استقبل رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، أمس، سفير الجزائر بفرنسا، محمد عنتر داود، وأوضح بيان للرئاسة أن داود سيعود لمواصلة أداء مهامه بباريس ابتداء من اليوم الخميس.

قرار الرئيس تبون بعودة السفير داود إلى باريس واستئناف مهامه هناك، يأتي بعد تبادل الطرفين رسائل سياسية آخرها ما صرح به المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا الداعي إلى الإبقاء على باب الحوار والتواصل بين البلدين قائما من أجل تذليل الصعاب أمام التوصل إلى توافق في النظرة حول ملفات الخلاف بينهما وعلى رأسها ملف الذاكرة الشائك.

وبالكاد مرت أيام قليلة، حتى أطل مدير عام المركز الوطني للأرشيف ومستشار الرئيس تبون لقضايا التاريخ والذاكرة، عبد المجيد شيخي، معقبا على دعوة ستورا بالقول إن باب الحوار من جانب الجزائر كان وسيبقى على الدوام مفتوحا على نقاش مثمر وبنّاء يفضي إلى نتائج ملموسة في ما يخص بالذاكرة التي توليها الجزائر أهمية قصوى.

عودة داود إلى باريس تأتي لتجسد رغبة الطرفين في مواصلة العمل المشترك في مسائل عديدة، ثنائية وإقليمية، خاصة وأن فرنسا تستعد لإجراء الانتخابات الرئاسية المقررة في أفريل المقبل، ومن المنتظر أن يترشح فيها الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، ومنافسوه في التيارين اليميني واليساري، وهو ما يفتح المجال أمام سيناريوهات تستدعي تواجد رئيس البعثة الدبلوماسية في مقر عمله ومتابعة مجريات الأحداث هناك عن قرب.

رأي آخر يمكن أن يفسر هذه العودة المنتظرة منذ فترة من طرف الجانب الفرنسي، بزيارة وزير الخارجية جان إيف لودريان الأخيرة ولقائه مع الرئيس تبون، وقف باريس حملاتها الإعلامية ضد الجزائر، تحسبا لإعطاء فرصة لإيجاد مصادر دفع نحو ضخ نفس جديد في العلاقات الفاترة منذ انتخاب الرئيس تبون في 12 ديسمبر 2019، وأيضا رغم صعوبة الاقتناع بسرعة حدوث ذلك في المستقبل المنظور، نظرا لصعوبة بناء جسور ثقة جديدة، بعد الزلزال الذي تعرضت له العلاقات بين العاصمتين، جراء تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون ضد الجزائر وقيادتها السياسية والعسكرية، وهو ما فسره قصر المرادية بالتدخل المرفوض في الشؤون الداخلية وتشويه للتاريخ وتأكيد للرأي العام الجزائري والدولي بالنظرة الاستعلائية التي تتعاطى بها فرنسا مع الدول الإفريقية وخاصة مستعمراتها السابقة، من أجل تكريس منطق النفوذ.

واستدعت الجزائر سفيرها محمد عنتر داود، في الثاني من أكتوبر الماضي “للتشاور”، مؤكدة أن القرار جاء ليجدد رفضها “أي تدخل في شؤونها الداخلية”، وعلى خلفية “تصريحات منسوبة” إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تاريخ الأمة الجزائرية، تناقلتها وسائل إعلام فرنسية ودولية بشكل كبير عن مقال نشرته صحيفة “لوموند”.

وتحدث ماكرون الذي دشن بصفة مسبقة حملته لرئاسيات الربيع القادم، عن “تاريخ رسمي” للجزائر “أعيدت كتابته بالكامل” وفق قوله، و”لا يستند إلى حقائق” بل على “خطاب يرتكز على كراهية فرنسا”.

كما اعتبر أن الجزائر أنشأت بعد استقلالها عام 1962 “ريعا للذاكرة” كرسه “النظام السياسي – العسكري”، مضيفا “نرى أن النظام الجزائري منهك، والحراك الاحتجاجي في عام 2019 أنهكه”.

كلام الرئيس الفرنسي جاء قبيل احتفالات الجزائر بعيد ثورة التحرير المجيدة في الفاتح نوفمبر، واختار لتمرير رسائله استضافة مجموعة من الشباب الفرنسيين من أبناء المهاجرين والحركى والأقدام السوداء، محاولا زرع الشك في العلاقة بين مؤسسة رئاسة الجمهورية ومؤسسة الجيش الوطني الشعبي، بالقول إنه “يجري حوارا جيدا مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.. وأرى أنه عالق في نظام شديد التصلب”، فضلا عن تساؤله لدى تطرقه إلى قضايا الذاكرة بين البلدين: “هل كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟ هذا هو السؤال”، مشيرا إلى وجود “عمليات استعمار سابقة”. وتابع بنبرة ساخرة أنه “مفتون برؤية قدرة تركيا على جعل الناس ينسون تماما الدور الذي لعبته في الجزائر والهيمنة التي مارستها”، في إشارة إلى الإمبراطورية العثمانية.

وقبل ذلك، انتقدت الخارجية الجزائرية قرار باريس تقليص عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين، واستدعت السفير الفرنسي فرانسوا غويات لتبليغه الاحتجاج الرسمي على القرار الفرنسي الذي يمس بنوعية وسلاسة تنقل الرعايا الجزائريين باتجاه فرنسا، والذي صدر على خلفية مزاعم حول رفض الجزائر إصدار التصاريح القنصلية اللازمة لعودة المهاجرين المرحلين من فرنسا، والتي أعلن وزير الداخلية الفرنسي أنها تشمل آلاف المهاجري، بينما الجزائر تصرّ على أن العدد لا يتجاوز مائة شخص، ويكون الرئيس ماكرون قد أبلغ الرئيس تبون بارتكاب وزير الداخلية دارمانان خطأ ووعد بتصحيحه.

ومن الملفات التي تستمر في تعكير العلاقات مواقف باريس المعيقة لاستفتاء تقرير المصير في الصحراء الغربية، بالإضافة إلى مسألة الغاز الطبيعي، وإيواء ودعم رموز وأتباع تنظيم “الماك” الإرهابي في فرنسا وخارجها والترخيص لهم بالتجمهر رغم منع القانون الفرنسي لذلك، ناهيك عن الأزمات في كل من ليبيا ومالي، حيث تعمل فرنسا وحلفاؤها الأوروبيون وأطراف إقليمية على عرقلة كل مسار يؤدي إلى اعتماد الليبيين حلولا وطنية تفضي إلى إنهاء الأزمة وبناء مؤسسات وقيادات جديدة ينتخبها الشعب الليبي.