية القرار المغربي ونهج المغرب لسياسات مستقلة في إطار البحث عن شراكات وتحالفات قوية مع الدول الغربية والعربية كدول مجلس التعاون الخليجي والدول الأفريقية.

إن إقحام تونس نفسها في دائرة النزاع المغربي الجزائري هو سقطة تاريخية وغير مسبوقة سوف تفقد تونس صفة الدولة الديمقراطية التي شهدت ولادة الربيع العربي وثورة الياسمين، والشعب التونسي المناضل والذي طالما كافح من أجل الديمقراطية والحرية، لا يستحق أن يقع تحت تأثير التدبير الديماغوجي للرئيس قيس سعيد الذي أعاد عقارب الساعة إلى الوراء في تونس، والأدهى من ذلك بيعه للمواقف التاريخية الثابتة للدولة التونسية العريقة مقابل مساعدات محدودة وظرفية وعلى شكل قروض، وخرقه للدستور التونسي والأعراف الدولية بخصوص تجنب الخوض في الخلافات التي لا تعني تونس بشكل مباشر والحفاظ على وضع الحياد الإيجابي الذي شهده تاريخ العلاقات المغربية التونسية.

إن مساعدة الجزائر لتونس لحماية الحدود المشتركة وتقديم جملة من المساعدات للشعب التونسي في فترة كورونا لا يبرر فداحة الاختيارات على مستوى السياسة الخارجية التونسية وخسارة المنطقة المغاربية والمغرب على الخصوص وخاصة أن المنطقة منقسمة بما فيه الكفاية ولا تحتاج إلى المزيد من صب الزيت على النار.

رابعا: إدارة الأزمة وتداعيات التصعيد

في إطار إدارة الأزمة، تطرح العديد من علامات الاستفهام بخصوص دور الدبلوماسية المغربية، علما أنه على مستوى الماكرو دبلوماسي إذا جاز التعبير، فالمجهودات التي بذلت لتقديم وإنجاح الطرح المغربي حول قضية الصحراء المغربية وصفت بالناجحة، حيث حققت الدبلوماسية المغربية الكثير من المكتسبات السياسية وراكمت العديد من الاعترافات بأهمية الطرح المغربي وتمكنت من إقناع العديد من الدول بافتتاح قنصلياتها في مدينتي العيون والداخلة.

بالمقابل كان يجب التحرك مسبقا قبل اندلاع الأزمة لتكوين مدركات ذهنية جديدة حول سلوك السياسة الخارجية التونسية، من خلال إنجاز تقارير استخباراتية ودبلوماسية تندر بخطورة هذا التقارب على المصالح المغربية إذ أن دور السفير المغربي في تونس هو استمزاج الآراء ومحاولة التقارب مع دوائر النخب السياسية التونسية وشرح قضية الصحراء للرأي العام التونسي والتأثير على دوائر صناعة القرار، إذ أن هذا الإجراء كان ممكنا بعد أن اجتمعت العديد من المؤشرات على وجود هذا التقارب التونسي-الجزائري المعادي للمصالح المغربية.

هذه المؤشرات كانت واضحة وكان يجب التنبيه إليها والعمل على كسب العديد من الجوانب المؤثرة في السياسة التونسية ومحاولة ثني الرئاسة التونسية عن كل سلوك قد تكون له عواقب غير محمودة، وتنبيه السفير المغربي للنظام التونسي أن هذا التقارب التونسي الجزائري لا يخدم مصالح المنطقة المغاربية.

من جهة أخرى، قد لا يكون للمساعي الدبلوماسية ولدور السفارة المغربية أي تأثير على توجهات السياسة الخارجية التونسية أولا: إذا كان مجال المناورة ضيقا، في حال أن التوجهات والتعليمات الكبرى الحاسمة تأتي من الرباط ) المجال المحفوظ( ولا يكون للسفير في هذه الحالة القدرة على التدخل حتى لا ينشب أي خلاف دبلوماسي وحتى لا تعتبره الدولة المستقبلة شخص غير مرغوب فيه. ثانيا: حين يتعلق الأمر بنظام سياسي مغلق واستبدادي على غرار ما يريد ترسيخه قيس سعيد في تونس الخضراء، حيث يكون الشعب والمجتمع المدني والأحزاب والنقابات وغيرها من الهيئات غير الحكومية والرأي العام في عزلة تامة عما يحاك من سياسات وإستراتيجيات وطنية ودولية، وبالتالي فأي تحرك دبلوماسي من قبل الهيئة الدبلوماسية لدولة الإرسال لن يكون له أي تأثير ويقتصر دور السفارة على الاستعلام والإخبار لا غير.

قد تكون دور الدبلوماسية في إدارة الأزمة في مأزق حقيقي بعد اختلاف توجهات الطرفين، واتخاذ مواقف متناقضة وتشبت كل طرف بمواقفه، وبالتالي تنتقل الأزمة من مستوى منخفض إلى مستوى أعلى من خلال مجموعة من التدابير، ابتداء بسحب السفير المغربي والانسحاب من قمة “تيكاد 8″، خاصة أن الجميع يعلم أن قضية الصحراء، كما قال الملك محد السادس قد تحولت إلى نظارة ينظر بها المغرب إلى العالم، حيث أنه غير مسموح لبلد جار كتونس تربطه بالمغرب علاقات تاريخية قوية، أن يتخذ موقفا عدائيا ضد قضية الوحدة الترابية المغربية.

وضحت العديد من مواقف الدول المشاركة في قمة تيكاد 8 أسفها من عدم حضور المغرب لأشغال القمة، باعتباره دولة مؤسسة للاتحاد الأفريقي وفاعلة على المستوى الإقليمي والدولي، وعن رفضها السلوك التونسي باستدعاء جبهة البوليساريو الانفصالية. وقد فندت الخارجية اليابانية الادعاءات التونسية، وقال وزير الخارجية الياباني في مداخلته في المنتدى بأن “تواجد أي كيان داخل هذه القاعة والذي لا تعترف به اليابان كدولة، لا يغير من موقف اليابان من هذا الكيان”. كما عبر الرئيس السنغالي خلال الجلسة الافتتاحية عن أسفه من غياب المغرب العضو المؤسس للاتحاد الأفريقي وذلك على ضوء عدم احترام القواعد والبروتوكولات والمساطر المتعلقة بالمشاركة في القمة، وذلك بوجود أخطاء تنظيمية ترتبط بمشاكل في التمثيل واستدعاء كيان وهمي لحضور منتدى للتعاون الأفريقي الياباني.

وعطفا على الموقف السنغالي، فقد ذهب موقف دولة غينيا بيساو إلى أبعد من ذلك من خلال انسحاب رئيسها عمر سيسكو إيمبالو من قمة “تيكاد 8” في تونس، اعتراضا واحتجاجا على حضور إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية. ويشكل هذا الانسحاب ضربة قوية للدولة المنظمة تونس باعتبار رئيس غينيا بيساو هو الرئيس الحالي للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس”. هذا الحدث أدى أيضا إلى تخفيض العديد من الدول الأفريقية مستوى تمثيليتها المشاركة في القمة اعتراضا على حضور مليشيا البوليساريو الانفصالية.

ردود الأفعال المختلفة الرسمية وغير الرسمية، تُظهر بجلاء مكانة المغرب وعمقه الأفريقي ومتانة شراكاته مع دول صديقة كاليابان، والتي يتضح من خلالها أيضا دعم غالبية الدول سواء الأفريقية أو خارج القارة السمراء لمبادرة الحكم الذاتي التي طرحها المغرب والتي تعتبر الطريق الوحيد لإيجاد حل مستدام لقضية الصحراء المغربية.

خامسا: سيناريوهات محتملة للأزمة

نتيجة للعوامل الرئيسة التي وسمت توتر العلاقات بين المغرب وتونس في ظل حقبة قيس سعيد، فإن واقع هذه الأزمة الدبلوماسية وأبعادها الخطيرة، يرسم ثلاثة سيناريوهات أساسية محتملة لشكل هذه العلاقات:

1ـ سيناريو تحسين العلاقات بين البلدين:

هذا السيناريو يعتبر من السيناريوهات الصعب تحقيقها خصوصا في ظل الوضعية الراهنة والتي تشهد هزة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات المغربية-التونسية، ولكن يبقى من السيناريوهات الممكنة في حالة تراجع السلوك العدائي لنظام قيس سعيد والذي ظهر منذ فترة بشكل واضح -بعد انقلابه على الشرعية الدستورية في يوليو 2021 وتصاعده خلال زيارة الرئيس الجزائري إلى تونس في ديسمبر 2021 -والذي اختار فيه الاصطفاف وراء النظام الجزائري والخضوع له في مقابل مجموعة من الإغراءات والضمانات الاقتصادية والمالية، بدلاً من الاصطفاف وراء الحياد البناء والعمل من أجل تحسين العلاقات بين دول الجوار أي الدول المغاربية والسعي نحو حل أزمات المنطقة بدلا من تعميقها.

لذلك فإن هذا السيناريو رهين باحترام النظام التونسي لمجموعة من المبادئ ومن أهمها احترام الأسس التي تقوم عليها العلاقات الدبلوماسية، ومبادئ حسن الجوار في إطار المغرب العربي الكبير وعدم خلق تحالفات هدفها الأساسي معاداة المغرب في قضية وحدته الترابية، بحيث تعتبر قضية الصحراء المغربية قضية مفصلية ومتغير مستقل بالمعنى النسقي، حيث أنه غير مسموح لأي دولة أو أي جهة أن تقايض أو تساوم المغرب بشأنها، وبالتالي فإن نظرة المغرب المستقبلية في إطار علاقاته الخارجية ستتحدد وسيعاد تقييمها انطلاقا من مواقف هذه الأطراف من ملف الصحراء المغربية.

2ـ سيناريو استمرار توتر العلاقات في ظل الوضع القائم:

هو السيناريو الحالي والذي يمكن له أن يمتد لفترة ليست بالقصيرة في ظل السياسة التي ينتهجها نظام قيس سعيد، والتي تتسم بالسلوك المتهور واللاعقلاني تجاه المغرب الذي وصل إلى حد السماح باستقبال زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية على الأراضي التونسية، وهي خطوة مقصود ة وخطيرة من طرف الرئاسة التونسية في محاولة منها إلى إظهار ولائها العلني للنظام الجزائري وقبولها لسياسة الإملاءات أو الوصاية من خلال موافقتها على طلب دعوة إبراهيم غالي إلى قمة تيكاد بل الأبعد من ذلك استقباله استقبالا رسميا من طرف قيس سعيد ومعاملته معاملة الرؤساء وكبار المسؤولين، وهو ما يعصف بثوابت الموقف التونسي التاريخي إزاء قضية الصحراء الذي اتسم بالحياد البناء والدعوة إلى الوحدة المغاربية.

 وبالتالي فهذا التحول في الموقف التونسي يحمل دلالة واضحة على دعم النظام التونسي الحالي لميليشيا انفصالية، وهو ما يعتبر دعوة إلى التجزئة بدلا من الوحدة وهو ما يشكل تهديدا خطيرا ليس على مصالح المغرب القومية بل تهديدا أمنيا على المنطقة برمتها قد يضاعف من المخاطر والتهديدات الأمنية التي تعاني منها المنطقة.

3ـ سيناريو تعليق أو تجميد العلاقات الدبلوماسية:

يبقى هذا السيناريو مرهوناً باستمرار النظام التونسي في تجاوزاته ضد المغرب ووحدته الترابية. والذي يعتبرها المغرب مساسا بأمنه واستقراره، وذلك من خلال الإعلان صراحة أو بشكل ضمني دعمه السياسي لجبهة ” البوليساريو”، والسير قدما في هذا الجانب، فتجميد العلاقات أو قطعها سياسة نهجها المغرب فيما يخص قضية الصحراء المغربية مع عدة دول تمادت في التعدي على السيادة المغربية. ومن أبرز هذه الأمثلة قطع العلاقات مع فنزويلا في 2009 وإيران في 2018، وذلك إثر ثبوت أدلة على دعم هذه الدول لهذا الكيان.

لذلك فاستدعاء سفير المغرب لدى تونس للتشاور، والانسحاب من قمة تيكاد احتجاجا على استقبال زعيم جبهة البوليساريو، ما هو إلا رسالة بمثابة إنذار وجهته الدبلوماسية المغربية للرئاسة التونسية، مفادها أنه في حال تمادي الاعتداءات المتكررة التي يمكن أن تشكل مخططاً تحريضياً على المغرب وثوابته الراسخة، ويمكن لهذا الأمر أن يعصف بالعلاقات المغربية والتونسية وأن يصل بها الأمر إلى حد تعليقها أو تجميدها أو حتى قطعها إذا اقتضى الأمر ذلك.

خاتمة

في ضل التداعيات العالمية وتأثير الحرب الروسية الأوكرانية على العالم أجمع ومنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط على وجه الخصوص، تواصل الدول المغاربية مسلسل الأزمات الدبلوماسية مع بعضها البعض مع استمرار المآزق والهشاشة الأمنية في المنطقة برمتها. وعدم إخضاع العلاقات العربية البينية لمنطق التضامن وتقليل فرص الصراع والنزاعات، يساهم في استمرار التحالفات المؤقتة والتقاطبات الدولية، حتى غدت المنطقة مقسمة بين القوى الكبرى التي تسعى إلى ضمان موطأ قدم لها في القارة السمراء.

إن الأزمة الدبلوماسية بين المملكة المغربية والجمهورية التونسية، هي سابقة خطيرة بين البلدين اللذين تجمعهما العديد من السمات المشتركة والمصير المشترك، حيث إن معاداة المغرب وتغيير الموقف التونسي من قضية الصحراء المغربية، يعتبر متغيرا محوريا وتحولا غير مدروس في العقيدة الدبلوماسية التونسية التي التزمت الحياد بين البلدين الجارين المغرب والجزائر، كما يكشف عن ضعف المؤسسات الدستورية في تونس وتوجهها نحو الاستبداد داخليا، ونحو الوصاية الجزائرية خارجياً[1].


[1] الآراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات.