لم تكن الأساطير أداة للتسلية او لأخذ العبرة كما روج رواة التراث ،بل هي تحايل عقلي لتحقيق ما نعجز عن تحقيقه في الواقع، فالعجز عن اشباع شهواتنا نداريه في خزائن كل الرغبات المقموعة في اللاوعي ، فيتم التحقيق من خلال “توهمات وهواجس” تتحقق فيها رغباتنا عبر التماهي مع بطل أو صنع رمز مختلق او رسوم او روايات او غناء او طرائف او اكاذيب او هندسات للزي او المعمار..الخ،..وهو ما يستوجب منا النبش في هذه الخزائن مزودين “بخبث علمي” زودنا بادواته علماء النفس بقيادة فرويد ويونغ ولاكان…الخ.
فمثلا لماذا اخترع العقل الأسطوري فكرة الغول؟؟أو العنقاء..؟ او مصباح علاء الدين او ما شابهها من اساطير عند الافراد والجماعات ، اليس هو نفس السبب الذي يدفع الطلاب لكتابة أشعار الحب أو رسم القلوب على مقاعد الدراسة..وما الفرق بين هذه وخرابيش الانسان الاول على جدران كهوفه القديمة…الخ.
نماذج لا حصر لها من الأساطير عند كل الشعوب ،فكيف حللها العلماء من ميادين الأنثروبولجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع؟
يرى العالم ” جيزا روهيم” أن النزعة الجنسية هي تعبير عن القاعدة التي تأسست عليها بطريقة لاواعية الأبعاد الروحانية،فمثلا ما هي العلاقة بين النطفة(الحيوان المنوي)(sperm) والروح؟ وبعد تحليله لعدد من الأساطير القديمة في شعوب مختلفة اكتشف العلاقة بين الجانبين على النحو التالي: ترى الأساطير أن العضو الذكري مهدد في حالة الانتصاب و التزاوج بالانفصال عن الجسد والذي يتمثل في العقدة التي أجمع عليها كل علماء النفس(فرويد وويونغ وإدلر وماسلو ولاسويل…الخ) وهي عقدة الخوف من “الخصي”..وهي عقدة غائرة في اللاوعي(أي في العقل الباطن)، وتسلل هذا المعتقد إلى لاوعي الافراد بطرق في غاية التعقيد ، فمثلا وجد علماء النفس أن أفراد قبيلة ال “ماوريس” يعتبروا أن النشوة الجنسية عبارة عن ضياع للروح و خصوصاً عند قذف النطاف لدى الذكورالى الخارج، أي أن الروح عبارة عن شكل آخر للحياة المتمثلة بالنطاف الذكوري، أما الموت فهو يتمثل في العضو التناسلي الأنثوي(القبر الذي تدفن فيه الروح)، ونفس الفكرة نجدها في أسطورة “موي” الذي يرمز للحياة عند التقائه مع ” هيني-نوي- التي تتسبب في موته بعد تزاوجهما ،لذلك فإن أفراد القبيلة كانوا يرددون أقوالا تحمي الروح، ولكن مفردات هذه الأقوال تنصب على العضو الذكري وحمايته من الموت عند التزاوج ، فلماذا نطابق جوهر الاسطورتين عند شعبين مختلفين؟
كذلك فإن الأرض تأخذ صيغة المؤنث في كل أساطير العالم ،فالأرض أنثى في كل اللغات والثقافات، ففي أسطورة أخرى نجد الأرض تقول لأحد أشخاص الأسطورة وهو “رانجي” “عند الموت ستعودون جميعا عندي” ، وعند العرب نقول ” منها وإليها”..وعند اليونان “تخرجون من الأرحام وتعودون لرحمي” وعند الهنود “تهبطون من فروج أمهاتكم فيتلقفكم فرجي” وفي إفريقيا تقول أسطورة اليوربا” أنا الذي أعانقكم في حضني للأبد” وفي بلاد المايا في أمريكا اللاتينية يتساءل أحد أشخاص أسطورة الجوف بالقول” أخبرني يا نورس ما الفرق بين رحم أمك ورحمي كلاهما مظلم وهادئ” ، والسؤال لماذا توافقت كل هذه الشعوب على هذه الصورة بدون توافق مسبق أو ترابط فيما بينها؟
فالأرض تعبر عن فناء الجسد، بينما السماء أو الطبقات العليا ترمز إلى الذكورة كما هو الحال عند الإغريق، ففي الاسطورة اليونانية نجد “اورانوس” هو الغلاف الجوي الذي يحيط “غايا” الهة الارض ، كما يظهر ذلك عند الصينين في “اليانغ و الين”.
ونجد الشيء نفسه مع رمز الجنة و النار ،فلدى قبائل “الكارينز”، يطلب من المرء عبور جسر رمحي ما بين الارض و السماء للوصول إلى الجنة لا يجتازه الا بعض الرجال القادرين على المرور،أما الذين يستصعب عليهم اجتيازه يتساقطون منه ليتحولوا إلى نساء على الارض،(أي أن النساء عند هذه القبيلة عبارة عن رجال مذنبين تم عقابهم بواسطة الخصي أي حرمانهم من عضوهم الذكوري)، بينما الأمر عند زرادشت يختلف بعض الشيء فهو “صراط مستقيم أحد من السيف وأدق من الشعرة لكنه مرتبط بالعمل وليس بالجنس”، فكيف جاء هذا التوافق في رسم الصورة؟
ولأن الشعوب لم تكن تعرف في الزمن القديم كيف تتم عملية الإنجاب،كانوا يخافون على ضياع نطفهم،فنسجوا أساطيرا تربط بين عملية القذف والموت ، والغريب أن قبائل الهنود الحمر لديهم اساطير عن “استرجاع النطاف ” بواسطة تعاويذ سحرية وذلك لضمان بقاء الروح ، و بما أن عملية القذف مترابطة مع تلقي الانثى له، تم ربط العضو التناسلي الانثوي مع مفهوم الموت، و لهذا ربما نجد في معظم الاساطير و الاديان مفهوماً قهرياً للمرأة ليلقى على عاتقها مسؤولية الشر و العذاب واتهامهن “بالكيد العظيم”.
ولا شك أن الخوف من الخصي عند الذكور في الأساطير يعزز ذلك، فمثلا نجد في اسطورة أوزوريس المصرية الفرعونية والتي تتحدث عن بدء الخلق عراك ما بين الاب و أولاده من اجل الإناث ، فقام اوزيريس بخصي اباه، وهذا يذكرنا بعملية قتل الأب البدائي في المرحلة الطوطمية ، عندما تم استبدال الطوطم بالأب لترتفع مرتبته مع الايام إلى الاعلى، طبعاً هذه الجريمة سببت في نشوء عقدة الذنب، و التي نراها في ثقافات و أساطير و اديان عدة، فلماذا توافقت هذه الشعوب المتباعدة على نسج الأسطورة بنفس المضمون؟
أما قضية الحياة ما بعد الموت وكأنها بداية حياة جديدة وبالتالي السعادة الأبدية فهي تعبير عن عجز الإنسان على التوفيق بين الرغبة في البقاء من ناحية وبين قناعته بأنه سيموت، لذلك تم حل المشكلة برواية اسطورة الحياة الأخرى ليطمئن على أنه سيعود، والحقيقة أن الأمر ليس إلا تحايلا معرفيا لتهدئة قلق العقل الباطن وتناقضاته. والتحنيط هو نفس الشيء، لهذا يعتقد أن فكرة التحنيط نفسها قائمة على نفس الفكرة، فقام الإنسان بتعويضها في مكان آخر أي تعويض السعادة الارضية بسعادة واهية ابدية خارجة عن حدود الارض و العقل.
كما نجد عند تعمقنا اكثر في بعض القوانين القديمة الاجتماعية أن اعتقاد الاتسان الطوطمي في وجود كائنات حية وراء بعض الظواهر الطبيعية ما هو إلا محاولة منه للحفاظ على الحياة، فتبادل الأرواح بين الإنسان وطوطمه، على حسب تفسير “فريدزر”، و انتقال الطاقة الحياتية بين الكائنات الحية كانت سبباً من أسباب خلق الإنسان للأبدية.

حقا كما يقول جالتنج ” الإنسان حيوان أسطوري”…وهنا الأهمية القصوى للأسطورة إنها تريحنا نفسيا لكن عقول علمائنا أعادتنا للقلق..وهذه أحد مساوئ المعرفة من الناحية النفسية.